-
أقلام وآراء عربي 99
في هذا الملف:
لعنة القذافي تطارد ساركوزي
رأي القدس العربي
هولاكو الشام وعرض الحرائر
بقلم: عبدالعزيز صباح الفضلي عن الرأي الكويتية
قراءة في كتاب التكليف السامي للحكومة
بقلم: د. محمد طالب عبيدات عن الدستور الاردنية
معهد الدراسات الإيرانية.. متى سيؤسس؟
بقلم: جمال بن حويرب المهيري عن البيان الإماراتية
رئيس لثورة المصريين
بقلم: عاطف الغمري عن الأهرام
أزمة كاشفة للوهن العربي
بقلم:فهمي هويدي عن السفير اللبنانية
أردوغان - أوغلو: ملامح الخطاب النازي
بقلم: د. عبد اللطيف عمران عن جريدة البعث
لعنة القذافي تطارد ساركوزي
رأي القدس العربي
المغرب العربي الاسلامي كان ميدان الانجاز الاكبر لنيكولا ساركوزي رئيس فرنسا وقد يكون في الوقت نفسه ميدان سقوطه بطريقة مدوية في انتخابات الاعادة يوم الاحد المقبل حيث تتراجع حظوظه امام منافسه الاشتراكي فرانسوا هولاند في استطلاعات الرأي.
عندما نقول انجازه الاكبر فاننا نشير الى تزعمه للتدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا الذي اطاح بنظام العقيد معمر القذافي الجاثم على صدر ليبيا والليبيين لاكثر من اربعين عاما متواصلة، فالطائرات الفرنسية هي التي منعت حدوث مجزرة كانت دبابات كتائب القذافي بصدد ارتكابها في مدينة بنغازي لدعم الثورة اثناء بداياتها السلمية.
الانجازات العسكرية تتبخر بسرعة امام المصاعب والازمات السياسية، فالرئيس الامريكي جورج بوش الاب الذي اخرج قوات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من الكويت عام 1991 خسر انتخابات الرئاسة بعدها باشهر، ولم ينجح بالفوز في ولاية رئاسية ثانية امام خصمه الديمقراطي بيل كلينتون، ولن يكون مستبعدا ان يواجه ساركوزي المصير نفسه خلال الايام المقبلة، اي خسارة الانتخابات الرئاسية.
عقبتان اساسيتان تقفان في طريق فوز ساركوزي، ومن المفارقة ان لهما علاقة مباشرة بشمال افريقيا:
' الاولى: ما نشره احد المواقع الالكترونية المحترمة في فرنسا من وثيقة تقول ان العقيد معمر القذافي دعم حملة ساركوزي الرئاسية الانتخابية الاولى بحوالي 50 مليون يورو، سلمها له السيد بشير صالح مدير مكتب العقيد القذافي.
' الثانية: شكوى الرئيس ساركوزي مما اعتبرها كثرة زائدة في عدد المهاجرين في بلاده، وادلاؤه بتصريحات تنطوي على شبهة عنصرية عندما قال في مقابلة مع محطة 'بي.اف.ام' الاخبارية 'ان النموذج الذي تعتمده فرنسا لادماج مهاجريها في المجتمع قد فشل، لان مهاجرين آخرين يصلون قبل ان يتم دمج الذين يعيشون على ارضنا بالفعل' وقال قبلها 'ان هناك مهاجرين اكثر من اللازم في فرنسا'.
الرئيس ساركوزي نفى ان يكون القذافي دعم حملته الانتخابية وهدد بمقاضاة الموقع الالكتروني الذي نشر هذه المزاعم، كما نفاها ايضا كل من بشير صالح المتهم بنقل هذه الاموال وموسى كوسا رئيس المخابرات الليبية السابق الذي وقع الوثيقة لكن الموقع الالكتروني يتمسك بمزاعمه وسواء كانت هذه المزاعم صحيحة ام لا فان تداعياتها انعكست بشكل سلبي على ساركوزي وحملته الانتخابية، ولن يكون مفاجئا اذا ما كانت ليبيا مصدر صعوده وافوله في آن.
اما تعرض ساركوزي لمسألة المهاجرين الاجانب في فرنسا ومعظمهم من ابناء الاتحاد المغاربي (هناك اربعة ملايين من اصل جزائري فقط) فانه يعكس محاولة يائسة لكسب اصوات اليمين الفرنسي المتشدد وبالذات انصار الجبهة الوطنية العنصرية بزعامة مارين لوبن، ولكن قد تأتي النتائج عكسية تماما، لان زعيمة الجبهة الوطنية لم تنصح انصارها بالتصويت لصالح ساركوزي في مواجهة خصمه الاشتراكي اليساري، مضافا الى ذلك ان الغالبية الساحقة من المهاجرين ستعطي صوتها للمرشح الاشتراكي الذي وعد بتشريع وجود حوالي ربع مليون مهاجر اجنبي يقيمون حاليا في البلاد بصورة غير قانونية ووعد بايجاد فرص عمل لسكان الضواحي من الفقراء.
الرئيس الفرنسي في وضع صعب للغاية ولعنة القذافي تطارده وتنغص عليه عيشته وقد تحرمه من الفوز في الانتخابات الرئاسية في جولتها الثانية.
هولاكو الشام وعرض الحرائر
بقلم: عبدالعزيز صباح الفضلي عن الرأي الكويتية
من المحزن رؤية مناظر الوحشية التي يتعامل بها نظام في الشام مع شعبه، ومن المؤلم أن يستمر هذا البطش على مرأى ومسمع العالم، دون أن يكون هناك تحرك فعلي وسريع من المجتمع الدولي لإيقافه.
مشهد الرجل الذي يتم سحله بالسيارة بعد قتله وهو شبه عار من قبل أزلام النظام السوري، ولقطة دفن الشاب وهو حي وهو يردد يا الله وهم مصرون على أن يقول كلمة الكفر حتى انقطع الصوت، ومنظر قيام جنود البعث وهم ينبشون قبر أحد الشهداء، ويستخرجون جثته، ومشهد العائلة والتي غالبيتها نساء وأطفال قد قتلوا رميا أو نحرا، إنها لمناظر تقشعر لها الأبدان.
