-
1 مرفق
اقلام واراء عربي 665
في هــــــــــــــــــــــذا الملف:
إنهيار المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية ينهي آخر فرصة للتسوية على أساس الدولتي
رأي القدس العربي
لا فائدة من السعي وراءهم!
طارق مصاروة- الرأي الأردنية
«نفاق» الوسيط غير النزيه
عريب الرنتاوي-الدستور الأردنية
هل تقوم انتفاضة فلسطينية ثالثة؟
د. اسعد عبد الرحمن-الرأي الأردنية
"وثيقة الأسرى" مدخل لتجاوز المأزق
علي جردات-الخليج الإماراتية
أين العدالة من تقرير فولك
أحمد مصطفى علي-الخليج الإماراتية
السلطان عبدالحميد وفلسطين: الخرافة وتفكيكها!
خالد الحروب-الحياة اللندنية
حزب الله ليس عدونا!
عبد الرحمن الراشد-الشرق الأوسط
إنهيار المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية ينهي آخر فرصة للتسوية على أساس الدولتين
رأي القدس العربي
هددت اسرائيل بفرض عقوبات على الفلسطينيين احتجاجا على تسليم طلبات الانضمام لمعاهدات ومواثيق دولية. وبدأت يوم أمس بأول اجراءاتها، حيث اعطت الضوء الاخضر لمشروع بناء متحف للآثار على مساحة 16.600 متر مربع في حي سلوان، على بعد عشرين مترا فقط من اسوار البلدة القديمة في القدس المحتلة.
الإجراءات العقابية الاخرى التي تتوعد بها اسرائيل تتضمن تجميد الإذن الذي قدمته لشركة ‘الموبايل الوطنية’ لتتمكن من العمل في قطاع غزة. كما توعدت اسرائيل بتقييد نشاط السلطة الفلسطينية في مناطق ‘ج’ في الضفة الغربية، اضافة الى ايقاف تحويل الضرائب والتي تبلغ قيمتها حوالى 140 مليون دولار شهريا تجمعها اسرائيل من الفلسطينيين كضرائب على السلع سواء الصادرات او الواردات، بناء على اتفاقية باريس الاقتصادية التي تم توقيعها عام 1994، ويشكل هذا المبلغ اكثر من نصف ميزانية الحكومة الفلسطينية.
تستطيع اسرائيل بقدرتها العسكرية فرض هذه العقوبات، ومن غير المستبعد ان تتخذ اجراءات استفزازية على الارض لتزيد من معاناة الفلسطينيين، مثل الحواجز واغلاق المناطق وغيرها، ولكنها ستدفع ايضا ثمنا باهظا لانهيار المفاوضات، سواء بالتداعيات الأمنية او بانضمام فلسطين للمعاهدات والمنظمات الدولية، لا سيما المحكمة الدولية في لاهاي، مما يسمح للفلسطينيين بإقامة دعاوى قانونية ضد تل ابيب.
طلبات الانضمام لخمسة عشر ميثاقا واتفاقا دوليا التي قدمها رئيس طاقم المفاوضات صائب عريقات، ووزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي مؤخرا للمبعوث الخاص للامم المتحدة في الشرق الاوسط روبرت سيري، ولمندوبي سويسرا وهولندا لدى السلطة الوطنية، تتعلق جميعها بحقوق الانسان وقضايا اجتماعية، وهي خطوة قد لا تتأثر اسرائيل كثيرا بنتائجها، ولكن الانضمام لبقية المنظمات الدولية من شأنه ان يثير قلق اسرائيل وفزع جنرالاتها ممن تلوثت اياديهم بدماء الفلسطينيين.لم يكن من المستغرب وصول المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية الى طريق مسدود، فبعد ثمانية اشهر من اللقاءات، واكثر من عشرين زيارة لوزير الخارجية الامريكي جون كيري، لم يتم الكشف خلالها عن التوصل لاي اتفاق على اي بند. على العكس من ذلك استغل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه المفاوضات ليضع بنودا تعجيزية جديدة على غرار طلب الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل، وليفرض امرا واقعا على الارض بتوسيع الاستيطان، وتسريع خطوات تهويد مدينة القدس المحتلة.
الأزمة التي وصلت اليها المفاوضات، والتي تهدد بانهيارها وبإنهاء آخر فرصة للوصول الى تسوية على أساس الدولتين، هي نتيجة طبيعية لمماطلة المسؤولين الاسرائيليين، سواء من المتطرفين او الاقل تطرفا (لا يوجد مسؤولون اسرائيليون معتدلون) الذين اعتادوا على التنصل من الاتفاقيات، ومواصلة سياسة الابتزاز.
فحتى تسيبي ليفني وزيرة العدل الاسرائيلية التي لعبت دور الحريص على المفاوضات (تطلب هذا الدور احيانا انتقاد زملائها بالحكومة والكنيست)، تخلت عن قناع "الاعتدال" وحمّلت الفلسطينيين مسؤولية قرار عدم اطلاق المعتقلين، بسبب توقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس على طلب الانضمام للمعاهدات الدولية يوم الثلاثاء الماضي، متجاهلة عدم التزام اسرائيل بموعد 29 آذار/مارس (السبت الماضي)، والتراجع عن اطلاق 30 معتقلا بمن في ذلك 14 اسيرا من منطقة 48، ومتجاهلة كذلك اعلان عطاءات لبناء 708 وحدات سكنية في مستوطنة في القدس المحتلة.
هذه الاجراءات لم تترك للفلسطينيين اي خيار سوى الرّد بهذه الخطوة الأولية، خاصة وان اسرائيل لم تبق لهم الكثير ليخسروه، بل على العكس، ستكون خسارة اسرائيل اكبر.
لا فائدة من السعي وراءهم!
طارق مصاروة- الرأي الأردنية
لم تنجح المساومة على اطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين، باطلاق سراح الجاسوس بولارد، لكن نتنياهو يتعاطى المساومة على كل شيء، فأحد اركان حكومته يعتقد: ان عباس غير جاد في عملية السلام!! هكذا بكل بساطة.
