-
1 مرفق
اقلام واراء عربي 651
اقلام عربي 651
20/3/2014
في هذا الملف:
فلسطين لا تقبل القسمة على اثنين
بقلم: فايز رشيد عن القدس العربي
الدولة الفلسطينية في الرؤى الإسرائيلية
بقلم: نبيل السهلي عن الحياة اللندنية
من فضلكم.. دعوا قطاع غزة يتنفس!
بقلم: بكر عويضة عن الشرق الأوسط
ما الذي تعد له سلطات الاحتلال الإسرائيلي؟
بقلم: أسرة التحرير عن الوطن القطرية
نتنياهو ولغة التحريف والتزييف
بقلم: جيمس زغبي عن السفير البيروتية
دعم القدس..
بقلم: عماد عبد الرحمن عن الرأي الأردنية
«إسرائيل» تخشى فوضى المنطقة؟!
بقلم: خالد فلحوط عن تشرين السورية
أوكرانيا.. الاختيار ليس اختياراً.. والسلاح مصوب نحو الرأس
بقلم: جون جينكنز ( السفير البريطاني في العربية السعودية) عن الرياض السعودية
لماذا اهتمامى بأوگرانيا؟
بقلم: جميل مطر عن الشروق المصرية
فلسطين لا تقبل القسمة على اثنين
بقلم: فايز رشيد عن القدس العربي
رفض أهلنا في فلسطين المحتلة وأبناء أمتنا العربية بلا استثناء، مشروع الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين المعبّر عنه في قرارها رقم 181 الذي أصدرته في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، الداعي إلى قيام دولتين:عربية ويهودية. نتذكر ذلك في وقت ترتفع فيه أصوات فلسطينية وعربية كثيرة تتباكى على ذلك الرفض، وتتمنى لو أن الفلسطينيين والعرب قبلوا بذلك التقسيم، من وجهة نظرهم، ما كنا تعرضنا إلى ما نتعرض إليه الآن من مآس ونكبات منذ عام 1948 (قيام إسرائيل) وحتى اللحظة.
هؤلاء للأسف، لا يعرفون حقيقة العدو الصهيوني ولا مشروعه في المنطقة، القاضي بقيام دولة يهودية في كل الأراضي الفلسطينية، باعتبارها ‘الأرض الموعودة لليهود’، كمقدمة لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. حتى لو قبل أهلنا آنذاك بالقرار، لرفضته إسرائيل ولحالت بريطانيا وأتباعها والولايات المتحدة دون تنفيذ جزء القرار المتعلق بإنشاء الدولة الفلسطينية، التي سمتها الأمم المتحدة آنذاك (دولة للعرب)، هذا أولاً.
ثانياً: المشروع الصهيوني الذي رُسم أساسه ووُصفت مبادئه في المؤتمر الصهيوني الأول في بال في عام 1897، دعا إلى تجميع كل اليهود في الدولة اليهودية (التي عنت وتعني كل فلسطين من النهر إلى البحر)، لذلك اول ما قامت إسرائيل قبيل إنشائها على أيدي العصابات الصهيونية وبُعيده على يدي جيشها هو، اقتلاع ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من أرضهم، والقيام بتهجيرهم قسرا إلى الخارج، على قاعدة ‘أرض أكثر وعرب أقل’، بالتالي لو جرى إنشاء دولة فلسطينية آنذاك لقامت إسرائيل باحتلالها، ثم أن الموافقة على إقامة دولة لليهود على أي جزء من فلسطين يعني الموافقة والقبول بالشعارات والأضاليل المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، لذلك فإن موقف أهلنا من قرار التقسيم كان مصيباً.
ثالثاً: انطلق المشروعان الصهيوني والإمبريالي من تذويب مصطلح ‘الشعب الفلسطيني’، ولذلك حاولوا طمس الهوية الفلسطينية، وتم تصوير مشكلة الفلسطينيين بأنها مشكلة لجوء إنساني لبضعة آلاف من دولة عاشوا فيها كـ’أقلية’. هم في ‘خروجهم الاختياري’ منه أصبحوا لاجئين، وهم بحاجة إلى مساعدات دولية إنسانية للانتصار على ظروفهم . تم تجاهل قضيتهم الوطنية تماماً، وحتى عام 1967 (قبل الحرب وظهور المقاومة الفلسطينية) انمحت بشكل نسبي الهوية الوطنية الفلسطينية، سوى من أحزاب وطنية قومية ركزّت على الهوية التحررية الوطنية للشعب الفلسطيني. لقد أنشات الأمم المتحدة وكالة الغوث الدولية لمساعدة الفلسطينيين وتشغيلهم (الأونروا) ولم يتم إلحاق اللاجئين الفلسطينيين بالوكالة الدولية للاجئين (التابعة للأمم المتحدة) أسوةً باللاجئين من الدول الأخرى، لأن الأمم المتحدة ملزمة والحالة هذه بإعادتهم إلى وطنهم، على الرغم من صدور قرار الأمم المتحدة رقم 194 الداعي إلى حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وأراضيهم.
رابعاً: لم تكن إسرائيل بحاجة إلى سبب لاحتلال الجزء المتبقي من فلسطين في عام 1967، لكن هذا الاحتلال جاء أسرع مما كان متوقعاً، مستغلة الأحداث التي جرت في ذلك العام للقيام بخطوتها الاحتلالية، وبذلك قامت إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من مشروعها، وهو الخطوة الاحتلالية لفلسطين من النهر إلى البحر، وبذلك تستطيع إسرائيل استقدام الملايين من اليهود من مختلف أنحاء العالم، ولذلك سارعت إلى ضم مدينة القدس ومحاولة تهويدها بشكل تدريجي، وأصيبت بسعار الاستيطان الذي ما زالت ماضية بحلقاته حتى اللحظة. ومع انطلاق حركة المقاومة الفلسطينية وبدء التساؤلات الدولية حول الهوية التحررية للشعب الفلسطيني، وبفعل المقاومة والتضحيات الفلسطينية، بدأ العالم في فهم الأبعاد الحقيقية لولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين، ونتيجة أيضاً لارتفاع التضامن الشعبي الأممي مع الشعب الفلسطيني وتأييد قضيته الوطنية من قبل دول عدم الإنحياز والدول الاشتراكية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، فإن هذا التضامن عبّر عن نفسه في اعتراف دولي بالظلم الذي تعرض له الفلسطينيون بفعل الجرائم الإسرائيلية، وبدء اتضاح المشروع الصهيوني وحقيقة الصهيونية، وبفعل المقاومة الفلسطينية بدأ التضامن والدعوات الدولية لإنصاف هذا الشعب، والدعوة إلى أهمية أن يعيش في وطن مثله مثل كل الشعوب الأخرى.