لقد استخدم النظام في دمشق كل هذه الأساليب وما هو أبشع منها من أجل أن يوقف الثورة، والسؤال هل بالفعل سيتحقق له ذلك؟
من يقرأ التاريخ يجد أن هناك من استخدم صورا من البطش مثل هذا أو أشد، لكن في النهاية انهزم جيشه وانكسر، حدث الإمام ابن الأثير واصفا حال المسلمين في القرن السابع الهجري فترة الهجمة التترية على بلاد الإسلام فكان من قوله : من الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. وقال : ولعله يجيء من بعدنا إذا بعد العهد ويرى هذه الحوادث مسطورة أن ينكرها ويستبعدها.
ونُقل عن الإمام ابن تيمية في وصف حال المسلمين تلك الفترة بقوله: نزلت فتنة جعلت الحليم حيران، والصاحي منزلة السكران، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مصغرة عن القيامة الكبرى.
وحق للإمامين أن يعبرا بذلك الوصف، فمما ذكرته كتب التاريخ أن التتار لما دخلوا مدينة ( بخارى ) أعطوا أهلها الأمان، ثم اتجهوا إلى قلعة تحصن بها المقاتلون وتمكنوا من دخولها فقتلوا من فيها ثم عادوا إلى المدينة فقتلوا وأفسدوا حتى قال ابن الأثير عن ذلك اليوم: كان يوما عظيما من كثرة بكاء الرجال والنساء والولدين.
ولم يكن نصيب مدينة ( سمرقند ) بأقل من أختها، إذ نصب التتر كمينا لأهلها فأوقعوا في شراكهم قرابة السبعين ألف قتلوا في يوم واحد.
وأما مدينة ( نيسابور ) فقد شهدت منظرا تهتز له المشاعر وتتفطر له القلوب، إذ قاموا بذبح أهلها وقطعوا رؤوسهم وجعلوها ثلاثة اهرامات واحدة من رؤوس الرجال والآخر من النساء والثالث من الأطفال.
وامتد افسادهم إلى أن وصلوا (بغداد )، فقتلوا الخليفة العباسي، وقتلوا من قدروا عليه من الرجال والنساء والأطفال، حتى اختبأ الناس في الآبار وزرائب الأغنام، وقني الأوساخ، وهرب بعضهم إلى السطوح فقتلوهم حتى جرت المرازيم من الدماء في الشوارع.
ووصل حال الذل بالمسلمين أن رجلا من التتار رأى مسلما ولم يكن معه ما يقتله فأمره أن يضع رأسه في الأرض وينتظر حتى أتى التتري بسيفه فقتله به.
كل هذه المشاهد لم تستمر ولم يستقر الأمر للتتار في المنطقة، إذ قام القائد قطز بعد أن وصله نبأ نية هولاكو لغزو مصر، وخرج له بعد أن حض أمراء المسلمين للخروج فكان مما قال ( يا أمراء المسلمين لكم زمان وأنتم تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون وأنا متوجه فمن اختار الجهاد فليصحبني، ومن لم يختر ذلك فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم ( نساء ) المسلمين في رقاب المتأخرين.
ثم قاتل جيش التتار في رمضان في معركة ( عين جالوت ) وحقق الله تعالى له النصر بعد أن ظن بعض المسلمين أن ذلك من المستحيلات، وقُتل نائب هولاكو وقائده في الشام ( كتبغا ) فخر قطز لله شاكرا.
رسالتي
لقد كان من أهم عوامل النصر على جيش التتار مواقف الصدق التي وقفها الأمراء والعلماء، وكان لهم الناس تبعا، واليوم الناس بل الأمة تتطلع لوقفة صادقة من الملوك والأمراء والرؤساء لدعم ثورة الشعب السوري للتخلص من طاغيته، وإن لم يفعلوا فإن انتهاك أعراض الحرائر في رقابهم.
قراءة في كتاب التكليف السامي للحكومة
بقلم: د. محمد طالب عبيدات عن الدستور الاردنية
جاء كتاب التكليف السامي لحكومة دولة الدكتور فايز الطراونة مؤطراً لأهداف ومضامين واضحة المعالم مطلوب انجازها خلال فترة انتقالية ربّما تمتد لأقل من ثلاثة شهور، وتمهّد لإجراء الانتخابات النيابية قبل نهاية هذا العام كما أشار جلالة الملك مراراً وتكراراً. ولقد رتّب كتاب التكليف السامي الأولويات والملفات الوطنية المطلوب انجازها وعلى رأسها استكمال انجاز حزمة التشريعات الناظمة للحياة السياسية والاصلاح السياسي على سبيل الوصول للهدف الأسمى ألا وهو الاستحقاق الدستوري للإنتخابات البرلمانية بشفافية وعدالة ونزاهة لغايات توسيع قاعدة المشاركة الشعبية وخلق مناخ من التعددية والحرية المسؤولة واحترام حرية الكلمة والتعبير عن الرأي.
ولقد تضمّن كتاب التكليف السامي نقاطاً محددة يتطلّب انجازها ضمن فترة زمنية قصيرة لتكون الحكومة مسؤولة عنها، وتشمل هذه النقاط والتي هي بمثابة خطوط عريضة لها لتمشي عليها كالإسراع في تشكيل الهيئة المستقلة للإشراف على الانتخابات وإدارتها، وتعزيز مبدأ الفصل بين السلطات تحقيقاً للدستور وبحيث لا تتغول أي سلطة على الأخرى، وانجاز قانون الانتخابات بالتعاون مع السلطة التشريعية وبحيث يضمن القانون التمثيل العادل للأردنيين كافة على اختلاف توجهاتهم السياسية أو الفكرية، وتحديد موعد الانتخابات البلدية واجراءها، واجراء حوارات معمّقة مع كافة ألوان الطيف السياسي والحزبي والمجتمعي لغايات ضمان أدنى حد من التوافق الوطني على القضايا المصيرية وتحديد أولويات العمل الوطني،وتبني استراتيجية إعلامية وطنية أساسها احترام رسالة الإعلام وحريته والارتقاء بمستواه المهني وبالمقابل ضمان درء اغتيال الشخصيات واثارة الفتن والنعرات، وضمان تلازم الاصلاح السياسي والاقتصادي وبلورة سياسة اقتصادية واضحة للمساهمة في القضاء على الفقر والبطالة وتوفير فرص العمل ومراجعة سياسات العمل والتشغيل، وتمكين المواطنين اقتصادياً، وتعزيز صندوق تنمية المحافظات، والقضاء على الفساد وتجفيف منابعة، والتركيز على ايجاد مصادر جديدة للطاقة للحد من ارتفاع وتفاقم فاتورة الطاقة العالية جداً والتي تشكّل عبئاً ليس بالسهل على الموازنة العامة للدولة، وضمان التعامل الحضاري مع الحراك السلمي والشعبي وفق الدستور، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والدفاع عن قضايا الأمة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتعميق التضامن العربي.