وعلينا ان نتابع فشل نتنياهو في ردة فعل يهود اميركا على الطلب الوقح باطلاق بولارد، فهي ردة فعل تجعلنا نخرج بنتائج تلتقي مع التلميحات التي يهدد وزير الخارجية كيري بها، اذ يتحدث عن اعادة النظر بالمساعي الاميركية في عملية السلام، فيهود اميركا اكثر انصافا من ادارة اوباما.. ولنأخذ نماذج:
فبشأن اطلاق سراح بولارد لقاء اطلاق سراح اسرى فلسطينيين يقول الشيخ فاينشتاين رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ: اذا كان المقصود منه تحفيز الطرفين على مجرد استمرار المفاوضات.. فذلك غير مناسب!!.
اما السيناتور كروكر البارز في لجنة الشؤون الخارجية فيقول: اما جعل اطلاق بولارد جزءاً من عملية السلام.. فهو غريب!!.
ويقول جولدبرج اليهودي البارز: ان السياسيين اليمينيين في اسرائيل سيرحبون باطلاق سراح بولارد لكنهم لن يتخلوا عن شبر واحد من الارض المحتلة!!.
نتنياهو قلب صفحة بولارد، لكن اتفاقية الاطار التي حرث كيري المنطقة بحثا عنها، كلها مرفوضة لأن نتنياهو في النهاية لن يراهن على ائتلافه الوزاري.. فهو يهدد الادارة الاميركية بأن توقيعه على أي اتفاقية اطار سيطيح بهذا الائتلاف!! وادارة اوباما مشفقة على بقاء وزارة نتنياهو.. اصرارها على ازاحة حسني مبارك ونظامه فهل يذكر احد طلب الرئيس: التنحي الآن.. الآن» في ازاحة الرجل المسكين!!
يوّقع ابو مازن خمس عشرة دقيقة بطلب عضوية دولة فلسطين في خمس عشرة منظمة دولية.. لانه يعرف ان العالم كله يقف الى جانب الحق الفلسطيني ولكن الا يتصور الرئيس عباس ان التوقيع على اتفاقية جنيف الرابعة جاء متأخراً جداً جداً، فهذه اتفاقية تعالج قضايا حقوق الانسان تحت الاحتلال.. وما فعلته القوات الاسرائيلية في ارض فلسطين تعاقب عليه كل القوانين والاتفاقات ومنظمات المجتمع الدولي..
اتفاقية جنيف الرابعة، مهمة جداً، ومحكمة جرائم الحرب مهمة جداً، كاتفاقية اليونسكو التي كسبت فلسطين عضويتها لكنها لم تستفد منها كثيراً في الحفاظ على الارث الحضاري الفلسطيني!!.
لا معنى للسعي الفلسطيني والعربي وراء التضليل الاميركي، فلتكن فلسطين محتلة، افضل كثيراً من فلسطين نصف محتلة، فكل شيء قابل للتجزئة الا الكيان الوطني!!.
«نفاق» الوسيط غير النزيه
عريب الرنتاوي-الدستور الأردنية
حين يُلقي السيد جون كيري باللائمة على الفلسطينيين والإسرائيليين فيما آلت إليه جهوده لإنقاذ عملية السلام، فإنه بلا شك، يقارف جريمة بحق “صدقيته” الشخصية ومصداقية إدارته، فهو يعرف تمام المعرفة، مثلنا وأكثر منا، أن إسرائيل هي من أطاح بجهوده، وان حكومة نتنياهو هي من بدأ سياسة “الخطوات أحادية الجانب”، وأن اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، هو من خرق التفاهمات المبرمة، وضرب عرض الحائط بالاتفاق الذي بموجبه، بدأ كيري مشواره نحو المفاوضات.
أما أن يضع السيد كيري، القرار الفلسطيني بتوقيع 15 اتفاقية ومعاهدة دولية، في مصاف الخطوات الأحادية الجانب، وعلى قدم المساواة مع سياسات الاستيطان والضم والتهويد الزاحفة، فهو إمعان في “التغطية” على الغطرسة والعنجهية الإسرائيليتين، فالفلسطينيون لم يفعلوا ذلك، إلا بعد أن أعيتهم الحيلة والوسيلة، للوصول بمهمة كيري إلى “اتفاق الإطار”، والإسرائيليون لم يستبْقوا وسيلة إلا ولجأوا إليها، لخنق الفلسطينيين ووضعهم في أضيق الزوايا ... وشتان بين فعل إسرائيلي مُدبّر في ليل بيهم، هدفه قضم الأرض والحقوق والقدس والمقدسات حتى وإن ذهبت جهود كيري إلى الجحيم، وبين “رد فعل” فلسطيني متواضع ومدروس، على الانتهاكات الإسرائيلية للمرجعيات والاتفاقات المبرمة ... لا يستوي التصرفان أبداً، إلا في عيون لا ترى سوى مصالح إسرائيل وتفوقها، ومن بعدها الطوفان.
ينسى كيري، أو بالأحرى يتناسى، أنه فشل في إقناع نتنياهو بالقبول بأفكاره ... ينسى أن رئيسه، سيد البيت الأبيض، رضخ أمام تعنت نتنياهو وعاد “للحس” كل ما قاله في القاهرة عن الاستيطان والمستوطنات ... نسي أن كل جولة من جولاته في المنطقة، كانت تُستبَق، بموجة جديدة من المستوطنات ... نسي المماطلة الإسرائيلية التي توّجت برفض الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى والمعتقلين ... نسي أو تناسى، أن هذا القرار، فضلاً عن إعادة طرح عطاءات استيطانية واسعة في القدس وجوارها، هو ما أطاح بمشروع اتفاق كان سيرى النور في آخر جولات كيري ... ولكن مع ذلك، يخرج علينا الوزير وأركان الإدارة بتصريحات، تضع الفلسطينيين والإسرائيليين في سلة واحدة، وتقيم تماثلاً تعسفياً، بين فعل ممنهج، استعماري، توسعي وعدواني، وبين رد فعل دفاعي، ينسجم أتم الانسجام، مع الاعتراف الأممي بدولة فلسطين والشرعية الدولية.