خامساً: كان من الصعب على إسرائيل مواجهة هذه الحملة الدولية، والانتقادات الكثيرة التي توجه إليها، فبدأت تتعاطى مع التسويات، ولكن على قاعدة ‘نعم ولكن’، أي في دعوة واضحة ومطلقة بدأت تتهرب (بالمعنى الفعلي) من توقيع السلام مع الفلسطينيين، وصل الأمر إلى هذا الحد بشكل تدريجي، ولكن على قاعدة الادعاء بقبوله ومن ثم إفشاله من داخله، ثم ابتدأت المشاريع الدولية تظهر واحداً بعد الآخر، وبدأ مؤتمر مدريد بعد سنوات طويلة ـ بعد حربي عام 1973، وعدوان 1982 على لبنان، وبعد اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة ـ ثم جرى توقيع اتفاقيات أوسلو وسط وضوح إسرائيلي كامل بالنسبة لحدود التسوية مع الفلسطينيين، حكم ذاتي على القضايا الإدارية والحياتية للسكان، ضمن لاءات خمسة حددتها إسرائيل وشكلت قاسماً مشتركاً أعظم بين كافة ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي. كل ذلك جاء بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية وظهور عالم القطب الواحد. لقد بدأت التنازلات الرسمية التدريجية الفلسطينية التي وصلت إلى الحد الذي نراه الآن. كل تنازل رسمي فلسطيني قوبل بشرط إسرائيلي جديد، وذلك لتفجير الحل من داخله، فمجرد قيام دولة فلسطينية، حتى لو كانت عبارة عن حكم ذاتي، مسألة لا تريدها إسرائيل، وترى فيها نقيضاً لها، وبداية لنهايتها، بالتالي تعمل إسرائيل على عرقلة قيام مثل هذه الدولة حتى لو قام الفلسطينيون بتنفيذ كل شروطها.
سادساً: بالنسبة لاستكمال المرحلة الثانية من المشروع الصهيوني وهي، إنشاء دولة إسرائيل الكبرى، فإن المستجدات السياسية والأحداث، وطبيعة التطور حدّت من الاندفاعة باتجاه تحقيق هذا المشروع. هذه هي العوامل الموضوعية، إضافة إلى أنه بدأت الاستعاضة بالاحتلال الاقتصادي والسياسي كبديلين للاحتلال المباشر. أما العوامل المعيقة الذاتية الإسرائيلية لتنفيذ المشروع فأبرزها: عدم وجود القوى (العدو) الديموغرافية الإسرائيلية للقيام بمثل هذا المشروع، لذا فإن الطروحات الإسرائيلية الأمريكية بدأت لإنشاء شرق أوسط جديد تكون إسرائيل هي القوة الفاعلة والرئيسية فيه. عربياً على صعيد الشعوب ابتدأ أدراك حقيقة إسرائيل، وضرورة مقاومتها ووقف تمددها.
سابعاً وأخيراً: ان فلسطين بالمعنيين الواسع الكبير، والعام والخاص هي فلسطينية عربية خالصة، وعلى ضوء طبيعة الصراع وعوامله، وبسبب من حقائق التاريخ والجغرافيا، وقيم العدل والمبادئ والحقوق، وبسبب أيضاً الرفض الإسرائيلي لكافة أشكال الحل، إقامة دولة فلسطينية أودولة ديمقراطية أو دولة واحدة أو دولة ثنائية القومية أو دولة لكل مواطنيها، فإن فلسطين لشعبها الفلسطيني العربي، من النهر إلى البحر، وفي نظر شعبها وأبناء الأمة العربية، فان .
الدولة الفلسطينية في الرؤى الإسرائيلية
بقلم: نبيل السهلي عن الحياة اللندنية
على رغم التصريحات المتكررة من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ اتفاقات أوسلو وصولاً إلى إدارة أوباما الحالية والداعية بمجملها إلى ضرورة أن تفضي المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية في نهاية المطاف إلى دولة فلسطينية، إلا أنها لم تتضمن إشارات واضحة إلى حدود تلك الدولة وسيادتها وعلاقاتها المستقبلية، فضلاً عن عدم التلميح إلى ضمانات أميركية حقيقية لإقامتها. واللافت أنه ومنذ إنشاء السلطة الفلسطينية في عام 1994 بقيت المفاوضات رغم استمرارها في فترات مختلفة أسيرة المواقف الإسرائيلية، ما يؤكد غياب أي ضغوط أميركية حقيقية على إسرائيل، بل على العكس من ذلك كانت الضغوط - التي ما زلنا نشهد فصولها بعد انطلاق جولة مفاوضات جديدة في تموز (يوليو) 2013 تبعاً للشروط الإسرائيلية - على الطرف الفلسطيني الذي يفتقد أوراق قوة حقيقية، بخاصة في ظل غياب حاضنة عربية وموحدة للتفاوض، ناهيك عن التشظيات في الساحة الفلسطينية من جهة، وعدم وضوح المرجعيات السياسية للتفاوض من جهة أخرى.
هذا يقودنا إلى إلقاء الضوء على مواقف إسرائيل من الدولة الفلسطينية، حيث أعلنت إسرائيل مراراً أنها تؤيد فكرة قيام دولتين - دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل - ستعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمان وطمأنينة - وفق موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية على شبكة الإنترنت، وترى أن الحل الحقيقي سيكون بقيام دولتين وطنيتين وهما: دولة فلسطينية للشعب الفلسطيني ودولة يهودية لليهود، ولا تطمح إسرائيل إلى السيطرة على الفلسطينيين، وتعتقد أن قيام دولة فلسطينية ديموقراطية حقاً تربطها علاقات سليمة كاملة مع إسرائيل سيؤدي إلى أن الأمن والازدهار الطويل الأمد سيسودان إسرائيل كدولة يهودية. وتؤكد وزارة الخارجية الإسرائيلية أن إسرائيل لا تقلق من فكرة إقامة دولة فلسطينية. وإنما يزعجها هو نوع الدولة الفلسطينية التي ستقوم، هل ستكون دولة ديموقراطية؟ دولة قانون ونظام تتجنب الإرهاب والعنف والتحريض؟ الأمر الذي سيمكن إسرائيل من العيش بسلام إلى جانبها، أو ستكون دولة فوضوية تستمر في سلوك مسلك العنف والإرهاب، وتعرض للخطر ليس إسرائيل وحدها بل المنطقة كلها، وليس من الممكن أن تقبل إسرائيل بقيام دولة «إرهابية» (كما تزعم إسرائيل) على امتداد حدودها، ويجب أن تأخذ الجهود المبذولة لإقامة دولة فلسطينية في الاعتبار الحقوق والمصالح الحيوية الإسرائيلية، وبخاصة في ما يتعلق بالأمن. وهكذا سيسود السلام والاستقرار هذه المنطقة. وتهدف إسرائيل إلى أن تكون دولة يهودية ديموقراطية، تعيش بانسجام مع الدول المجاورة لها.