والمفاصل الرئيسة آنفة الذكر تشكّل تحديات كبيرة للحكومة في زمن قياسي، وعلى الحكومة أن تسابق الزمن للإنجاز لأنها لا تمتلك ترف الوقت ولا زمن للتباطؤ أو التلكؤ لأن البوصلة واضحة المعالم والأهداف وما عليها الا المباشرة في وضع استراتيجياتها وسياساتها لغايات وضع البرامج الزمنية القابلة للقياس للوصول لبر الأمان وتحقيق النتائج المرجوة صوب الأهداف.
فالسواد الأعظم من المواطنين يعوّلون على الحكومة لحل مشاكلهم الاقتصادية والمساهمة في تحسين حياتهم اليومية أكثر من القضايا السياسية والتي لا تهم سوى النخب السياسية، فحل مشاكل التضخم والحد منها والمساهمة في ضبط الأسعار وتخفيضها للسلع كافة وقانون حماية المستهلك وتعزيز صندوق تنمية المحافظات ودعمه أهم بكثير أو على الأقل لا يقل أهمية عن اجراء الانتخابات النيابية النزيهة والشفافة.
نتطلع الى الحكومة بعين المتأمّل لتعزز فرص الاستثمار وجلبها وجذبها للوطن بل وتعظيمها لأن في ذلك يتحقق توفير فرص العمل للأردنيين وفيه مساهمة للقضاء على مشكلتي الفقر والبطالة، ولهذا فعلى الحكومة أن تبقي أذرعها ممدودة للشراكة مع القطاع الخاص لضمان العيش الكريم للمواطن الأردني، لتعويض خسائر اقتصادنا الوطني وهجرة الأموال التي تزامنت وهبّات الربيع العربي.
فكتاب التكليف السامي جاء شاملاً ومؤطراً لمفاصل سياسية واقتصادية عديدة ويمثّل خريطة طريق للحكومة للسير عليها للمضي قدماً بمسيرة الدولة الأردنية صوب الاصلاحات المنشودة ومحاكاة لغة العصر، وما على رئيس الحكومة المكلّف الا أن يُضمّن تشكيلة حكومته بأصحاب الكفاءة والمشهود لهم بالعمل العام ومن ألوان الطيف المؤمنة بالإصلاح والعمل الدؤوب والقادرة على الانجاز في الزمن المحدد بعيداً عن سياسات الاسترضاء والمحسوبية، وأن تقوم الحكومة بتفصيل برامجها العملية والواقعية المُعلنة لضمان استعادة ثقة المواطنين بها ولتكون عند حُسن ظن جلالة الملك المعظّم بها.
معهد الدراسات الإيرانية.. متى سيؤسس؟
بقلم: جمال بن حويرب المهيري عن البيان الإماراتية
«الجار قبل الدار» كما يقول المثل القديم، وهو نصيحةٌ قديمةٌ لاختيار الجار المناسب الذي سيعاش بجواره، قبل بناء الدار أو استئجارها.
وهذا الحقُّ للباني الأول، ولكنّ من سيأتي من بعده ستكون الإقامة جبراً عليه، وعليه تحمل جاره المزعج الضارِّ، إلا إذا آثر الرحلة وظعن عن مكان ولادته إلى مكانٍ آخر ليبني من جديد ويختار لنفسه.
وهذا يصحُّ على مستوى الأفراد، إذ يمكن العمل بهذا المثل الحكيم، ولكن هيهات هيهات أن تستطيع دولة أن تختار من يجاورها من الدول، سواء أكانت صديقةً أم عدوة، فالأمر لازبٌ لا تستطيع الدول أنْ تغيّر موقعها على الخارطة، وعليها أنْ تتخذ خطواتٍ حاسمةٍ في هذا الموضوع العظيم الذي لا يمكن التغافل عنه لحظةً من الزمن ألا وهو الأسلوب الأمثل للتعامل مع دول الجوار، وإلا وجدت هذه الدول من الزمانِ ما لا تحمدُ عقباه.
إذا علمنا أنّ الدول كافةً في حاجةٍ وضرورةٍ ملحّةٍ لاتباع نهجٍ قويمٍ في التعامل مع جيرانها الأصدقاء والأعداء، وكذلك الحال مع الدول التي ترتبط معها بعلاقاتٍ واتفاقياتٍ، فلا بدّ أن تقوم بتأسيس معاهد دراسات مخصصة لفهم دول الجوار، وتزداد أهميتها بأهمية علاقاتها معها، الحسنة أم غير ذلك، لكي تعرف كيفية التعامل معها.
وهذا ما تقوم به بل تحرص عليه أشدَّ الحرص الدولُ المتحضرة أو ذات النفوذ في العالم، أو الدول التي تبحث عن سبل تطوير اقتصادها ومكانتها العالمية، فهي تؤسس معاهد الدراسات، وكذلك تشجع الجامعات والهيئات غير الحكومية لتبنّي مثل هذه المشاريع، وتقوم بمدها بما تحتاج إليه من تمويل وخبرات ووثائق.