لكننا ونحن نشعر بالضيق من “النفاق” الكامن تحت عباءة التصريحات “المتوازنة”، لا نقوى على مقاومة الرغبة الملحة للمقارنة بين اليوم والأمس، وأمس هنا يعود إلى زمن كامب ديفيد، حين اهتاجت الإدارة الأمريكية ضد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وانحازت بالكامل للجنرال الغارق في غيّه وتيهه: إيهود باراك ... يومها صُوّر رئيس الحكومة الإسرائيلي كبطل للسلام وحمامة له، وبات ياسر عرفات “رجلاً ليس ذا صلة”، إلى أن أعادت إسرائيل احتلال الضفة الغربية من جديد، وحاصرت المقاطعة واغتالت ياسر عرفات.
الصورة اليوم مختلفة كثيراً ... المزاج الدولي ليس في صالح إسرائيل ... لكن واشنطن ما زالت محكومة بضغوط “اللوبي اليهودي” وجماعات المصالح المؤيدة لإسرائيل ... ما زالت سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، خاضعة للابتزاز والإملاءات الإسرائيلية ... وهيهات أن تجد مسؤولاً أمريكيا يجرؤ على الكلام، أقله وهو في مواقع السلطة، فغالباً ما تنفك عقدة لسان المسؤول الأمريكي وهو يكتب الأسطر الأخيرة في سيرته الذاتية، حيث لا تنفع “الحكمة بأثر رجعي”.
ونأسف أننا لا نسمع صوتاً عربياً قوياً، يطلب إلى واشنطن تسمية الأشياء بأسمائها ... لقد كانوا “أسوداً” في التجييش ضد التقارب الأمريكي مع إيران، ولم يتوانوا عن نقد واشنطن وأحياناً “تهديدها”، إن هي أغمضت الأعين عن “جرائم” نظام الأسد ... لكنهم حين يتعلق الأمر بالصراع العربي – الإسرائيلي، يتحولون فجأة إلى حمائم وعقلاء وحكماء، يمارسون الضغط على الجانب الضعيف، بدل التصدي لغطرسة الجانب القوي والمعتدي والمنحاز ... يلقون على القيادة الفلسطينية دروساً ومواعظ في “الحكمة” و”العقلانية” و”التبصر”، وهم الذي لم تأت سياساتهم سوى بالخراب العميم في المنطقة العربية.
نأسف أننا لا نرى الجامعة العربية تستعد لتسيير الوفود إلى واشنطن لدفعها والضغط عليها، لمعاقبة المتسبب في الإطاحة بمهمة جون كيري، وتوفير شبكة أمان للسلطة والمنظمة والشعب الفلسطيني، تساعده على مجابهة موجة الضغوط التي يستعد الكنيست والكونغرس لفرضها على الشعب الفلسطيني ... نأسف أن مليارات الدولارات التي تذهب لتدمير سوريا والعراق وليبيا، لا تضل طريقها إلى فلسطين، علّها تساعد الصامدين على أرضهم في تعزيز صمودهم وتدعيم مقاومتهم للاحتلال والعدوان والاستيطان.
لكن الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية المعاصرة، التي خبرت كل الظروف والأزمات، قادرة على الخروج من هذا النفق، واستئناف مسيرة الكفاح المديد والمرير، من أجل الحرية والاستقلال، وما نشهده من إرهاصات تنامي المقاومة الشعبية في الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر، كفيل ببعث نسمات الأمل والتفاؤل، وإن غداً لناظره قريب.
هل تقوم انتفاضة فلسطينية ثالثة؟
د. اسعد عبد الرحمن-الرأي الأردنية
مع أننا من الداعين إلى «انتفاضة» جماهيرية سلمية وحضارية على قاعدة المصالحة الوطنية ووحدة الموقف الفلسطيني وتقف في ثبات في مواجهة الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الفلسطينيون، فضلا عن المحافظة على الدعم الدولي المتزايد الذي يؤمن بشرعية المطالب الفلسطينية وسلميتها، إلا أن هناك عوامل تمنع الفلسطينيين من البدء في انتفاضة ثالثة مع أن اللحظة التاريخية التي نعيشها تشكل مفصلا تاريخيا في مسيرة القضية الفلسطينية!
يأتي على رأس هذه العوامل، انقسام وضعف وتشرذم «القيادة الفلسطينية» (سواء تلك التي «نبذت» العنف أو تلك التي «تدعو» للمقاومة) وبسبب جلوس الاحتلال الاسرائيلي على صدر الشعب والأراضي الفلسطينية، وإلى «ازدهار» اقتصاد استهلاكي ترك آثاره على قطاعات فاعلة وواسعة من مجتمع الضفة الغربية بحيث توصلوا إلى قناعة قوامها أن ثمن الانتفاضة الثالثة ربما يكون باهظا، فضلا عن تدهور المعنويات بسبب وضع الفصائل وصراعاتها وبالتالي غياب القيادة الموحدة التي تتولى الانتفاضة. كما علينا أن لا ننسى أن حصيلة الانتفاضتين السابقتين لم تكن مشجعة، فالأولى انتهت إلى اتفاق أوسلو الذي لم يحقق الحد الأدنى من طموحات الفلسطينيين، والثانية انتهت إلى تبني إسرائيل خطة الفصل العنصري «الأبارتايد» التي ابتدأت بخطة فك الارتباط عن القطاع ويمكن أن تنتهي بإقامة دولة معازل مقطعة الأوصال ذات حدود مؤقتة لا تملك من مقومات الدول سوى الاسم وهو الأمر الذي لا يساعد في التواصل بين القرى والمدن، فما بالك بين الضفة والقطاع، فضلا عن إحكام الاحتلال قبضته على الضفة بالتنسيق الأمني العلني مع السلطة الفلسطينية.