إن هذا الهدف يحمل إسرائيل على تبني رؤية الدولتين، وتدرك إسرائيل أن مستقبل كل دول الشرق الأوسط المجاورة مرتبط بمستقبل الدول الأخرى، ولا يكتب النجاح لأي سلام لا يأخذ هذه الحقيقة بالحسبان، وتشير وزارة الخارجية الإسرائيلية على موقعها على الإنترنت إلى أن تأسيس إسرائيل كان بمثابة استجابة للطموحات الوطنية لأبناء الشعب اليهودي، ويجب أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية لنفس الغرض بالنسبة إلى الفلسطينيين وعليها أن تلبي طموحات أبناء الشعب الفلسطيني جميعهم، ممن يسكنون في الضفة الغربية وقطاع غزة أو يعيشون في مخيمات اللاجئين في الدول العربية، أو يقيمون في أي مكان آخر في العالم، أي حل قضية اللاجئين في إطار جغرافية الدولة الفلسطينية. إن إقامة دولة فلسطينية ثابتة ومزدهرة وهادئة، تعتبر مصلحة إسرائيلية، وكما أثبتت إسرائيل في خطة الانفصال عن غزة عام 2005، فإنها مستعدة لاتخاذ خطوات مؤلمة من أجل دفع هذا الغرض إلى الأمام، ولكن عليها أن تعرف أن شركاءها جاهزون للتوصل إلى مصالحة تاريخية ستجلب السلام الدائم.
اضافة إلى تصورات المؤسسة الإسرائيلية حول الدولة الفلسطينية، يمكن القول إن الاتجاه العام للرأي الإسرائيلي يعكس الصورة نفسها إزاء الدولة الفلسطينية، حيث هناك إجماع في الرأي العام الإسرائيلي يرفض بشدة العودة إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967، ويتمسك بالاستيطان وبمساحات واسعة من الضفة الغربية، ولهذا يمكن القول إن الدولة الفلسطينية وفق الرؤى الإسرائيلية يجب أن يتم إنشاؤها على جزء من المناطق الفلسطينية المحتلة، تقطع أوصالها المستوطنات - 151 مستوطنة يتركز فيها 350 ألف مستوطن يهودي - وجدار الفصل العنصري الذي سيلتهم اكثر من 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية الكلية البالغة 5800 كيلومتر مربع، وتبقي السيطرة المطلقة على 80 في المئة من حجم المياه الفلسطينية.
وهذا حل لما يطلق عليه الإسرائيليون «المشكلة الديموغرافية» كي «تتخلص» إسرائيل من الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه تحصرهم في معازل تطلق عليها دولة فلسطينية، مساحتها الإجمالية لا تتعدى نصف مساحة الضفة الفلسطينية، ليصبح أسهل عليها التحكم بالفلسطينيين والسيطرة عليهم، وذلك أفضل من إبقائهم تحت الاحتلال المباشر.
يلاحظ المتابع للتوجهات الإسرائيلية السابقة بوضوح جلي عدم الإشارة إلى حدود الدولة الفلسطينية ومصادرها الطبيعية ومستقبل علاقاتها الخارجية، وكذلك لم يتم التطرق إلى مستقبل الاقتصاد الفلسطيني الذي تسيطر إسرائيل على أهم مفاتيحه مثل: التجارة الخارجية وأداء قوة العمل، بل تم التركيز في التصورات الإسرائيلية حول الدولة الفلسطينية على ضرورة أن تكون تلك الدولة ديموقراطية تتحلى بعنصر الأمن وأن تكون دولة لكل الفلسطينيين، بمعنى أنها دولة لسكان الضفة والقطاع وكذلك للاجئين الفلسطينيين، وبذلك تجنبت إسرائيل الحديث عن عودة اللاجئين إلى قراهم داخل الأراضي التي أنشئت عليها إسرائيل في عام 1948. ولفرض التصورات الإسرائيلية حول الدولة الفلسطينية وشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق القرارات الدولية، تنشط الدوائر الإسرائيلية المختلفة منذ سنوات عدة من أجل تعميم فكرة يهودية الدولة، وتنشيط الاستيطان وتكثيفه في عمق الضفة الغربية وبخاصة في قلب مدينة القدس التي يعتبرها الفلسطينيون عاصمة دولتهم المنشودة.
من فضلكم.. دعوا قطاع غزة يتنفس!
بقلم: بكر عويضة عن الشرق الأوسط
قدر مدن أو أقاليم ومناطق بأكملها، ألا يطول غيابها عن رادارات الأخبار. ليس المقصود هنا الخبر العادي، بل الساخن، وفي بعض الأحيان الملتهب، بفعل استمرار صراع لا يلوح حل له في أفق قريب. قطاع غزة يشكل إحدى تلك النقاط الساخنة. قبل بضعة أيام (الأربعاء 12 الحالي) طلع علينا أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي، داعيا إلى «إعادة احتلال» القطاع ردا على صواريخ حركة الجهاد الإسلامي. ليبرمان قال عبر قناة التلفزيون الإسرائيلي الثانية: «بعد هجوم كهذا، لا يوجد بديل عن إعادة احتلال كل قطاع غزة بشكل كامل». ليست هذه أول مرة «يجعجع» فيها مسؤول إسرائيلي بتهديد «إعادة الاحتلال»، إنما ثمة سؤال من واجب القيادات الفلسطينية أن تجيب عنه: هل إن ما قال ليبرمان هو مجرد «جعجعة» بلا طحن؟ الإجابة بـ«نعم» هي الأسهل لكثيرين. الخيار الأصعب هو الأخذ بعين الاعتبار تصاعد أجواء التوتر الدولي، خصوصا بعد ضم روسيا رسميا القرم، وقد يكون إطلاق صواريخ سرايا القدس الذريعة التي تنتظرها تل أبيب لتثبت هذه المرة أن تهديد ليبرمان يتجاوز غرض الاستهلاك المحلي.