من يبحث في شبكة الإنترنت سيجد كثيراً من المراكز والمعاهد والمجلات المخصصة لدراسات الشرق الأوسط، ودول الخليج خاصة، بل سيتعجب الباحث بعدد المراكز في أوروبا والولايات المتحدة عن «إيران» مثلاً، وفي شتى المجالات السياسية والاقتصادية والتاريخية والفنية، بل هناك تقريباً آلاف العلماء المتبحرين في التاريخ الإيراني وفي فنونها ولغتها وأديانها وعلاقاتها، وقد جرى بهم نهَرٌ من المعلومات لا ينضب لقادتهم وحكوماتهم وشركاتهم الكبرى، وكلٌّ في اختصاصه. ولا داعي أن أسرد لكم قائمة هذه المعاهد وأسماء العلماء، فما عليك إلا أن تسأل «غوغل» وسوف تجد ما يهولك ويذهلك!!
في تلك البلاد البعيدة، لا يواجه السياسيون والاقتصاديون معضلةً في معرفة وتحليل الخطوات الإيرانية سلباً أم إيجاباً، وكذلك يستطيع هؤلاء تكليف هذه المعاهد لدراسة الجديد من الموضوعات لاتخاذ القرار السليم المناسب حيالها، وإن أرجعت بصرك مرتين في الخارطة العالمية ستجد هذه الدول بعيدة جداً عن إيران، ولكنها المصالح وحمايتها، ولا يلامون على ذلك. وإن كانوا هم كذلك فما تظنون الدول التي في جوارها صانعةً، ولا مناص من ذلك ما بقي الجديدان (الليل والنهار)، كمثل دولتنا المحروسة الحبيبة؟!
وعلى ما قدمته، أتخلص إلى هذه النتيجة الواحدة، وهي أننا بحاجةٍ إلى تأسيس معهد أو مركز للدراسات الإيرانية وعلى وجه السرعة، يقوم بالأعمال التالية:
أولاً؛ الدراسات التاريخية لإيران، وخاصة ما يتعلق بالخليج ومناطق نفوذها.
ثانياً؛ إقامة المؤتمرات حول الآداب الفارسية ومحاولة التعرف إلى فارس، والتقريب بين الشعبين الجارين في الثقافة والفنون.
ثالثاً؛ متابعة الأحداث في إيران وتحليلها بما يفيد أصحاب القرار.
رابعاً؛ دعم تعلم اللغة الفارسية لدى أبناء الإمارات، فقد قيل: من تعلم لغة قوم أمن مكرهم. وكم تألمت منذ أيام وأنا أستمع إلى إحدى إذاعاتهم، والمذيع يكرر اسم جزيرتنا المحتلة «أبو موسى» ولا أستطيع فهم ما يقوله.
هذا وهناك مقترحاتٌ أخرى لهذا المعهد الذي أتمنى أن أشهد تأسيسه قريباً، لأنه يحزنني أن أجد مراكز إيرانية مخصصة عنا وخبراء، ولا أجد خبيراً منا في تاريخ إيران وشؤونها الاستراتيجية!!
رئيس لثورة المصريين
بقلم: عاطف الغمري عن الأهرام
كان السقوط المدوي لرأس النظام السابق, في ثورة لا تكتمل سوي باسقاط النظام كاملا, راجعا أساسا الي أمرين رئيسين, أولهما انعزاله عن هموم شعبه ومطالبه, وأمانيه, والثاني انقطاع صلته العضوية بنظام دولي تتغير القواعد التي تحكم عمله. فصار وضعه في الداخل هشا, وان تصور هو عكس ذلك, وصار وضعه في إطار النظام الدولي الذي ينتمي اليه كدولة, نوعا من جيوب مقاومة, لتحولات كبري وتاريخية تجري في العالم.
فمنذ سقوط الأنظمة الشمولية في عام 1989, أصبحت الديمقراطية, شرعية أي نظام حكم. وانطلق في العالم تيار تصفية الأنظمة الشمولية, والدكتاتورية, مثلما كان قد سبقه في الخمسينيات والستينيات تيار تصفية الاستعمار. كبؤر لم يعد العصر يتقبل وجودها.
منذ ذلك الحين (1989), تطور مفهوم الديمقراطية, لتتحدد معالمها في الديمقراطية المسئولة التي تستوعب جميع التوجهات في توافق وطني, ومشاركة سياسية, مثلما توالي حدوث تغييرات في مفاهيم الأمن القومي للدولة, وأمن المجتمع الدولي بشكل عام, وتغيرت مفاهيم مكونات قوة الدولة ومكانتها, وكذلك معايير التنمية الاقتصادية وغيرها.
ولم يعد مفهوم الديمقراطية يقتصر علي كونه توصيفا لنظام سياسي, بل أصبحت الديمقراطية المسئولة مدخلا الي التنمية الاقتصادية الناجحة, وحماية الأمن القومي, والارتقاء بمهارات المواطنين, وضمانات واستقرار وتماسك الجبهة الداخلية, وأصبح أي خروج علي الديمقراطية المسئولة ومحاولة فريق الاستئثار بالسلطات, يعني إعادة انتاج لفكر الأنظمة الشمولية, الجاري تصفيتها, مهما اختلفت المسميات والايديولوجيات.
والآن تشهد الساحة السياسية في مصر, إصرارا من القوي المؤمنة فعلا وعملا بالثورة, المنخرطة في حركة تيار تاريخي يشيد أركان الديمقراطية وعلي ان ما حدث في 25 يناير هو ثورة حقيقية, تزيح بقايا نظم استبداد ويواجه هذه القوي من بقايا النظام السابق الذين يصرون علي التصرف مع ما جري في 25 يناير, علي انه هوجة مواطنين, وليس ثورة كاملة, حتي ولو حاولوا أحيانا التغني بالثورة, تفاديا لصدام مع التيار العام في سلوك يعكس ازدواجية التناقض بين القول والفعل, ويعبر موقفهم عن عجز عن فهم العالم الذي صار التغيير فيه هو فلسفة العصر وقاعدة عمله, خاصة بفعل وسائل ثورة المعلومات.