كل ما سبق عوامل لا تعمل لصالح انتفاضة جديدة، رغم المبررات الموضوعية الفلسطينية ومقدار جاهزيتها سواء من حيث قسوة الواقع وتدهور الأوضاع السياسية. فالسلطة تؤمن فقط بإعطاء فرصة تلو الأخرى للمفاوضات بعيدا عما يمكن تسميته «انتفاضة سياسية» عبر التوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة، بما في ذلك، إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، والتشجيع على مقاطعة إسرائيل، والقيام باحتجاجات جماهيرية وغيرها. وفي هذا يقول الكاتب الأمريكي اليهودي (توماس فريدمان) في مقال بعنوان «الانتفاضة الثالثة»: «تساءلت لوهلة لماذا لم تحدث انتفاضة ثالثة؟ أي لماذا لم تحدث انتفاضة فلسطينية أخرى في الضفة الغربية؟ هناك عدة تفسيرات من الجانب الفلسطيني: أنهم فقراء للغاية، منقسمون للغاية، منهكون للغاية. أو أنهم أدركوا في نهاية الأمر أن هذه الانتفاضات تضرهم أكثر مما تنفعهم لا سيما الانتفاضة الثانية. لكن بحكم وجودي هنا فمن الواضح أن الانتفاضة الثالثة في الطريق. وهي التي تخشاها إسرائيل دائما أكثر–ليس انتفاضة بالحجارة و»الانتحاريين» بل انتفاضة تدفعها المقاومة غير العنيفة والمقاطعة الاقتصادية».
في المقابل، يقول (رونين اسحق) رئيس دائرة دراسات الشرق الاوسط في الكلية الاكاديمية في الجليل الغربي، في مقال بعنوان «انتفاضة ثالثة على الابواب؟»: «لن تندلع انتفاضة أخرى، وعد أبو مازن في مقابلات لوسائل الاعلام الاسرائيلية في الفترة الاخيرة.. رغم ذلك، فانه في نهاية أيلول 2000، بعد نحو شهرين من فشل محادثات كامب ديفيد بين ايهود باراك وياسر عرفات، بدأت الانتفاضة الثانية. واعتقدت التقويمات الاستخبارية في البداية بان الانتفاضة اندلعت كحدث مخطط له مسبقا من قبل عرفات، كي يبقي في يديه خيار (الارهاب) وان يدفع بواسطته المسيرة السياسية الى الامام، ولكن في وقت لاحق تبين بان الميدانيين بالذات من التنظيمات المختلفة، هم الذين بادروا الى الانتفاضات. أما القيادة الفلسطينية، وان لم تكن بادرت إليها، فقد انجرت خلفها». ومن جهته، يركز المعلق السياسي (بن كاسبيت) على دور «المستوطنين/ المستعمرين الذي يجعل: «اندلاع الانتفاضة الثالثة «مسألة وقت» في حال تواصل عجز الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن وقف اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين». وبشأن حادثة القرية الفلسطينية «قصرة» يقول: «كيق يمكن أن يعجز الجيش والمخابرات والشرطة الإسرائيلية على مدى أعوام ثلاثة عن اعتقال أي من عناصر «فتية التلال»، في حين يتمكن أهالي «قصرة» من إلقاء القبض على 16 عنصرا منهم بعد مهاجمتهم القرية». لذا، لم يكن مستبعدا ما بينه استطلاع أجرته جامعة النجاح في نابلس مؤخرا، من أن أكثر من نصف المستطلعين اعتقدوا انه من المتوقع اندلاع انتفاضة ثالثة مع فشل المفاوضات وذلك تحت وطأة مقارفات دولة الاحتلال والمستعمرين/ «المستوطنين».
"وثيقة الأسرى" مدخل لتجاوز المأزق
علي جردات-الخليج الإماراتية
بعد ثمانية أشهر على استئناف المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" برعاية أمريكية في ظل تحولات عربية عاصفة تلقي بتداعياتها على نضال الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية في العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس كحقوق ثابتة غير قابلة للتصرف أو المقابلة أو المفاضلة أو المقايضة، ما انفكت حكومة المستوطنين بقيادة نتنياهو تحاول، برعاية أمريكية، فرض مطالبها السياسية الصهيونية التعجيزية، وإملاء شروطها الابتزازية لتمديد المفاوضات، ما حدا بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الخروج عن صمتها وإعلان قرار تفعيل حق دولة فلسطين في الانضمام إلى منظمات واتفاقيات ومعاهدات هيئة الأمم المتحدة كحق تم إرجاء تفعيله لمدة تسعة أشهر مقابل تعهد الولايات المتحدة بضمان إفراج "إسرائيل" عن 104 أسرى فلسطينيين اعتقلوا قبل إبرام "اتفاق أوسلو" . هنا ثمة خطوة سياسية فلسطينية مهمة . لكن لئن كان من غير الجائز تقزيم مغزاها، فإن من السذاجة السياسية تضخيمه، ذلك أن ما حملته من تلويح باتخاذ خطوات أخرى ظل في إطار سياسة الضغط لتحسين شروط تمديد المفاوضات .
ما يعني أنه رغم وصول التعاقد السياسي ل"مفاوضات الأرض مقابل السلام" الذي أطلقه اتفاق أوسلو ،1993 إلى طريق مسدود، إلا أن طرفيْ هذا التعاقد يتجنبان حتى الآن، وكل منهما لأسبابه، فكه بالمعنى السياسي للكلمة . ومن الطبيعي أن تكون "إسرائيل" الأكثر تشبثاً باستمرار هذا التعاقد بعد أن حولته، برعاية أمريكية، من آلية مفترضة لإنهاء سيطرتها على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها في العام 1967 إلى لعبة لإدارة الصراع عوض تسويته، وإلى غطاء لتعميق الاحتلال عوض انهائه، بل إلى آلية لتمرير مخططاتها لتصفية القضية الفلسطينية . فقادة "إسرائيل"، بمن فيهم من رفضوا تعاقد اتفاق أوسلو يوم توقيعه، يعون أن فكه يعني إعادة المواجهة إلى ما كانت عليه قبل إبرامه، بل يعني أيضاً تخليص القضية الفلسطينية من قبضة الولايات المتحدة حليف "إسرائيل" الاستراتيجي الثابت .