إن نظرة فاحصة لواقع ما يجري على الأرض في سوريا، وارتداداته في لبنان والعراق والأردن، إضافة إلى الانشغال بالشأن الداخلي في مصر، والآن تصاعد التوتر الروسي – الغربي، واحتمال انتقال الأزمة من الحلبة السياسية إلى المواجهة العسكرية بدءا بشرق أوكرانيا، هكذا نظرة سترجح كفة أن الظرف العالمي يتيح لإسرائيل، إن أرادت، إعادة احتلال أرض فلسطينية انسحبت منها صيف عام 2005، وإذا حصل هذا، فالأرجح ألا يتجاوز رد الفعل استنكارا هنا وإدانة هناك، إنما الأشد إيلاما هو القول بصراحة، ومن دون مواربة، إن الطرف الفلسطيني باختلاف فصائله فشل في الحفاظ على ما تحقق من استقلال، ولم يعرف كيف يبني فوق الأرض على ما حصل عليه منها، ثم يواصل الجهد بغرض تحقيق الأفضل. على النقيض من ذلك، وجهت زعامات الفلسطينيين دعوة مجانية للعالم كي يتفرج على سخف خناقات بينهم بدأت بالخلاف على حقائب وحصص وزارية، ومسؤوليات أمنية، ثم سرعان ما تطورت صيف 2006، بعد عام واحد من انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، إلى تصفيات بالرصاص، ومطاردات حتى أسطح الأبراج. لقد صدق الشباب أنهم صاروا دولة، فصار ضرب أعناق بعضهم البعض هينا إزاء إحكام القبضة عليها.
الواقع أن تصديق وهم الدولة، وما تبعه من شيوع فساد إداري وتسيب مالي، وبهرجة في المظاهر كانت تثير العجب، يسبق عام 2006 بأعوام تعود إلى بدايات عودة السلطة الفلسطينية من تونس إلى القطاع. أمامي الآن، إذ أكتب هذه المقالة، نسخة من الصفحة الأولى لعدد جريدة «الشرق الأوسط» رقم 6549 الصادر بتاريخ السبت الموافق 2 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1996 بصورة تتصدر الصفحة لطفل يبدو كأنه من ضحايا المجاعة في القرن الأفريقي، لكن التعليق تحتها يقول إنه من غزة، وإن وزنه يقل عن الوزن الطبيعي لعمره (11 شهرا) بثلاثة كيلوغرامات. تلك واحدة من صور صاحبت سلسلة تحقيقات أجريتها خلال مهمة صحافية، حمل أحدها العنوان التالي: «أطفال يعيشون على الخبز والشاي.. وأمراض سوء التغذية تفترس حديثي الولادة»، وجاء في عنوان تحقيق آخر: «شبان يتسولون فرصة عمل.. والاكتئاب ينتشر مثل الزكام». صحيح أن جانبا أساسيا من أسباب ذلك الوضع المتردي كان عائدا آنذاك لإغلاق إسرائيل المعابر أمام عمال غزة. لكن، في الآن نفسه، صحيح أيضا أن حال كثير من المسؤولين الفلسطينيين العائدين للتو من تونس إلى القطاع كان يشير، مذ ذلك الوقت المبكر، إلى أن تمدد حزام الفقر بين عوام الناس، يقابله تزايد حالات ثراء مفاجئ وغير عادي بين أقلية محسوبة على الدوائر الحاكمة.
من الواضح أن قطاع غزة يدفع ثمن خلل سياسات من تولوا أمره منذ اتفاق أوسلو وحتى يومنا هذا، سواء على مستوى تسيير شؤونه، أو على صعيد إدارة علاقاته مع محيطه الجغرافي. لكن إلى متى؟ أما آن لهذا الشريط المختنق بأكثر من مليون ونصف المليون نسمة في مساحة تضيق بربع هذا العدد، والواقع على ساحل المتوسط، شماله مدخل إلى مصر عبر صحراء سيناء، ومن شرقه يتفرع طريق يوصل لبئر السبع عاصمة النقب، وعند بوابة جنوبه ينتصب معبر إريتز (الأرض) أول الطريق إلى إسرائيل، أما آن أوان أن يتنفس أهله مثل غيرهم من الناس، أم أن قدرهم أن تظل الأنفاس، جيلا بعد جيل، رهن من بأيديهم الحل والربط، بعضهم ضاغط بالأصابع على متفجرات وصواعق بطاريات صواريخ، وغيرهم ممسك بقرارات فتح وإغلاق معابر، وآخرون بالغرق في مفاوضات تتعلق بكيفية التوصل إلى إطار للمفاوضات.
ما هذا؟ من يحاول بيع ماذا لمن؟ نظريا، السوق مفتوحة والزبون دائما على حق. لكن معظم ناس هذا الجزء من العالم ملوا كل التجار وقرفوا من بضاعة الزيف كافة، لأن حقهم واضح وبسيط: هو الحق في حياة كريمة مثل غيرهم من البشر، على الأقل كما ربع حق جيرانهم في مستوطنة غوش قطيف، حيث تهدر الكهرباء والماء بلا انقطاع فيما يغرق في العطش والظلمة معظم القطاع. أعرف أنها صرخة في واد سحيق، قال بها آخرون من قبلي، لكني سأكررها لكل الأطراف، وفي مقدمهم أولئك المتناحرون من زعماء الفلسطينيين أنفسهم: من فضلكم، دعوا قطاع غزة يتنفس. وما ينطبق على القطاع يشمل مدن فلسطين وقراها كافة حتى يتحقق حلم دولة مستقلة طال انتظارها جيلا بعد جيل.
ما الذي تعد له سلطات الاحتلال الإسرائيلي؟
بقلم: أسرة التحرير عن الوطن القطرية
يتجدد التساؤل الحائر، في كل مرة يشهد فيها الواقع على الأرض، المزيد من تعنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، واستهدافها لروح عملية السلام، عبر تصرفات استفزازية، تعمد إليها في كل مرة، من قبيل محاولات اقتحام المسجد الأقصى، والاستمرار في مخططات الاستيطان، والبحث مع سبق الإصرار، عن كل ما يمكن أن يصبح عقبة أو ذريعة، تمنع استمرار الجهود الدولية المتعلقة بعملية السلام في الشرق الأوسط. التساؤل هو: ما الذي تعد له سلطات الاحتلال الإسرائيلي؟.
إن صبر المفاوض الفلسطيني وهو يخوض منذ سنوات تفاوضا ماراثونيا برعاية دولية، وبمرجعية مقررات مؤسسات الشرعية الدولية الموثقة والمعروفة، قد بدأ ينفد. وقبل أيام، فقد جرت محادثات في واشنطن، بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع اقتراب توقيت انتهاء مرحلة المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية التي تجري برعاية أميركية مباشرة. فسوف تنتهي المرحلة المقررة للتفاوض في نهاية أبريل المقبل.
وبالمتابعة الدقيقة، لما يدور حاليا من حراك، تقوده واشنطن لمحاولة إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين بمد أجل التفاوض لفترة جديدة، وهو ما يتوقف تحديدا على ما قد تتعهد به الإدارة الاميركية للطرفين، لإقناعهما بالاستمرار في التفاوض لوقت إضافي، بهدف الاتفاق على ما يعرف بـ «وثيقة الاتفاق الإطار»، فإن الانطباع العام يؤكد بأنه ليس لدى الفلسطينيين ما يمكن التنازل عنه لأنهم لا يقبلون مطلقا بما ظلت تقدمه إسرائيل من اشتراطات خارجة عن نطاق مقررات الشرعية الدولية.
إن تصريحات عديدة للرئيس الفلسطيني قد ركزت – مؤخرا – على القول بأنه ليس هنالك وقت يمكن إضاعته الآن، في ما تقوم به إسرائيل من مماحكات واستفزازات غير مقبولة. لكل هذا فإننا نقول بأنه من واجب الإدارة الاميركية الآن أن تتخذ موقفا حاسما بانحيازها إلى مرجعية عملية السلام، بما تحمله من تأكيد للحقوق الفلسطينية المشروعة والمعترف بها من قبل كافة مؤسسات الشرعية الدولية.
نتنياهو ولغة التحريف والتزييف
بقلم: جيمس زغبي عن السفير البيروتية
أثناء مراجعة بيانات استطلاعات الرأي بشأن المواقف الإسرائيلية والفلسطينية من جهود السلام التي تقودها الولايات المتحدة في الوقت الراهن، يتضح بصورة جلية، ليس فقط التباعد السافر بين رؤى كلا الفريقين فحسب، بل أيضاً مدى تأثر هذا التباعد باللغة المركزية الإسرائيلية المستخدمة في تأطير كثير من القضايا المطروحة في تلك الاستطلاعات.
وينطبق ذلك تماماً على مناقشات السياسة الأميركية بشأن احتمالات عملية السلام في الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، عندما يطرح المعلقون والمحللون الأميركيون القضايا التي يتعين تناولها في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، يستخدمون في العادة مصطلحات ويقبلون فرضيات، لا لشيء سوى أنها تُستخدم بصورة متكررة، وقد أصبحت تعتبر جزءاً من السياق الطبيعي للأمور. وأتحدث هنا عن مصطلحات مثل «الكتل الاستيطانية» و«تبادل الأرض» و«التحريض»، والإشارات إلى «أحياء القدس» و«الدولة اليهودية».
وفي حين يرى الإسرائيليون والأميركيون أن هذه اللغة تصف «مسلَّمات»، يعتقد الفلسطينيون أنها مصطلحات «متكلفة» و«متحيزة» تستخدم لإخفاء الظلم.
وعندما يرفض الفلسطينيون هذه المصطلحات والفرضيات، يُفسّر ذلك افتراءً على أنه دليل على عدم التزامهم الكامل بعملية السلام.
في المقابل، قال نتنياهو مؤخراً، عندما أشار إلى رفض الفلسطينيين الاعتراف بالدولة اليهودية والتخلي عن حق العودة: « لن أبرم اتفاقاً لا يلغي حق العودة، ولا يشمل اعترافاً فلسطينياً بدولة يهودية».
وأضاف نتنياهو انه «نظراً إلى عدم قبول الفلسطينيين شروطي، فإنهم لا يبدون أي إشارة على أنهم يعتزمون التوصل إلى اتفاق سلام عملي وعادل».
بعبارة أخرى، من وجهة نظر نتنياهو فـ «إذا كنت تريد السلام ستقبل شروطي وفرضياتي وتتخلى عن شروطك وفرضياتك، لكن إذا تشبثت بروايتك، فأنت عندئذ غير جاد بشأن التوصل إلى السلام».
وفي الإطار ذاته، لننظر إلى عنصر آخر بات كأنه مقبول بشكل عام في أي نقاش بشأن عملية السلام الإسرائيلي الفلسطيني، ألا وهو أن «الكتل الاستيطانية» الإسرائيلية في الضفة الغربية باتت الآن «وقائع مقبولة» ستحتفظ بها إسرائيل في أي اتفاق سلام، وفي مقابل الاحتفاظ بهذه الكتل ستقدم «أراضي بديلة» للدولة الفلسطينية الجديدة.
لم يعد مبدأ «المقايضة» هذا مطروحاً للنقاش، وإنما بات من «المسلَّمات»، وكل ما تبقى هو تحديد عدد «الكتل» التي ستصر إسرائيل على الاحتفاظ بها، ومساحات وأماكن الأراضي التي ستقدمها في المقابل.
ولعل هذا المبدأ التجاري يبدو منطقياً وعادلاً بالنسبة للإسرائيليين والأميركيين، لكنه بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، وخصوصاً أولئك الذين صُودرت أراضيهم لإفساح الطريق أمام إحدى المستوطنات، لا يبدو أكثر من مصطلح مخصص لإضفاء الشرعية على ما هو «غير مشروع».
ولنأخذ على سبيل المثال المستوطنة الإسرائيلية «هار هوما»، التي تم بناؤها قبل 15 عاماً على أراضٍ صادرتها إسرائيل من سكان بيت لحم وسط اعتراضات شديدة من الرئيس الأميركي آنذاك بيل كلينتون. إذ نتيجة لهذا لاستعمار الإسرائيلي وسلسلة المستوطنات المشابهة التي بنتها إسرائيل في هذه المدينة الصغيرة، لا يمكن لبيت لحم أن تنمو، كما أنها باتت مفصولة عن القدس.
وفي الوقت الراهن، أصبح 17 ألف إسرائيلي يعيشون في «هار هوما»، وأضحى مطلوباً من الفلسطينيين أن يروا المستوطنة كـ«أمر واقع يجب قبوله».
في مقابل هذا الظلم، سيتم طرح «مقايضة للأرض» على الفلسطينيين في مكان آخر، ولكن تلك الأرض التي ستتم مقايضتها لا تمت بصلة إلى بيت لحم أو الأسر التي فقدت أراضيها، كما أنها لا ترفع الظلم الواقع على المجتمع بأسره بسبب عزله الفعلي عن القدس.
وبالنسبة لهؤلاء الفلسطينيين، لا يبدو ذلك منصِفاً، فالمسألة عبارة عن منح أراضٍ مسروقة وانتهاكات للقانون الدولي. وتنطبق هذه القصة على مئات من القرى والمدن الأخرى التي تمت مصادرة أراضيها من أجل بناء المستوطنات والطرق «وجدار الفصل العنصري»، وهو ما يؤدي إلى تعاظم الشعور بالظلم.
ويمثل الحضيض بالنسبة للفلسطينيين أن تقرر إسرائيل ما «يُعطى» وما «تحتفظ به» وما «تستبدله»، وكل ما يمكن للفلسطينيين فعله هو «قول لا»، وفي هذه الحالة يتم تصويرهم على أنهم «معادون للسلام».
وهناك مصطلح آخر كثيراً ما يتم استخدامه هو «أحياء» لوصف المستوطنات في ما يعتبره الإسرائيليون «القدس الكبرى». ولعل استخدام هذا المصطلح بدلاً من «مستعمرة تم بناؤها بشكل غير قانوني على أراضٍ محتلة ومصادرة» ينقل صورة بسيطة ومريحة للأميركيين، ولكن، بالنسبة للفلسطينيين، تمثل هذه المستوطنات الضخمة، التي تتعرج وتحوط القدس وتحاصر وتخنق عشرات القرى العربية الصغيرة القديمة، قصة نزع ملكية وإنكار للحقوق.
في النهاية، يعتبر زعم نتنياهو أن الفلسطينيين منغمسون في التحريض، مثالاً آخر على سيطرة الإسرائيليين على مصطلحات النقاش.
وحتى إن وجدت تصريحات غاضبة من قبل زعماء سياسيين ودينيين فلسطينيين، فإن التحريض ليس مجرد قضية فلسطينية، فشركاء نتنياهو في الحكومة وصفوا الفلسطينيين بأنهم «غرباء» وطالبوا بطردهم من أراضيهم.
وقد وصف قادة دينيون إسرائيليون آخرون الفلسطينيين بأنهم «ثعابين» و«حشرات»، وزعموا أنه نظراً لكونهم ليسوا يهوداً، فإن قاعدة «عدم جواز القتل» لا تنطبق عليهم.
في السابق، كان هناك تسامح مع الإرهابي اليهودي الذي سفك دماء أكثر من عشرين مصلياً عربياً في مسجد الخليل. واليوم يتمتع المستوطنون بحصانة عند الهجوم على مزارع الفلسطينيين ومحالهم ومنازلهم. هذه مجرد أمثلة على ما هو أكثر من ذلك.
ولا يبدو واضحاً اليوم أي ألاعيب سحرية يخفيها أوباما ووزير خارجيته، مع اقترابنا من الموعد النهائي المحدد لتقديم كيري وثيقة إطار عمل لتحديد المسار الذي سيمضي فيه الفلسطينيون والإسرائيليون، خلال المرحلة المقبلة من عملية السلام.
دعم القدس..
بقلم: عماد عبد الرحمن عن الرأي الأردنية
جمعت الهيئة المشرفة على إدارة صندوق دعم القدس حوالي 50 مليون دولار من داخل فلسطين وحدها، لتعزيز دعم صمود المقدسيين في بيوتهم ومؤسساتهم وعقاراتهم، امام السعي الاسرائيلي المحموم لامتلاك اكبر قدر ممكن من الاملاك العربية وقطع الاراضي في القدس، والسيطرة عليها قطعة قطعة، مستخدمة كافة وسائل الضغط، من ترغيب وترهيب، للوصول الى واقع يكرّس سيطرة الاحتلال على تلك الممتلكات.
ما يقوم به المقدسيون من مقاومة ورفض لتلك المحاولات مدعومين من اشقائهم الغيورين على مستقبل المدينة المقدسة، والحفاظ على هويتها العربية، وما قدمه الهاشميون على مدى نحو ستين عاما، من دم ومال، للحفاظ على المقدسات الاسلامية، سواء بالاعمار الهاشمي للمساجد والاوقاف العربية الفلسطينية، او بالولاية الهاشمية المباشرة على إدارتها، يمكن اعتبارهما الجهد الوحيد على الارض، الذي حافظ على ما تبقى من المدينة ومقدساتها، وبغير ذلك يبقى الحديث عن دعم القدس وصمودها، كلام لم يتعدَ سوى اسطر خطتها القمم العربية والاسلامية المتتالية على مدى العقود الماضية.
صندوق دعم القدس، الذي يعرف بـ «وقفية القدس» يعمل هذه الايام في الاردن لجمع مزيد من التبرعات للوصول الى الرقم المنشود، للإنفاق على الاملاك العربية وترميم المباني القديمة وتعزيز صمود السكان العرب، وسيتوجه قريبا الى الدول العربية للحصول على مزيد من الدعم في هذا الاطار، وهو يدار من قبل شخصيات فلسطينية سياسية واقتصادية مستقلة، هدفه الاول جمع التبرعات من اجل القدس واهلها، هنا أؤيد الفكرة بضرورة وضع اليات واضحة ومعلنة عن طريقة جمع الاموال وطرق انفاقها، لضمان صرفها في المكان الصحيح، وحتى ننتهي من قصة التشكيك والطعن التي اصبحت ترافق اي جهد مالي من اجل قضايا الامة.
شعبيا، يقتصر دعم القدس على الشعارات والمناداة ليل نهار بالصمود، وفي نفس الوقت يحاصر اهالي المدينة من الاحتلال الاسرائيلي أولا، ومن «بني الجلدة» ثانيا، كونه «يحرّم» زيارة القدس والالتقاء بأهلها والتواصل معهم، ودعم اقتصادهم، تحت «تهديد» اللوائح السوداء ومفاومة التطبيع، تخيلوا لو زار المدينة مئة الف مواطن عربي سنويا، تخيلوا حجم الدعم الذي سيصل الى اهالي المدينة، والاهم من ذلك الدعم المعنوي، الذي سيفضي بالتأكيد الى تعزيز صمودهم، وعدم تركهم وحيدين في مواجهة جنود الاحتلال وعصاباته، التي تنتهك حرمات الاقصى يوميا.
يتوقع ان يشهد المسجد الاقصى حملة اعتداءات متصاعدة في الاسابيع المقبلة، وبالمقابل لا نرى تحركا عربيا او اسلاميا او امميا بحجم خطورة الموقف الا فيما ندر، ولا يدافع عنه حاليا سوى موظفي الاوقاف الاسلامية الاردنية، وطلبة المصاطب العلمية والمصلين، المتواجدين في رحاب المسجد، ويرابطون هناك لمواجهة اقتحامات المستوطنين بسلاح التكبيرات وشعارات المناصرة، فهل تكفي هذه الاسلحة للذود عن اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
لا زلت اصر على ان صمود المقدسيين مستمر بفعل الدعم الشعبي في فلسطين، والدعم الهاشمي شرقي النهر، وبغير ذلك، يبقى الحديث عن القدس ومقدساتها ومكانتها سياسيا واعلاميا، وهو ما لم يعد كافيا هذه الايام.
«إسرائيل» تخشى فوضى المنطقة؟!
بقلم: خالد فلحوط عن تشرين السورية
مضت ثلاث سنوات على الأحداث الدائرة في سورية، والحكومة الإسرائيلية في ترقب مباشر وحذر للأحداث.
وبحسب مقال نشرته صحيفة «الغارديان» فقد أشار كاتب المقال إلى أن سورية ليست مثل لبنان والأردن والعراق، فهي العدو الرئيس لـ«إسرائيل» منذ 65 عاماً، ونتيجة الأحداث الجارية في سورية والتدفق المتزايد للعصابات الإرهابية مختلفة الجنسيات، فقد أصبحت «إسرائيل» تخشى من تشتت السوريين وتفتيت البلد وصعود النموذج (الجهادي) ضد الدولة السورية، وفي النهاية ستتأثر «إسرائيل» بشكل أو بآخر بهذه الفوضى.
يتم علاج الجرحى الإرهابيين في الجزء المحتل من الجولان السوري من قبل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي سمحت بتغطية إعلامية محدودة، ومقابل ذلك يتم استجواب هؤلاء الجرحى عن حالة المجتمع السوري وبنية المجموعات الإسلامية المقاتلة وعن الأسلحة الموجودة لديهم بكونهم (لاعبين جدداً) في المنطقة حسب تعبير المسؤولين الإسرائيليين.
حذر مسؤولون إسرائيليون، ومن ضمنهم رئيس الاستخبارات العسكرية، من القوة المتزايدة للمجموعات المتطرفة مثل «جبهة النصرة» وما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» وهذا يصب أيضاً في المخاوف الأوروبية لما سموه (النكسة) من عودة هؤلاء الإسلاميين المتطرفين لأوطانهم الأصلية، أما «إسرائيل» فتتحدث عن خطر (الجهاد العالمي).
وبحسب الوثائق والوقائع، تلقي سورية باللوم على السعودية وقطر وجارتها تركيا التي تدعم الإرهابيين، لكنها اتهمت (إسرائيل) بالتورط مباشرة، كما إن هناك معلومات عن مقتل عملاء «للموساد» خلال عمليات عسكرية في جنوب سورية، فليس من المفاجئ أن تقوم «إسرائيل» بمراقبة التطورات وتأثيرها وقد يكون ذلك بالمشاركة استخباراتياً أو تقديم نوع من الأسلحة التي تخدم حلفاءها.
فعلى أرض الواقع، تسعى «إسرائيل» لعقد اتفاقات منفردة مع بعض القوى والمجموعات المناسبة لتطلعاتها وهذا ما حصل خلال الحرب اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي عندما عقدت اتفاقاً مزوراً مع بعض القوى المسيحية لمحاربة منظمة التحرير الفلسطينية. ويتحدث كاتب المقال عن التناقض الحاصل بين رغبة أميركا في «إسقاط الدولة السورية وتفكيكها» ورغبة (إسرائيل) في عدم الانجرار في فوضى المنطقة وازدياد الخطر الإرهابي المتمثل بـ(الجهاديين الإسلاميين).
لكن «إسرائيل» مرتاحة إلى حجم الدمار الهائل الذي أصاب سورية بكل مقوماتها.
إن امتناع القادة الإسرائيليين عن الإدلاء بالتصريحات بشأن الوضع القائم في سورية منذ إيهود باراك وزير الدفاع وقتها، هو دليل على حجم الرعب والحذر الذي يصيبهم. ويضيف كاتب المقال على لسان المسؤولين الإسرائيليين: إن إطلاق الأحكام والتكهنات غير الدقيقة عن سورية ومدى صمودها هو أمر غير صائب وسيئ، فالدولة السورية تتمتع بالقوة ولديها تلاحم شعبي وجيش قوي إضافة إلى حلفائها في المنطقة وفي العالم والذين يحملون التطلعات والتوجه المقاوم نفسهما ولاسيما إيران.
يتمثل الانخراط السياسي لـ«إسرائيل» في أحداث الأزمة في سورية بعدة مجالات ومن الناحية النظرية فإن «إسرائيل» تريد رؤية «سقوط» الدولة السورية، لكنها لا تنظر للبديل القادم بعين الرضى والارتياح بل تعده بديلاً سيئاً جداً مع سيطرة مجموعات إرهابية أصولية متطرفة.
أوكرانيا.. الاختيار ليس اختياراً.. والسلاح مصوب نحو الرأس
بقلم: جون جينكنز ( السفير البريطاني في العربية السعودية) عن الرياض السعودية
طلب من مواطني شبه جزيرة القرم يوم الأحد المنصرم القيام باختيار مستحيل: ألا وهو التصويت على الانضمام أو الاستقلال - ولكن من دون أي ضمانات بأن الاستقلال سوف يجلب احترام روسيا لسيادة القرم المستقلة أو سلامة أراضي أوكرانيا المستقلة.
إن المفارقات في هذا الاستفتاء ظهرت جلية حين جاءت الغالبية العظمى من الأصوات لصالح الانضمام، رغم أن الأمر كان بمثابة القرعة، كأن تقذف قطعة من عملة معدنية نحو الأعلى، حيث جاء التصويت بنعم على الرغم من الخسائر المترتبة على ذلك بالنسبة لشبه جزيرة القرم. لذلك لم يكن للنتيجة وقع المفاجأة، وقد أيد البعض هذا الأمر على انه نصر للديمقراطية وانه قد بدا للوهلة الأولى كإقرار صريح باستقلال القرم، ولكن جوهر الأمر ليس كذلك.
في الحقيقة لقد تم إقرار القيام بهذا الاستفتاء خلال عشرة أيام دون القيام بحملات أو مناقشات عامة حول هذا الشأن، ومن دون السماح لقادة أوكرانيا من زيارة القرم وفي ظل خرق جائر للدستور الأوكراني. والأمر الأكثر أهمية، هو إجراء هذا الاستفتاء في ظل وجود قوة أجنبية تضم آلاف الجنود على ارض القرم، مما يدعو للسخرية من الممارسات الديمقراطية الحقيقية. إن بنود الدستور الأوكراني واضحة في هذا الشأن - حيث يجب إجراء أي استفتاء بناء على طلب ثلاثة ملايين مواطن على أن يشمل كافة أرجاء أوكرانيا. إن المملكة المتحدة لم ولن تعترف بمثل هذا الاستفتاء الذي تم إجراؤه وفقا لشرعية زائفة وفي ظل وجود قوات مسلحة أجنبية.
ولعلكم تتساءلون ما الذي يهم عامة الناس في المملكة المتحدة أو الشرق الأوسط من هذا الأمر؟ سعت أوروبا منذ أكثر من عقدين من الزمن لوضع حد للتوترات والصراعات الناشئة عن الحرب الباردة، في محاولة منها لتجنب تكرار مآسي الصراعات المريرة السابقة وحل النزاعات سلميا. وبهدف توحيد القارة الأوروبية ومنع النزاعات التي تؤدي لإشعال الحروب، تم تأسيس المنظمات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا، والتي تتمتع كل من روسيا وأوكرانيا بعضوية كاملة فيها.
ومن خلال موقفها من القضية السورية والآن في شبه جزيرة القرم، تبدو روسيا غير راغبة – لأسباب غير معلومة – في الاعتراف بأهمية الدور الذي يتعين على المجتمع الدولي القيام به من أجل الحفاظ على السلام والنظام والاستقرار. وعلى الرغم من التزامنا بعدم التغاضي عن آثار القرارات السياسية على حياة الأفراد الأكثر تضررا من الأزمات مثل ما هو الحال في سورية، فان الأمل الوحيد الحقيقي لتحقيق السلام الدائم هو من خلال الحوار والحلول السياسية المتفق عليها.
سوف تواصل المملكة المتحدة حث الرئيس بوتين على استخدام الصلاحيات المخولة له لإنهاء هذه الأزمة بما يحقق الخير والمصلحة لكل من القرم وأوكرانيا وأوروبا وروسيا، حيث ان قيام الرئيس بوتين بتوقيع الاتفاق على ضم القرم يعد رسالة صادمة، ويكشف لأوروبا والعالم عن حقيقة الأطماع الروسية. إن الوقت ليس متأخرا بالنسبة إلى الحكومة الروسية للمشاركة جديا في الجهود الدبلوماسية المبذولة لإيجاد حل سلمي لهذه الأزمة. ولكن يتعين على الحكومة الروسية التحرك سريعا في هذا الاتجاه.
لماذا اهتمامى بأوگرانيا؟
بقلم: جميل مطر عن الشروق المصرية
أن أكرر الكتابة عن الآثار الواقعة والمحتملة على مصر وسياستها الخارجية نتيجة التطورات الأخيرة فى أوكرانيا، لا يعنى أننى أبالغ فى تقدير أهمية مصر، وإن كنت بالفعل أعتقد أن لموقعها وتاريخها أهمية فى تقرير ما يحدث لها ولمن حولها، ولا يعنى أننى لا أرى أمة غيرها أو دولة أخرى إلا من خلال منظورها، وإن كنت أتصور أحيانا أن بعض أحكامى تصدر متأثرة بأحوال مصر وظروفها، تماما كما يحدث عندما أحكم على أشخاص وأشياء متأثرا بحالتى النفسية والذهنية، وبإدراكى الشخصى لما يحدث حولى.
أهتم بمتابعة وتقدير آثار أحداث أوكرانيا على مصر لأسباب موضوعية لا علاقة مباشرة لها بأوكرانيا، وأظن أنها واضحة. منها على سبيل المثال:
أولا: إننا نعيش فى عالم ترابطت أجزاؤه وتداخلت أزماته ومشكلاته وتشابكت اهتماماته وتواصل البشر فيه بدرجات لم يعرف التاريخ الإنسانى لها مثيلا.
ثانيا: إن مصر تحديدا، وأقصد مصر الراهنة، تحاول بجهد ملموس وتحت ظروف قسرية وطوعية معا، الخروج من كمون طويل تدهور فى بعض مراحله إلى سنوات انعزال، وبينما هى تحاول الخروج من هذا الكمون يزداد شعور القائمين عليها بأنهم أمام عالم غريب. أدواته غريبة وسلوكياته غريبة.
ثالثا: أمام هذا العالم الغريب، كان لابد لمصر أن تجتهد. تجتهد لتفهم، وتجتهد لتغير، وتجتهد لتقتحم آفاقا غير مألوفة، أو على الأقل لم تكن مرئية بعيون تعودت على الكمون والتردد. أكاد على البعد أحيانا، وعلى القرب أحيانا أخرى، ألمس الجهد المطلوب دبلوماسيا لتحريك مواقف وفتح نوافذ وطرق أبواب والقفز فوق أسوار، وقبل هذا وذاك، الجهد المطلوب لنزع الخوف. أعرف أن البعض يجتهد.
رابعا: بعد سنوات كمون وسنوات انعزال جاءت سنوات انشغلت فيها مصر بصراعات ثورة داخلية. انتبهنا إلى صراعات الداخل وأهملنا صراعات الخارج ولم نقدر ضخامة الثمن الذى سيتعين علينا دفعه نتيجة أن تجرى صراعات الخارج ونحن غائبون عنها. لم نفكر فى الثمن إلا متأخرا. حانت ساعة اللحاق بما فاتنا والالتفات إلى تعاظم تكاليف الغياب والإهمال.
خامسا: كتب كثيرون فى الأيام القليلة الماضية عن «أثر الفراشة»، هذه الرواية الرمزية عن فراشة رفرفت بجناحيها فى الصين فهبت العواصف فى الشرق الأوسط. الفراشة التى تعنينا رفرفت بجناحيها مرتين ولكن ليس فى الصين وإنما فى شرق أوروبا، بخاصة فى أوكرانيا. رفرفت مرة فهبت العواصف فى الشرق الأوسط تحت عنوان الربيع العربى. وها هى ترفرف مرة ثانية.
كثيرة هى الظروف والأسباب الموضوعية، أى غير المباشرة، التى فرضت على المسئولين فى مصر الاهتمام بتطورات الأحداث فى أوكرانيا. فرضت الاهتمام على أنصار التغيير بالثورة والإصلاح وفرضت الاهتمام على أعداء التغيير وأهل الارتداد، بخاصة هؤلاء الذين اكتشفوا أنه ما من أمل فى التعجيل بالعودة إلا إذا استوعبوا بالفهم وغيره تفاصيل الثورة البرتقالية وارتداداتها.