هؤلاء غفلوا عن استيعاب ما حدث في دول ـ كانت لسنوات قريبة فقيرة ومتخلفة بالمقارنة بمصر ـ لكنها تمكنت من النهوض والتقدم, وأصبحت قلاعا منتجة, وانتعشت فيها الطبقة الوسطي, وتجددت مشاعر الولاء, والكرامة الوطنية.
هؤلاء الذين ينكرون ان ما حدث في مصر ثورة محاولين الإبقاء علي نظام, كان قد انفصل فعلا بسياساته وطرق تفكيره, عن عالم تغيرت فيه الأفكار والنظريات السياسية والاقتصادية مثلما تغير المزاج النفسي للمواطن في الداخل, بحكم اطلاعه علي ما يجري خارج بلده, عبر وسائل الاتصال الحديثة, وأقربها اليه الفضائيات التي تخاطبه وهو جالس في بيته, وتنقل اليه صورة يومية مباشرة عن الدنيا وما فيها.
ان النظام السابق لم يكن مجرد مجموعة أشخاص يتحكمون في سلطات الدولة, ومراكز قوتها السياسية والاقتصادية, ولكنهم كانوا مجموعة تحمل نمط تفكير يدور في فلك منظومة تفكير النظام الذي يتمحور حول شخص, وهي منظومة تفكير لا تنتج تقدما, بل تجر البلد الي الجمود, والتردي, وليس أدل علي ذلك, مما صنعته أيديهم في التعليم, والصحة, وعرقلة أي حراك اقتصادي منتج, ودعمهم لمبدأ الاستيراد, جلبا للعمولات بالملايين في كل صفقة, وهو ما ساعد علي انتشار البطالة, والقضاء علي أي فرص للأجيال في التوظف, والسكن, وتكوين أسرة, ثم في النهاية تفشي الإحباط العام, الذي جعل البلد طاردا لأبنائه.
في هذه الأجواء التي تعيشها مصر الآن, فإن الذين يدركون عن وعي أن الثورة كانت بعثا لروح مصر, يواجهون حربا يومية منظمة تستخدم أخطر وسائل العنف والتخريب, لإجهاض الثورة, وإجهاد المصريين في معيشتهم اليومية, يدير هذه الحرب أصحاب المصالح الذين أباح لهم النظام سبيل الكسب بأي وسيلة, ويدور حولهم قطاع من الذين ترسبت في عقولهم مواريث عصر عودهم علي أن يقيسوا الأمور بالكلام الذي يقال, وليس بالأفعال والنتائج, فبدوا مغيبين عن الدنيا وما فيها.
في إطار هذا الوضع تظل الآمال في مستقبل مصر, معلقة علي مجيء رئيس يحمل مواصفات رجل الدولة.. رئيس قاريء للتاريخ, قادر علي تشخيص الحالة المصرية.. مترفع علي علة التحيز لحزب, من منطلق إيمان بأنه جاء ممثلا للمصريين جميعهم, وبلا أي تمييز.
.. رئيس لديه معرفة بالعالم الذي يتغير من حول مصر, ويخرج مصر من الركن المنعزل, عن عالم يتغير بإيقاع بالغ السرعة.
.. رئيس يعوض مصر عن سقطة إزاحة مبدأ الأمن القومي من تفكير النظام, واستبداله بمبدأ أمن النظام, المستند الي فكر الدولة البوليسية, وذراعها الباطشة من أمن الدولة.
.. رئيس لا يحصر نظرته في الواقع الحالي لشئون الدولة, بل يمد البصر الي الأفق المتسع أمامه, ليحسب ما هو مرئي فيه, وما هو محتمل, وتجهز له الخيارات والسياسات, حتي ولو كان هذا الاحتمال مستبعدا في ظروف الحاضر.
.. رئيس يصنع خططا للمستقبل من منظور استراتيجية أمن قومي, وبشرط ان يحيط نفسه بفريق معاون, من أصحاب الخبرة والعلم, والمعرفة والتخصص, يختارون بمقاييس القدرة, وليس بمعايير الولاء لشخصه أو حزبه أو جماعته.
.. رئيس ملتزم بروح الثورة ومبادئها, ويعدل الخلل الذي صنعه آخرون من إقصاء للذين صنعوا هذه الثورة. من الطليعة من الشباب, ومن قطاع من النخبة, مهدوا لهم المناخ, عبر عشر سنوات من حملات إيقاظ الحس الوطني, بمواقف احتجاجية وندوات, وكتابات, ضد سياسات النظام السابق وكلهم معروفون بالاسم.
.. رئيس لكل المصريين, ولثورة المصريين.
أزمة كاشفة للوهن العربي
بقلم:فهمي هويدي عن السفير اللبنانية
الأزمة التي وقعت هذا الأسبوع بين السعودية ومصر كشفت عن مدى التصدع الذي يعاني منه البيت العربي ومدى الوهن الذي أصاب علاقات الأشقاء.
(1)
ما خطر ببال أحد أن يؤدي حادث احتجاز أحد المحامين المصريين المعتمرين في مطار جدة إلى إطلاق حملة احتجاجات في القاهرة، ترددت أصداؤها في وسائل الإعلام المختلفة، ثم ان ينتهي الأمر بسحب السفير السعودي وإغلاق القنصليات في مصر، الأمر الذي يلوح باحتمال قطع العلاقات بين اثنين من أهم الأقطار العربية. ولأول وهلة يبدو الأمر كأنه فرقعة سياسية انطلقت من حيث لا يحتسب أحد. إذ كان الانفعال والغضب واضحين في القرار السعودي، بقدر ما ان رد الفعل من الجانب المصري اتسم بالتعجل والعبثية من ناحية، وبالبعد عن اللباقة من ناحية ثانية. إلا اننا ينبغي أن نلاحظ هنا أن الموقف السعودي كان قرار دولة، اعتادت أن تتصرف بهدوء وروية وتعتمد سياسة النفس الطويل في أغلب الأحوال، من ثم فإن الانفعال يعد موقفا استثنائيا يعطي انطباعا بأن غضب الرياض تجاوز معدلاته العادية. بالمقابل، فإن رد الفعل المصري إزاء الحدث كان شعبيا وإعلاميا ولم يكن رسميا، وليس بعيدا عن التأثر بأجواء الهرج التي تسود مصر منذ قيام الثورة بما استصحبته من علو للصوت وجرأة في التعبير.