كل هذا تعيه وتخشاه وتحرص أشد الحرص على تفادي حدوثه حتى حكومة نتنياهو أكثر حكومات "إسرائيل" عنجهية وتطرفاً بالمعنيين السياسي والميداني . إذ صحيح أن هذه الحكومة ترى في التحولات السياسية العربية العاصفة فرصة للتصعيد بغرض تعزيز قوة الردع على جبهات الصراع كافة، لكنها تقوم بذلك بحسابات دقيقة ومدروسة . إذ على الرغم من تصعيدها لإجراءات الحصار والعدوان ضد غزة وخرق كل "تهدئة" مع فصائل المقاومة فيها، ورغم تصعيدها لإجراءات الاستيطان والتهويد وهدم البيوت وتقييد الحركة والاغتيال والاعتقال والاعتداء على المقدسات في الضفة وقلبها القدس، إلا أنها، (حكومة نتنياهو)، تحرص على تثبيت التهدئة الأمنية واستمرار المفاوضات على أساس تعاقد أوسلو السياسي . واستطراداً: على الرغم من قيامها بشن أكثر من عدوان عسكري جوي على أهداف سورية، بل شنت مؤخراً عدواناً على هدف داخل الأراضي اللبنانية، ما يشي بمحاولة إرساء قواعد جديدة للعبة على الجبهة الشمالية، إلا أنها تحرص على استمرار هدنة ما بعد حرب 1973 وتفاهمات وقف إطلاق النار ما بعد عدوان تموز 2006 على لبنان . ماذا يعني هذا الكلام؟
لقد حسمت نتائج عقدين ويزيد من المفاوضات الثنائية المباشرة مع حكومات "إسرائيل" برعاية أمريكية الجدل في شأن جدوى استمرارها وفق منهج اتفاق أوسلو ومرجعياته وشروطه والتزاماته السياسية والاقتصادية والأمنية . بل أثبتت أن مدخل الخروج من المأزق الوطني الراهن متعدد الأوجه والأبعاد، يتمثل في وقف هذه المفاوضات والكفّ عن مواصلة المراهنة عليها، وبناء استراتيجية سياسية بديلة عمادها إعادة ملف القضية الفلسطينية إلى إطار هيئة الأمم المتحدة ومرجعية قراراتها ذات الصلة والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات لإلزام حكومات "إسرائيل" بتنفيذ هذه القرارات لا التفاوض عليها، أو على الأقل البناء على إنجاز الاعتراف الدولي بفلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة في إطار رؤية شاملة ترتكز إلى العمل لنيل العضوية في منظمات الأمم المتحدة التخصصية كافة، وخصوصاً محكمة الجنايات الدولية، وإعادة التمسك بالشروط التي وضعها المجلس المركزي لمنظمة التحرير قبل سنوات لاستئناف المفاوضات، وهي: وقف كلي وشامل لإجراءات الاستيطان والتهويد، وتحديد قرارات الشرعية الدولية مرجعية للمفاوضات، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين .
هذا هو الأساس السياسي الذي يفتح الباب لإنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية . إذ غني عن الشرح صعوبة الفصل بين استمرار المفاوضات العقيمة والمدمرة وحالة الانقسام والتشرذم التي يعيشها الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية ومرجعياته ومؤسساته الوطنية العامة وتشكيلات فعله النضالي . وهذا ما يستدعي انتظام عمل الإطار القيادي المؤقت المعني بتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها وبالإعداد لانتخابات المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني خلال مدة زمنية محددة، وصولاً إلى تحشيد جماهير الشعب الفلسطيني وقواه وطاقاته وجهوده وإمكاناته الوطنية في الوطن والشتات تحت قيادة واحدة وفي إطار برنامج سياسي وطني موحد يرتكز إلى "وثيقة الأسرى" للوفاق الوطني التي لا تزال تشكل أساساً سياسياً صالحاً لاستعادة الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات السياسية الفلسطينية القيادية على أسس وطنية وديمقراطية بالانتخاب الديمقراطي على أساس التمثيل النسبي الكامل، حيث أمكن، وبالتوافق حيث تعذر . بل فيها، (وثيقة الأسرى)، ما يحل الخلاف حول موضوع المقاومة حيث أكدت على ضرورة عدم حصر المقاومة بأسلوب واحد مع إبقاء الباب مفتوحاً على تقديم هذا الأسلوب أو ذاك تبعاً لحاجات هذا الظرف السياسي أو ذاك، أو تبعاً لحاجات هذه اللحظة السياسية أو تلك، بحسبان أن خيار المقاومة الشعبية لا يعني المفاضلة بين أشكال النضال وأساليبه، وأن حصرها في النضال السلمي يفرغها من مضمونها الثوري على الأقل كما مثلته الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الكبرى التي أعطت بما أبدعته من أشكال متميزة للمقاومة السلمية والعنيفة والجماهيرية والفصائلية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فكان لها أن أربكت العدو وحيدت تفوق ترسانته العسكرية وتفوقت عليه سياسياً وأخلاقيا ومعنوياً بصورة أذهلت العالم وأعطت شعوبه دروساً ملهمة أكدت نجاعة الجمع بين أشكال المقاومة الشعبية وأساليبها وعلى عقم تجزئتها أو المفاضلة بينها . وبكلمات لئن كانت حكومة نتنياهو برعاية أمريكية تبتز القيادة الفلسطينية في موضوع الأسرى، فإن في وثيقتهم للوفاق الوطني ما يوفر المدخل الفعلي للخروج من المأزق الوطني الفلسطيني العام .
أين العدالة من تقرير فولك؟
أحمد مصطفى علي-الخليج الإماراتية
الأدلة الوافية التي قدمها مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الأمريكي ريتشارد فولك، في تقريره إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عن الانتهاكات الشنيعة التي يرتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" ضد الفلسطينيين، تؤكد مدى الإجرام الذي يمارس ضد الشعب الأعزل إلى الحد الذي وصلت معه السياسة الصهيونية إلى أسوأ درجات نظام الفصل العنصري والتطهير العرقي المنهج.