لست في مقام تحري خلفيات القرار السعودي المفاجئ، ولكن بوسعنا أن نتحدث عن الأصداء المصرية التي شهدناها خلال الأيام العشرة الأخيرة. وفي حدود علمي فإن الشرارة الأولى التي فجرت تلك الأصداء تمثلت في الشائعات التي ذاعت في أوساط الناشطين وتحدثت عن تعمد سلطات مطار جدة احتجاز المحامي المصري، تأديبا له على مواقف سابقة كان قد اتخذها في مواجهة ممارسات النظام السعودي. كما تحدثت عن أن حكما صدر بحبس المحامي لمدة سنة وتعريضه لعقوبة الجلد. هذه المعلومات تعامل معها كثيرون باعتبارها حقائق ولم يحاول أحد أن يتثبت من دقتها، الأمر الذي أطلق صورا مختلفة من تجليات الاحتجاج والغضب، كان بينها ما شهدته نقابة المحامين المصريين، والتظاهر أمام السفارة السعودية بالقاهرة، ورشقها من قبل البعض، أما الأسوأ فيها على الإطلاق، فقد كان التناول الإعلامي الذي لم يخل من تطاول وتجريح، ولم يسلم منه أحد من المسؤولين السعوديين، بدءا من السفير في القاهرة إلى الملك في الرياض. وهو تطاول مارست فيه بعض الصحف المصرية ما نعرفه عنها من خفة في التقييم وبذاءة في التعبير. وتلك رذيلة ينبغي أن نعترف بأنها تعد من السوءات التي أصبحت تلصق بالإعلام المصري، جراء ممارسات بعض الصحف الصفراء التي تعتمد الإثارة الرخيصة وبعض الأقلام التي اخترقت الساحة الإعلامية في غفلة من الزمن، من دون أن تتمكن من تقاليد المهنة أو آداب الحوار مع المخالفين. وكانت النتيجة أن عددا غير قليل من حملة الأقلام المحدثين لم يتعلموا كيف يفرقون بين النقد و«الردح».
(2)
إذا نظرنا إلى وقائع الحدث من زاوية تفاصيلها، فسنجد أنها زوبعة في فنجان، أو حبَّة تحولت إلى قبة، وإذا وضعنا في الاعتبار أجواء ما بعد الثورة، وأدركنا أن بعض ما وجه إلى القادة السعوديين من أوصاف وعبارات خشنة يوجهه البعض إلى رموز الحكم في مصر، فربما أسهم ذلك في احتواء الموضوع من خلال الاكتفاء بالعتاب الهادئ عبر قنوات الاتصال المفتوحة بين القاهرة والرياض، إلا أنني لا أستطيع أن أفصل رد الفعل السعودي السريع والغاضب عن أجواء الحساسية المخيمة على منطقة الخليج إزاء الثورة المصرية وغيرها من مظاهر ما سمي «الربيع العربي»، حتى أزعم أن هذا الذي حدث لو أنه وقع في ظروف أخرى وسياق مغاير لعولج بأسلوب آخر أكثر هدوءا ورصانة.
إن استياء أغلب الدول الخليجية من التحول الذي أحدثته الثورة في مصر وغيرها من دول الربيع العربي بات معلوما للكافة. وهذا الاستياء يلمسه أبناء تلك الدول الذين يعيشون في منطقة الخليج. وهم الذين يعانون من التضييق في تجديد عقود العمل وفي الإقامة والزيارات، إضافة إلى أن بعضهم سحبت منهم الجنسية التي منحت لهم بعدما طالت اقامتهم هناك، وأمضوا سنوات عمرهم في بناء الدول الخليجية وتطويرها.
تجلت مشاعر الاستياء أيضا في موقف أغلب الدول الخليجية من الاستثمار في دول «الربيع العربي» والحكايات التي تروى في هذا الصدد كثيرة. فقد وعدت مصر باستثمارات قدرت بعشرة مليارات من الدولارات، لكنها لم تتلق سوى مليار واحد من دولتين خليجيتين. وكانت قد رتبت زيارة لمسؤول خليجي كبير سبقته اتصالات تحدثت عن تقديم أربعة مليارات دولار. لكنه في اللحظة الأخيرة تلقى تعليمات بالاكتفاء بالحديث عن نصف مليار فقط. وهناك إشارات تحدثت عن حظر استثماري خليجي على دول «الربيع» إلا أن إحدى الدول قدمت قرضا لتونس بفائدة 2,5٪، لكن اليابان قدمت قرضا مماثلا بفائدة 1,5٪ فقط (!).
وفي حدود علمي فإن بعض المسؤولين الأميركيين ينقلون إلى القاهرة بين الحين والآخر ما يسمعونه من انطباعات سلبية وانتقادات حادة لمصر بسبب انقلاب شعبها على الرئيس السابق، يتحدث بها بعض القادة الخليجيين. وتتناقل الدوائر الدبلوماسية هجوم وتحريض أحد وزراء الخارجية الخليجيين على مصر أثناء اجتماع عقد في لبنان الشهر الماضي، واتهامها بأنها أصبحت مصدرا لعدم الاستقرار في العالم العربي. ومعروف أن دول «الربيع العربي» المؤيدة للثورة السورية، تعارض موقف دول الخليج الذي يضغط بشدة لتسليح المقاومة السورية بما يفتح الباب لإشعال نار الحرب الأهلية هناك. وهو ما تجلى في القمة العربية التي عقدت أخيرا في بغداد، التي رفضت الفكرة خلالها. فما كان من بعض الدول الخليجية إلا أن دعت إلى اجتماع لمجلس التعاون الخليجي دعا إلى تسليح المقاومة، وتولت تلك الدول لاحقا تمويل عملية التسليح التي تم من خلال الأردن.
لم يقف الأمر عند حدود الموقف السلبي والناقد الذي اتخذته أغلب الدول الخليجية إزاء الثورات العربية، وإنما لجأ بعضها إلى محاولة التأثير على موازين القوى في داخل تلك الدول بدعوى الحد من نفوذ تيارات التطرف وتعزيز مواقف قوى الاعتدال. وتشهد ليبيا الآن جهدا ملموسا من ذلك القبيل. وهناك معلومات تتحدث عن تدخل دول أخرى لدعم بعض المرشحين في الانتخابات الرئاسية في مصر لترجيح كفتهم في مواجهة منافسيهم.
(3)
إذا نظرنا إلى المشهد من منظور أوسع فسنجد أن العالم العربي في وضعه الراهن يتعرض لحالة من السيولة التي تقترن فيها يقظة الشعوب بتفكيك الدول. إذ في الوقت الذي هبت فيه رياح الثورة والغضب الشعبي الذي ترددت أصداؤه في كل مكان، وجدنا أن دوله تتعرض لتهديدات وزلازل تهدد وحدتها أو وجودها. فالعراق الذي مزقه الاحتلال تم تقسيمه عمليا بين الشيعة والسنة والأكراد، والأخيرون يهددون بالانفصال هذه الأيام. وسوريا مهددة بالتقسيم بين السنة والعلويين إذا قامت الحرب الأهلية التي صرنا نسمع طبولها تدق عاليا والسودان قسم بالفعل، وليبيا تقف على أبواب الكونفدرالية بعد تشكيل مجلس انتقالي في بنغازي يهدد بالعودة إلى قسمة الولايات الثلاث. والمغرب يعاني من وجع متمردي الصحراء، والجزائر يقلقها تمدد الأمازيغ في الجنوب، الذين انطلقوا من مالي والنيجر. والأردن يقلقه تنامي الحساسية بين الأردنيين والفلسطينيين وحكاية الوطن البديل. ولبنان يعيش في ظل التقسيم الصامت بين مكوناته، ومصيره معلق بما ينتهي إليه الوضع المتفاقم في سوريا، واليمن يعاني من الشروخ والتشققات في الشمال والجنوب. ولا تسأل عن الصومال الذي أنهكه الصراع الداخلي حتى أعاده إلى مرحلة ما قبل الدولة.
في هذه الأجواء يبدو العالم العربي كأنه عقد انفرطت حباته، أو بيت تداعت أركانه، وتبدو منطقة الخليج كأنها جزيرة يسود سطحها الهدوء، ولا تظهر للملأ طبيعة تفاعلاتها التحتية، التي تفوح منها الروائح بأكثر مما تتبلور الحقائق على الأرض. وفي ظل الانفراط العربي الراهن الذي يذكرنا بحالة الدولة العثمانية حين وصفت بالرجل المريض في مرحلة احتضارها قبل الحرب العالمية الأولى، أصبحت دول الخليج لاعبا مهما في الساحة العربية. على الأقل من حيث إنها صاحبة الحظ الأكبر من الوفرة المالية، ومن ثم صاحبة الصوت الأعلى في الفضاء العربي. وليس من قبيل المصادفة بطبيعة الحال أن تصبح منطقة الخليج أحد مرتكزات السياسة الأميركية في المنطقة التي تؤدي وظائف عدة، سواء في تأمين الخليج ضد ما يشاع عن التطلعات الإيرانية أو في استثمار الدور الخليجي لتوجيه السياسة العربية.
هذه الخلفية إذا صحت، فإنها تقدم تفسيرا آخر للكثير من ممارسات السعودية. وهي الدولة الكبرى في منطقة الخليج بعد تدمير العراق، إذ أصبحت تتصرف كدولة كبرى وقوة عظمى في المنطقة العربية، في ظل الفراغ المخيم عليها والتشتت والتفتت الذي تعانى منه دولها. ويدخل في تلك الممارسات حالة التسرع في الغضب والاستعداد للتصعيد الذي عبرت عنه في أزمة المحامي السابق الذكر.
(4)
في علاقات الدول، حتى، إذا لم تكن «شقيقة»، فإن الأواصر تحكمها العوامل المتعلقة بالمصالح العليا والمصائر. وعندما توشك العلاقات على الانقطاع بسبب أزمة صغيرة كتلك التي حدثت في مطار جدة فذلك يعني أنها بلغت مستوى أدنى من التصدع والتهتك. وتصبح المشكلة أكبر وأعمق بكثير مما يبدو على السطح. وهذا التشخيص ينطبق على الحالة التي نحن بصددها، ذلك أننا حين نحلل الأزمة التي وقعت، ونطل عليها من مختلف زواياها، سندرك أن العالم العربي صار جسما مترهلا بلا رأس، وأن الكبار فيه ليسوا كبارا حقا، ولكنهم «استكبروا لأن من حولهم صغروا حتى صاروا أقزاما، فتصور الأولون أنهم عمالقة، الأمر الذي يعني أن ثمة خللا في الخرائط نال من القامات فضلا عن المقامات. وهي مشكلة لا حل لها إلا بعودة الروح والعافية إلى الجسم العربي، الذي تحتل مصر موقع القلب منه. وقد رأينا الذي أصاب الجسم من عطب وتشوَّه حين وهن القلب وانكسرت مصر وانتكس من بعدها العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه. فاختلطت الأوراق واختلت الموازين وانقلبت الأحوال رأسا على عقب. فلا ظل الكبار كبارا ولا بقي الشقيق شقيقا، وانكشفت عورات الجميع حين وجدنا قد اختاروا واشنطن قبلة لهم.
إن الثورة إذا لم تصحح هذا الوضع المختل، وتعيد إلى القلب العربي حيويته ومن ثم إلى الأمة عافيتها، فإنها ستصبح مجرد تغيير في الأنظمة، لا يختلف كثيرا عن ذلك الرجل الذي استاء من اسمه فشمَّر عن ساعده وغيره من حسونة النذل إلى سمير النذل!