وضع أستاذ القانون الدولي في جامعة برنستون الأمريكية، من خلال تجديد تنديده بالسياسة "الإسرائيلية" تجاه حقوق الشعب الفلسطيني المنهوبة في الأراضي المحتلة، في تقريره الختامي قبيل انتهاء تفويضه، العدالة الدولية، أمام ضميرها، إن وجد فيها من بقايا ضمير حي، لتعطي رأيها في هذه القضية الواضحة في ظل نظام فصل عنصري يجسد أبشع أشكال الاستعمار، وأنواع الاضطهاد المنظم والممنهج، من خلال سعيه لتحقيق وضمان أمن المستوطنين وتشجيع وتسهيل بناء وتوسيع المستوطنات غير الشرعية، وقضم الأراضي الفلسطينية ونهبها، خاصة الزراعية منها، وسرقة المنازل العائدة للفلسطينيين، فضلاً عن هدمها ورمي سكانها الآمنين في الشوارع من دون مأوى، ومواصلة العقاب الجماعي على سكان قطاع غزة المحاصر، والاستخدام المفرط للقوة .
مما لا شك فيه أن الفصل العنصري يعتبر جريمة ضد الإنسانية في الأعراف والشرائع الدولية كافة، لكن أين العدالة الدولية من هذا الإجرام؟ خاصة أن الاحتلال الصهيوني يحظى بدعم دولي لا حدود له، ورعاية أعظم دولة في العالم، التي لا تستطيع حتى إغضاب ربيبتها، وإن أزعجتها مرة، بتصريح من هذا المسؤول أو ذاك، فهي تسارع إلى الاعتذار قبل مرور ساعات على هذا الإزعاج، هذا هو حال الدولة العظمى، فما بالك بالدول الأخرى التي تدور في فلكها.
إن ممارسة "إسرائيل" سياسة التطهير العرقي، خاصة في القدس المحتلة، لإخراج الفلسطينيين من هذه المدينة الإسلامية المقدسة، يلقي شكوكاً حول قبول الحكومة الصهيونية بقيام دولة فلسطينية، تتمتع بمقومات وأسس البقاء، في ظل التأييد العالمي الواضح للكيان، وما تشهده عملية التسوية من مآزق وعثرات يتفنن الاحتلال في إيجادها من خلال تسريع وتكثيف عمليات التوسع الاستيطاني، وتمسكه لانتزاع اعتراف فلسطيني بما يسمى "يهودية الدولة" .
إن سعي الاحتلال لتغيير التركيبة الديموغرافية في القدس المحتلة من خلال تفريغها من سكانها الأصليين وترحيل عشرات الآلاف منهم، واستبدالهم بالمستوطنين، عبر إصداره قوانين عنصرية تساند اليهود وتسحق الفلسطينيين، يزيد من محنة هذا الاحتلال الجاثم على صدور المسلمين والعرب قبل الفلسطينيين منذ العام ،1948 ويحرم أصحاب الحقوق الشرعيين من أبسط حقوقهم المتمثلة في حق تقرير المصير والعيش في دولة مستقلة على أرضهم الشرعية وعاصمتها القدس .
سياسة الاحتلال المفرطة في عنصريتها، تجاه أصحاب الأرض الحقيقيين العُزل، تحتاج إلى وقفة عربية وإسلامية ودولية، لردع ممارساتها اللاإنسانية، وإجراء تقييم من محكمة العدل الدولية للوضع القانوني للاحتلال، تمهيداً لاتخاذ خطوات شجاعة لاستعادة الحقوق المسلوبة لأصحابها الشرعيين كاملة غير منقوصة، ولضمان حماية حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وضمان سيادة القانون في ظل الاحتلال المستمر منذ أكثر من ستة عقود .
السلطان عبدالحميد وفلسطين: الخرافة وتفكيكها!
خالد الحروب-الحياة اللندنية
خلال فترة حكم السلطان عبدالحميد الثاني التي زادت عن ثلاثة عقود (ما بين 1876 و1909) يخبرنا هذا الكتاب المهم: «السلطان عبدالحميد الثاني ودوره في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين» للباحثة القديرة فدوى نصيرات والذي يفتح تاريخاً جديداً للسلطان وسياسته تجاه المشروع الصهيوني، ان عدد اليهود في فلسطين تضاعف ثلاث مرات ووصلت نسبتهم عام 1908 إلى 11 في المئة من عدد السكان. ونقرأ في الكتاب تفاصيل مثيرة عن الزيارات الخمس التي التقى فيها ثيودور هرتزل مع السلطان بين سنوات 1896 و1902 (إثنتان منها على نفقة السلطان نفسه)، وماذا حدث فيها، ونلتقط بسرعة من خلال التفاصيل تردد السلطان وتساهله إزاء هرتزل، ومحاولته استكشاف مدى صدقية الزعيم اليهودي وقدرته على الوفاء بوعوده المالية التي يخلعها للسلطان مقابل الحصول على «صك» يمنح فلسطين قانونياً لليهود. تبحر فدوى نصيرات وسط أمواج أحداث تاريخية كثيفة وتلتقط مسار علاقة عبدالحميد بهرتزل لتصل بنا إلى السؤال الكبير الآتي: إذا كان السلطان عبدالحميد قد رفض عرض هرتزل في لقائه الاول به عام 1896 والذي اعتاش تاريخياً على المقولة التي قيل انه رد بها بحزم (برفض بيع فلسطين مهما كان الثمن) على عرض هرتزل، فلماذا يلتقيه بعدها مرات عدة، ويستضيفه في اسطنبول وعلى نفقته الخاصة، ويأمر خاصته بالحرص على الاعتناء به ووفادته؟
في العهد الحميدي، شهدت الامبراطورية العثمانية الهزيع الأخير من عمرها، إذ كانت تئن تحت وطأة الديون المتراكمة، والضغوط والانشقاقات الداخلية، وتهديدات القوى الغربية سواء عبر الحروب الدائمة التي كانت تأكل من اراضي السلطنة او من خلال التدخلات المتواصلة في شؤونها الداخلية. وكان السلطان يشعر بضغط الحاجة المالية الملحّة والتي كان يدركها هرتزل ويبني وعوده للسلطان حولها، ومن جهة ثانية كان يعي ان أي فرمان «رسمي» بمنح اراضي فلسطين لليهود معناه الحكم عليه بالخيانة في عيون المسلمين وفي كتب التاريخ. ونتيجة للشد والجذب بين هذين الموقفين، وجد السلطان نفسه أسير موقع التردد وغياب الحسم والتساهل والحيرة، وهو موقع امتد زمنياً سنوات طويلة كانت في غاية الحساسية والخطورة والإفادة بالنسبة الى المشروع الصهيوني، ذلك ان الصهاينة الذين كانوا متحفزين لاستغلال اية فجوة ولو صغيرة في السياسة العثمانية استثمروا تردد السلطان وتساهله إلى الحد الاقصى، وبخاصة من خلال إقامة البنية التحتية الاستيطانية لـ «الوطن القومي» خلال سنوات الحكم الحميدي. والمفارقة الكبرى التي يضعها الكتاب تحت الضوء الساطع أنه تم انجاز ذلك عملياً وواقعياً في عهد السلطان الذي رفض لفظياً وشعاراتياً إعطاء فلسطين لليهود.
في تلك الحقبة، اشتغلت الصهيونية العالمية على جبهتين متوازيتين، وإلى حد ما متنافستين، لكنهما خدمتا المشروع نفسه بتكامل مدهش، ولا يهم هنا إن كان ذلك التكامل مقصوداً وتبادلاً للأدوار ام لم يكن. الجبهة الاولى كانت على مستوى محاولة انتزاع الاعتراف القانوني من جانب الدول الكبرى، ومن السلطنة العثمانية تحديداً، بحق يهود العالم في امتلاك فلسطين، وتأمين تلك الملكية بالمال والإغراءات وعبر وقوف اليهود إلى جانب السلطة وتوفير استثماراتهم وخبراتهم لخدمتها، وهذه كانت الجبهة التي اشتغل عليها هرتزل. في المقابل كانت هناك جبهة الصهاينة العمليين الذين كانوا مقتنعين باستحالة انتزاع موافقة قانونية من السلطنة على امتلاك فلسطين، وبالتالي اشتغلوا على الارض وتركزت جهودهم على بناء امر واقع من طريق الاستيطان والهجرة وبناء مجتمع وبنى اولية للدولة، بهدوء وفي شكل تدريجي. ما يكشفه البحث الجذري والمبدع الذي تقوم به الدكتورة فدوى نصيرات في هذا الكتاب هو التساهل المفرط من السلطان عبدالحميد على الجبهة الثانية، مقابل تشدده اللفظي على الجبهة الاولى.
بمعنى ما، كان السلطان في مقولاته «البطولية» عن عدم بيع فلسطين يتحدث إلى التاريخ وكي يتفادى أي اتهام له بالخيانة والتفريط. لكن كان في سياسته العملية يحاول ان يكون براغماتياً يستكشف الفرص، متذاكياً على الآخرين وظاناً بنفسه انه يناور على الصهيونية العالمية التي كانت هي بدورها تناور عليه بذكاء اكبر، وتكسب ضده النقاط تلو النقاط. هنا لا تتبقى اية قيمة حقيقية للاقتباسات والمقولات والمواقف اللفظية، ولا حتى للوثيقة او الوثائق التي حاولت «اسطرة» السلطان عبدالحميد وخلق تلك الخرافة حول رفضه بيع فلسطين، وبخاصة «وثيقة ابو الشامات» التي تناقشها نصيرات بتوسع في الكتاب. القيمة الحقيقية هي للوقائع على الارض وهي كثيرة ومزدحمة مثل: تسهيل الهجرة اليهودية، بناء المستوطنات، جلب الخبرات اليهودية، عدم الالتفات إلى غضب الفلسطينيين ونداءاتهم للسلطان بأن يقفل باب الهجرة اليهودية ويمنع انتقال ملكية الاراضي اليهم، تواصل الاستثمارات اليهودية في فلسطين وازديادها، إعدام الناشطين العرب الذين فضحوا تواطؤ الولاة العثمانيين مع المخططات اليهودية للاستيلاء على الاراضي الفلسطينية وعلى رأسهم نجيب عازوري، إهمال التحذيرات والرسائل المتتالية من سفراء اسطنبول في العواصم الغربية التي كانت تحذر السلطان من السياسة المتساهلة المتبعة في فلسطين وكيف تستثمرها الصهيونية العالمية، وغيرها من الوقائع التي ترصدها نصيرات بدقة شديدة. وربما تتلخص السياسة التفريطية التي وسمت الحقبة الحميدية إزاء فلسطين والصهيونية العالمية في الاقتباس المدهش الذي تورده لنا المؤلفة على لسان هرتزل نفسه مستغرباً تساهل السلطات العثمانية من نشاطه في فلسطين، إذ يقول عقب لقائه قيصر ألمانيا الذي كان يزور فلسطين آنذاك، عام 1898، «لو كان لدى الحكومة التركية بُعد نظر لوضعوا حداً لنشاطي وتحركاتي، فالأمر بسيط إذ كان يجب طردي من البلاد»!
إلى جانب ثورية التأريخ ونقض «البراديم» السائد إزاء السلطان عبدالحميد وفلسطين، فإن الثورية التي لا تقل عنها اهمية ويقدمها هذا الكتاب تتعلق بما توفره من ادلة وأدوات لنقض ونفض المساجلة الايديولوجية الطاغية التي قدمتها الإسلاموية العربية على مدار ما يقارب قرناً من الزمن، واستثمارها للسردية «اليقينية» حول السلطان الذي وقف في وجه الصهيونية العالمية ورفض بيع فلسطين لهرتزل وتحدى كل الاغراءات المالية. «الرد الصارم» الذي ألقاه السلطان في وجه هرتزل في لقائه (الاول) بأنه لن يبيع ارض فلسطين لأنها ملك للمسلمين، وبأنه لن يسوّد صفحات تاريخ أجداده العثمانيين، تطور إلى حالة طقوسية ورمزية هائلة، رفعت السلطان إلى مراتب القديسين، بخاصة على رافعة التعبئة الايديولوجية التي رافقت صعود تيارات الاسلام السياسي في المنطقة. تم تضخيم تلك «السردية» وفصمها عن اي سياق تاريخي وتصعيدها في خطابات الاسلاميين إلى مستوى «الحالة المعيارية» التي لا يطاولها القادة والزعماء ممن ينتمون إلى تيارات منافسة للتيار الاسلامي، المنجذب تاريخياً الى فكرة الخلافة العثمانية، والداعي في لحظة تأسيسه إلى عودتها، والمحتفظ لاحقاً بدفق رومانسي لا ينضب لسيرتها.
في قلب السجال الاسلاموي والتعبوي والجماهيري تم استدعاء السلطان و «موقفه» للتدليل على مبدئية منظور الحركية الإسلاموية وعدم خضوعها للإملاءات الخارجية. لم تكن تلك المساجلة موضوعية بمقدار ما كانت متركزة على «دحض» وتقويض الايديولوجيات والافكار السياسية المنافسة والتي سيطرت على الوطن العربي بعد انهيار السلطنة العثمانية، وقادت حركات التحرر ضد الاستعمار الغربي، ثم أسست المرحلة الاستقلالية العربية. وفق الأطروحة الإسلاموية «فرّطت» الايديولوجيات العربية المختلفة، القومية والاشتراكية والليبرالية، بالاوطان، وعلى رأسها فلسطين، وهي الايديولوجيات التي جاءت لترث الخلافة العثمانية التي «لم تفرط» بالاوطان وبفلسطين. الاستنتاج المنطقي لذلك، واستشهاداً بأسطورة عبدالحميد الثاني، ان الايديولوجية الاسلامية هي وحدها التي تصون الاوطان. تطورت اسطورة كبيرة حول «الموقف العظيم والبطولي» للسلطان عبدالحميد ضد الصهيونية العالمية وضد هرتزل، الموقف الذي ضخّمه الخيال الاسلاموي مضيفاً إليه أبعاداً درامية حيث لم يقف الأمر عند رفض السلطان وردّه الصارم، بل وصل إلى وصف مختلق لتعنيف السلطان لهرتزل وطرده من حضرته! وهكذا لعبت تلك الاسطورة دوراً هائلاً في تأسيس خطاب إسلاموي مؤدلج بخاصة في المشرق العربي، وتحديداً عندما يتعلق الامر بفلسطين، يعلي من ذاته فوق الخطابات الاخرى بكونه المؤتمن الوحيد على الاوطان. تُرجمت اسطورة عبدالحميد إلى كل الأشكال الممكنة: كتب، ومسرحيات، ودراما، وأشعار، لكنها ظلت دوماً في مأمن من البحث التأريخي الرصين والموثق. الآن وبفضل الجهد البحثي الكبير الذي تقدمه فدوى نصيرات في هذا الكتاب، نقرأ تاريخاً جديداً لتلك الحلقة من تاريخ المنطقة، يفكك تلك الاسطورة وما رافقها من خيال وما تبعها من أدلجة وتوظيف.
حزب الله ليس عدونا!
عبد الرحمن الراشد-الشرق الأوسط
هذا رأي أحد الكتّاب الإسرائيليين، غي بخور، الذي كتب في صحيفة «يديعوت» منتقدا حكومة بلاده. قال إنها أخطأت بقصف مواقع لحزب الله، وتخطئ في تعريف «العدو». في رأيه أن بشار الأسد لم يعد يحكم سوى خُمس سوريا، وأن عند إسرائيل خطة وقوة تواجه إرهابيي الشيعة، لكن الاستعداد لمواجهة إرهابيي السنّة صفر.
الحقيقة لا يغيظنا هذا التفكير الأعوج، فهو تحليل من شخص يبدو أنه لا يميز التفاصيل على الأرض.. بل على العكس، سيكون جيدا لو أن إسرائيل حولت مدافعها أيضا، باتجاه «داعش» و«النصرة»، وبقية الجماعات المتطرفة، لأن نظام الأسد نفسه هو مَن سهل ظهور هذه الحشائش الطفيلية التي تنافس أهل سوريا من الثائرين على نظامه، وقد نجح في تحويلها إلى حرب طائفية، وشوّه سمعة السوريين الثائرين على نظامه الأمني القمعي.
يقول بخور: «الأرض السورية في هضبة الجولان أصبحت مليئة بقوات مخربين سلفيين سنيين، ويبلغ عددهم في سوريا كلها عشرات الآلاف وما زالوا يتكاثرون.. لقد أصبحت دولة سنية جهادية من بغداد إلى جدارنا الحدودي في الجولان. هذه القوات مشغولة إلى اليوم بحربها جيش النظام لكنها أخذت تستولي رويدا رويدا على أراض أخرى وتتفرغ لإسرائيل. إذا كان الأمر كذلك فإن إسرائيل ربما توجه أصبع الاتهام إلى الطرف الخطأ.. لأنه ما زالت توجد لدينا قدرة على ردع حزب الله أو جيش الأسد، لكن ردع السلفيين صفر. وهذه هي الحال في سيناء وفي البحر الأحمر وفي قطاع غزة».
نعم، سوريا ستكون أكبر خطر على إسرائيل، بعدما كانت حليفها الصامت الأول لأربعين عاما، وخط دفاعها الآمن. والخطر قائم سواء بقي بشار الأسد في كرسيه أو خرج. إن نجا فسيبقى مكسورا ضعيفا يحكم بعض سوريا التي تمرد معظمها عليه، وتبقى معظم البلاد خارج السيطرة. والحال أيضا مشابهة إن استمرت الحرب الأهلية واستولت الجماعات المتطرفة مثل «داعش» على مفاصل جغرافية مهمة. مصلحة إسرائيل، أن تنهي الغطاء الأمني عن الأسد، وتساند فكرة إقامة دولة مدنية مسالمة في الجوار.
«داعش» و«النصرة» وحزب الله، كلها جماعات إرهابية تشترك في سياسة واحدة.. عدم تخطي الحدود إلى إسرائيل. معظم اقتتالها في مناطق مدنية، واستراتيجيتها تقوم على أخذ مناطق مدنية رهينة لهم. وهي تحظى بالدعم الكريم من أطراف مختلفة في المنطقة، إلى درجة أن إحداها عندما مُنعت من التبرعات والدعم لجأت إلى حيلة خطف أجانب، أو رجال دين مسيحيين، من أجل الحصول على دعم مالي جرى ترتيبه. العملية مثل غسل أموال تسهل على الدولة الداعمة أن تدفع لها ملايين الدولارات بحجة إطلاق سراح المخطوفين، والحقيقة أنها وسيلة دعم تبعد الشك والشكوى!