أردوغان - أوغلو: ملامح الخطاب النازي
بقلم: د. عبد اللطيف عمران عن جريدة البعث
إنها مقاربة سبقنا إليها عدد من الأصدقاء الأتراك من رجال الفكر والإعلام والسياسة والنقابات.. وهم ينظرون بسخط وألم الى سياسة الثنائي الراقص على الجراح أردوغان - أوغلو، والى ماتسببه هذه السياسة من إرباك وتعثر وتناقضات على المستويات الداخلية والخارجية، لما تنطوي عليه من مراوغة ونفاق وضعف بصيرة في الرؤية الاستراتيجية.
ولأن الشعب السوري وقيادته السياسية توجها بصادق النوايا والعمل نحو تركيا، وكانت النتائج المرّة حصيلة هذا التوجّه بسبب مراوغة هذا الثنائي ونفاقه على الشعبين السوري والتركي وعلى شعوب الجوار، خاصة بعد أن نكثت الحكومة التركية بجميع تعهداتها مع جيرانها ولاسيما في شعار صفر مشاكل، فإن الوقائع لم تعد خافية على أحد، مايتطلب التركيز على فساد السياسة التركية الراهنة التي تجعل من الاستقرار الهش أصلاً في المنطقة شراً مستطيراً ودماراً يهدد مصالح الجميع، ولاسيما حين ينطلق الثنائي من خطأ في الحسابات على الأقل، ومن عنجهية وأنانية واستبداد ورؤية فيها كثير من المشابهة مع النازية على حد تعبير عدد غير قليل من الباحثين الأتراك، وغيرهم.
وهذا واضح من تجاهلهما لعدد من الحقائق الواضحة وأهمها:
- في «العمق الاستراتيجي» فإن كتاب أوغلو أصبح بمنزلة العرض المسرحي الذي قدمه أردوغان في دافوس، وبألاعيبه الإعلامية الأخرى حول الانتصار لغزة وقضية فلسطين، بينما تنفّذ الحكومة التركية سياسة أطلسية معادية للقضايا العربية والإسلامية. وماتدعيه هذه الحكومة من أنها تملك وتقود وتخدم بناء شرق أوسط جديد يولد الآن بريادة تركية منعزلة عن الإشارة من الخارج هو محض كذب، فما يزال خطابها طامحاً في الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، ومترفعاً ضمنياً عن الشرق الأوسط «المتخلّف»، وهي مع الدرع الصاروخية تخدم لا شك مخططاً امبريالياً في المنطقة. وقد بيّن تباين المواقف من الحكومات العربية خلال سنة وانقلاب الموقف التركي سريعاً مدى النفاق، وغياب الرؤية الاستراتيجية وبما لا يخفى على الشعبين العربي والتركي.
- في العمق التاريخي يغيب عن هذه الحكومة مواقف الغرب التاريخية من الصدام التركي العربي ولاسيما مع أبناء محمد علي باشا في مصر أولاً، وثورة الشريف حسين ثانياً حيث أرهقت المراوغة الغربية مطامح الأتراك بما عاد وبالاً على العرب والترك. وليس بعيداً عن ذلك مايضمره الغرب اليوم ثالثاً من شر للطرفين، في وقت تكون فيه الحكومة التركية رهينة لإرادة الغرب الجيوسياسي، هذا الغرب الذي يقبلها أداة رخيصة في الحلف الأطلسي، ويرفضها عضواً في الاتحاد الأوروبي، ويستمر مندّداً في التذكير بالتاريخ المؤلم لعلاقة الترك ببقية الشعوب ولاسيما الأرمن والكرد، بينما يقارب أوغلو مغالطات الخطاب النازي في حديثه الأسبوع الماضي أمام البرلمان بادعائه أن «عصر انتظرْ وراقبْ واتبعْ القوى الكبرى انتهى، وتركيا لن تنخرط في أي سياسة لا تُصنع في أنقرة».
سنرى ياأوغلو نتيجة كلامك، تفضّل وتابع، وأنت أقل من أسير لحمد وحمد وحمد بتجاهل حكومتك التاريخ والواقع، ولم ولن يسمح لك الغرب بدور قيادي، وأنت تحشر نفسك ضائعاً في زمرة التابعين.
- في عمق الواقع فإن فوز حكومة أردوغان للمرة الثالثة أفقدها ضرورة المراجعة النقدية، ودفعها نحو الغرور والثقة الذاتية المفرطة الى حد الأنانية المطلقة، ويكاد ماحدث من ردود أفعال تركية على حديث أوغلو في جلسة البرلمان الأسبوع الماضي مضافاً إليها الرد المدروس للخارجية السورية الهادئ والمتوازن والموضوعي، يختصر الواقع في هذا الجانب، ويبين المفارقات الكبرى في الواقع الذي تعيشه هذه الحكومة.
وهناك عدد يتزايد من الصحافيين والمفكرين والسياسيين والنقابيين والجامعيين في السجون التركية، وأغلبهم سُلّطت عليه تهمة الإرهاب، بينما يذهب أردوغان الى قطر والسعودية ليطلب الحرية للشعب السوري؟! وتتحدث حكومته عن شرق أوسط جديد تطمح اليه من خلال قيادتها موجة التغيير دون حاجة الى التغيير في أنظمة البترودولار والإسلام السياسي.
كما تدعي سياسة صفر مشاكل وهي تستمر في إثارة مشاكل تاريخية وواقعية مع جميع جيرانها ومع الترك أنفسهم والكرد والعرب والأرمن والفرس، بعد جهود بذلتها عن قريب لتتوافق مع الحكام قبل الشعوب، ثم تنقلب خلال سنة لتنفّذ توجهات القوى الامبريالية في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وبدور رخيص مثاله الأبرز علاقتها مع سورية والتي يثبت الواقع أنها تؤدي دور المجرم الحقيقي والمتعجرف الذي يحرّض على القتل والعنف، بينما لايزال الشعب السوري وقيادته السياسية في إصرار على حسن العلاقة مع الشعب التركي الصديق والشقيق الذي بات أغلبه اليوم يشاطرنا الرأي في هذه الإشكالية.
إنها سورية التاريخ والحاضر، وتلك نصيحة مجانية الآن، وقد لا تكون عن قريب «إلاّ بجمل أو أكثر».<hr>إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً