1 مرفق
مقالات المواقع الالكترونية التابعة لتيار دحلان 06/08/2014
شؤون فتح
مواقع موالية لمحمد دحلان
(مقالات)
|
المواقع الالكترونية الموالية لتيار دحلان
عناوين المقالات في المواقع :
v مؤتمر مانحين لإعادة إعمار قطاع غزة .. التاريخ يعيد نفسه ... فهل نتعظ؟
امد / عمر شعبان
v ابعد من الفكرة ... وأقرب من خطوة
امد / احمد دغلس
v دور المثقف في مواجهة العدوان على غزة ..!
امد / شاكر فريد حسن
v حصاد الحرب فلسطينيا
امد / عمر حلمي الغول
v جرائم الإحتلال بحق المقدسيين تتعاظم
امد / راسم عبيدات
v حرب “صراع الرهانات” في غزة
الكرامة / محمد السعيد إدريس
v مشروع واحد من غزة وعرسال.. إلى شمال العراق
ان لايت برس / اياد ابو شقرا
v الصراحة بشأن غزة
الكرامة / عبد المنعم سعيد
v التجربة ... والاستخلاصات الوطنية
امد / وفيق زنداح
v غزة .. على نصرها يُبنى الكثير
امد / رامز مصطفى
v هزيمة «الكيان الصهيوني» العسكرية والأخلاقية في غزة
الكوفية / بسام الكساسبة
v كي الوعي الصهيوني هذه المرة
امد / رشيد شاهين
v الأخ أبو عمـــار
امد / ماهر حسين
v حياة في الحرب
امد / نيروز قرموط
v حملة إغاثة غزة
ان لايت برس / د.رحيل غرايبة
v الحرب الخيار ألأسوأ!
امد / دكتور ناجى صادق شراب
v وحدة الهدف والمصير الفلسطيني ..
امد / سري القدوة
v اصعب من الحرب نتائجها !!!
الكوفية / يحيى رباح
v نحن بخير في غزة ...
امد / د.عاطف ابو سيف
v الصراحة بشأن غزة
امد / عبد المنعم سعيد
v اقتراح وجيه لكنه ناقص!
الكرامة / صالح القلاب
v حرب “صراع الرهانات” في غزة
امد / محمد السعيد إدريس
v الحرب الإسرائيلية على غزة: هي حرب على العرب بعنوان مصر
v الكرامة / طلال سلمان
v أهمية ما قاله أفيغدور ليبرمان !
ان لايت برس / صالح القلاب
v غزة تنتصـر والمقاومة وحماس
ان لايت برس / ياسر الزعاترة
v مصر .. و«سورنة» غزة!
امد / وحيد عبدالمجيد
v العدوان على غزة وحساب الأرباح والخسائر
الكرامة / يوسف مكي
v فلسطين بين قضايا الجيل الجديد
الكرامة / علي سعد الموسى
v يا قتلة الأطفال… إنهم عائدون
الكرامة / محمد كريشان
v اقتراح وجيه لكنه ناقص!
امد / صالح القلاب
v فريق الرئيس... بين أميركا وإسرائيل
امد / السيد أمين شلبي
مقــــــــــــــــــــــــــــ ـالات:
مؤتمر مانحين لإعادة إعمار قطاع غزة .. التاريخ يعيد نفسه ... فهل نتعظ؟
امد / عمر شعبان
بعيد الحرب الاسرائيلية الاولى ديسمبر 2008-يناير 2009 على قطاع غزة بما خلفه من دمار و قتل و تشريد ، يتم الدعوة إلى مؤتمر مانحين تحت عنوان " إعادة إعمار قطاع غزة " و يعقد في مدينة شرم الشيخ المصرية في الثاني من مارس 2009 يشارك به ممثلي 70 دولة و16 منظمة اقليمية . تقدم فيه الحكومة الفلسطينية في ذلك الوقت التي كان يترأسها و وزير ماليتها أيضا د.سلام فياض خطتها بقيمة 2.8 مليار منها 1326 مليون دولار " نسبة 48%" لإعادة إعمار غزة في حين خصص 1450 مليون دولار" بنسبة 52 % لدعم موازنة السلطة الفلسطينية وسد العجز المزمن في موازنتها .
أعدت الخطة دون أي مشاركة من مؤسسات في قطاع غزة و إتسعت قاعة المؤتمر لجميع وفود العالم ما عدا ممثلين من قطاع غزة . قدمت الخطة باللغة الانجليزية و لم يتوافر نسخة عربية لها إلا بعد شهور فيما بعد . مما دلل بشكل قاطع على تجاهل الحكومة في ذلك الوقت لمفهوم و أسس الشراكة و التشاور مع المجتمع الفلسطيني و مؤسساته . تعهدت الدول و الجهات المانحة ب4.7 مليار دورلار أي أعلى بنسبة 167% مما طلبته الحكومة الفلسطينية في خطتها . نحن السلطة الوحيدة في العالم التي تعطى أكثر مما تطلب. رغم الحديث الذي أصابنا بصداع شديد عن الشفافية و أن غزة تستحوذ على 56% من الموازنة العامة ، لم يتم لغاية الآن تقديم كشف مفصل عن نتائج مؤتمر شرم الشيخ ، لا يعرف كم هي المبالغ التي دفعت فعلا , و كيف خصصت ! ما لا يعرفه الكثيرون أن هناك أكثر من 500 عائلة من متضرري حرب 2008-2009 مازالوا على قائمة الانتظار رغم الاموال الضخمة التي ضخت بهدف إعادة الإعمار .
بدء الحديث عن مؤتمر مانحين جديد يعقد في بداية سبمتمبر في اسلو عاصمة النرويج بهدف تجنيد أموال لإعادة إعمار قطاع غزة . في حال إنعقاد هذا المؤتمر سيسجل تاريخ البشرية أن قطاع غزة ، وهو البقعة الصغيرة جدا والمليئة بالسكان هي المكان الوحيد الذي تعرض لثلاثة حروب مدمرة و شهد ثلاث مرات إعادة إعمار في سبع سنوات و هي فترة قصيرة جدا في عمر الدول ، خصص خلالها أموالا ضخمة و مازال قطاع غزة يعاني الفقر و البطالة و الانقطاع المتواصل للكهرباء و الفقر الواضح في خدمات البنية التحتية.
وحيث أن التاريخ يعيد نفسه كي نتعظ .. فهل : تتجنب حكومتنا الحالية قصور و تجاهل الحكومات السابقة لقطاع غزة , هل سيتم تقديم الخطة باللغة الانجليزية أم باللغة العربية ، مذكرا الحكومة الفلسطينية ، قد تنفع الذكرى أن اللغة العربية هي اللغة الاولى في فلسطين ، و أن فلسطين عضو في جامعة الدول العربية و ليست عضوا في منظمة الكومونويلث البريطانية . هل ستنتظر آلاف العائلات التي فقدت بيوتها و تعيش في العراء و المدارس سنوات قادمة قبل أن تحصل على حقها في منزل يكفل لها إحترامها و كرامتها . وهل سننتظر في قطاع غزة سنوات كي نستعيد الكهرباء و بعض الكرامة ! إن البطء في تلبية إحتياجات آلاف النازحين سيجعل من قطاع غزة بأكمله مخيم لاجئين هائل تنتشر في أنحائه عشرات آلاف الخيم وهو مايمثل طعنا في كرامة الناس و نكرانا لصمودهم ، كذلك سيخلق أزمات إجتماعية و إنسانية و صحية خطيرة ، و سيستهلك مساحات هائلة من الاراضي الزراعية. إضافة فإن بقاء ملايين الاطنان من المخلفات سيسبب كارثة بيئية و مكرهة صحية.
هل سيتم توظيف معاناة أهلنا في قطاع غزة للحصول على معونات دولية تخصص لسد عجز الموازنة المزمن و الناتج عن سوء إدارة وزارة المالية ! بدلا من دعم أهلنا في قطاع غزة الذين عاشوا أياما و ليال من الرعب في ظل عدوان لم يسبق له مثيل ! يجب أن لا نسمح بذلك و على المؤسسات و القوى السياسية ليس في قطاع غزة فقط بل في محافظات الشمال أيضا وشخصياتها الوطنية و نواب المجلس التشريعي التصدي لكل محاولات تمهيش قطاع غزة و وقف التعاطي بإستخفاف مع معاناتها . قطاع غزة جزء لا يتجزأ من المشروع السياسي الفلسطيني و يجب التعامل معه على قدم المساواة و بشراكة حقيقية فعلية تتجاوز التصريحات المنمقة .
أعيد التذكير بما طلبت به ، في مقال نشر سابقا من الوزير شوقي العيسة , وزير الشؤون الاجتماعية و رئيس لجنة الطورائ المشرفة على المساعدات المخصصة لقطاع غزة
السيد الوزير : بصفتك رئيس لجنة الطوارئ المركزية أدعوكم إلى وضع قائمة تفصيلية تتضمن جميع التبرعات و المساعدات النقدية و العينية التي خصصت لقطاع غزة و كذلك بنود الصرف و آلية الصرف و الجهات التي تم تخويلها بذلك . وذلك من أجل تعزيز الشفافية و الثقة و إسترجاع الوحدة الوجدانية قبل السياسية بين أهلنا في محافظات الشمال و الجنوب و مع السلطة الفلسطينية و شعبها . مع تأكيدي أن الشعب الفلسطيني في محافظات الجنوب و محافظات الشمال موحد و على قلب رجل واحد رغم المحاولات المسمومة ممن إنتهت صلاحيتهم لبث روح الحقد و العنصرية بينهم .
ابعد من الفكرة ... وأقرب من خطوة
امد / احمد دغلس
نحن , جالياتنا الفلسطينية في الشتات ( بالذات ) في اوروبا شركاء وطن ومصير في اوطان وبلاد وقفت مع العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني بكل قواها ، ادت الى جرائم حرب فظيعة ضد الأطفال والمدنيين موثقة بكل جوانبها ممنوعة دوليا وتتعارض مع الشرعية والقانون الدولي وتحت طائلة المسائلة والعقاب بتهمة مؤازرة جرائم حرب ضد المدنيين والأطفال العزل ..؟! من هنا ربما جاء دورنا نحن المواطنيين ألأوروبييين من الأصول الفلسطينية ان نفكر جديا في مقاضاة السياسيين الأوروبيين امثال المستشارة الألمانية انجيلا ميركل ووزير خارجيتها شريكها في ألإئتلاف الحكومي ألإشتراكي شتاين مايير على وقوفهم وتأييدهم المطلق للجيش الإسرائيلي وحكومته التي قامت بمجازر بشعة جدا ضد الشعب الفلسطيني هدفها اطفال ونساء ومسنين قتلهم الجيش الإسرائيلي تحت انقاض بيوتهم في عمليات قصف ( هادفة ) تُعَد بمثابة جرائم حرب دون نقاش والتي يجب ان تأخذ مجرى قانوني دولي ( لفظاعتها ) ضد من قام بها وضد من دعمها وأيدها خصوصا الساسة الألمان الذين لربما نسوا انهم الشعب ألأكثرعالميا في اقتراف الجرائم ضد البشرية خاصة إبان الحكم النازي المسئول رسميا عن الماساة والهولوكوست الفلسطيني بشكل مباشر مما يدعوا الى مراقبة هذه الفئة الخطيرة على السلام العالمي بمعنى عنجهية الساسة الألمان فيما يخص القضية الفلسطينية ودعمهم لإسرائيل بالسلاح الثقيل حامل القنابل النووية النووية كغواصات دلفين وغيرها من التكنولوجيا العسكرية إذ لا يكفي ان وسائل الإعلام الألمانية التي بدأت تشير الى سلبية مواقف برلين الأخيرة من الوقوف الى جانب اسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني ( المحرقة ) ..؟ّ! الذي يوجب علينا نحن المواطنين الألمان والنمساويين من الأصول الفلسطينية ان نتقدم ببلاغات ودعاوي جنائية بشكل رسمي ضد مستشارة المانيا ميركل ووزير خارجيتها شتاين مايير بتهمة تأييدهم ومساعدتهم للجرائم التي لحقت بالشعب الفلسطيني بشكل جرائم حرب قتل فيها اعداد كبيرة من الأطفال والنساء والمسنين مع تدمير كافة البنية التحتية للأراضي الفلسطينية في المحافظات الشمالية لفلسطين وذلك بدعمهم العلني السياسي والإعلامي واللوجستي لمن قام بهذه الجريمة الحربية التي يجب ىان تتشكل محاكم جنايات دولية للنظر فيها لعقاب كل من تورط في إقترافها ودعمها .
دور المثقف في مواجهة العدوان على غزة ..!
امد / شاكر فريد حسن
للمثقفين دور ريادي وطليعي وثوري وجذري في الثورات التحررية والمعارك الكفاحية والقتالية والبطولية والانتفاضات الشعبية والجماهيرية ضد الاحتلال والاستعمار ، وفي سبيل التحرر والاستقلال الوطني ، والتصدي للحروب ومقاومتها والوقوف ضدها ، بشرط أن يكون هذا المثقف غير ملتحق بالسلطة ومؤسساتها القمعية والتعبوية ومرتبط بأحلام وأوجاع وهموم الناس وتطلعاتهم ، لأن ثمة ارتباط بين الثقافة والإبداع والثورات الشعبية .
وهذا الدور ينصب في بلورة واتخاذ موقف سياسي ووطني وثوري وايجابي جاد ومسؤول منحاز لفعل المقاومة ، والالتصاق بحركة الجماهير المظلومة والمقهورة والجريحة التي تئن وتنزف تحت الحصار ولهيب المعارك وصوت البنادق وهدير المدافع وفي الخنادق ، والعمل على حماية الجبهة الثقافية وتعزيزها وإسنادها ، وتعميق المحتوى الكفاحي والثوري من خلال القلم والريشة والمقال والقصيدة الملتزمة واللوحة التشكيلية الفنية والأغنية الوطنية ، واستلهام ما يجري في ارض المعركة من بسالة ومقاومة ضد المحتلين والمستعمرين والغزاة .
في السابق ، وعلى مدار سنوات طويلة ، كان المثقفون العرب يختلفون حول قضايا تخص مجتمعاتنا وشعوبنا العربية وتمس مشاكلها وواقعها ومستقبلها المنظور ، إلا قضية واحدة ووحيدة هي قضية فلسطين ، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يختلفون فيها على مسألة العدوان الاحتلالي الوحشي القذر على غزة ، ولم يرتق دورهم لمستوى الحدث ومستوى المأساة والجرح والبطولة التي يجترحها شعبنا ومقاتليه في غزة العزة .
ومن المؤسف والمحزن والمؤلم أن بعضاً من المثقفين العرب تناسوا رسالتهم وتجردوا من إنسانيتهم وانحازوا لوجهة النظر الصهيو أمريكية ، وكأنهم بموقفهم المخزي والعاري والمكشوف هذا يريدون تصفية حساباتهم مع فصيل سياسي فلسطيني وتيار أيديولوجي يختلفون مع مواقفه وممارساته وتوجهاته ومعتقداته وسلوكياته ، وهو حركة "حماس" ، متناسين أن شلالات الدم القانية هي دماء فلسطينية ، وما يحدث ويجري في غزة هاشم هو عدوان وحشي إرهابي وجرائم ومجازر دموية فظيعة ونكراء وحرب إبادة جماعية يتعرض لها شعبنا بكل شرائحه وفئاته ومكوناته دون استثناء . وهو عدوان يفتك بالمدنيين ويمزق أجسادهم ويحولها إلى أشلاء ، ولا يفرق بين حزب وآخر ، ويستهدف فلسطين ، أرضاً وشعباً ووطناً وقضية وتاريخاً وثقافة ، ويرمي إلى تركيع شعبنا وكسر إرادته وتصفية حقوقه وضرب وحدته الوطنية ومصادرة سلاح المقاومة ومحاصرة ثقافة المقاومة .
لا ريب أن للثقافة وللمثقف في هذه اللحظات التاريخية الصعبة الحرجة والحاسمة ، في ظل تواصل العدوان وأعراس الدم المتدفقة من أجساد أطفال وشباب ونساء وشيوخ غزة ، الدور الأهم والأكبر في شد العزيمة وأزر الصمود والمقاومة ومواجهة العدوان والتصدي للغزاة ، وشحن المقاتلين والمناضلين في ساحات الوغى والقتال بالروح المعنوية ، روح الأمل بالانتصار ، وبمقومات التحدي وبلورة الوجدان .
لقد سطرت المقاومة الفلسطينية صفحات نضالية وبطولية مجيدة ومضيئة ومشرقة في سفر الكفاح البطولي والتضحيات والملاحم الأسطورية ، واستطاع المقاتلون الفلسطينيون اجتراح المعجزات والصمود بوجه العدوان وجيشه المدجج بأحدث الوسائل القتالية والأسلحة الفتاكة ، وكتبوا بدمائهم الطاهرة النازفة ملحمة الاستبسال والشجاعة والمقاومة التي فاجأت العالم الصامت والساكت وأنظمة العار في كهوفها . وهذا الصمود لشعبنا المقاوم سيظل نموذجاً وأمثولة يستلهم منه المبدع الفلسطيني مضامين كتاباته وإبداعاته في المستقبل أكثر مما يستجيب للحظة الراهنة .
إن الواجب الوطني والإنساني والأخلاقي والقيمي والالتزام الثوري يفرض على المثقفين الفلسطينيين والعرب في كل مكان ، الذين يحترقون ويتألمون ويتعذبون من هول المشاهد ومناظر الدم والخراب والدمار ، وما خلفه وأحدثه المحتل الغازي من آثار القدم الهمجية ، وفي خضم هذا الصراع ، تفعيل دورهم وأدواتهم الثقافية ، وتلمس حجم المأساة والمعاناة والكارثة الإنسانية في غزة ، وإعلان موقف واضح في الانحياز للمقاومة الفلسطينية ، وتعرية الاحتلال وفضح ممارساته الوحشية والوقوف ضد العدوان ،ويجعل كلمتهم حرة واعية مقاتلة وداعمة وتستشرف الآتي ، وتحويل عملية الصمود الفلسطيني إلى قصائد ونصوص وأناشيد وهتافات ومساهمات في تعزيز الجبهة الثقافية وترسيخ الانتماء وصيانة الهوية ودعم الصمود الجماعي لشعبنا دون أي مؤثرات حزبية وعقائدية ، وبخيارات وطنية وإبداعية .
ومن نافلة القول في النهاية ، إن المرحلة تحتاج لمثقف عضوي نبيل ونظيف وشجاع ، رافض للتدجين والاحتواء ، ويعي دوره التعبوي والتحريضي والريادي بالانحياز إلى المقاومة وفكر المقاومة وللحياة انحيازاً حقيقياً وجاداً ، ويتقدم الواجهة كدور المقاتل الفلسطيني ، ويسهم في صيانة وتعميق الوحدة الوطنية الفلسطينية ، ضمانة الانتصار على الظلم والقهر والموت والجوع والعدوان والحصار والاحتلال . ولا شك إن ما يجري في غزة من صمود ومقاومة باسلة سيكون له ما بعده ويبشر بهزة فكرية تنتج جيل فلسطيني مقاوم تمرس في الساحات والميادين وانخرط في معارك الدفاع عن حرية الوطن وشرف الأمة وكرامتها المفقودة .
حصاد الحرب فلسطينيا
امد / عمر حلمي الغول
معيار النصر والهزيمة في الحرب الاسرائيلية على محافظات الجنوبية من شهر خلا، هو معيار نسبي. لانها حرب تكتيكية، واهدافها محدودة. غير ان نتائج الحرب، تقاس بمدى تحقيقها للاهداف المحددة لها، وقدرة الشعب الواقع تحت نيرانها على الصمود والمواجهة او عدم ذلك، وانعاكساتها (الحرب) السياسية والعسكرية، وتأثراتها محليا وعربيا ودوليا.
لا يجافي المرء الحقيقة، حين يؤكد أن دولة التطهير العرقي الاسرائيلية هزمت في حربها، رغم ايقاعها ما يقرب من إثني عشر الفا من الشهداء والجرحى في اوساط المواطنين الفلسطينيين، وتدمير نحو خمسة وثلاثين الفا من منازلهم، بين تدمير كلي وجزئي.
موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل بشكل صارخ، لم تحل دون تمكن الفلسطينيون من تحقيق جملة من الانجازات والنتائج الايجابية وعلى اكثر من صعيد ومستوى، منها: اولا الانجازات السياسية: 1- تعزيز روح الوحدة الوطنية والشراكة السياسية، التي تمثلت بتشكيل وفد قيادي موحد وباهداف واحدة لادارة التفاوض مع حكومة اسرائيل عبر الاشقاء في مصر؛ 2- إسقاط كليا منطق التشرذم والانقسام بين جناحي الوطن؛ 3- تعاظم روح التكافل الوطني مع ابناء محافظات الجنوب في اوساط الشعب في الضفة بما فيها القدس، وفي داخل الخط الاخضر والشتات على حد سواء؛ 4- ترسخ دور حكومة التوافق الوطني في تحمل مسؤولياتها الوطنية؛ 5- الصمود البطولي للمواطنين في قطاع غزة، رغم افتقادهم لمقومات الحياة، وانقطاع الكهرباء، ونقص المياة والغداء والنزوح الداخلي، الذي طال حوالي ثلث السكان، والاهم مع افتقادهم لابنائهم واقاربهم وجيرانهم نتاج هول الحرب الاسرائيلية المسعورة؛ 6- افتضاح جرائم الحرب الاسرائيلية امام اعين العالم كله، الامر الذي فرض على اصدقاء وحلفاء إسرائيل المارقة في الولايات المتحدة واوروبا إدانة ولوشكليا؛ 7 – تشكيل لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة لجنة تحقيق اممية في جرائم الحرب الاسرائيلية؛ 8- اتساع دائرة التأييد والدعم العالمية في اوساط الرأي العام العالمي، وسحب العديد من دول اميركا اللاتينية سفرائها من اسرائيل، واتهاما بشكل واضح دولة ارهاب منظم؛ 9- خلقت الحرب ظرفا ملائما لاعادة طرح مسألتي الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في اراضي دولته المحتلة عام 1967، واعادة طرح إلزام إسرائيل بخيار الدولتين، ووقف حروب إسرائيل المتواصلة على الاراضي الفلسطينية، بالاضافة للاهداف التكتيكية، مثل: رفع الحصار عن القطاع، فتح المعابر، اعادة اعمار المطار والميناء، توسيع مساحة المياة البحرية ل12 ميل بحري، الافراج عن اسرى الحرية المعتقلين من صفقة شاليط والدفعة الرابعة من الاسرى المعتقلين قبل اوسلو، اعادة اعمار ما دمره العدوان الاسرائيلي البربري؛ 10- إنتزاع ابناء فلسطين في القطاع من الكل الفلسطيني برغبتهم او رغما عن البعض، على انها رقما صعبا في المعادلة الوطنية، ورافعة للنضال الوطني، وإسقاط كل محاولات الالتفاف على وحدة الشعب والارض والقضية والاهداف الوطنية؛
ثانيا عسكريا، 1- فشل الاهداف الغسكرية والامنية الاسرائيلية المعلنة، فلم يتمكن الجيش الاسرائيلي من: إيقاف إطلاق الصواريخ، التي تواصل إطلاقها حتى صباح امس، ووصل عددها الى 3245 صاروخا، ولم يتمكن من هدم الانفاق؛ 2- مواصلة عمليات التصدي والمواجهة، وايقاع خسائر فادحة في صفوف الجيش الاسرائيلي بلغ ما يقارب من ال 250 بين قتيل وجريح، وتدمير العديد من الدبابات والمركبات العسكرية؛ 3- تنفيذ العديد من العمليات العسكرية خلف خطوط العدو، وداخل الخط الاخضر ؛ 4- التمكن من إختطاف جندي وضابط (تمت إعادته مقتولا بعد تدخل تركيا مع حركة حماس) رغم كل التفوق العسكري الاسرائيلي البري والبحري والجوي، والمراقبة الشديدة وحالة الاستنفار القصوى؛ 5- إحتدام التناقض بين المستويين السياسي والعسكري في اسرائيل نتاج فشل الحرب المسعورة؛ 6 اكدت الحرب بما لا يدع مجالا للشك، ان الجندي الاسرائيلي مهزوم من الداخل، واثبتت الحرب، ان جيش الربوت الاسرائيلي، لم يعد جيش السوبرمان مان، الذي تتغنى به اسرائيل؛ 7- فشل التخطيط العسكري الاسرائيلي، وحدوث شرخ بين المستويين الاستخباراتي وقيادة الجيش الاسرائيلي.... وغيرها من الاهداف، التي ستفرزها الحرب الاجرامية الاسرائيلية في قادم الايام.
هذه القراءة السريعة لنتائح وحصاد الحرب، تجاوزت خلفيات وحسابات بعض القوى. وهدفت لتسليط الضوء على الايجابيات، وما يمكن ان تستفيده منها القيادة السياسية في تحقيق الاهداف السياسية والمصالح العليا للشعب.
جرائم الإحتلال بحق المقدسيين تتعاظم
امد / راسم عبيدات
بعد ظهر أمس إرتكب الإحتلال ومستوطنيه جريمة جديدة بحق المقدسين تضاف لسجل جرائمهم السابقة،حيث أقدم المستوطنين على رشق الشاب محمد نايف جعابيص 21 عاماً من حي جبل المكبر بالقدس بالحجارة وإطلاق أحد المستوطنين النار عليه من علو،ليفقد اثناء رجوعه للخلف السيطرة على الجرافة التي يقودها،مما ادى إلى إصطدامه بإحدى حافلات "إيجد" الإسرائيلية المتوقفة مما أدى الى إنقلابها،ومن ثم اطلق عليه رجال الأمن الإسرائيليين النار بغزارة ليرتقي شهيداً،وجريمة قتل الشهيد جعابيص ليست الأولى ولا الأخيرة بحق المقدسين،فهناك تغول وتوحش من قبل الإحتلال ومستوطنيه تجاه المقدسيين،فلعلنا نذكر جرائم مشابهة إرتكبت بحق أبناءنا المقدسيين،فكانت جريمة قتل الشاب الشهيد يونس ردايده والشهداء غسان أبا طير وقاسم المغربي،والتي كانت بسبب فقدانهم للسيطرة على مركباتهم،وليدعي الإحتلال من اجل تبرير جرائمه بأنها عمليات فدائية. وقد سبق جريمة قتل الشهيد جعابيص،جرائم أخرى لعل أبرزها وأكثرها دموية وحقداً وعنصرية وبشاعة جريمة خطف وتعذيب وحرق الفتى محمد أبا خضير حياً،تلك الجريمة التي أشغلت غضبا عارماً،ليس على صعيد القدس وحدها،بل إمتد الغضب ليشمل كل مساحة فلسطين التاريخية،ولعل تلك الجريمة كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت هبات جماهيرية متلاحقة في مدينة،إذا ما وجدت حاضنتها فإن مفاعيلها مرشحة للتطور والتصعيد،وقد تبع جريمة حرق أبا خضير حياً جرائم اخرى،فقد جرت عدة محاولات من قبل المستوطنين لخطف أطفال عرب من منطقتي شعفاط وبيت حنينا،وكذلك حصلت إعتداءات وحشية بدوافع عنصرية بحق شبان عرب مقدسيين في أكثر من منطقة من مناطق القدس،وقد طالت تلك الجرائم حتى السائقين العرب العاملين على الحافلات الإسرائيلية" أيجد" كما ورشقت محامية فلسطينية بماء النار...ولم يكتفي المستوطنين وجمعياتهم الإستيطانية بتلك الجرائم بحق المقدسيين،بل يعمدون الى إقتحام المسجد الأقصى بشكل يومي وإستفزازي،كما حدث أمس واليوم أيضاً،فاكثر من 150 مستوطن امس واليوم إقتحموا الأقصى يتقدمهم الحاخام المتطرف يهودا غليك ووزير الإسكان المتطرف اوري ارئيل لتأدية شعائرهم التلمودية في ساحاته،وليتصدا لهم طلاب العلم والمرابطين والمقدسيين،حيث أصيب العشرات من المقدسيين جراء الرصاص المطاطي وقنابل الصوت والغاز المدمع،وجرائم الإقتحام تلك ومسلسل الإستفزازات بحق المقدسيين مستمر ومتواصل،وتواصله يعني بأن هناك انفجار مقدسي حاصل لا محالة، فالمقدسيون باتوا يشعرون بأن هناك خطر جدي يتهدد وجودهم في هذه المدينة،والضغط المتواصل عليهم،والإعتداءات المتكررة،والتي تجري تحت سمع وبصر اجهزة الأمن الإسرائيلية واجهزتها الشرطية،هي عمل منظم وممنهج تشارك فيه كل المستويات والأجهزة المختلفة،وهي توزع الأدوار فيما بينها.
المقدسيون باتوا على قناعة تامة،بأن مسألة الدفاع عن وجودهم وحماية أرضهم وممتلكاتهم،وإفشال مخططات طردهم وتهجيرهم القسرية،ضمن سياسة ومخططات التطهير العرقي،وحتى امنهم الشخصي،هي مسائل تقع على عاتقهم بالدرجة الأساسية،فهم ملوا من كثرة الخطابات والبيانات والرسائل والمناشدات،والدعم الورقي واللفظي،ليس من أبناء جلدتهم وسلطتهم،بل من كل العرب والمسلمين،والذين جاءت الحرب العدوانية الهمجية التي شنها العدو على شعبنا في قطاع غزة،لتميط اللثام عن وجوههم القبيحة،ولتسقط ورقة التوت عن عوراتهم،حيث إصطف جزء لا بأس به منهم الى جانب العدو في حربه وعدوانه على شعبنا،وهذا يجعلنا متيقنين من انهم لا ولن يكونوا لا مناصرين ولا داعمين لشعبنا،وبالتالي مصير القدس والأقصى والقيامة،ليست بوارد حساباتهم،فجرائم الإحتلال حركت كل قادة وشعوب العالم،والذين إنتفضوا وتظاهروا وخرجوا في مسيرات ضخمة نصرة لشعبنا،وأمريكا اللاتينية عن بكره أبيها طردت سفراء الإحتلال،في الوقت الذي كان فيه سفرائها في عواصم عروبتنا يسرحون ويمرحون بحماية اجهزة امن الأنظمة العربية.
الآن المقدسيون يعلنون ويقولون للقاصي والداني،لقد بلغنا سن الرشد ولسنا بحاجة لوصاية من احد،كذلك يقولون للإحتلال ومستوطنيه،يكفي غطرسة وعنجهية وظلماً،فحتى لو أبدتمونا عن بكرة أبينا،ومارستهم المجازر والإبادة الجماعية بحقنا كما حصل لشعبنا في قطاع غزة،فنحن لن نبرح لا قدسنا ولا أرضنا،هنا ولدنا وهنا سنحيا وهنا سنقاوم وهنا سنموت.
وحدة المقدسيون بكل ألوان طيفهم السياسي والمجتمعي باتت مطلوبة اكثر من أي وقت مضى،فالخطر عليهم داهم وجدي،والهجمة والحرب التي تشن عليهم،بحاجة الى اعلى درجات التعاضد والتكاتف،فالمستوطنون باتوا أكثر تطرفاً وتوحشاً وتغولاً،ولم يعد الأمر كما كان عليه في الإنتفاضة الأولى،حيث كانوا لا يبرحون جحورهم ولكن من بعد اوسلو كشروا عن انيابهم وزدادوا تغولاً.
من خلال قراءتي للأوضاع في مدينة القدس،فواضح أن الإعتداءات على المقدسيين من قبل المستوطنين،ستستمر وتتصاعد،حيث يلقى هؤلاء الدعم والرعاية من قبل قمة الهرمين السياسي والأمني،بقصد تخويف المقدسيين وتروعيهم،وكسر إرادتهم وتطويع وتقزيم وعيهم،من اجل التعود على بقاء الإحتلال والتعايش معه،ومن هنا تأتي أهمية أن يعمل المقدسيون على توحيد عناوينهم ومرجعياتهم،وإيجاد اوسع مظلة شعبية ينصهر في إطارها الجميع،ويكون الشباب قاعدتها الواسعة،وجزء أساسي من قمة هرمها المشارك في صنع قراراتها وصياغة توجهاتها وبرامجها.
فالرهان والعماد هو الان على مثل هؤلاء الشباب،لكي يأخذوا دورهم ومساحة واسعة في القرار والقيادة،كما هي المساحة في الفعل والعمل.
حرب “صراع الرهانات” في غزة
الكرامة / محمد السعيد إدريس
أعتقد أننا جميعاً، أبناء الأمة العربية، بكافة انتماءاتنا القطرية والسياسية والدينية بل والطائفية نشعر بثقل المسؤولية لعجزنا عن إنقاذ شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة من حرب إبادة لم تعد أهدافها خافية، فهذه الحرب القذرة، التي لم تبدأ من فراغ بل جاءت في أعقاب فشل جولة مفاوضات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، واستباقاً لحدوث تراكم نضالي في الضفة الغربية فجرته ممارسات إجرامية صهيونية، خشية أن يؤدي هذا التراكم النضالي إلى اندلاع انتفاضة شعبية فلسطينية ثالثة قد تكون سبباً في إعادة تثوير قضية الشعب الفلسطيني، وإعادة بعث الصراع العربي الصهيوني إلى قاعدته ومفاهيمه الحقيقية غير المزيفة: صراع وجود عربي ضد استعمار استيطاني صهيوني، ووضع نهاية لمسار مفاوضات التسوية ومفاعيلها التي بدأت بمعاهدات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو ومن ثم إقرار مبدأ تبادل الأراضي للحفاظ الشكلي على ما يسمى ب "حل الدولتين" الذي نجحت حكومة اليمين الصهيونية في تفريغه من كل مضامينه بالتوسع في سياسة الاستيطان والتهويد .
وإذا كانت هذه هي البدايات والمقدمات للعدوان الإجرامي الصهيوني الحالي ضد قطاع غزة، فحتماً لن تكون الخواتيم والنتائج التي يخطط لها قادة العدو ويأملون تحقيقها بعيدة عنها، فهم لا يهدفون فقط إلى التخلص من سلاح المقاومة وخاصة الصواريخ وتدمير ما يسمونه ب "الأنفاق الهجومية" ولكنهم يخططون لفرض واقع سياسي جديد ومعادلة سياسية جديدة لوضع نهاية للصراع العربي الصهيوني بفرض مشروع حل الدولة الواحدة وليس حل الدولتين، وحل الدولة الواحدة الذي يريدونه هو أن تكون فلسطين، كل فلسطين دولة واحدة لشعب واحد هو "الشعب اليهودي"، ولعل هذا ما يفسر إصرار بنيامين نتنياهو رئيس حكومة العدو منذ أكثر من شهرين على فرض خيار "الدولة اليهودية" ليس فقط على الشعب الفلسطيني بل وعلى كل الشعب العربي .
انطلق قادة الكيان في تخطيطهم لهذا العدوان من قراءة دقيقة للواقع العربي والإقليمي الراهن، ووصلوا إلى يقين بأن هذا الواقع لا يقل سوءاً عن حقيقة الواقع النضالي الفلسطيني . فتنافس حركتي "فتح" و"حماس" على السلطة في فلسطين الذي تحول إلى صراع سلطة بعيداً عن كل اعتبارات ما كان "مقاومة" وعرقل كل محاولات المصالحة وجردها من مقوماتها، لا يختلف كثيراً عن صراعات السلطة في معظم الدول العربية ابتداء من العراق مروراً بسوريا واليمن ولبنان، وامتداداً إلى مصر والسودان وليبيا وتونس، صراعات أدت وتؤدي ليس إلى تدمير الجيوش بل إلى تدمير مقومات بقاء الدولة وإطلاق فتنة التقسيم في بعض هذه الدول .
الصراعات في وطننا العربي لم تعد صراعاً بين العرب وبين الكيان الصهيوني ولكنها أضحت تنافساً بين الدول العربية وتحولت إلى صراعات داخل الدول العربية، وامتدت إلى تنافس بين القوى الإقليمية في إقليم الشرق الأوسط، وباتت "إسرائيل" بمنأى عن كل هذه الصراعات، وكان عليها أن تندفع نحو قطاع غزة لتدمر وتقتل من أجل فرض مشروع التسوية الذي تريده، وهي على قناعة بأنه ليس من بين العرب من في مقدوره أن يعلن راية التحدي، خاصة في ظل الصراعات الدامية التي تحدث الآن داخل كل من العراق وسوريا التي من شأنها منع أي من الدولتين من مجرد التفكير في ردع العدوان "الإسرائيلي"، وخاصة في ظل الإدراك "الإسرائيلي" للواقع الأليم الذي تعيشه مصر الآن في حربها ضد الإرهاب "الإخواني" و"التكفيري" والذي بسببه وجدت نفسها في حاجة إلى الحصول على موافقات "إسرائيلية" تتجاوز نصوص معاهدة السلام لإدخال قوات وأسلحة مصرية لمقاتلة الإرهابيين الذين يقاتلون الجيش وقوات الأمن المصرية على أرض شبه جزيرة سيناء .
قادة الكيان توصلوا إلى قناعة بأنه ليس هناك من بين العرب من في مقدوره أو في تفكيره أن يرد العدوان، كما أنهم وصلوا إلى قناعة بأن العرب يعيشون الآن حالة حرب باردة عربية عربية جديدة، وحرب عربية إقليمية جديدة، على الأقل سياسياً وإعلامياً من خلال المحاور المتصارعة الآن والتي ليس على أجندتها ما له علاقة بالصراع مع "إسرائيل"، بل إنهم تنبأوا بأن عدوانهم الإجرامي على قطاع غزة من شأنه أن يفجر حرب تصفية حسابات عربية عربية، وأن تكون مواقف العرب من هذا العدوان ليس أكثر من الوجه الآخر القبيح لحرب تصفية الحسابات هذه .
محصلة هذا كله كان قرار الحرب "الإسرائيلية" الإجرامية على غزة، لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الجميع الآن: "الإسرائيليون" والفلسطينيون وكل من يعنيهم الأمر من العرب والقوتين الإقليميتين: إيران وتركيا هو: هل في مقدور "إسرائيل" تحقيق أهدافها من العدوان؟ وبتحديد أكثر هل في مقدور "إسرائيل" توظيف كل هذا الواقع الفلسطيني والعربي والإقليمي لوضع نهاية لما كان يعرف ب "الصراع العربي "الإسرائيلي"" وفرض خيار "دولة واحدة لشعب واحد"؟ وهل في مقدور العرب وإيران وتركيا إفشال هذا المخطط الإجرامي؟
السؤال مهم، لكن الإجابة صعبة لأن الأهداف متناقضة بين من يحكمون العرب ومن يحكمون إيران وتركيا أيضاً، وقبلهم بين السلطة الفلسطينية والمقاومة الباسلة في قطاع غزة، ولذلك يبقى الرهان الشعبي هو الممكن والمرجح، رهاناً شعبياً يبدأ من الضفة الغربية لفرض ما تحسب له الصهاينة بجعل العدوان الإجرامي على قطاع غزة سبباً بتفجير انتفاضة شعبية يكون في مقدورها إنقاذ غزة أولاً من مخطط الإبادة الصهيوني، ويكون في مقدورها أن تقلب أوضاع مشروع التسوية الاستسلامية رأساً على عقب، وأن تعيد وضع الصراع في فلسطين مجدداً إلى حقيقته: صراع حول الوجود وليس صراعاً على حدود .
إذا تفجرت الانتفاضة في الضفة الغربية بدافع من دماء وأرواح الشهداء وصرخات الثكالى والمصابين، وبوعي من أهمية وحتمية هذا الخيار فسوف يكون لها مردودها الحتمي على مستوى السلطة ومنظمات المقاومة في الضفة وقطاع غزة، وسوف يمتد صداها إلى العمق العربي والإقليمي وسيغير كل المعادلات، وسيعري كل من يتعاملون خفية مع الكيان الصهيوني وستتحول هذه الانتفاضة الفلسطينية إلى انتفاضة عربية قادرة على إحياء خيار المقاومة وتجديد الثقة الشعبية به، مقاومة بمفهومها الواسع تبدأ بالعودة إلى النضال السياسي العربي من أجل فلسطين، وإعادة تثوير ميادين الكفاح العربية من أجل فلسطين، وإعادة سياسات المقاطعة للكيان وتجريم كل من يدعمونه ويساعدونه ويقدمون له الحماية ابتداء من إدارة باراك أوباما والكونغرس الأمريكي الذي تفوق على الكنيست "الإسرائيلي" في عدائه للشعب الفلسطيني ودفاعه عن المشروع الصهيوني، وامتداداً إلى أنصار "إسرائيل" في أوروبا وحلفائهم داخل الدول العربية من رجال أعمال وإعلاميين يلعبون دور "اللوبي" الداعم للسياسات "الإسرائيلية" العدوانية عندما يتحقق ذلك سيتجدد الأمل ثانية في عودة فلسطين قضية عربية مركزية بامتياز بعد أن أضحت عبئاً ثقيلاً على كاهل كثير من أنظمة الحكم العربية، وسيتجدد الأمل في إفشال رهانات قادة الكيان على جعل عدوانهم الإجرامي على قطاع غزة مدخلاً لفرض مشروعهم السياسي لتصفية القضية الفلسطينية.
مشروع واحد من غزة وعرسال.. إلى شمال العراق
ان لايت برس / اياد ابو شقرا
في السياسة يصعب التوفيق بين العاطفة والمثاليات من جانب، والواقعية والمصالح من جانب آخر. لكن هذا ما هو ماثل أمامنا اليوم في غزة، وشمال العراق، وعرسال بشمال شرقي لبنان. للأسف، يصعب علينا، كعرب ومسلمين، كما يبدو، تقبّل الحقائق. ذلك أن غالبيتنا تفضل العيش في الأوهام وما زالت تتفاعل مع مجريات الأمور في بلادنا، إما بانفعال بريء ساذج... أو على أساس أمنيات لا تستند إلى واقع محسوس. كل المشاكل التي تواجهنا راهنا نتعامل معها هذه الأيام بالتركيز على الأعراض فقط متناسين: أولا المُسببات، وثانيا النيّات، وثالثا المناورات المتعمّدة إما للتضليل أو الإرباك.
إن ظاهرة «الدولة الإسلامية في العراق والشام» و «جبهة النصرة» والتنظيمات «القاعدية» بشتى أشكالها وتسمياتها من الظواهر المألوفة في تاريخ الإسلام الطويل. ولقد خبِر الإسلام منذ بزوغه حركات وتنظيمات متطرّفة كانت تقوم وتزدهر ثم تندثر. وكلها، من دون استثناء تقريبا، كان يسعى لاحتكار الإسلام والهيمنة «الشرعية» على مقدّرات المسلمين. والملاحظ، لمن يهمه الأمر، أن التطرّف والغلو كانا يتزامنان مع مراحل ضعف الدولة وانحطاطها... وإما يساهمان في التعجيل بهذا الضعف، ومن ثم الانحطاط، أو يأتيان ردة فعل غاضبة عليهما. في حين كانت فترات ازدهار الدولة ومنعتها واتساع رقعة نفوذها تتميّز بالتسامح الديني والمذهبي والاعتراف بالتعدّدية واستيعاب الاختلاف، بل والاستفادة منه.
نعم، ظاهرة «داعش» وأخواتها ليست جديدة أو طارئة، وأيضا التحديات التي تواجه العالمين العربي والإسلامية لم تبدأ صباح أمس. غير أننا، كعرب وكمسلمين، نتصرّف اليوم إزاء مشاكلنا بانفعال عاطفي يرفض التفكير والتحليل ويأنف الاتعاظ من الأخطاء... ويستمرئ الشعارات الخطابية ويستسلم للمزايدات، بدلا من ربط الأشياء أحدها بالآخر، وتحليل المعطيات واستشراف النتائج بناء على حد معقول من المعرفة والصراحة مع النفس. ولنبدأ بغزة. أنا واثق أنه ليس هناك إنسان سوي يمكن أن يتحمّل مشاهد الفظائع التي مثّلتها الآلة الحربية الإسرائيلية فصولا، ولا سيما جثث الأطفال المقطّعة، ونواح الأمهات الثكالى، وآثار التدمير البربري للأحياء السكنية. وبالأمس فقط استقالت وزيرة بريطانية مسلمة من حكومة ديفيد كاميرون استنكارا لموقفها الملتبس من مأساة غزة. ولكن علينا أيضا أن نفهم أنه وسط القصف والدمار والأشلاء هناك «غاية سياسية» إسرائيلية من حرب غزة، كما أن هناك «هدفا سياسيا» مقابلا لحماس والجهاد الإسلامي ومَن يمدّهما بالمال والسلاح.
ما حدث ويحدث في غزة جزء من «سيناريو» سياسي يتّصل بمصير الأراضي الفلسطينية المحتلة ويشكل جزءا من تلاقي، أو تلازم، أو تقاطع المخططات الإقليمية والدولية الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط. وهذه الأيام، بينما يستذكر العالم مرور 100 سنة على اندلاع الحرب العالمية التي انتهت في المشرق العربي بإعادة رسم خارطة المنطقة، بات علينا التنبه إلى احتمال أن تكون التسوية التي أبصرت النور عام 1920 قد انتهى مفعولها بشقّيها الأساسيين «اتفاقية سايكس - بيكو» و«وعد بلفور». ثمة أكثر من طرف إقليمي ودولي واحد أسهم عن عمد في شقّ الصف الفلسطيني بعدما كان العرب قد قرّروا جعل منظمة التحرير الفلسطينية «الممثل الشرعي الوحيد» للفلسطينيين. وواضح من «حرب غزة» أن لإسرائيل هدفا سياسيا - استراتيجيا يقوم على تصفية إمكانية قيام أي كيان فلسطيني مستقل. المخطّطون الإسرائيليون يدركون أساسا استحالة «إبادة» غزة عسكريا، لكنهم قصدوا من حربهم بناء قوة دفع لصيغة سياسية جوهرها فرض «وصاية» إقليمية على المناطق الفلسطينية الممزّقة الأوصال. وواشنطن طبعا ملتزمة تماما بالموقف الإسرائيلي، وإيران تشجّع وتسلّح وتصعّد لتحسين حصتها من الصفقة الإقليمية الكبرى من دون الاكتراث بدماء الفلسطينيين وآلامهم.
حالة غزة تنطبق تماما على حالة عرسال وأبعادها اللبنانية - السورية. أزمة عرسال أيضا لم تبدأ البارحة رغم تظاهر الساسة اللبنانيين بأنهم فوجئوا بما حصل. لقد شبّت الثورة السورية قبل أكثر من ثلاث سنوات، وسرعان ما حوّلها مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وبشار الأسد، بتواطؤ إقليمي ودولي، إلى حرب أهلية حقيقية. وخاض «حزب الله» بأوامر إيرانية الحرب على هذه الثورة قبل نحو سنتين. وبالتالي، كان من الطبيعي أن يستدعي تدخله في سوريا تدخلا مضادا داخل لبنان يحظى بدعم - ولو عاطفيا - من طائفة سنية مُهمّشة ومُستضعفة بقوة السلاح، بينما الجيش اللبناني ممنوع من ممارسة دوره الوطني المتوازن المطلوب.
في المقابل، فإن إسرائيل، المرتاحة تماما لوضع حدودها السورية منذ 1974، كانت وما زالت ضد تغيير نظام الأسد. وكان لا بد، بالتفاهم مع واشنطن وموسكو، من مبرّر للإبقاء على النظام «صندوق بريد» بين تل أبيب وطهران، وجهاز امتصاص صدمات يخدّر الأقليات الدينية والمذهبية ويضمن استمرار ولائها. وجاء هذا المبرّر «القابل للتصدير» بجعل سوريا، ثم العراق ولبنان أيضا، أهدافا لجماعات جهادية تكفيرية متطرّفة ترتكب مجازر وتمارس التهجير والتطهير الطائفي والعرقي.
وكما أن دور «حزب الله» لا علاقة له بمواجهة إسرائيل، لا علاقة لمشروع «داعش» وأخواتها حقا بنصرة الثورة السورية، أو التصدّي لهيمنة إيران على العراق ولبنان، بدليل ممارساته المرفوضة إنسانيا بحق أبرياء ينتمون لأديان وطوائف متنوّعة في فسيفساء المنطقة. وأيضا بدليل تمتّعه بموارد مالية ولوجيستية لا تتفق و«عفوية» جهاده المزعوم، ناهيك من الصمت المُريب من القوى الكبرى على تمدّده السريع عبر المنطقة.
إن تهجير أقليات شمال العراق (من المسيحيين والأيزيديين والشبك وغيرهم)، بعد إرباك ساحة الثورة السورية وإنهاكها بمعارك جانبية وترويع السوريين بممارسة القتل والهدم والتضييق الديني، وجرّ لبنان - حيث لا توجد دولة، ولا تشكل طائفية دينية واحدة غالبية سكانية - إلى حرب أهلية... ليس سوى مقدمة لتقسيم المنطقة وتفتيتها. وباعتقادي، وهذا ما سبق لي ذكره في مناسبات سابقة، أن عملية التقسيم والتفتيت الجارية على قدم وساق تمهد لوصاية إقليمية جديدة... وبعلم عدد من اللاعبين الإقليميين ودعمهم.
الصراحة بشأن غزة
الكرامة / عبد المنعم سعيد
أصبح كل العرب في مأزق كبير، إذا تحدثوا مع الفلسطينيين في وقت هدوء وسلم، قال الفلسطينيون بالقرار الفلسطيني «المستقل»؛ أما إذا جاء وقت الحرب والنزال والدماء النازفة والمذابح المرعبة نادى الإخوة الفلسطينيون: أين أنتم يا عرب؟ لا يمر يوم إلا واستمعنا إلى بيانات سياسية، وخطابات السيد خالد مشعل التي تؤنب وتلسع وتغمز وتلمز، ولكن أقسى ما نسمعه هو ما يرد لنا شخوصا وجماعات من المدونين الفلسطينيين من داخل فلسطين ومن المنفى يصرخون ويلومون وينعون موت العروبة، ويتساءلون عما إذا كان في عروق العرب دم، أم أن خُلطت الأعراق والخواص فما عادت شهامة ولا رجولة؟ الاثنان في الحقيقة لا يجتمعان: القرار الفلسطيني «المستقل»، ودعوة العرب للمشاركة في الحرب والنزال التي لم يرسموا لها استراتيجية، ولم يتخذوا فيها قرارا، ولم يراعوا فيها مسؤولياتهم الأولى إزاء أوطانهم وشعوبهم. لن يختلف أحد من العرب على أن إسرائيل تشكل معضلة كبرى للأمن القومي العربي، فعندما توجد دولة في وسط وطن ممتد بالثقافة والتاريخ والمصالح المشتركة فإنه ينقسم، وعندما تصير هذه الدولة «نووية» فإن «التوازن» في المنطقة يختل، وعندما تريد الدولة الجمع بين الاحتلال والسلام، والاستيطان والتعايش، فإننا نصبح أمام نوع من الخداع المستمر.
نتيجة هذا التناقض فإن إدارة الصراع تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة، وقدر أكبر من القوة، وكلاهما لا يمكن خضوعه للمغامرة والمقامرة، والقرارات التي يجري اتخاذها أمام الميكروفونات. حاول العرب حل المعضلة بأن يكون هناك تمثيل فلسطيني واضح وصريح يحمل الحمل الفلسطيني إلى العالم، ويقاتل من أجل الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. هذا التمثيل أصبح منظمة التحرير الفلسطينية التي صارت الممثل الشرعي و«الوحيد» للشعب الفلسطيني. كان ذلك خروجا من الانقسام الفلسطيني بين «فتح» والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهات وحركات وأحزاب وجماعات مقاتلة متنوعة ومختلفة. ولكن التوحيد تحت راية المنظمة جرى له ما جرى لكل البلدان العربية حال مولد حركة إسلامية: حماس. لم تعد حماس منظمة تسعى إلى التحرير فقط، ولكنها منظمة تقسم منظمة التحرير، وتلفظ عنها تمثيلها للشعب الفلسطيني، وخلال عملية أول تحرير للأراضي الفلسطينية من خلال اتفاقيات أوسلو عملت حماس على نسف كل ما جرى إنجازه من خلال عمليات عسكرية ساعة الولوج إلى كل انسحاب إسرائيلي. وكما هي العادة فإن دخول حركة إسلامية إلى الساحة السياسية لا يقسمها قسمين فقط، فسرعان ما تظهر حركات أخرى، فكما لا يوجد احتكار في الآيديولوجية لا يوجد احتكار في الدين. أصبح هناك حركة الجهاد الإسلامي وجيش الإسلام، وجماعات أخرى وكلها حصلت على الصواريخ ودخلت في مرحلة «القرار» المستقل. ولم تكن النتيجة انقساما فقط، بل صارت إطاحة بالإطار القانوني الوحيد الذي يعترف به العالم وهي السلطة الوطنية الفلسطينية المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. تمت الإطاحة بعناصر السلطة من فوق عمارات غزة وقتلها بوسائل متنوعة، ومن ثم بات مستحيلا في غياب السلطة الوحيدة المنوط بها الإشراف علي المعابر «السبعة» - 6 معابر مع إسرائيل ومعبر واحد للأفراد مع مصر - أن تفتح هذه المعابر لكي يعيش شعب غزة عيشة كريمة.
المأزق العربي يستحكم، فما لدينا بات منظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذه لها سلطة وطنية فلسطينية، وهذه تعيش الآن على أراض منقسمة بين غزة والضفة الغربية، وبين فتح من ناحية، وحماس ومعها جماعات «جهادية» مختلفة من ناحية أخرى. وهؤلاء يتخذون قراراتهم حسب ما اتفق، فلا توجد حسابات لتوازن القوى، ولا يوجد حساب للظروف الجارية والضاغطة في المنطقة. وعندما دخلت حماس وأعوانها في الحرب مع إسرائيل لم يكن الدم الفلسطيني وحده الذي يسيل، بل كان الدم السوري يجري أنهارا، وعبرت داعش من سوريا إلى العراق، وفيها احتلت الموصل، وذبحت من ذبحت، وطردت المسيحيين، بينما أقرانهم من جماعة «بيت المقدس» يقتلون الجنود المصريين في الفرافرة، بينما جماعة أخرى تقتل جنودا جنوب تونس، ويهدد آخرون الأمن في المغرب انطلاقا من مالي وليبيا. أليس مشروعا أن يطرح السؤال عما إذا كانت حرب غزة جزءا من حرب أعظم تجري باتساع المنطقة كلها، وهدفها الدولة العربية المراد منها التدخل لإنقاذ الشعب الفلسطيني؟
كل ذلك له إطار تاريخي، ويضع الكثير من أحداث المنطقة طيعة في يد أنصار نظرية المؤامرة من كل نوع، ولكن الحقيقة هي أن هناك خللا كبيرا في مجتمعاتنا من أول التكييف المادي والمعنوي للقضية الفلسطينية وحتى كيفية إدارة مجتمعاتنا التي فيها الكثير من الأمراض التي غالبا لا نعترف بها، حتى لا نقوم بمواجهتها. بلغ القتلى في العراق قرابة المليون منذ الغزو الأميركي، وأكثره بين السنة والشيعة مع مشاهد جانبية دامية بين المسلمين والمسيحيين، والعرب والأكراد؛ وفي سوريا بلغ القتلى 200 ألف، وفي فلسطين تعدى القتلى من الفلسطينيين 1200 قتيل، وآلاف المباني، وعشرات الأنفاق مقابل 55 إسرائيليا كان فيهم الكفاية لكي تعلن حماس النصر في المعركة. الغريب في الأمر أنه بينما إلقاء اللوم على العرب يجري مجرى البحار والأنهار، فإن مصر أقرب الحلفاء للقضية الفلسطينية، باتت هي المتهم الأول. حماس ادعت أن المعابر، بما فيها معبر رفح بالطبع، ما هي إلا ملك للعرب، ومن ثم وجب وضعها تحت الإدارة الدولية التي تفتحها كما تريد لها حماس. ليس هناك مانع أن تكون كل المعابر بما فيها تلك الإسرائيلية ملكا للعرب، ولكن لماذا لا تكون تحت إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية التي تتفاهم مع الدول المعنية من أجل فتح المعابر. السلطة الوطنية لم تثقب الحدود المصرية بالأنفاق كما فعلت حماس وتجعلها ممرا للإرهابيين والمسلحين والأسلحة وهز الاقتصاد المصري بتهريب النفط والسلع؛ ولكن حماس فعلت كل ذلك.
الدول العربية مع كل شعورها بالألم لما يجري للشعب الفلسطيني، فإن عليها أن تطرح الأمر كله على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية وإسرائيل وفي الشتات. إذا كانت حماس تريد عونا عربيا حقا فإن عليها أن تعترف بالحقيقة التي لا تريد الاعتراف بها، وهي أنها فشلت بانقسامها عن السلطة الوطنية في إدارة الصراع مع إسرائيل، وأن عليها أن تعيد الأمور إلى نصابها حيث منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والسلطة الوطنية هي المنوط بها إدارة الصراع وليس غيرها. الدم العربي الذي يسيل ليس هو فقط الفلسطيني فهناك السوري والعراقي والمصري والليبي والتونسي والجزائري، وكلنا نعرف من هم القتلة والسفاحون.
التجربة ... والاستخلاصات الوطنية
امد / وفيق زنداح
التجربة الفلسطينية المعاصرة ومسيرة الكفاح الوطني ومنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية وبدء مسيرة الكفاح المسلح والمعارك العديدة التي خاضتها قوى الثورة الفلسطينية عبر المراحل التاريخية المتعاقبة اكدت بما لا يدع مجالا للشك ان وحدة الدم الفلسطيني على ارض المعركة قد تفوقت وتجاوزت الاجتهادات السياسية المتوافقة احيانا والمتباينة احيانا اخرى .
ولا زالت القوى السياسية الفلسطينية تجتهد سياسيا وتتوحد ميدانيا على اعتبار ان وحدة الدم هي الفيصل والمحدد للتوجهات الوطنية برغم كافة الاجتهادات السياسية .
واقع التجربة الفلسطينية النضالية وقد افرزت هذه المعادلة والتي لا تعتبر خطأ استراتيجيا في نضالنا الوطني ولكنها في ذات الوقت تعتبر ضعفا تكتيكيا واستراتيجيا لا بد من التخلص منه على قاعدة الاستراتيجية الوطنية الشاملة التي تتضمن كافة القوى السياسية والفعاليات الوطنية وكافة الخبرات من المثقفين والاعلاميين القادرين على صياغة فكرنا الوطني وخطابنا الاعلامي القادر على التأثير في معادلة الصراع القائم والمحتدم مع الاحتلال الاسرائيلي وحتى نتمكن من مخاطبة الاشقاء والاصدقاء والعالم بأسره .
الصراع الممتد والقائم بين شعبنا وقواه السياسية ضد الاحتلال الاسرائيلي والمستمر منذ عقود طويلة يؤكد بالملموس عظمة شعبنا وقدرته على الصمود والتضحية والدفاع عن كرامته الوطنية واهدافه الثابتة المطالبة بالحرية والاستقلال وحقه المطلق بتقرير المصير واقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس والتي لم تستطع كافة الاعتداءات والحروب الاسرائيلية والة الدمار والبطش والقتل والتدمير ان تهز الثوابت الوطنية برغم عشرات الالاف من الشهداء والجرحى والاسرى مما يؤكد على تمسك شعبنا بأهدافه الوطنية وعدم قدرة المحتل الاسرائيلي على فهم الرسالة الوطنية الفلسطينية المعمدة بالدماء والتضحيات الجسام .
معارك عديدة خاضتها قوى الثورة الفلسطينية من الكرامة حتى عملية الليطاني وليس اخرها اجتياح لبنان وخروج الثورة الفلسطينية .
لقد قالها القادة الاسرائيليين وعلى سبيل المثال وليس الحصر الجنرال ديان ان الثورة الفلسطينية (كالبيضة التي يمكن ان يهشمها في الوقت الذي يريده ) وفي ذات الوقت قالها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر ان الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى ... واكمل الزعيم الخالد ياسر عرفات لتبقى وتنتصر .
محطات تاريخية ونضالية عديدة وحروب متعددة ومؤامرات متشعبة ومتعددة استهدفت القيادة والقوى والشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه وجميعها بائت بالفشل الذريع بل زادت شعبنا ايمانا راسخا وقناعة ثابتة بحتمية الانتصار طال الزمن ام قصر .
العدوان الاسرائيلي بمراحله المتعددة والذي لم يتوقف منذ اتفاقية اوسلو وتأسيس اول سلطة وطنية فلسطينية بقرار من المجلس المركزي الفلسطيني ومحاولات اسرائيل المستمرة لإضعاف السلطة الوطنية وممارسة الضعوط عليها وتدمير مقراتها و استهدافها بصورة دائمة و حتى مقر الرئاسة في غزة وما تم من اجتياح الضفة الغربية ومحاصرة المقاطعة وما الت اليه الظروف من اغتيال الزعيم الشهيد ياسر عرفات بعد معارك تفاوضية في وايرفر وطابا والتي اكدت فيها القيادة الفلسطينية مدى تمسكها بالثوابت الوطنية ولا زالت المواقف التفاوضية على حالها من الثبات والقوة والتمسك بالأهداف الوطنية .
استعراض بعض المراحل التاريخية النضالية انما يؤكد اننا جميعا في دائرة الاستهداف الاسرائيلي سواء مفاوضين او مقاومين باعتبارهما وسائل نضالية لأن الاستهداف ضد شعبنا واهدافه التي يسعى الى تحقيقها يتطلب وحدة الموقف والقرار الفلسطيني ضد هذا الاحتلال الذي يستهدف الجميع منا .
هذا الاستخلاص الوطني بحكم التجربة التاريخية والواقع الحالي يتطلب من كافة القوى السياسية المزيد من العمل الجاد والملتزم وعدم اعطاء الفرصة لمحاولات الفصل ما بين هذا الفصيل او ذاك لأننا جميعا ابناء شعب واحد وقد اثبتت كافة المراحل النضالية ان وحدة الدم الفلسطيني كانت هي الاعلى والاقدر والمحققة للانتصار والصمود ... لأن حتمية التاريخ انتصار الشعوب.
غزة .. على نصرها يُبنى الكثير
امد / رامز مصطفى
غزة قدرها اليوم أنها تتحمل مسؤولية رسم أفق مستقبل قضية الأمة بأكملها . وقدرُ غزة وهي التي لا تبخل أو تتخلف ، أو تشكو ألمها وحزنها . أنها تواجه ببسالة منقطعة النظير آلة العدوان الهمجي الصهيوني ، وتواجه ظلم ذوي القربى وحالة التخلي عنها والتنكر لها كعنوان للنضال والكفاح الفلسطيني ، تخلٍ تجاوز حدوده نحو الشراكة في منح الإجازة للكيان وآلة إرهابه ، في الإيغال عميقاً في الدماء الفلسطينية . غزة اليوم وما تتعرض له ، يأتي في سياق استكمال مشروع الإخضاع الذي تمارسه الإدارة الأمريكية وحلفائها وأدواتها في عموم المنطقة . وكل كلام آخر خارج لهذا الفهم والتوصيف ، لا معنى ولا قيمة له على الإطلاق ومجرد تزويق بالمساحيق لتسويق وترويج منظمة يقوم بها الكيان وطابوره الخامس ، وجوقة أدواته الوظيفية المشبوهة ، من إعلاميين وكتاب وصحفيين ومثقفين ووسائل إعلامية صفراء ، في تحميل المقاومة مسؤولية ما يتعرض له القطاع وأهله ، يصب في خانة خلق الذرائع والمبررات لنتنياهو ، وتشكيل مظلة حماية وشبكة أمان لهذا الكيان وقياداته ومساءلتهم على جرائمهم ومجازرهم بحق الآلاف من الشهداء والجرحى واليتامى والأرامل والمشردين من أهلنا في غزة . و" تركي الفيصل وتوفيق عكاشة نموذجاً ".
وعلى وقع العدوان الذي دخل أسبوعه الرابع من الفشل الذريع ، الذي مُني به نتنياهو وقادته في كل منظوماتهم الأخلاقية والإعلامية والإستخباريه والعسكرية . تسعى الدول الإقليمية الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ، وعلى الرغم من الصراع المحتدم فيما بينها ، ليس حول الأولويات والمصالح الوطنية أو القومية لأمتنا العربية والإسلامية . تعمل هذه الدول المتورطة أساساً فيما تعانيه المنطقة ودولها من أحداث وحروب منذ أربع سنوات من خلال التحريض على الاقتتال ، وتصدير الإرهاب بأدواته ومسمياته المختلفة ، وضخ السلاح والأموال . هذه الدول ذاتها تعمل جاهدة على منح نتنياهو وعدوانه انتصارات ونجاحات في السياسة . وهذا ما تؤكده الوقائع وما تسربه وسائل الإعلام المختلفة ، بالإضافة إلى العديد من الكتاب والصحفيين والإعلاميين ، الذين يؤكدون أن سياق العدوان ، واندفاع نتنياهو وحكومته إلى تنفيذ هذا العدوان لم يكن ليحصل لولا الاطمئنان الغير مسبوق لدى الكيان وقياداته من ردود الأفعال لما ارتكبه من مجازر على مدار الساعة بحق الأمينين في غزة من أطفال ونساء ومسنين . وتصريح شمعون بيريز أمام مستشفى " سوروكا " في بئر السبع والذي قال فيه : " هي الحرب الأولى التي تشنها إسرائيل وغالبية العرب معها " . وبدوره شاؤول موفاز كان قد وجه دعوة لأن " تضطلع السعودية والإمارات بدور من أجل نزع سلاح المقاومة " . وأضاف موفاز إلى أن بإمكان السعودية والإمارات ، أن تلعبا دوراً هاماً في توفير التمويلات اللازمة لتنفيذ هذه الخطة " . وهذا ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في منتصف تموز الجاري ، من أنباء تفيد " عن نيّة إسرائيل طرح اقتراح في مجلس الأمن يقضي بتقديم 50 مليار دولار لإعمار غزة ، مقابل التهدئة ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية . ونقلت الصحيفة عن تلك مصادر حكومية قولها : " إن إسرائيل تريد الحصول على ضمانات دولية ، كتلك التي تمّ الاتفاق عليها في ملف نزع الأسلحة الكيميائية السورية " .
وعلى مشهدية العدوان على غزة طفا على السطح الإقليمي صراع المحورين المتصادمين ، حيث السعودية ومصر والإمارات في جانب ، وقطر وتركيا في جانب ، وكلا الجانبين عند الإدارة الأمريكية ، التي أوعزت لكليهما المسارعة في البحث عن مخرج للمأزق الذي أوقع نتنياهو نفسه فيه نتيجة العملية العسكرية التي شنها على قطاع غزة . وعلى الرغم من حالة الولاء التي تبديها هذه الدول للولايات المتحدة ، ولكن كلا المحورين أرادا توظيف ما يتعرض له قطاع غزة من عدوان بربري ومجازر مفتوحة ، في مواجهة بعضهما البعض على حساب الدماء الفلسطينية على خلفية ما وقع في مصر من إسقاط نظام الرئيس محمد مرسي ، بمعنى إسقاط نظام الإخوان المسلمين . والمبادرة المصرية التي رفضتها المقاومة أتت في سياق قطع الطريق على المحور التركي القطري ، وبالتالي تحديد سقف لأية تفاهمات سياسية تفضي إلى وقف العدوان والدخول في تهدئة مستدامة بمباركة أمريكية وكذا فعلت السلطة الفلسطينية . وللأسف المؤكد أن " الإسرائيليين " ليسوا بعيدين عن وضع لمساتهم على هذه المبادرة التي سارع نتنياهو إلى الموافقة عليها . وهذا في دلالاته أن نتنياهو يأخذ جانب المحور السعودي المصري في عملية كسب أساسها العرض والطلب . وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن المحور التركي القطري يأخذ في حسبانه شروط المقاومة ويتبناها . حيث كشفت الإذاعة العبرية النقاب عن وصول مبعوث تركي خاص إلى " إسرائيل " كمبعوث لرئيس الوزراء التركي " رجب طيب أردوغان " وذلك للسير قدماً في مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة . والاتصالات القطرية " الإسرائيلية " نشطة في هذا السياق . وعلى العكس هذين المحورين باستثناء مصر ، يتقاطعان عند مشتركات ترجماتها العملية تتجلى فيما تتعرض له الدولة السورية من محاولات بهدف إسقاطها كنقطة ارتكاز إستراتيجية في محور الممانعة والمقاومة الممتد من إيران إلى فلسطين مروراً بسوريا ولبنان . وبالتالي المحاولات البائسة لدول هذين المحورين في حرمان دول وقوى المقاومة والممانعة من لعب دور مؤثر في مجريات ما يتم ترتيبه من خطوات وترتيبات سياسية كمحصلة لانتهاء الحرب والعدوان على المقاومة وأهلها في قطاع غزة . ولقطع الطريق على هذه المحاولات ومنع الاستفراد بالمقاومة الفلسطينية ، جاءت كلمة السيد نصر الله وما حملتها من رسائل للقريب والبعيد أن الحزب يراقب عن كثب وقرب تطورات العدوان . وبالتالي تصريحات الإمام الخامنئي الداعية إلى ردع العدوان وتسليح الشعب الفلسطيني ، الحركة الدبلوماسية الإيرانية النشطة في أكثر من اتجاه . وليس بعيد عن هذا السياق جاءت كلمة أمين الجهاد الدكتور رمضان شلح ، وقائد كتائب القسام المجاهد محمد الضيف اللتان أكدتا أن المقاومة لن تخذل أهلها وشعبها وتضحياتهم في التمسك بشروط المقاومة ، والقول للعدو أن المقاومة قادرة على مواصلة القتال الذي سينتهي لصالح المقاومة والشعب الفلسطيني . ولعل التصريحات التي أدلى بها اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني والتي اعتبرها المراقبون بمثابة التحذير من محاولات إسقاط المقاومة الفلسطينية عبر المطالبة بسحب سلاحها . وتصريحات اللواء سليماني يذكرنا بتصريحاته عشية ما كانت تعده الولايات المتحدة وحلفائها من شن عدوان واسع على سورية . حين قال أن كل جندي أمريكي أو أجنبي يدخل سورية سيعود إلى بلده في تابوت .
إن الأيام أو الساعات القادمة حاسمة إن في الميدان الذي يميل لصالح المقاومة رغم قوة النيران وآلاف الغارات الجوية والقصف المدفعي البري والبحري المتواصل ، والمجازر المتواصلة حيث بورصة هذه المجازر تسجل المزيد من الشهداء والجرحى على مدار الساعة . كما هي حاسمة فيما يدبر للمقاومة من أفخاخ وأشراك سياسية تهدف إلى إسقاطها ، وهناك من يطالب 1701 في شقه الفلسطيني . ولكن وعلى الدوام سيبقى الرهان على المقاومة في الميدان ، وهي حسمت أمرها في التصدي للعدوان ومواصلة القتال حتى تحقيق النصر الذي سيبنى على نتائجه الكثير في المشهد الإقليمي.
هزيمة «الكيان الصهيوني» العسكرية والأخلاقية في غزة
الكوفية / بسام الكساسبة
لا تقاس المعارك بنتائجها السياسية والعسكرية فحسب، بل قبل ذلك بنتائجها الأخلاقية وبعدالة الأسباب التي تشن من أجلها، وهكذا الحال مع العدوان النازي البربري الذي يشنه الكيان الصهيوني على غزة، ولم يجن منه سوى الهزائم الأخلاقية المتلاحقة، فقد قدم هذا العدوان للعالم صورة واضحة ومتكاملة عن جرائم هذا الكيان وعن النازية الجديدة التي يمثلها.
عبر ما يزيد عن ستة عقود من الزمن سَوَقَ الكيان الصهيوني ذاته أمام العالم على أنه النموذج المصغر للدولة الغربية الأوروبية التي تشع علماً وحضارة وإنسانية وديموقراطية، متوسطاً مجموعة كبيرة من الدول المعادية له، التي تنظر له نظرة المتوحشين المتأهبين لافتراسه، وقد نجح العدو الصهيوني إلى حد بعيد بتسويق وترسيخ هذه الصورة لدى كثير من دول العالم وحكوماتها، وتحديدا الدول الأوروبية الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تقبلت هذه الصورة مع علمها المسبق بأنها لا تعكس حقيقة هذا الكيان، فقد تقبلتها كي تبرر أمام الرأي العام الأمريكي دعمها اللامحدود له، في حين أن السبب الرئيسي لهذا الدعم هو لترسيخ وجود هذا الكيان باعتباره يمثل حاجة إستراتيجية سياسية عسكرية وأمنية في غاية الأهمية للدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
مع أن مسيرة العدو الصهيوني منذ نشأته زاخرة بالجرائم البشعة بحق الإنسانية، فإن العديد منها كانت تتم بسرية بعيداً عن التغطيات الإعلامية، لذا بقيت بعيدة عن إطلاع العالم عليها، فإن إعتداءاتها على غزة في أعوام 2008 و2012 و2014 بفعل التغطية الإعلامية الصحيحة جاءت لتظهر الكيان الصهيوني على حقيقته أمام العالم ولتنزع عن وجهه الإجرامي القبيح القناع الديموقراطي الحضاري المدني المزيف، فمحاصرة الكيان الصهيوني لـ 1.8 مليون نسمة بمنع الغذاء والدواء والكساء عنهم، وإغلاق سبل المعيشة الحرة الكريمة في وجههم، وتعطيل خدمات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والكهرباء ومنع وصول مستلزمات البناء والعمران وتدمير آلاف المنازل وإزالة أحياء بأكملها، وهدمها على رؤوس ساكنيها، وتدمير عشرات المساجد وقصف الأسواق التجارية والمستشفيات والمدارس المكتظة بالمرضى والجرحى والهاربين إليها للإحتماء بها من جحيم القصف، وحرق سيارات الإسعاف ومنع وصول طواقمها لنقل الشهداف واسعاف الجرحى، وقتل ما يزيد على 1700 فلسطيني وجرح ما يزيد على 9000 شخص، هذه الصور المريعة جاءت لتثبت للعالم بأسره بما فيهم حلفاء الكيان الصهيوني، بأن هذا الكيان ما هو إلا عصابات من الإرهابيين المجرمين والقتلة والمخربين والمفسدين في الأرض، هذا الوصف الذي يشمل الدول التي تمده بالسلاح وتدعمه بالمواقف الدبلوماسية والسياسية والإعلامية سواء بشكل مباشر أو بالخفاء.
لقد جنى العدو الصهيوني النازي من عدوانه على غزة فشل حملته العسكرية، بما حملته من خسائر بشرية في صفوف جنوده، وخسائر معنوية ونفسية لحقت بمواطنيه، إلى جانب هزيمته الأخلاقية المتمثلة بجرائم الحرب الشنيعة التي إقترفها بحق الإنسانية في غزة، والتي ينبغي تعريف الرأي العام الدولي وتوعيته بحقيقة الكيان الصهيوني النازية وملاحقته في المنظمات والمحافل السياسية ومقاضاته في المحاكم الدولية لنزع الشرعية عنه وعن وجوده.
كي الوعي الصهيوني هذه المرة
امد / رشيد شاهين
كي الوعي هو مصطلح تم "اختراعه" من قبل الجنرال الفاشي موشيه يعلون وزير الجيش الصهيوني الحالي، وقد بدأ تداول هذا المصطلح بعيد انطلاق الانتفاضة الثانية – الأقصى- والذي كان يعني توجيه ضربات تتسم بالقسوة الشديدة والمؤلمة أشد الإيلام للمقاومين بشكل خاص وغير المقاومين بشك عام من أبناء الشعب الفلسطيني.
كان هذا المصطلح تعبيرا عن الفاشية الصهيونية في التعامل مع كل فعل مقاوم، يهدف إلى بث الهلع في العقل الفلسطيني، ويخلق حالة من "ثقافة" الرعب والخوف في صفوف الفلسطينيين، بحيث يصبح "بحسب الفهم الصهيوني لهذا المصطلح" على الفلسطيني، أن يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على التفكير بمقاومة الاحتلال أو التصدي له، كما انه سوف يبث حالة من العجز وفقدان الإرادة، والشعور بتفوق العدو مما يبث روحا من الإحباط والوصول إلى قناعة تامة، والإقرار بدون تردد بان هذا العدو غير قابل للهزيمة أو التراجع.
وإذا كان هذا المصطلح قد تم تداوله بهذا الشكل، وتم الإعلان عن إتباعه علانية، فهو في الحقيقة كان قد تم إتباعه منذ نشأة دولة العدوان في فلسطين، ولم يكن الإفراط في استخدام القوة، وارتكاب مختلف أنواع المجازر والتدمير والقتل ضد أبناء فلسطين عند قيام دولة العدوان سوى احد أشكال هذا النمط من التفكير الصهيوني الفاشي، الذي يعبر عن ذهنية مليئة بالحقد، وشهوة للقتل والدماء، غير مسبوقة. وكل ذلك تمت ممارسته من اجل إجبار الشعب الفلسطيني على مغادرة أرضه، وقد نجحت العصابات الصهيونية في ذلك الوقت، بشكل كبير، في بث حالة من الرعب في صفوف الفلسطينيين، وكانت النتيجة أن تحول مئات الآلاف منهم إلى لاجئين سواء داخل فلسطين "الضفة والقطاع" أو خارجها في الشتات.
هذا المصطلح، وإذا ما غاب ترديده بشكل كبير، إلا انه تم وما زال استخدامه في كل الممارسات الصهيونية، على جميع الصعد، وفي كل الميادين، كما وفي كل المواجهات، التي سبقت تلك الانتفاضة وتلك التي تلتها، وما حدث من تدمير كبير في ضاحية بيروت الجنوبية، ليس سوى ممارسة عملية لذلك المصطلح او تلك السياسة.
كما انه يستخدم على نطاق واسع في الممارسة السياسية، وما محاولات الإذلال التي تمارسها دولة العدوان ضد بعض الوزراء على الحواجز، وكذلك الاعتداءات المتكررة ومحاولات الإذلال لبعض رؤساء الوزراء والاعتقالات للعديد من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، ومنع بطاقات أل في آي بي وغيرها من الممارسات، كل ذلك هو جزء من هذه السياسة العامة لدولة الاحتلال ضد الفلسطينيين.
وهو مصطلح يمارس في الدعاية والإعلام ، "برغم صحة تلك الادعاءات" حيث يردد ما قاله شمعون بيريز عندما يقول انه لم يعد من بين الدول العربية من هو معاد لدولة الكيان، وان دولا عربية عديدة تريد ان ترى قوة حماس وقد قضي عليها.
في العدوان الحالي على قطاع غزة، وكل ما تقوم به دولة العدوان من تطهير وجرائم ضد الإنسانية، وذبح وإبادة العشرات من العائلات بشكل كامل، وتدمير البيوت على ساكنيها، ومسح أحياء بالكامل عن وجه الأرض، ليس سوى ممارسة لتلك السياسة.
التغير الذي حدث في هذا العدوان كان على الجانب الآخر من الصورة، حيث ان المقاومة الفلسطينية لم تستكين ولم تتراجع أمام كل هذا الإجرام الصهيوني، كما ان الأهم هو نقل المعركة إلى الداخل الصهيوني، هذا الداخل الذي لم يذق طعم المعاناة او المرارة او الهزيمة او الخوف والهلع الذي طالما تذوقه الشعب الفلسطيني.
وبعيدا عما قد يبدو فارقا شاسعا في الويلات والأهوال، وبعيدا عما قد يجريه البعض من مقارنات، قد تبدو في الواقع صحيحة، ولها أسبابها، إلا أنه في ما يتعلق بالرعب والهلع، فان الفارق ليس بالضرورة كما يبدو المشهد فيما يتعلق بالأدوات القتالية، والتفوق العسكري الصهيوني.
ان حالة الرعب التي بثتها صواريخ المقاومة في المدن الصهيونية، تكاد لا تختلف عما هو موجود في غزة، لا بل ان حالة الصمود في القطاع تشير بدون مواربة انه وبرغم كل الدمار، ان المعنويات ما تزال في مرتفعة، كما ان رفض أكثر من 80% من المستعمرين الصهاينة الساكنين في المغتصبات الموجودة في غلاف قطاع غزة، عندما يرفضون العودة إلى منازلهم، يؤكد على ان كي الوعي انقلب هذه المرة على الساحر، وان هؤلاء وبمجرد سماعهم لأي حركة مهما كانت فإنهم يعتقدون بان ثمة مقاتل يحاول اقتحام البيت او المستوطنة، أو ان ثمة نفق تحت بيتهم، وهذا ما انتقل إلى شمال فلسطين وقد شاهدنا حال الرعب التي ألمت بالمستعمرين في مستوطنات الشمال وحالة الهلع خوفا من أنفاق يقوم بحفرها حزب الله.
سياسة كي الوعي التي أرادها يعالون ضدنا، تحولت هذه المرة، إلى كي وعي في الجانب الصهيوني، وبعيدا عن المبالغة في توصيف الواقع، فان المستوطن الذي قطن تل أبيب او حيفا، لم يركض إلى الملاجئ منذ نشأة دولة العدوان، وهو لم يسمع صفارة إنذار تنبهه إلى ضرورة إيقاف سيارته والتوجه إلى اقرب ملجأ، وأضطر لبناء "غرف آمنة محصنة" لم يكن يعرف عنها شيئا من قبل، وهو يعلم تماما انها لن تكون كذلك في حالة وقوع صواريخ ذات قوة تفجيرية كبيرة على بناياتهم.
ان العدوان على غزة، أيقظ في الجانب الصهيوني حالة من الرعب لم تكن معروفة، ولا شك انهم يفكرون في الكيفية التي ستكون عليها المواجهة القادمة منذ الآن وقبل ان تسكت المدافع في المواجهة الحالية، وكما قال العديد من المحللين، فان عيونهم على الشمال حيث يتواجد حزب الله الذي يملك من المقومات ما لا تملكه المقاومة الفلسطينية في القطاع الصامد.
إذن هو كي الوعي الصهيوني هذه المرة، وهو النذير الذي يبعث الرعب في قلوب المستعمرين الذين جاؤوا من أصقاع الدنيا للاستيطان في الأرض الفلسطينية، وما يميز الفلسطيني عن مغتصبيه، ان هذا الأخير لن يتردد في ركوب أول طائرة هربا بجلده عن ارض الصراع، وإن الأول لن يرحل مجددا، حيث ذاق عذابات التشتت واللجوء، وسيبقى على هذه الأرض صامدا مقاوما مهما كان الأمر، حتى تحريرها واستعادة حقوقه التي فرط بها العرب وسلموها بدون أدنى مقاومة أو تأنيب ضمير، هذا إن وجد.
الأخ أبو عمـــار
امد / ماهر حسين
مرت علينا ذكرى ميلاد الاخ أبو عمار رحمــــه الله ،تلك الذكرى غالية علينــــا وهي مناسبة للتأكيد على بعض الثوابت الهــــامة للفلسطيني ليكون عهدنا جميعا" هو العهد الذي أراده الاخ أبو عمار لنا وهو القائل رحمه الله (العهد هو العهد والقسم هو القسم) .
عهدنا يا أخ أبو عمار قائم وسيبقى وسنُذكر به شعبنا وقيادتنا دومــــا ...عهدك أخ أبو عمار فينا لأنك منا ولنــــا ...ولانه عهد فلسطين والانتماء لفلسطين ولأمة العرب ولكل احرار العالم ...نعم عهدك فينا أخ أبو عمار باقي فالعهد هو العهد والقسم هو القسم وسنحافظ على كل ما أوصيتنا به فعهدنا ولن ننسى أبدا" ولن نحيد عن ...
عهدنا على العمل لتحرير فلسطين ...عهدنا على العمل للتخلص من الإحتلال ...عهدنا على أن نذهب للقدس ...عهدنا على الدفاع عن الاجئين وحق العوده ....عهدنا برعاية المخيمات وأهلها الأبطال وبشكل خاص مخيمات لبنان ...عهدنــــا لرعاية الأسرى والجرحى ...عهدنا للحفاظ على أسر الشهداء وتخليد الشهداء فينا ..عهدنا على أن نكون أنصارا" للحرية وللحق وبالطبع عهدنا على الوحده الوطنية .
في مناسبة ذكرى ميلاد الاخ أبو عمار ..أحد أبرز صانعي الهوية الوطنية الفلسطينية واحد أبرز صانعي القرار الفلسطيني المستقل وبالطبع أحد أبرز المدافعين تاريخيا" عن حقوق شعبنا وصاحب مدرسة ديمقراطية غابة البنادق .. مؤسس الكفاح المسلح الفلسطيني الذي فرض نفسه على كل احرار العالم...فماذا يمكن لنا ان نقول عن قائد الكرامة وبيروت ...وماذا نضيف عن من رفع اسمنـــا عاليا" في كل المحافل الدولية ..وبل ماذا نتحدث عن باني الهوية والمؤسسات ..سبقنا رحمه الله في كل شيئ ..وفي كل الميادين .
عندما نتحدث عن الوطنية فهو باني الهوية .
عندما نتحدث عن النضال والجهاد فهو مفجر الجهاد والكفاح المسلح من اجل فلسطين .
عندما نتحدث عن العمل السياسي بالمؤسسات الدولية فهو القائل (لا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي ) .
وعندما نتحدث عن شعبنا ورعايته لنا فهو من أوصى بأهل المخيمات ورواتبهم وهو على فراش الموت .
وعندما نتحدث عن القدس فهو الذاكر لها دوما وهو العاشق لغزة ولنابلس ولرام الله وللخليل ولكل قرانا ومدننا رحمـــه الله .
اما عندما نتحدث عن الانجازات فهو صاحب انجاز الميناء والمطار الذي أصبح من مطالب البعض الان ..هو صاحب الثورة كلها رحمه الله فجرها من لا شيئ وهو مؤسس الدولة التي نسعى لها .
في ذكرى رحيل الأخ أبو عمار أود التأكيد على قيمة الوحدة الوطنية ..فالراحل عمل دوما" من أجل تجسيد وحدتنا على أرض المعركة وفي مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ..على أرض المعركة كان رحمه الله يؤكد دوما" بأن عدونا واحد وإن أختلفنا ولهذا نجد شعبنا كان دوما" موحدا" في معاركه مع الاحتلال فلا جغرافيا تفرقنا ولا اختلاف سياسي او ديني ..كلنا موحدين ضد العدو الذي أستحل أرضنا وشعبنا .
وكما اننا في ذكرى ميلاد الاخ أبو عمار نؤكد على أهمية الوحده في اطار منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية وهذا كان هاجسا" حقيقا" للأخ أبو عمار وعلينا ان نحافظ على هذا فبدون وحدتنا السياسية سنضيع ونصبح مطمعا" لهذه الدولة ولهذا التحالف ولهذه القوى ..وهذا أبرز ما نخشاه الان فنحن لسنا مع هذا الحلف أو ذاك ..نحن مع فلسطين وعلى الجميع ان يكون معنا لاننا فلسطين ولاننا أصحاب حق ولأن قضيتنا عادله ..لا نقف مع ايران ولا ندعم تركيا ولا نختلف مع مصر ولا مع سوريا نحن نريد دعم القوى الاقليمية لنا سياسيا" ووطنيا" واقتصاديا" ولا يمكن ان نقبل أي خلاف مع أي شعب عربي بشكل خاص فهم الأخوه والاحبة والاهل وهم عزوتنا ومعهم كل احرار العالم .
وهنا نؤكد على تقديرنا لكل الدول التي وقفت معنا دوما" ونستذكر بأن الأخ أبو عمار كان يولي دوما" لعلاقتنا مع كل شعوب العالم اهمية خاصه وهو من قضى ساعات وساعات وساعات طويله في الطائرة يتنقل من هنا الى هنا دعما" لعلاقتنا ولقضيتنا ولحقوقنا وها نحن نرى العالم كيف يقف معنا ويتفهم قضيتنا .
هو رحمه الله من جاب العالم وجعل قضيتنا حاضرة بتفاصيل التفاصيل لدى كل العالم ..في ذكرى ميلاده نقول له ولكل الشهداء (العهد هو العهد والقسم وهو القسم ) ونؤكد بأن الرئيس أبو مازن حافظ للعهد ومستمر في المسيرة حتى قيام دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف فلقد قاد شعبنا في مرحلة صعبه وها هو يعزز من وحدتنا بتشكيل وفد مفاوضات يمثل الجميع لوقف الاجرام الاسرائيلي ولوقف العدوان على غزة وها هو يجوب العالم لرفع المعاناة عن شعبنا وهو القدر على ان يذهب لتركيا ومصر وقطر وكل العالم لأن علاقاته واضحه مع الجميع ولا لبس فيهــــا وكنا نتمنى من الإخوه في حماس ان يستجيبوا مبكرا" لما استجابوا له الان من تحركات الرئيس أبومازن فلقد كان من الممكن ان تكون خسائرنا أقل وطبعا" ما حصل مبرر بحسن النوايا فلا يوجد منا من يريد المزيد من الخسائر الفلسطينية خاصه وأن اهلنا هم من يدفعوا الثمن في غزة العزه والكرامة .
ونؤكد في ذكرى مبلاد الأخ أبو عمار بأن معركة دحر الإحتلال لاجباره على الانسحاب من أرضنا مستمره بكل الطرق والوسائل الشعبيه والسياسية وما يمكن لنا من قوه على ان تكون مؤثره وتجنبنا الخسائر فلسنا نبحث عن انتصار إعلامي واهم أو إنتصار حزبي وإنما نبحث عن انتصار يشكل أساس لقيام دولتنا المستقله وعاصمتنا القدس على أراضينا المحتلة عام 1967م.
في ذكرى ميلاد الأخ أبو عمار نقول له ولكل الشهداء ...أنتم معنا دوما" وعهدكم باقي فينـــــــــــــــــــا .
حياة في الحرب
امد / نيروز قرموط
لا أنام إلا ساعات قليلة ، لم أستطع النوم منذ بدء الحرب على غزة ، عيناي تؤلماني ، صداع دائم ، قلق لا ينتهي ، لا أعرف ما هو تاريخ اليوم ، وكم هي عدد الأيام التي مرت على هذه الحرب ، لقد وصلت الليل بالنهار ، في ساعات الصباح الباكر ، أحاول أن لا أفكر إلا بصوت العصافير ، رغم صوت الطيران الحربي والزنانات التي تهتز لها طبلة أذني ، سريري ونافذتي يهتزان ، عندما يسقط الصاروخ ، تعتقد أن هنالك هزة أرضية قد حدثت.
أحاول الاسترخاء علّني أنام ، تتسلل قطتي البيضاء بشعرها الغزير إلى سريري ، تحرّك شواربها على وجهي ، تلعق يداي ، تعض قدماي ، لتتودد إلي طلبا للطعام ، أطعمها رغم نعاسي ، وما أن تحدث ضربة قوية حتى تركض القطة مسرعة من الخوف ، لتحمي نفسها تحت طاولة أو كرسي ، إنها غريزة البقاء ، حتى قطتي حاولت الحفاظ على حياتها طوال فترة الحرب ، كنت أعرف اتجاه الصاروخ ، عندما أراقب قطتي في أي اتجاه تركض بعيدا عن الخطر .
امتلك كنارا جميلا ، لكنه لم يعد يزقزق كباقي العصافير ، هو خائف من صوت الانفجارات ، أحاول الحديث معه ، والغناء له ، حتى ينقر لي على أصابعي ، أعلم أنه عاد للحياة.
أقرر في عقلي أن أكسب ساعات قليلة من النوم خلال الصباح بما أني لم أنم ليلا ، لكن كلما سمعت ضربة قوية ، لا شعوريا أحمل جهازي الأيفون ، إلى جانب سريري ، وأبدأ بالتصفح وقراءة الأخبار وتعليقات وانفعالات الناس حول ما يحدث في غزة والاطمئنان على الاصدقاء والأقارب ممن هم موجودون على صفحتي للفيس بوك ، و قراءة الروابط التي تتحدث عن الحرب على غزة ومشاركتها، ولكن لا أفهم شعوري المختلط ، في كل لحظة خوف ، أنظر إلى ضوء النهار ،أشعر بطمأنينة تغمرني ،لا أعلم ربما هو الايمان بالحياة .
من خلال الطيران الجوي والبوارج البحرية و قذائف الدبابات تفرض اسرائيل حظر تجوال دون اعلانه على المواطنين، لذا التزم البيت خوفا من خطر السير في الطرقات أو الخروج إلى خارج البيت ، أشعر أنني في سجن صغير ، كما الأسرى في سجون الاحتلال ، أحاول أن يكون يومي جميل ومفيد ، أحب المشي ، لذا أمشي ساعات طويلة داخل البيت ، أعد بلاطات الأرض ،أكرر عدّها ، وأنظم أفكاري ، أتخيل عالمي ، أفكر بما يجري ، كثيرا ما خطر على بالي فكرة ما للكتابة وأنا أمشي ، أمشي حتى أصل إلى نافذة ، أقف جانبها ، أنظر إلى الشارع ، إلى البحر و ألوان السماء بالقرب منه ، آخذ نفسا عميقا ، أشعر بالارتياح أنني ما زلت أتحسس جمال الصورة.
ابنة أخي الذي تزوج مؤخرا ، لم يتجاوز عمرها الاربعة شهور ، ألاعبها كثيرا ، إنها جدا جميلة ، عيناها لامعتان ، تمتلك ابتسامة عريضة تسع العالم ، قبل يومين استطاعت أن تدرك أنها تستطيع امساك الاشياء من حولها ، فأمسكت بيدي ، فرحت لذلك ، ولكن عندما حدث قصف لمكان ما في جانبنا ، لقد تشبثت بيدي بقوة ، وما أن انتهى صوت الضربة حتى عادت للابتسام ، لقد خفت عليها ، احتضنتها كثيرا ، إنها طفولة رائعة لا تعرف الخوف.
تقطع الكهرباء كثيرا ، لذا نحاول تعويض ذلك من خلال الموتورات و بطاريات اليو بي اس التي من خلالها نستطيع تشغيل كثير من المعدات الكهربية ، أشغل التلفاز لرؤية البث المباشر للأحداث في غزة ، وآراء المحللين السياسيين ومواقف العالم مما يجري ، أشعر بالملل ، كلام كثير هو مكرر ، وما أن تأتي صورة لمجازر ودماء في غزة ، أشعر بالحزن ، أبكي ، ولكني أستعيد قوتي سريعا ، أطفئ التلفاز .
أشغل الراديو لسماع المحطات المحلية ، فهي تنقل أخبارا من الميدان ، و تعلن عن أسماء الشهداء و الجرحى من خلال مراسليها ، تبث أغاني ثورية ومشجعة، أتناقش مع والدي الذي يمتلك ثقافة واسعة حول تاريخ فلسطين ، نحاول أنا و أبي التنبؤ بما قد يكون.
والدتي تتفاعل كثيرا مع الاخرين ، تتشاطر آرائها الحاسمة حول ما يجري ،مع الناس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي على الايباد خاصتها ، وفي هذا الشهر ، شهر رمضان ، اعتدنا تحضير كثير من الأكلات والوجبات الشهية ، كلما شعرت والدتي بالخطر ، تعدّ لنا أجمل المأكولات بمذاقات توابل نادرة ، فهي تتقن طبخ الاكل الدمشقي فهي من مواليد الشام ، تشتاق لسيجارة بعد الصيام ، مع العلم أنها كانت قد امتنعت عن التدخين منذ أعوام ، ولكنها عاودت التدخين مع بداية الحرب ، تضحك تقول الحياة كلها مدّخنة دعوني استمتع بسيجارتي ، وتتحدث لنا كم ناضلت هي وأبي في ظروف كثيرة ،مرت على الشعب الفلسطيني ، عندما التحقا بمنظمة التحرير الفلسطينية ،تقول كنا شباب واستطعنا ان نقاوم بكل ما استطعنا، أساعدها ، أمازحها ، استفزها قليلا ، لأنني أحب غضبها.
العامل المسؤول عن شؤون البيت ، لا يستطيع القدوم لعمله ، بيته بعيد والطريق خطر ،ولديه عائلة صغيرة عليه الاهتمام بها ، لذا أقوم أنا وأختي بتنظيف البيت وترتيب حاجياته ، أحب أن أمسح الارض ، وأرى لمعانها ، أعتقد أن الرؤية تتضح أكثر في عقلي ، جميل أن أمسح في كل يوم غبار القصف والدمار التي تعم البيت وأثاثه من خلال الهواء ، فنحن لا نستطيع اغلاق النوافذ تخفيفا من ضغط الهواء ، اذا ما حدث قصف ما، و مع حرارة الجو ، لا أستطيع تشغيل المكيفات والمراوح التي تحتاج اغلاق النوافذ و الكهرباء ، فالصيف حار جدا هنا ، لا يوجد كثير من الزرع والاشجار في غزة ، لقد اقتلع الاحتلال معظم اشجارنا ، مما زاد الحر ، و زاد رطوبة الجو ، ذلك أن غزة تقع على شاطئ البحر .
أحب تلميع كؤوس الشراب ، أبحث عن سكينة وهدوء في نفسي ، وإعادة ترتيبها في خزانتها ، أشاهد وأخوتي مسلسلات رمضانية تناقش دراما وكوميديا ساخرة عربية على القنوات العربية ، مما يسرقنا من جو الحرب المزعج ، فهو يحاصر حركتنا وأحلامنا وطموحاتنا.
أخي يحب النارجيلة وعزف الجيتار ، أحب جمرات الفحم وهي تحرق وسحب النارجيلة ، ورائحة الفواكه المعطرة للتبغ رغم أنها مضرة للصحة ، أحب سماع الموسيقا ، يشتد الحديث والممازحة عندما يدخنها ، نحزن عندما نسترجع ذكرياتنا مع عمي الذي استشهد باغتيال مباشر من صاروخ اسرائيلي في أعوام سابقة ، هو من علّمنا كيف نحضّر رأس النارجيلة ونحشو التبغ داخلها ، كان قد سُعِد عمي كثيرا عندما عدنا من الخارج إلى غزة بعد اتفاقية أوسلو ، لقد سحبني من نافذة السيارة ليقبلني في ذلك الوقت البعيد ، فهو لم يرى والدي أكثر من عشرين عاما بعد أن أُبعِد عن وطنه قسرا، نناقش ما يحدث كشباب ، نمتلك وجهات نظر نحاول تحليلها وربطها بالواقع ، نشرب القهوة لتساعدنا على السهر والتيقظ إذا ما حدث خطر ، رائحة القهوة رائعة ، إنها ممتعة .
أحب أن أحضّر طبق حلوى ، نعدّه في رمضان ، هو القطايف ، التي تدهن بالزبدة ثم تحشى بالقشدة ويرش عليها قليلا من الفستق الحلبي المبروش و نغرقها بالعسل وماء الزهر، نشعر بالأسى ونكثر من الدعاء لأناس لا يملكون الطعام الآن ، لقد فقدوا كل شيء، ومع ذلك ،لا أريد أن نفقد جمال هذا الشهر رغم قساوة كل الظروف ،علينا أن نعيش.
كثير ما استحم من شدة الحر ، أحب الماء ، و رغوة الصابون ، رغم أننا نفلتر المياه عدة مرات بأجهزة مخصصة ، لاستخدامها فهي ملوّثة ، لقد سرقت اسرائيل مياهنا ، أفكر بمن هجروا من بيوتهم لا يمتلكون حرية الاستحمام ، لا يملكون الماء ، لا يملكون أسرّة للنوم ، نحاول التبرع من خلال مساعدات يجمعها كل حي على حدا من ملابس وطعام ومال وكثير من الاحتياجات ، لكن أعرف أنهم غير مرتاحون فهم فقدوا بيوتهم ، واستقرارهم ، أقول الحمد لله مازلنا في بيتنا ، ولكن في صدري غصّة لمن هجّر من بيته.
أكتب وأكتب ،أكتب يومياتي أو مقالا سياسيا أو شعر نثريا ، او قصة قصيرة ، أفجر وابل غضبي مما يحدث ، شعبي لا يستحق إلا الحياة ، أتابع تضامن مختلف مدن العالم معنا ، أشعر أن حقيقة الانسانية لم تنتهي ، يتصل كثير من الاصدقاء من الداخل والخارج للاطمئنان علينا ، يرفعون من معنوياتنا ، يسألون كيف حالكم ، نقول دوما نحن بخير ، ولكن الحقيقة هي أن كل غزة ليست بخير ،نحاول أن نصمد حتى النهاية.
أحاول النوم مرة أخرى ،لكنني متيقظة جدا ، أي حركة تيقظني ، أخي يتسلل إلى غرفتي بهدوء ، يأخذ شاحن كمبيوتري ، يريد استغلال الكهرباء قبل أن تقطع ، حركته أيقظتني ،رغم أنه يمشي بحذر شديد ، أضحك ، أحاول العودة للنوم.
في ليلة من ليالي الحرب ، شعرت والعائلة ان الجو خانق ، قيل أن هناك غازات تطلق بالهواء ، علينا الحذر منها ،بإغلاق النوافذ ووضع قماش مبلل على الأنف ، احترنا نفتح النوافذ خوفا من القصف أم نغلقها خوفا من الغازات السامة، لم نستطع النوم ، عمّ الضحك البيت ، أنا وأخي وأختي لا نعلم لما نضحك ، قلنا ربما هذه غازات مضحكة ، انها سخرية القدر فيما نعيش .
في ليلة أخرى ، ضربت قوات الاحتلال الاسرائيلية صاروخا تمهيديا ينذر بقصف أقوى بعد فترة من الزمن ، اجّلنا نومنا حتى يقصفوا ،وتجمعنا في وسط البيت ، بحثا عن الأمان ، فنحن لا نملك ملاجئ آمنة، تأخر القصف ، أين هي الطائرة اقصفي وانتهي من عملك المشين نريد أن ننام.
تلقي اسرائيل بمنشورات من السماء ، تنصحنا بإخلاء المنازل ، تنذر أنها ستجتاح بعضا من مناطقنا ،أسخر من هذه المنشورات ، أفضّل الموت على أن أصيب بجروح خطيرة أو أتعرض لهجرة جديدة ، سأموت في منزلي لا أريد التشرد ، أقسم أنني أعشق الحياة.
حملة إغاثة غزة
ان لايت برس / د.رحيل غرايبة
تم إطلاق حملة جديدة لإغاثة الأشقاء في غزة صباح أمس الثلاثاء بالتعاون مع الهيئة الخيرية الهاشمية، وقد شارك في هذه الحملة جهود كثيرة ومتعددة شعبية ونقابية وشخصيات وطنية، وقد أسهمت المبادرة الأردنية للبناء «زمزم» في هذه الحملة الوطنية بالإضافة إلى النقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني برعاية الأمير راشد بن الحسن، الذي يشرف على الهيئة الخيرية الهاشمية العالمية، التي كان لها دور مقدر يحظى بالتثمين من مختلف الأطراف المجتمعية في مختلف القضايا الإنسانية على الصعيد العربي والإقليمي.
من أهم المسائل التي تم الوقوف عليها في هذا الشأن أن قضية غزة كانت محل إجماع المجتمع الأردني والدولة الأردنية بكل أطرافها وأن ما يجري في غزة أسهم إسهاماً واضحاً في توحيد الشارع الأردني الذي أنقسم إزاء قضايا عربية أخرى مثل ما يجري في سوريا أو مصر أو العراق وغيرها، مما يؤكد منهج البناء على هذه المسألة من أجل بناء موقف أردني شامل، موّحد ومؤثر إزاء غزة على وجه التحديد، ونسيان الاختلاف الحاد في المسائل الأخرى على سبيل الأولوية.
المسألة الثانية دلت على أن تجميع الجهود الشعبية والنقابية بالتعاون مع الهيئة الخيرية الهاشمية كان جيداً ومثمراً ومنتجاً، وهذا يحتاج إلى التفكير بتحويل هذا العمل الجماعي إلى منهجية مؤسسية مما يؤدي إلى توسيع أثر عمل الهيئة وتفعيل دورها الإغاثي وزيادة فاعليته، بما تملكه الهيئة من وسائل وطرق وسمعة وقدرات لا تملكها الجهات الشعبية، فجمع هذه الجهود الرسمية مع الجهود الشعبية تخلق فرصاً واسعة للنجاح وزيادة واضحة في رفع سوية العمل، مع استثمار موقع الأردن الجغرافي والسياسي، وما تتميز به من استقرار نسبي وسمعة طيبة وعلاقات دولية جيدة.
المسألة الثالثة التي انطلقت منها المبادرة منذ الأيام الأولى للأحداث، بتحويل التعاطف الشعبي إلى أشكال عملية ممكنة تستطيع تقديم الخدمة الفعلية لأهل غزة المنكوبين، وترجمة الغضب والإحساس بالقهر إلى أطر عملية ومنتجات فعلية، يستفيد منها أهل غزة، وهذا لا يعني الإنقاص من الجهد السياسي والإعلامي، وهذا الفعل الإغاثي ليس بديلاً، وإنما يأتي ذلك من قبيل المزاوجة بين القول والفعل، وبين الجهد السياسي والجهد الإغاثي أولاً، ومن قبيل توزيع الأدوار ثانياً، ومن باب إيجاد ثقافة جديدة مختلفة تقوم على توسيع دائرة عمل العقل وتعزيز مسار التفكير العملي القادر على استثمار الإمكانات المتوافرة شعبياً وفردياً وجماعياً ومؤسسياً، وتقليل دائرة الشكوى والتذمر، وتقليل منسوب الصراخ الانفعالي البائس الذي يخلو من الغايات المحددة والأهداف العملية المرسومة.
نحن دائماً أمام مشهد متكرر، يتمثل بتتابع الهزائم والكوارث المفجعة، واقتصار أدوار المعارضة والقوى السياسية العربية وحصرها في دائرة الانفعال العاطفي، والاقتصار على الشكوى والتذمر، وتوزيع الاتهامات، وعدم استثمار طاقة الغضب الهائلة في مسارات إيجابية، ومسالك عملية فاعلة ومؤثرة، وأصبحت وظيفة بعضهم البحث عن وسائل تنفيس الغضب، والبحث عن مشاجب التبرير دون عناء البحث عن تحمل المسؤولية بالعمل والانتاج.
المشكلة التي يجب معالجتها في هذا السياق المسارعة في إطلاق الاتهام لكل من هو يدعو إلى ثقافة إيجابية جديدة، ولكل من يدعو إلى ثقافة السؤال: ماهو دوري أولاً، وماذا أستطيع أن أقدم على مستوى الذات؟ قبل السؤال: ماذا قدم الآخرون؟ واعتبار ذلك تخفيف المسؤولية عن الأنظمة والحكام، فهذا يحمل قدراً من التعسف والنظرة المبتسرة التي تحتاج إعادة فهم وتفهم.
الحرب الخيار ألأسوأ!
امد / دكتور ناجى صادق شراب
كعادتها فشلت إسرائيل ومعها خيار الحرب، وخيار القوة العسكرية في وضع حد للصراع وإلحاق هزيمة بالشعب الفلسطينى ومقاومته، والفشل واضح أن الحرب ومهما كانت نتائجها المدمرة لن تقتلع جذور الشعب الفلسطينى الراسخة في أعماق ألأرض الفلسطينية . ولقد استذكرت وأنا أتابع وأعيش هذه الحرب التي عاشتها غزة من شهداء أطفالها ونسائها ومسنيها ومنازلها ، ومساجدها ، والهلع والخوف الذي كان يتسرب داخل شرايين الأطفال مع كل صاروخ يطلق،
عبارة شهيرة للرئيس الأمريكى جون كيندى يقول فيها: على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فإن الحرب ستضع حدا للإنسانية . هذا ما حدث فعلا في غزة علي مدار ثلاثين يوما من الحرب المدمرة لكل أمل السلام.والتى غابت عنها الإنسانية. لقد أثارت هذه العبارة لدى العديد من التساؤلات ، على مستوى كل الأطراف المباشرة ، وغير المباشرة ، وعلى طرفى الصراع الرئيسيين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وعلى مستوى الإنسانية كلها . ماذا ينتظر الجميع من الإستمرار في الصراع ، وفى الحرب كخيار فشل في حسم الصراع، ماذا ينتظروا بعد هذه الحرب التي دمرت وقتلت الآلاف من الأبرياء والمدنيين وهى بحق حرب ضد الإنسانية. ، لقد قرأت عن حروب كثيرة، وعشت معظم الحروب التيهدتها المنطقة ، لكن مثل هذه الحرب لم أجد مثيلا لها في التدمير وقتل المدنيين وخصوصا ألأطفال. ، الا يكفى الحروب التي إندلعت منذ نشؤ القضية الفلسطينية ، الا يكفى حرب 48 والتي كانت سببا في نشؤ القضية الفلسطينية وتشريد الفلسطينيين في مخيمات الذل والإهانة والقتل، وحرب 67 التي إحتلت إسرائيل فيها كل الأراضى الفلسطينية وسيناء والجولان 67، وحرب 74 التي أعاد فيها الجيش المصرى قدرا من الكرامة العربية الضائعة. وحروب لبنان ، وحروب غزة التي ما زالت مستمرة حتى اليوم . الا يكفى للفلسطينيين ما عانوه من معاناة على مدار اكثر من ستين عاما ، والا يكفى التشريد والتشتت ، والحصار ، والخوف الذي يعيش فيه آطفالهم، ألا يكفى الوقوف على منافذ وحواجز الذل والإنتظار أنت فلسطينى إذن أنت ممنوع من الدخول. لقد سألتنى فلسطينية من لاجئيى سوريا عام 1948 تقول لي هل تدلنى علي دولة تسمح أو تمنح تأشيرة دخول للجواز الفلسطينى ، وبكل مرارة غياب المواطنة المحروم منها الفلسطينى قلت لها لا يوجد، حتى التفكير في العودة لأرض الوطن يحتاج إلى موافقات كثيرة فلسطينية وغير فلسطينية . ألا يكفى هذه الصورة من الإحساس بإهانة ألآدمية الإنسانية كلها مجسدة في هذه اللاجئة الفلسطينية. الا يكفى أن يعيش الفلسطينيون على المنح والهبات ، .لقد حان الوقت أن يعيش الشعب الفلسطينى بلا خوف، وبلا حروب، وأن يعيش في كنف دولة تمنحه لكرامة والآدمية ألإنسانية ، وأن يتحرر من قيود الإحتلال . وأ ن يفتخر انه مواطنا فلسطينيا وأن يفتخر بمقاومته ، ولا يخشى من تقديم جواز سفره في أى مطار من مطارات العالم. وعلى الجانب الإسرائيلى ماذا تنتظر إسرائيل هل ستبقى تعيش على القوة والتفكير في خيار الحرب. لا توجد دولة في العالم تعيش على الحرب والقوة ،وهل سألت إسرائيل نفسها هل حققت امنها بالحروب التي دفعت نفسها إليها ، وكم من المليارات التي خصصتها للحرب ، وتطوير قدراتها العسكرية ، ولتدرك إسرائيل إن بقائها وأمنها من بقاء وأمن الشعب الفلسطينى ، الا يكفى لإسرائيل أن تصبح دولة مقبولة عربيا ، ولها علاقات عادية مع كل الدول العربية ، وأقولها بصراحة وبوضوح أن إسرائيل لم تعد ملفوظة عربيا ، بل إن العديد من الدول العربية تقبل بوجود إسرائيل وتعترف بها كدولة ، ولا تفكر في الحرب معها على الإطلاق. ألا يكفى ذلك لنبذ الحرب، وعلى إسرائيل أن تدرك أن هذه هى لحظات صنع السلام في المنطقة وإذا لم تتخلي عن خيارات الحرب والقوة فستبقى تدور في حلقة مفرغة من العنف القاتل. وماذا تنتظر الولايات المتحدة ، هل تنتظر مزيدا من الكراهية والحقد لوجودها ولمصالحها في المنطقة ؟ أليست معنية بالسلام والإستقرارفى المنطقة ؟الم يقل الرئيس أوباما انه سيعمل على نبذ الحرب؟اليست تريد مصلحة إسرائيل؟ اليست معنية بامن وبقاء إسرائيل؟ ولكن هل البقاء وهذه المصلحة تأتى عبر الحرب؟الا يتحمل المواطن الأمريكى عبئا كبيرا من المساعدات التي تقدمها لإسرائيل؟ وماذا ينتظر العرب، هل تبقى المنطقة العربية منهكة القوى ، ومستهدفة في مواردها ، وهل كتب عليها ان تبقى تابعة لغيرها ، وهل تدرك إن دولا كثيرة أقل منها في الموارد مثل نيجيريا وأثيوبيا وأفغانستان بدأت تحقق معدلات نمو متصاعدة ، لا يكفى إن تقول الدول العربية لدينا مبادرة سلام وتسكت، عليها إن تمارس كل قوتها ايضا من أجل صنع السلام . وماذا تنتظر اوروبا التي ترتبط مصالحها بدول المنطقة ، وهى من تتحمل مسؤولية أخلاقية كبيرة في نشؤ القضية الفلسطينية ، هل تكتفى بدور المانح للمساعدات تكفيرا عن مسؤوليتها ؟ وهل تكتفى أن يكون له دورا تابعا للولايات المتحدة ؟ تقع عليها مسؤولية كبيرة في وقف خيار الحرب ، وممارسة دورها في الضغط على الإسرائيليين لأنهم يملكون القوة لوقف الحرب والقوة وإنهاء الإحتلال ، وإعطاء الفلسطينيين حقهم في قيام دولتهم المستقلة ، والمساهمة عندها في بناء دولة ديموقراطية تسعى للتنمية والتقدم، وتعويض شعبها الحرمان. إنها مسؤولية الجميع في صنع السلام ، وإذا كان الطرفان الفلسطينيى والإسرائيلى غير قادرين على وضع نهاية لأطول صراع دموى في العالم ، فعلى هذه الدول كلها مسؤولية مشتركة لفرض رؤية متوازنه للسلام تحقق العدل والتكافؤ في الحقوق ،وإلا فإن أى الحرب القادمة لن ينجو منها أحد وستكون حرب الكل ضد الكل ، وكما قال جون كيندى ستضع نهاية للإنسانية كلها .وبقى أن يسأل الجميع نفسه كم من المليارات أنفقت في الحروب العربية الإسرائيلية ، وبسبب إستمرار الصراع ، ولو إن هذه المليارات كرست في بناء السلام بمعنى المشاريع التنموية ، ومحاربة الفقر، وبناء مشاريع مشتركة ، لأنتفت كثيرا من مبررات الصراع ولوجدت كثيرا من القضايا طريقها للحل ، ولتحولت القدس عاصمة للسلام ، وحوار الأديان ولأنتفت الذرائع ألأمنية ،ولما عاد للحدود من دور في ظل التكامل في المشاريع، لا يملك الفلسطينيون والإسرائيليون إلا خيارا واحدا وهو خيار البقاء والبحث عن صيغة مشتركة على أرض السلام. هذا هو الدرس الوحيد لحرب غزة.
وحدة الهدف والمصير الفلسطيني ..
امد / سري القدوة
أن انهاء الاحتلال واعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه، والتزام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بما عليهم من واجبات ومسؤوليات تجاه حماية الشعب الفلسطيني، هو مفتاح الاستقرار والسلام في المنطقة.
ان ما تنفذه حكومة الاحتلال بتنكرها لكل مبادئ عملية السلام وسعيها الدائم لتدمير حل الدولتين، وما تقترفه آلتها العسكرية يومياً من مجازر بشعة ومخالفة للقيم الاخلاقية والانسانية، وللمبادئ الاساسية لحقوق الانسان والقانون الدولي واتفاقيات جنيف، وما تقوم به من اعتداءات وتقتيل للأبرياء من نساء واطفال وشيوخ، واستهداف للطواقم الطبية وسيارات الإسعاف والمراكز الصحية والمستشفيات، واستهداف الطواقم الاعلامية، وتهديم للبيوت وتدمير شامل في البنية التحتية، وشبكات الكهرباء، والطرق، والمياه والصرف الصحي والأراضي الزراعية، ولدور العبادة من مساجد وكنائس، وتشريد مئات آلاف الأسر عن بيوتها، وإبادة عائلات كاملة، وتهجير أحياء كاملة، وتدمير لمراكز الايواء للنازحين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، هو مخطط لاغتيال الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني وتدمير بناه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية..
ان الامم المتحدة والمجتمع الدولي مطالبة اليوم بضرورة تحمل مسؤولياتهم تجاه الكارثة الانسانية بحق ابناء شعبنا في قطاع غزة وفقاً لمبادئ القانون الانساني الدولي ..
ان استمرار حالة الصمت العربي وعدم الاكتراث الدولي امام هذه المجازر البشعة والممنهجة والمخالفة للمبادئ الاساسية لحقوق الانسان والاعراف الدولية، وحان الوقت الي ضرورة محاسبة اسرائيل ومعاقبة المجرمين امام المحاكم الدولية والى متى سيسمح للترسانة العسكرية الاسرائيلية الاستفراد بالشعب الفلسطيني؟! والى متى سيبقى العالم يُدلّل في اسرائيل وكأنها فوق القانون؟!
اننا كنا قد حذرنا المجتمع الدولي من ادعاءات اسرائيل الكاذبة في شنّها لهذا العدوان الدموي المُبيّت والممنهج، والذي يستهدف الارض والشعب الفلسطيني باكمله، ويستهدف بالأساس تقويض حكومة التوافق الوطني وافشال المصالحة الوطنية، وحل الدولتين وتصفية القضية وشطب حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة بعاصمتها القدس.
ان الجهود التي تبذلها القيادة الفلسطينية لوقف هذا العدوان البربري والتدميري، ودور الوفد الفلسطيني الموحد في القاهرة سينجح بكل تأكيد لان هذه الجهود هي تعبير عن ارادة الشعب الفلسطيني ، والذي يحمل مطالب فلسطين التي اجمع عليها الكل الفلسطيني المتمثلة بوقف العدوان وانسحاب قوات إسرائيل بالكامل من غزة، وانهاء الحصار وفتح المعابر ورفع الطوق عن الصيادين واتساع نطاقه و ورفع الطوق عن مزارعي الحدود، والتحضير لإعادة الاعمار من خلال تقييم قطاعي تشارك فيه المؤسسات الحكومية المعنية واطلاق سراح الاسرى دفعة شاليط والدفعة الرابعة من الاسرى القدامى ما قبل اوسلو، وتشمل وقف إطلاق النار ، وإنهاء الحصار وفتح المعابر ..
ان المجتمع الدولي مدعو اليوم الي دعم هذه المطالب والعمل على تحقيقها، والزام إسرائيل بها.
ان اسرائيل ارتكبت المجازر بحق شعبنا الفلسطيني وان الاوضاع التي يعيشها أبناء شعبنا في القطاع جراء العدوان الاسرائيلي البربري هي اوضاع كارثية حيث اوقع العدوان حتى الآن ما يقارب (1880) شهيداً ثلثهم من الاطفال (429) و (243) امرأة و (79) مسن، واكثر من (9570) جريح بينهم (2877) طفل و (1853) امرأة و (374) مسن، وما يزيد عن تدمير عشرة آلاف بيت ومسجد بشكل كامل وحوالي 30000منزل بشكل جزئي.
في ظل هذا الدمار بات اهلنا في القطاع هم في أمس الحاجة إلى ضرورة مشاركة الجميع والعمل في كل الاتجاهات وبشكل عاجل وسريع حتي يلمس ابناء شعبنا في غزة عمل ايجابي على الواقع الاليم الذي يعيشوه من خلال المساعدات الانسانية والاغاثية للمواطنين والأسر المنكوبة بما يسهم في التخفيف من معاناتهم ويعمل على تماسك النسيج الاجتماعي وتعزيز الصمود.
ان اهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيزها التي تجسدت في مواجهة العدوان الاسرائيلي الهمجي والصمود في وجهه في الميدان ومن خلال الجهود السياسية المكثفة للقيادة الفلسطينية يأتي في المقام الاول ولا مجال للتشكيك بوحدة الصف الفلسطيني وقدرة شعبنا علي استهاض حالة التوحد والوحدة والعمل علي اعادة بناء المؤسسات الفلسطينية والانسان الفلسطيني القادر علي حماية وطنه واستقرار فلسطين ..
ان الايام القليلة القادمة ستشهد معركة سياسية مع دولة الاحتلال يجب التصدي لها بمزيد من الوحدة بهدف تحقيق اهدافنا الوطنية في انهاء معاناة اهلنا في قطاع غزة وفك الحصار وصولاً الى انهاء الاحتلال الاسرائيلي وانجاز هدف الحرية والاستقلال.
ان الهدنة الحالية جاءت ثمرة لصمود شعبنا والجهود السياسة والدبلوماسية التي قادها الرئيس محمود عباس والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والتي عملت منذ بداية العدوان علي لجم الة الحرب الاسرائيلية ووقف نهشها لأجساد اطفالنا ونسائنا وشيوخنا وتدمير منازلنا ومدارسنا ومستشفيات وبنيتنا التحتية.
انه وبرغم المؤامرات التي تحاك ضد المشروع الوطني الفلسطيني ومحاولات البعض العمل علي مصادرة القرار الوطني الفلسطيني المستقل ..
اليوم وبهذه الساعات الحاسمة نتوجه بالتحية والتقدير الي دور مصر العظيم والتي هي دائما في .. في رعاية واستضافة وفد منظمة التحرير الفلسطينية والتي نامل ان تحقق في الساعات القادمة التهدئة ووقف العدوان وتبقي مصر هي صمام امان القضية الفلسطينية .. وهي العمق الكفاحي والحاضن التاريخي للثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها واللقاء التاريخي الاول بين الزعيمين ياسر عرفات وجمال عبد الناصر ..
اننا اليوم وفي قلب مصر العروبة نحقق إنجازاً كبيراً للشعب الفلسطيني رغم الألم ومعاناة شعبنا الفلسطيني ..
ان صمود شعبنا ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني لنيل حقوقنا وترسخ معالم دولتنا الفلسطينية والحفاظ علي الهوية الوطنية لشعب العربي الفلسطيني كانت حاضرة بقوة ضمن الضمير الجمعي لوحدة الموقف الفلسطيني وبمساندة مصر رئيسا وشعبنا ..
ان تلك المنطلقات النضالية لشعب فلسطين كانت حاضرة اليوم ووقف الشعب الفلسطيني صامدا علي ارضه بقوة مدافعا عن حقه في تقرير مصيره .. فهذا الصمود الرائع لم يكن ان يتحقق الا بفعل ارادة الانسان الفلسطيني الوطني الصلب المؤمن بحريته وبدولته وقدرته علي تحقيق الصمود امام اعتي اليات القمع والعدوان التي مارستها حكومة اسرائيل ضد شعبنا المناضل العظيم ..
من فلسطين كل فلسطين تحية احترام وتقدير لهذا الجهد ولمن يعمل بصمت من اجل وحدة الشعب الفلسطيني وحماية المشروع الوطني الفلسطيني ..
ان نجاح خطوات الوحدة يعني لجم اكثر من طرف ومحور اقليمي ودولي كان يسعى الى الامساك بالقرار الفلسطيني واستخدامه كورقة مساومة لتعزيز ادوراهم الاقليمية الوهمية على حساب دماء شعبنا وقضيتنا الوطنية.
ان المعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني وقيادته هي معركة معقدة ومصيرية، فيها الكثير من خلط الاوراق بهدف تصفية القضية الفلسطينية، و ان الواقع العربي والاقليمي والصراعات الطائفية والمذهبية وانهيار الدول الوطنية العربية يسهم في تشجيع العدو الاسرائيلي على تنفيذ مخططاته.
ان المحاولات التي تستهدف وحدة شعبنا ستزداد في المرحلة المقبلة، بعد ان فشل الاحتلال الاسرائيلي والمحاور الاقليمية بتفتيت ومصادرة قرارنا الوطني، و ان الرد على كل ذلك هو بمزيد من الوحدة والتلاحم، فالوحدة الوطنية هي وحدها القادرة على افشال هذه المخططات والمحاولات وهي وحدها من يقودنا الى النصر وانجاز اهدافنا الوطنية.
اصعب من الحرب نتائجها !!!
الكوفية / يحيى رباح
حتما ستتوقف هذه الحرب التدميرية الشاملة ، التي شنتها اسرائيل بكل قوة جيشها ، وبكل صيحات التطرف الاعمى لشعبها ، وبكل عناصر العجز والنفاق الدولي وازدواجية المعايير وفقدان المصداقية ،لتي وصلت الى صورة هزلية مخجلة كان ابطالها البارزين الرئيس اوباما ووزير خارجيته جون كيري ورجلهم في الامم المتحدة بان كيمون ، الذين سقطوا بسهولة في لعبة الاكاذيب الاسرائيلية المكشوفة ، حين بادروا الى الصراخ محملين حماس مسئولية اختطاف ضابط اسرائيلي برتبة ملازم بعد سريان الهدنة ، وطالبوا بالافراج عنه بلهجة فيها قدر كبير من التهديد ولم يكلف احدهم نفسه معرفة الحقيقة!!! فحتى بان كيمون وهو اضعفهم لدييه في المنطقة التي يدور فيها الصراع وهي فلسطين واسرائيل الالاف من الموظفين الذين يتبعونه مباشرة من موظفي الانوروا والصليب الاحمر الدولي وموظفي الهيئات الدولية الاخرى ، ولو انه اتصل باي واحد من هؤلاء لنصحوه بانن ينتظر قليلا قبل ان يسقط في هذا الاختبار .
الحب ستتوقف حتما ، والاطراف الان تحشد عناصر قوتها لمواجهة واستثمار نتائج هذه الحرب ، واسرائيل من خلال اعلانها التهدئة الانسانية التي بدات من العاشرة صباح الاثنين حتى الخامسة عصرا –وهي لم تصمد – ارادت ان توجه رسالة للجميع بان مفهومها لوقف اطلاق النار هو نفس مفهومها القديم (هدوء مقابل هدوء ) دون دفع اي ثمن سياسي ، ودون تغيير في قواعد اللعبة المستمرة منذ ثماني سنوات ، اي لا فتح لمعابرها التي تصل قطاع غزة بالضفة ، ولا الغاء للحزام الامني الذي ياخذ من سكان قطاع غزة ما تبقى لهم من ارض زراعية ، ولا توسيع للمنطقة البحرية التي يقرها القانون الدولي وكان متفقا عليها وهي اثني عشر ميلا بحريا بينما هي الان ثلاثة اميال فقط !!!هدوء مقابل هدوء ، مع ترك يدها مفلوتة عسكريا وامنيا ضد قطاع غزة ، والابقاء على قطاع غزة منفصلا بطريقة قسرية عن المسار والمصير الفلسطيني !!!
ولكن هذه المعادلة الاسرائيلية لم تعد ممكنة موضوعيا ، وذلك لاسباب كثيرة اهمها تداعيات الميدان ، فرغم الاختلال الكبير في ميزان القوى العسكري لصالح اسرائيل ، ورغم الخسائر الكارثية في قطاع غزة على صعيد البشر (قرابة اثني عشر الفا من الشهداء والمصابين ) ودمار لا تعوضه مليارات الدولارات في البنية التحتية والمساكن والمؤسسات الصناعية والزراعية ، وشبكات الصرف الصحي وشبكات الكهرباء والمياه واوضاع بالغة الصعوبة في تفاصيل الحياة اليومية التي لا يتحملها بشر سوى اهل قطاع غزة الذين يجسدون النموذج الخارق للصمود !!! فهناك ايضا المقاومة الفلسطينية الباسلة التي جسدت فعاليات مذهلة ، وابداعات تفوقت على العقل العسكري الاسرائيلي ، واستخدام للسلاح المتوفر بكفاءة سوف تدرسها بعمق كل المراكز العسكرية في العالم ، وان هذه المقاومة البطلة لا تزال يدها قوية وطويلة ، وان هذه المقاومة استندت الى جدار اخلاقي رفيع حين استهدفت الذراع العسكري الاسرائيلي لكسره ، ولم تذهب الى الاسهل وهو استهداف المدنيين كما فعلت قوات الجيش الاسرائيلي بنذالة وانحطاط اخلاقي فظيع !!! وان هذا النموذج من الصمود الشعبي الخارق ومن الابداع المقاوم الخارق هو بشرى مقدسة للاجيال الجديدة في المنطقة كلها ، واضاءة عليا تفوق التوقعات بان اسرائيل تمتلك من الاوهام مثلما تمتلك من القوة ، وان هذه القوة يمكن ان تنكسر ، وهذه الاوهام يمكن ان تزول .
الان ، حين تتوقف هذه الحرب ، تبدأ حروب السياسة ومستنقعات السياسة وتداخلات السياسة بكل نفاقها الدولي المعروف !!! ولكننا فلسطينيا حتى قبل هذه الحرب بقليل ، وخلال فترة الحرب منذ بدأت بالضفة الغربية في الثاني عشر من حزيران الماضي وانطلاق جولتها الاكثر عنفا في قطاع غزة منذ ثلاثين يوما ، كنا قد نجحنا في استعادة وحدتنا وان هذه الوحدة صمدت ، وتعمدت بصمود الشعب الفلسطيني ودمائه وبطولة موقاميه وابداعاته ، والوحدة الفلسطينية هي القوة الاساسية في ايدينا التي نريد ان نخوض بها الحرب السياسية كما خضنا بها الحرب الميدانية ، وقد اثبت الوفد الموحد الموجود في القاهرة الان انه يقرا السياسة بشكل عميق ، وانه ينظر الى الافق المستقبلي بشكل عميق ، وانه لا يطلب شيئا يختلف عليه احد لا من الفلسطينين ولا من المستوى العربي او الاقليمي او الدولي ، حيث لا يمكن العودة الى الوراء ، وكل مطالب الوفد الفلسطيني الموحد لها خلاص نهائية واحدة وهي انهاء الاحلال ، لان الاحتلال هو الخطيئة والجريمة الاولى ، وهو كهف الشرور ، وهو مصدر الحروب والدماء ، ولا بد من زواله بقيام دولتنا المستقلة وان الهروب الاسرائيلي من هذه الحقيقة الكبرى لا يفيد .
نحن بخير في غزة ...
امد / د.عاطف ابو سيف
نحن بخير في غزة. لا ينقصنا إلا السؤال.
حياتنا صارت روتيناً تعودنا عليه. لحظات عابرة في بريق يلمع في السماء في طريقه لخطف جملة من الأرواح قبل أن يخفت ويختفي.
نحن بخير في غزة. فقط الطائرات الزنانة تأكل هدوئنا ليل نهار. تذكرنا بإصرار وعند على وجودها في حياتنا. نحن لا ننكر هذا الوجود ولا ننفيه، ولا نقول إننا لا نريده. فقط هي لا تفهم لغتنا البسيطة في التعبير عن الأشياء. فنحن نريدها معنا ونريدها ان تؤنس وحدتنا ولكننا لا نريدها أن تأكلنا واحداً تلو الآخر، أن تلتهمنا عائلة بعد أخرى.
أيضاً طائرة الأف 16 القادمة إلينا من فوق المحيطات والبحار حتى تغتال حياتنا. لسنا خطيرين لهذا الحد، لو عرفنا العامل الذي وضع الضوء في مقدمتها او ذلك الذي رتب أسلاك الكهرباء في قلبها القاسي طيبتنا وحبنا للحياة لربما أمسك عن تزويدها بالصاروخ حتى تسافر من القارة البعيدة إلى شواطئنا لتصربنا. منظرها المرعب وهي تحلق في السماء مطلقة البالونات الحرارية وصوتها الهادر في السماء زئير أسد سيلتهم عما قليل قبيلة من الحيوانات الأليفة.
نحن بخير في غزة لولا البوارج التي تقف قبالة شواطئنا محولة بحرنا الهادئ إلى كتلة من اللهب. حتى أسماكنا القليلة التي كنا نأكل منها كلما خرجت سفننا الصغيرة لم تسلم من ضربات البوارج القاسية. كتل اللهب وحمم النار تخرج من فحيح صوتها الأجوف تثير الرعب في كل شيء: في موج البحر، في أسماك السردينا الصغيرة، في رمل الشاطيء الناعم، في كروم العنب على شاطئ الشيخ عجلين، في الأطفال المكدسين في حجر أمهاتهم، في كل شيء. حتى في أحلامنا الوديعة ببحر هادئ وموج مسالم يسبح بحنا أقل من احلامنا بكثير، لكنه يأخذنا إلى رائحتها.
نحن بخير في غزة، فقط نحن نبحث عن الحياة وسط هذا الموت الذي بات يقترب أكثر فأكثر منا. الموت الذي يتجول في كل ناحية، يخطف الأرواح من كل زقاق، يهجم على كل بناية وحارة وبيت. لا يميز بين عجوز وشاب، بين رجل وأمرأة، بين طفل في بطن أمه وكهل سيذهب عما قليل بإرادته إلى القبر. الموت الذي صار اللغة الأكثر انتشاراً وسطنا. لم نخفه يوماً لكننا بنتنا نخاف بشاعته وقسوته وحلوله القدري علينا. وقعه الأليم حين يمزقنا إرباً وأشلاء فلا يعرف أحدنا أي يد له وأي رجل او عين للرجل أو المرأة التي ماتت بجواره. تلك القسوة هي ما نخاف ولا نرغب. أما الموت فكل منا عاش فائضاً من العمر حين لم تجهز عليه الحروب السابقة. نخاف وقعه الأليم مثل رمية القدر، نريده خفيفاً كخفة الساحر. اما هو فمرحب به لأن للحياة مسارات ونهايات لسنا أصحاب قرار فيها، لولا رغبتنا في أن نحيا كما هو مقدرو لنا كبقية البشر، ومثلما يرغب أطفالي في أن يكونوا أطفالاً مثل الأطفال الذين يرونهم خلف شاشات التلفاز. كأن ثمة حياة للأخرين وحياة لنا.
نحن بخير في غزة حتى لو لم نر الكهرباء لخمسة أيام. الكهرباء ليست مهمة، المهم أن ثمة نهار وشمس تضيء حتى منتصف اليوم. هذا يكفي. أما الكهرباء فقد نسينا وجودها. ولم نعد نسأل متي ستأتي الكهرباء. لأنها لا تأتي. وفي حالات نادرة وإذا ضحكت لنا الدنيا فقد تأتي لساعة أو نصف ساعة في ساعات الليل الأخيرة ونحن نسرق ما استطعنا من النوم من فم القلق.
نحن بخير في غزة فالماء ليس مهماً للبشر. فنحن نتدبر أمرنا بجردل ماء في اليوم. نوزعه بيننا بعناية وتدبير. فهو يكفي لعشرة أشخاص. نغسل منه صحون الطعام، نغتسل منه، نغسل أيدينا، نرش بعضه على ملابسنا قبل أن ننشرها على النافذة حتى تجف. هذا يكفي. وإذا ما جاءت المياه بشكل طبيعي ولم تتوفر الكهرباء كالعادة حتى تصعد وحدها إلى خزان المياه، وإذا ما امتلكنا القليل من الشجاعة وبعض القوة نحمل الجردل ونصعد به درجات السلم القاسية ونفرغه في خزان الماء فوق السطح. ثم جردل آخر وثالث حتى يصبح بمقدورنا أن نستعمل الصنبور بشكل طبيعي كما يفعل البشر ولكن بطريقة غير طبيعية.
نحن بخير في غزة فقط هم لا يفهمون أننا شعب مسالم محب للحياة، يهجم عليه وحش مفترس فلا يملك إلا أم يدفع عنه أذاه العظيم بالقليل من العناد والقوة، يخرمشه قليلاً فيما عروقنا تنزف وعيوننا تدمي. ليس لنا إلا أن نبقى كما كنا وكما أردنا القليل من الفرحة تكفينا، وإذا ما تناقصت أحزاننا وضحكنا قلنا بخفة الغائب عن الحياة "الله يستر من هالضحك". حتى الضحكة كثيرة علينا، وحتى آلامنا قليلة على الأخرين يريدون الكثير منها.
نحن بخير في غزة. نتناقص يوماً بعد آخر. الطائرة تمحو بناية من الشارع. تصحو من النوم فلا تجد البناية المجاورة. تسمع عن موت من تحب عبر الهاتف أو عبر الراديو. تبكي قليلاً وقبل أن تجف دموعك تسمع بموت آخرين. تتعود الموت والبكاء والبكاء والموت. القناص فوق الدبابة في الجوار نسى عن قصد كل فنون القتال وصار يرسل حمم قذائفه بعشوائية مقصودة يريد أن يقتل أكبر عدد منا. كل ساعة يذهب أحدنا في الطريق المعتم للموت. يسير محاطاً بعشرات من الراحلين في الدرب المؤلم لأن ثمة لاحقين كثر.
نحن بخير في غزة. بتنا نشتاق لقهوة الصباح، ولرائحة النعناع في كأس الشاي، ولمذاق الزعتر في صحن الفطور، ولطشطشة الفلافل في مقلي الرجل العجوز على طرف الحارة، ولصوت الباعة في الصباحات الرائقة، ولصوت الفتية في الطريق إلى المدارس، ولزغرودة الجارة في الفرح، ولنسمة البحر عند الأصيل. بتنا ننسي الأيام لأن اليوم لا يختلف كثيراً عن أمس ولا سيختلفان عن يوم غد.
نحن بخير في غزة، فببيوتنا صارت هباءً وكومات من الرذاذ المتطاير، بعضنا لم يتعرف على بيته، على كومة الأخيلة السابحة في ملكوت الهباء. احلامنا صلبت بلا ذنب لكننا تعرفنا عليها حين راودتنا في طريق الوادي الهائم في الغياب، أما شوارعنا فصارت حشائش تدوسها الخيل الممعنة في دك الحصون، لا ناقة لنا في حكاية البسوس لكن علينا أن نلعق كل آلام العرب. نحن بخير رغم كل شيء فلا بيت ولا طريق يدل عليه، ولا حصان ينتظر عند الحظيرة، فقط الأرنب الفالت من كوخ الحطب يلملم أعشاب الحديقة ويبني بيتاً جديداً له.
نحن بخير في غزة لولا أن أغلبنا أضطر لترك بيته واللجوء للمدارس. من لجوء إلى لجوء، ومن خيمة إلى خيمة. وبعضنا لم يجد مكاناً في المدرسة ولا وجد خيمة تكفيه فسكن الشارع. افترش الأرض والتحف السماء. ننشر غسيلنا على درابزين الشارع نغسله ببريق الحياة ولعابها وننشفه بلهب الموت المتسكع في النواحي.
نحن بخير في غزة، فسيارة الإسعاف مازالت تعمل بكد وكدح منقطعي النظير، وكاميرا الصحافي تلتهم خبار موتنا أطباقاً شهية ومعجنات لذيذة تستوردها كل وكالات الأنباء، ورغم ذلك نظل في نظر العالم الجلاد رغم دمنا المسكوب مثل حليب مراق في طرقات الأطفال.
نحن بخير في غزة لو أننا نعرف أن هذه الحرب ستنتهي وأننا سننجو منها كما نجونا من التي قبلها. نحن بخير رغم كل شيء.
- الو غزة
- صاحب الرقم الذي تحاول الاتصال به ميت.
الصراحة بشأن غزة
امد / عبد المنعم سعيد
أصبح كل العرب في مأزق كبير، إذا تحدثوا مع الفلسطينيين في وقت هدوء وسلم، قال الفلسطينيون بالقرار الفلسطيني «المستقل»؛ أما إذا جاء وقت الحرب والنزال والدماء النازفة والمذابح المرعبة نادى الإخوة الفلسطينيون: أين أنتم يا عرب؟ لا يمر يوم إلا واستمعنا إلى بيانات سياسية، وخطابات السيد خالد مشعل التي تؤنب وتلسع وتغمز وتلمز، ولكن أقسى ما نسمعه هو ما يرد لنا شخوصا وجماعات من المدونين الفلسطينيين من داخل فلسطين ومن المنفى يصرخون ويلومون وينعون موت العروبة، ويتساءلون عما إذا كان في عروق العرب دم، أم أن خُلطت الأعراق والخواص فما عادت شهامة ولا رجولة؟ الاثنان في الحقيقة لا يجتمعان: القرار الفلسطيني «المستقل»، ودعوة العرب للمشاركة في الحرب والنزال التي لم يرسموا لها استراتيجية، ولم يتخذوا فيها قرارا، ولم يراعوا فيها مسؤولياتهم الأولى إزاء أوطانهم وشعوبهم. لن يختلف أحد من العرب على أن إسرائيل تشكل معضلة كبرى للأمن القومي العربي، فعندما توجد دولة في وسط وطن ممتد بالثقافة والتاريخ والمصالح المشتركة فإنه ينقسم، وعندما تصير هذه الدولة «نووية» فإن «التوازن» في المنطقة يختل، وعندما تريد الدولة الجمع بين الاحتلال والسلام، والاستيطان والتعايش، فإننا نصبح أمام نوع من الخداع المستمر.
نتيجة هذا التناقض فإن إدارة الصراع تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة، وقدر أكبر من القوة، وكلاهما لا يمكن خضوعه للمغامرة والمقامرة، والقرارات التي يجري اتخاذها أمام الميكروفونات. حاول العرب حل المعضلة بأن يكون هناك تمثيل فلسطيني واضح وصريح يحمل الحمل الفلسطيني إلى العالم، ويقاتل من أجل الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. هذا التمثيل أصبح منظمة التحرير الفلسطينية التي صارت الممثل الشرعي و«الوحيد» للشعب الفلسطيني. كان ذلك خروجا من الانقسام الفلسطيني بين «فتح» والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهات وحركات وأحزاب وجماعات مقاتلة متنوعة ومختلفة. ولكن التوحيد تحت راية المنظمة جرى له ما جرى لكل البلدان العربية حال مولد حركة إسلامية: حماس. لم تعد حماس منظمة تسعى إلى التحرير فقط، ولكنها منظمة تقسم منظمة التحرير، وتلفظ عنها تمثيلها للشعب الفلسطيني، وخلال عملية أول تحرير للأراضي الفلسطينية من خلال اتفاقيات أوسلو عملت حماس على نسف كل ما جرى إنجازه من خلال عمليات عسكرية ساعة الولوج إلى كل انسحاب إسرائيلي. وكما هي العادة فإن دخول حركة إسلامية إلى الساحة السياسية لا يقسمها قسمين فقط، فسرعان ما تظهر حركات أخرى، فكما لا يوجد احتكار في الآيديولوجية لا يوجد احتكار في الدين. أصبح هناك حركة الجهاد الإسلامي وجيش الإسلام، وجماعات أخرى وكلها حصلت على الصواريخ ودخلت في مرحلة «القرار» المستقل. ولم تكن النتيجة انقساما فقط، بل صارت إطاحة بالإطار القانوني الوحيد الذي يعترف به العالم وهي السلطة الوطنية الفلسطينية المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. تمت الإطاحة بعناصر السلطة من فوق عمارات غزة وقتلها بوسائل متنوعة، ومن ثم بات مستحيلا في غياب السلطة الوحيدة المنوط بها الإشراف علي المعابر «السبعة» - 6 معابر مع إسرائيل ومعبر واحد للأفراد مع مصر - أن تفتح هذه المعابر لكي يعيش شعب غزة عيشة كريمة.
المأزق العربي يستحكم، فما لدينا بات منظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذه لها سلطة وطنية فلسطينية، وهذه تعيش الآن على أراض منقسمة بين غزة والضفة الغربية، وبين فتح من ناحية، وحماس ومعها جماعات «جهادية» مختلفة من ناحية أخرى. وهؤلاء يتخذون قراراتهم حسب ما اتفق، فلا توجد حسابات لتوازن القوى، ولا يوجد حساب للظروف الجارية والضاغطة في المنطقة. وعندما دخلت حماس وأعوانها في الحرب مع إسرائيل لم يكن الدم الفلسطيني وحده الذي يسيل، بل كان الدم السوري يجري أنهارا، وعبرت داعش من سوريا إلى العراق، وفيها احتلت الموصل، وذبحت من ذبحت، وطردت المسيحيين، بينما أقرانهم من جماعة «بيت المقدس» يقتلون الجنود المصريين في الفرافرة، بينما جماعة أخرى تقتل جنودا جنوب تونس، ويهدد آخرون الأمن في المغرب انطلاقا من مالي وليبيا. أليس مشروعا أن يطرح السؤال عما إذا كانت حرب غزة جزءا من حرب أعظم تجري باتساع المنطقة كلها، وهدفها الدولة العربية المراد منها التدخل لإنقاذ الشعب الفلسطيني؟
كل ذلك له إطار تاريخي، ويضع الكثير من أحداث المنطقة طيعة في يد أنصار نظرية المؤامرة من كل نوع، ولكن الحقيقة هي أن هناك خللا كبيرا في مجتمعاتنا من أول التكييف المادي والمعنوي للقضية الفلسطينية وحتى كيفية إدارة مجتمعاتنا التي فيها الكثير من الأمراض التي غالبا لا نعترف بها، حتى لا نقوم بمواجهتها. بلغ القتلى في العراق قرابة المليون منذ الغزو الأميركي، وأكثره بين السنة والشيعة مع مشاهد جانبية دامية بين المسلمين والمسيحيين، والعرب والأكراد؛ وفي سوريا بلغ القتلى 200 ألف، وفي فلسطين تعدى القتلى من الفلسطينيين 1200 قتيل، وآلاف المباني، وعشرات الأنفاق مقابل 55 إسرائيليا كان فيهم الكفاية لكي تعلن حماس النصر في المعركة. الغريب في الأمر أنه بينما إلقاء اللوم على العرب يجري مجرى البحار والأنهار، فإن مصر أقرب الحلفاء للقضية الفلسطينية، باتت هي المتهم الأول. حماس ادعت أن المعابر، بما فيها معبر رفح بالطبع، ما هي إلا ملك للعرب، ومن ثم وجب وضعها تحت الإدارة الدولية التي تفتحها كما تريد لها حماس. ليس هناك مانع أن تكون كل المعابر بما فيها تلك الإسرائيلية ملكا للعرب، ولكن لماذا لا تكون تحت إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية التي تتفاهم مع الدول المعنية من أجل فتح المعابر. السلطة الوطنية لم تثقب الحدود المصرية بالأنفاق كما فعلت حماس وتجعلها ممرا للإرهابيين والمسلحين والأسلحة وهز الاقتصاد المصري بتهريب النفط والسلع؛ ولكن حماس فعلت كل ذلك.
الدول العربية مع كل شعورها بالألم لما يجري للشعب الفلسطيني، فإن عليها أن تطرح الأمر كله على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية وإسرائيل وفي الشتات. إذا كانت حماس تريد عونا عربيا حقا فإن عليها أن تعترف بالحقيقة التي لا تريد الاعتراف بها، وهي أنها فشلت بانقسامها عن السلطة الوطنية في إدارة الصراع مع إسرائيل، وأن عليها أن تعيد الأمور إلى نصابها حيث منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والسلطة الوطنية هي المنوط بها إدارة الصراع وليس غيرها. الدم العربي الذي يسيل ليس هو فقط الفلسطيني فهناك السوري والعراقي والمصري والليبي والتونسي والجزائري، وكلنا نعرف من هم القتلة والسفاحون.
عن الشرق الاوسط السعودية
اقتراح وجيه لكنه ناقص!
الكرامة / صالح القلاب
في ذروة عدوان إسرائيل الغاشم والغادر على غزة بادر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الأكثر تطرفاً ويمينية حتى من رئيسه بنيامين نتنياهو، إلى تقديم اقتراح غير مسبوق دعا فيه إلى وضع قطاع غزة تحت إدارة وإشراف الأمم المتحدة، وهذه مسألة يجب متابعتها وأخذها بعين الاعتبار، خاصة من قبل القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها محمود عباس (أبو مازن) الذي يتمتع بشفافية سياسية عالية ومميزة.
يجب أن يقال لوزير خارجية إسرائيل وللحكومة الإسرائيلية، التي على رأسها بنيامين نتنياهو، إن هذا الاقتراح المفاجئ مقبول ومرحبٌ به، لكن بشرط بسيط...! وهو أن يشمل الضفة الغربية كلها وبدون استثناء ولا "إنش" واحد من الأراضي التي احتلت في عدوان عام 1967، والتي اعترفت الأمم المتحدة للشعب الفلسطيني بدولة تحت الاحتلال عليها.
والمفترض أن يبادر (أبو مازن)، حتى قبل أن يُستكمل وقف إطلاق النار، الذي يجري الحديث عنه، إلى التوجه للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن الدولي تحديداً، وإبلاغه بقبوله وقبول منظمة التحرير والسلطة الوطنية والدولة الفلسطينية تحت الاحتلال باقتراح أفيغدور ليبرمان هذا، على أساس أن تتكفل المنظمة الدولية بأمن قطاع غزة والضفة الغربية من خلال قوات تابعة لها، على غرار ما هو متبع بالنسبة لمناطق النزاعات منذ إنشاء هذه المنظمة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.
ثم وإلى جانب القوات الدولية يجب أن تتكفل الأمم المتحدة بالإنفاق المالي على كل شيء في قطاع غزة والضفة الغربية، التي يصر ما يسمى "اليسار الفلسطيني" على تسميتها: "الضفة الفلسطينية"، وهنا فأنا أعتقد أن الأردن لا تزعجه هذه التسمية، وأنه يوافق عليها ويباركها بكل حماسٍ وأريحية، من التعليم إلى الصحة إلى الطرق وشبكة المواصلات إلى رواتب الموظفين، وكل الموازنات التي تتولى مسؤوليتها الآن السلطة الوطنية.
إن هذا الاقتراح، الذي بادر إليه وزير خارجية إسرائيل في ذروة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، يجب أن تأخذه القيادة الفلسطينية على محمل الجد، ويجب أن تلاحقه وتبلغ الأمم المتحدة أنها لا تقبله فقط بل ترحب به وتصر عليه... لكن بشرط أن يشمل كل الأراضي الفلسطينية التي احتلها الإسرائيليون في حرب عام 1967، وفي مقدمتها القدس الشرقية، التي لا يمكن التنازل عن مطلب أن تكون عاصمة دولة فلسطين المنشودة، حتى وإن أُفْني الشعب الفلسطيني عن "بكرة أبيه"!
ربما هذا الاقتراح المفاجئ، الذي تقدم به وزير خارجية إسرائيل في ذروة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، يعني أن الإسرائيليين، الذين قرف العالم كله تصرفاتهم، بما في ذلك أصدقاؤهم في الولايات المتحدة وفي دول الاتحاد الأوروبي، ما عادوا قادرين على تبعات حرب فعلية كل عامين، وأنهم ما عادوا قادرين على إشغال جيشهم بمطاردة الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية... وحقيقة، وإذا كان هذا التقدير صحيحاً، فإن هذا يعني أن هناك تطوراً في المفاهيم، بعدما ارتطمت رؤوس قادة اليمين الإسرائيلي بجدار الحقيقة... وهذا يجب المسارعة إلى استثماره من قبل القيادة الفلسطينية ومن قبل العرب المعنيين أيضاً.
وحتى إذا كانت إسرائيل لا تطمئن لوجود قوات دولية في قطاع غزة والضفة الغربية فإن المفترض أن القيادة الفلسطينية لا تمانع في أن تكون أغلبية هذه القوات الدولية أميركية وأوروبية وروسية وصينية، فالمهم أن تخرج القوات الإسرائيلية من آخر شبر من الضفة الغربية، وألا تبقى الاعتداءات على غزة تتكرر في كل عامين، وأن يدرك الإسرائيليون أن قطاع غزة والضفة الغربية كيان فلسطيني واحد، وأن يدركوا أيضاً أنه لا يمكن أن يفرط الشعب الفلسطيني في ذرة تراب واحدة من أرضه التي احتلت عام 1967، وفي مقدمتها القدس الشرقية التي ستكون حتماً عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة.
حرب “صراع الرهانات” في غزة
امد / محمد السعيد إدريس
أعتقد أننا جميعاً، أبناء الأمة العربية، بكافة انتماءاتنا القطرية والسياسية والدينية بل والطائفية نشعر بثقل المسؤولية لعجزنا عن إنقاذ شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة من حرب إبادة لم تعد أهدافها خافية، فهذه الحرب القذرة، التي لم تبدأ من فراغ بل جاءت في أعقاب فشل جولة مفاوضات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، واستباقاً لحدوث تراكم نضالي في الضفة الغربية فجرته ممارسات إجرامية صهيونية، خشية أن يؤدي هذا التراكم النضالي إلى اندلاع انتفاضة شعبية فلسطينية ثالثة قد تكون سبباً في إعادة تثوير قضية الشعب الفلسطيني، وإعادة بعث الصراع العربي الصهيوني إلى قاعدته ومفاهيمه الحقيقية غير المزيفة: صراع وجود عربي ضد استعمار استيطاني صهيوني، ووضع نهاية لمسار مفاوضات التسوية ومفاعيلها التي بدأت بمعاهدات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو ومن ثم إقرار مبدأ تبادل الأراضي للحفاظ الشكلي على ما يسمى ب "حل الدولتين" الذي نجحت حكومة اليمين الصهيونية في تفريغه من كل مضامينه بالتوسع في سياسة الاستيطان والتهويد .
وإذا كانت هذه هي البدايات والمقدمات للعدوان الإجرامي الصهيوني الحالي ضد قطاع غزة، فحتماً لن تكون الخواتيم والنتائج التي يخطط لها قادة العدو ويأملون تحقيقها بعيدة عنها، فهم لا يهدفون فقط إلى التخلص من سلاح المقاومة وخاصة الصواريخ وتدمير ما يسمونه ب "الأنفاق الهجومية" ولكنهم يخططون لفرض واقع سياسي جديد ومعادلة سياسية جديدة لوضع نهاية للصراع العربي الصهيوني بفرض مشروع حل الدولة الواحدة وليس حل الدولتين، وحل الدولة الواحدة الذي يريدونه هو أن تكون فلسطين، كل فلسطين دولة واحدة لشعب واحد هو "الشعب اليهودي"، ولعل هذا ما يفسر إصرار بنيامين نتنياهو رئيس حكومة العدو منذ أكثر من شهرين على فرض خيار "الدولة اليهودية" ليس فقط على الشعب الفلسطيني بل وعلى كل الشعب العربي .
انطلق قادة الكيان في تخطيطهم لهذا العدوان من قراءة دقيقة للواقع العربي والإقليمي الراهن، ووصلوا إلى يقين بأن هذا الواقع لا يقل سوءاً عن حقيقة الواقع النضالي الفلسطيني . فتنافس حركتي "فتح" و"حماس" على السلطة في فلسطين الذي تحول إلى صراع سلطة بعيداً عن كل اعتبارات ما كان "مقاومة" وعرقل كل محاولات المصالحة وجردها من مقوماتها، لا يختلف كثيراً عن صراعات السلطة في معظم الدول العربية ابتداء من العراق مروراً بسوريا واليمن ولبنان، وامتداداً إلى مصر والسودان وليبيا وتونس، صراعات أدت وتؤدي ليس إلى تدمير الجيوش بل إلى تدمير مقومات بقاء الدولة وإطلاق فتنة التقسيم في بعض هذه الدول .
الصراعات في وطننا العربي لم تعد صراعاً بين العرب وبين الكيان الصهيوني ولكنها أضحت تنافساً بين الدول العربية وتحولت إلى صراعات داخل الدول العربية، وامتدت إلى تنافس بين القوى الإقليمية في إقليم الشرق الأوسط، وباتت "إسرائيل" بمنأى عن كل هذه الصراعات، وكان عليها أن تندفع نحو قطاع غزة لتدمر وتقتل من أجل فرض مشروع التسوية الذي تريده، وهي على قناعة بأنه ليس من بين العرب من في مقدوره أن يعلن راية التحدي، خاصة في ظل الصراعات الدامية التي تحدث الآن داخل كل من العراق وسوريا التي من شأنها منع أي من الدولتين من مجرد التفكير في ردع العدوان "الإسرائيلي"، وخاصة في ظل الإدراك "الإسرائيلي" للواقع الأليم الذي تعيشه مصر الآن في حربها ضد الإرهاب "الإخواني" و"التكفيري" والذي بسببه وجدت نفسها في حاجة إلى الحصول على موافقات "إسرائيلية" تتجاوز نصوص معاهدة السلام لإدخال قوات وأسلحة مصرية لمقاتلة الإرهابيين الذين يقاتلون الجيش وقوات الأمن المصرية على أرض شبه جزيرة سيناء .
قادة الكيان توصلوا إلى قناعة بأنه ليس هناك من بين العرب من في مقدوره أو في تفكيره أن يرد العدوان، كما أنهم وصلوا إلى قناعة بأن العرب يعيشون الآن حالة حرب باردة عربية عربية جديدة، وحرب عربية إقليمية جديدة، على الأقل سياسياً وإعلامياً من خلال المحاور المتصارعة الآن والتي ليس على أجندتها ما له علاقة بالصراع مع "إسرائيل"، بل إنهم تنبأوا بأن عدوانهم الإجرامي على قطاع غزة من شأنه أن يفجر حرب تصفية حسابات عربية عربية، وأن تكون مواقف العرب من هذا العدوان ليس أكثر من الوجه الآخر القبيح لحرب تصفية الحسابات هذه .
محصلة هذا كله كان قرار الحرب "الإسرائيلية" الإجرامية على غزة، لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الجميع الآن: "الإسرائيليون" والفلسطينيون وكل من يعنيهم الأمر من العرب والقوتين الإقليميتين: إيران وتركيا هو: هل في مقدور "إسرائيل" تحقيق أهدافها من العدوان؟ وبتحديد أكثر هل في مقدور "إسرائيل" توظيف كل هذا الواقع الفلسطيني والعربي والإقليمي لوضع نهاية لما كان يعرف ب "الصراع العربي "الإسرائيلي"" وفرض خيار "دولة واحدة لشعب واحد"؟ وهل في مقدور العرب وإيران وتركيا إفشال هذا المخطط الإجرامي؟
السؤال مهم، لكن الإجابة صعبة لأن الأهداف متناقضة بين من يحكمون العرب ومن يحكمون إيران وتركيا أيضاً، وقبلهم بين السلطة الفلسطينية والمقاومة الباسلة في قطاع غزة، ولذلك يبقى الرهان الشعبي هو الممكن والمرجح، رهاناً شعبياً يبدأ من الضفة الغربية لفرض ما تحسب له الصهاينة بجعل العدوان الإجرامي على قطاع غزة سبباً بتفجير انتفاضة شعبية يكون في مقدورها إنقاذ غزة أولاً من مخطط الإبادة الصهيوني، ويكون في مقدورها أن تقلب أوضاع مشروع التسوية الاستسلامية رأساً على عقب، وأن تعيد وضع الصراع في فلسطين مجدداً إلى حقيقته: صراع حول الوجود وليس صراعاً على حدود .
إذا تفجرت الانتفاضة في الضفة الغربية بدافع من دماء وأرواح الشهداء وصرخات الثكالى والمصابين، وبوعي من أهمية وحتمية هذا الخيار فسوف يكون لها مردودها الحتمي على مستوى السلطة ومنظمات المقاومة في الضفة وقطاع غزة، وسوف يمتد صداها إلى العمق العربي والإقليمي وسيغير كل المعادلات، وسيعري كل من يتعاملون خفية مع الكيان الصهيوني وستتحول هذه الانتفاضة الفلسطينية إلى انتفاضة عربية قادرة على إحياء خيار المقاومة وتجديد الثقة الشعبية به، مقاومة بمفهومها الواسع تبدأ بالعودة إلى النضال السياسي العربي من أجل فلسطين، وإعادة تثوير ميادين الكفاح العربية من أجل فلسطين، وإعادة سياسات المقاطعة للكيان وتجريم كل من يدعمونه ويساعدونه ويقدمون له الحماية ابتداء من إدارة باراك أوباما والكونغرس الأمريكي الذي تفوق على الكنيست "الإسرائيلي" في عدائه للشعب الفلسطيني ودفاعه عن المشروع الصهيوني، وامتداداً إلى أنصار "إسرائيل" في أوروبا وحلفائهم داخل الدول العربية من رجال أعمال وإعلاميين يلعبون دور "اللوبي" الداعم للسياسات "الإسرائيلية" العدوانية عندما يتحقق ذلك سيتجدد الأمل ثانية في عودة فلسطين قضية عربية مركزية بامتياز بعد أن أضحت عبئاً ثقيلاً على كاهل كثير من أنظمة الحكم العربية، وسيتجدد الأمل في إفشال رهانات قادة الكيان على جعل عدوانهم الإجرامي على قطاع غزة مدخلاً لفرض مشروعهم السياسي لتصفية القضية الفلسطينية.
عن الخليج الامارتية
الحرب الإسرائيلية على غزة: هي حرب على العرب بعنوان مصر
الكرامة / طلال سلمان
من الصعب الكتابة عن الحرب الإسرائيلية الثالثة أو الرابعة على غزة هاشم بلغة تحليلية باردة أو محايدة.. فالدم الذي أريق ويراق على أرضها هو دمنا، ونصرها نصر للأمة جميعاً، مهما تعاظمت خلافاتنا الفكرية والسياسية مع «حماس»، وكائناً ما كان رأينا في سلوك قيادتها السياسية.
لقد خاض الشعب الفلسطيني في غزة، المحاصرة جواً وبحراً وبراً، مواجهة باسلة تكتب وقائعها بأحرف من نور، وهي تضاف إلى سجل أبطال الدفاع عن الأرض المقدسة بدمائهم، وقد غطتها جميعاً وفاضت عنها.
ويفرض واجب احترام الدم المراق دفاعاً عن شرف الانتماء إلى هذه الأمة، وعن هوية الأرض الفلسطينية في مواجهة الحرب الإسرائيلية المفتوحة، أن نشهد لمجاهديها بأنهم قد قاتلوا ـ وهم محاصرون ـ ببسالة نادرة، وصمدوا لنيران العدو الذي يمتلك أخطر آلات القتل الجماعي من طائرات وصواريخ ودبابات ومدفعية ثقيلة، على امتداد أسابيع طويلة من المواجهات المفتوحة، ولم يرفعوا الرايات البيضاء، ولا طافت وفودهم تستجدي وقف إطلاق النار بأي ثمن.
ولقد تعاملنا دائماً مع غزة الفلسطينية على أنها بعض مصر.. بل إن أهلها يرون أنفسهم مصريين في فلسطينيتهم، أو فلسطينيين في مصريتهم. فحتى من قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في العام 1948، كان أهل غزة من بين الفلسطينيين الأكثر اتصالاً بالمصريين، وقد ربطتهم معهم صلات قربى ومصاهرات، فضلاً عن أنهم كانوا يتطلعون إلى القاهرة على أنها عاصمة الأمة ومصدر حمايتهم.
وفي حقيقة الأمر فإن إسرائيل قد شنت حرب إبادة على الفلسطينيين في غزة. فهي لا تريد احتلالها بالكامل والبقاء فيها، لأن ثمن ذلك باهظ جداً ولا تستطيع أو هي لا تريد أن تدفعه... ولا هي تستطيع تهجير أهلها منها، وهم المهجرون بأكثريتهم الساحقة من أنحاء فلسطين مرة ومرتين وثلاثاً، أي بعدد الحروب الإسرائيلية على العرب في فلسطين وباسمها، منذ «النكبة» وحتى حرب 1973، حين أقفلت عليها قنوات التواصل والاتصال مع أهلها في مصر.
أليس مثيراً للتقدير والإعجاب أن تعجز جيوش إسرائيل التي لا تقهر، والتي تسخر ثلاثين طائرة استطلاع وعشرة مناطيد فوق هذه «الجزيرة» تحصي على أهلها أنفاسهم، وتراقب «حدودها» ـ وهي محاصرة ـ براً وبحراً وجواً ـ عن «التخلص من هذا الكابوس الذي اسمه غزة»؟
لقد فرض العدو الإسرائيلي على أهل غزة أن يعيشوا في جحيم نيرانه الحارقة لمدة شهر تقريباً: كانت الطائرات تغير ممهدة الطريق أمام الدبابات التي تواكبها الجرافات والمدفعية تقصف أنحاءها كافة، في حين تتقدم «كتائب النخبة» في «الجيش الذي لا يقهر» لاكتشاف الأنفاق (المصفحة) تمهيداً لنسفها والتخلص من عقدتها التي أربكت جنرالات إسرائيل، وبالتحديد كتيبة جولاني التي تشكل نخبته المقتحمة.
لم تكن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو مستعدة للتفاوض، حتى على هدنة.. ولقد أرادت أن تكون حربها هذه الحرب الأخيرة لاقتلاع المقاتلين وتدمير الأنفاق التي شكلت سلاحاً جديداً وفريداً في بابه، باعتبارها قواعد الصواريخ ومراكز التدريب المجهزة بأحدث وسائل الاتصال والمعابر السرية إلى العدو في الأرض الفلسطينية المحتلة، خارج غزة.
وبالطبع فقد ترتب على نتنياهو أن يخوض هذه الحرب، كما كل رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقين، باعتبار الانتصار فيها شرط استمراره في الحكم و«الانتصار» على المنافسين ـ وهم داخل حكومته ذاتها - وإبقائهم بعيدين عن موقعه الممتاز، بالاندفاع أبعد مما يطلبون أو يقدرون. لكن شرط الاستمرار هو «الانتصار»، وقد عز عليه تحقيقه، برغم غزارة النيران، وبرغم إشراك الطيران (الذي لم يغب ساعة واحدة عن سماء غزة) وسلاح البحرية المدفعية الثقيلة و«قوات النخبة» في هذه الحرب التي أرادها «الأخيرة».
لم يوفر نتنياهو سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل، الكيميائية منها، والنووية المخففة والقنابل الفراغية ومجازر إعدام الأهالي، لا فرق بين مقاتل وعجوز أو بائع متجول يدور على رزقه... بل لقد نفذ الطيران الإسرائيلي غارات قاتلة على المساجد عموماً، وعلى المدارس، وبما فيها تلك التابعة لوكالة غوث اللاجئين. ولقد شهد العالم كله على فظاعة هذه المجازر وحفظ لذلك الرجل الشريف بيير كرينبول، وهو المفوض العام للوكالة الدولية إجهاشه بالبكاء، وعجزه عن إكمال حديثه عن المجزرة التي أوقعتها غارة للطيران الإسرائيلي في بعض مدارس «الوكالة» فأودت بحياة العشرات من الأطفال وبعض مدرِّسيهم والمبنى الذي يرفع راية الأمم المتحدة.
لقد اصطنع نتنياهو جحيماً لإحراق غزة بأهلها... لكن أبناء غزة واصلوا المقاومة ببسالة نادرة المثال: كانوا يحملون جرحاهم إلى المستشفيات، وهم أبناؤهم أو إخوتهم أو جيرانهم، ويرددون في الذهاب وفي الإياب، ما يؤكد صمودهم واستعدادهم للتضحية بغير حدود... وكانت النسوة تغالب دموعهن ليتوجهن بالسؤال عن «الأشقاء العرب وأين هم مما يجري لأهلهم في غزة».
هذا في الوقائع الميدانية أما في السياسة، فقد كان الوضع أمرّ وأدهى: في ما عدا «المبادرة المصرية» التي صيغت بشكل مرتجل، وقبل التثبت من الوقائع، ومع تغليب للموقف من «حماس» على الموقف ـ الأساس من فلسطين، بشعبها كله، وأهداف نضاله وقضيتها المقدسة التي طالما بذلت مصر دماء جنودها من اجلها... كانت وسائل الإعلام المصرية، في ما عدا استثناءات قليلة، تشن حملات هجوم قاسية على «حماس»، وباختصار فقد كان المنطق المصري من الحرب الإسرائيلية على غزة محكوماً بالموقف من «الإخوان المسلمين» ودورهم التخريبي داخل مصر.
وفي غياب مصر عن دورها الذي لا بديل منه، فقد كان طبيعياً أن تفشل «المبادرة» التي تقصدت القيام بها كل من تركيا وقطر، فجمعت بعض دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في باريس... ولعل هذا ما شجع إسرائيل على المضي في حربها على شعب فلسطين في غزة مطمئنة إلى أن «أصدقاءها» سيحمونها من أية عقوبة محتملة، بل من أي قرار زاجر يطلب إليها وقف الحرب، ولو كهدنة إنسانية محدودة، تكفي لرفع الأشلاء من تحت الأنقاض وإسعاف الجرحى وتمكين الناس من تأمين مستلزمات حياتهم اليومية.
ولأن مصر غائبة بقرار انتقامي، يمكن تفهم أسبابه في ظروف مختلفة ولا يمكن قبوله مع تمادي الحرب الإسرائيلية وبلوغها ذروة الوحشية واستهدافها البشر والحجر، المستشفيات وسيارات الإسعاف والمدارس ودور العبادة والأحياء السكنية وطواقم الإسعاف..
ولأن معظم الدول العربية، أو من كانت الأقوى والأكثر استعداداً للتحرك، غائبة أو مغيبة في ظل أوضاعها الداخلية الصعبة، وبين عناوينها الحرب الأهلية أو ما يماثلها (العراق، سوريا، اليمن، ليبيا).
ولأن القيادة الأميركية أضعف من أن تتصدى لنتنياهو وطموحه إلى دور البطل الذي أنقذ إسرائيل من «آخر أعدائها» وقضى على «بدعة الأنفاق» التي غدت الهاجس الدائم لجيش الحرب الإسرائيلي،
ولأن تحرك قطر مع تركيا يثير الشبهة أكثر مما يستقطب التأييد الدولي، خصوصاً في ظل التأثير الطاغي لـ«الإخوان المسلمين» على القرار السياسي في أنقرة والطموح المنفوخ لقطر من أجل لعب دور أكبر من حجمها وقدرتها على التأثير،
... لهذا كله، توجب على شعب فلسطين في غزة أن يدفع من دمائه ثمن إطلاق آلة القتل الإسرائيلية لتعمل فتكاً وتدميراً في هذا القطاع المقطوع عن أهله داخل فلسطين، كما عن أهله على امتداد الوطن العربي.
وربما لهذا كله استطاع ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز أن يتبدَّى وكأنه الأشجع في المبادرة، بغض النظر عن النصوص والمضامين ومدى التأثير على المستوى الدولي، فضلاً عن استكمالها بتحرك عربي فاعل يحمي الشعب الفلسطيني في غزة من إبادة جماعية عبر محرقة إسرائيلية مفتوحة.
واضح أن القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها نتنياهو، تحاول أن تتخلص من «كابوس غزة»، مستفيدة من الغياب العربي المفجع، وبين آخر تداعياته الحرب المفتوحة على اتساع الوطن العربي مع «الإسلام السياسي» ممثلاً بـ«الإخوان المسلمين»، و«الإسلام المقاتل» الذي لم يقاتل إلا المسلمين والممثل في «داعش» و«النصرة» وغيرهما من التنظيمات المتطرفة التي وجدت من يمولها ويسلحها ويطلقها لتخريب الأوضاع في «دول خصومه»... وهكذا شغلت سوريا عن دورها العربي، وغاب العراق في قلب أزماته السياسية والعسكرية المتلاحقة، وغرقت اليمن في دماء أبنائها، وغيبت الجزائر نفسها متخوفة أو متذرعة بتحركات «القاعدة» والتنظيمات الإسلامية المقاتلة في مالي وبعض أفريقيا السوداء إضافة إلى ليبيا والمشاركة الإخوانية في حكم تونس إلخ..
وباختصار، فإن نتنياهو، يخوض حربه ضد خصومه داخل حكومته وخارجها بدماء الشعب الفلسطيني في غزة، مستفيداً من انشغال القيادات في مختلف الدول العربية بهمومها الداخلية.
وليس سراً انه كلما طمح «زعيم إسرائيلي إلى إدامة وجوده على رأس السلطة رئيساً للحكومة شن حرباً على العرب الذين غدت «جبهاتهم» محدودة، وهي تكاد تنحصر- حتى أشعار آخر- في غزة، وقبلها وربما بعدها لبنان، ممثلاً بمقاومته التي سبق لها أن نجحت بإجلاء احتلاله، ثم بمواجهة حربه في تموز 2006.
إن رؤساء الحكومات الإسرائيلية عموماً هم أبطال الحروب على العرب، بينما قيادات الصف الأول من أهل الحكم في دنيا العرب هم أبطال الخروج من دائرة الحرب مع العدو الإسرائيلي إلى الصلح معه بشروطه.
وليس سراً أن العجز عن مقاومة إسرائيل والميل إلى الخروج من ميدان الحرب معها، بأي ثمن، قد أضعف الموقف العربي عموماً، وأخضع معظم الدول المؤهلة لمواجهة هذا العدو المعزز بالتأييد الدولي المفتوح إلى حصار مفروض على إرادتها كما على مواردها وقدرتها على تلبية احتياجات مجتمعه... لا سيما بعد إسقاط ذريعه الكلفة الباهظة للاستمرار في مواجهة إسرائيل ومن معها..
بالمقابل فقد واصلت إسرائيل بناء قواتها العسكرية، فضلاً عن تعزيز اقتصادها بالتقدم العلمي والمساعدات غير المحدودة التي تأتيها من «الحليف الأميركي» ومن «الأصدقاء رغم أنوفهم» في أوروبا، حتى صارت تتباهى بأن جيشها هو السادس في مراتب القوة بين جيوش العالم، وأن نموها الاقتصادي يحقق أرقاماً فلكية.
الخلاصة: إن إسرائيل لم تكن يوماً ولن تكون «حليفاً» لأي دولة عربية، أو لأي نظام عربي... وها أن معاهدات الصلح معها قد أضعفت الدول العربية التي عقدتها بدل أن تقويها او تعزز خططها للتنمية والتقدم بمجتمعاتها.
وللتذكير، كخاتمة، لا بد من الإشارة إلى أن مخازن الذخيرة للجيوش الأميركية قد فُتحت للجيش الإسرائيلي، وأن الخزانة الاميركية قد تكبدت مبلغ مئتين وخمسة وعشرين مليون دولار لتعويض النقص في تجهيزات «القبة الحديدية» التي تتولى صد الصواريخ الموجهة إلى الكيان الصهيوني... وهذا ما أُعلن أما المخفي فأعظم.
لا سلام مع إسرائيل، ولو بشروطها. والسلام معها يعني، آليا، اندفاع العرب إلى حروب أهلية بلا نهاية... وهو بعض ما نشهده هذه الأيام، من دون أن نستطيع توجيه أصابع الاتهام بالمسؤولية عنه إلى غزة التي كتبت وتكتب بمقاومتها صفحات مضيئة في التاريخ العربي الحديث.
أهمية ما قاله أفيغدور ليبرمان !
ان لايت برس / صالح القلاب
في ذروة عدوان إسرائيل الغاشم والغادر على غزة بادر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان ،الذي هو أكثر تطرفاً ويمينية حتى من رئيسه بنيامين نتنياهو، إلى تقديم إقتراح غير مسبوق دعا فيه إلى وضع قطاع غزة تحت إدارة وإشراف الأمم المتحدة.. وهذه مسألة يجب متابعتها وأخذها بعين الإعتبار وبخاصة من قبل القيادة الفلسطينية وعلى رأسها محمود عباس (أبو مازن) الذي يتمتع بشفافية سياسية عالية ومميزة.
يجب أن يقال لوزير خارجية إسرائيل وللحكومة الإسرائيلية التي على رأسها بنيامين نتنياهو إنَّ هذا الإقتراح المفاجئ مقبول ومرحبٌ به ولكن بشرط بسيط..!! وهو أن يشمل الضفة الغربية كلها وبدون إستثناء ولا «إنشٍ» واحد من الأراضي التي أحتلت في عدوان عام 1967 والتي أعترفت الأمم المتحدة للشعب الفلسطيني بدولة تحت الإحتلال عليها.
والمفترض أن يبادر (أبو مازن) ،حتى قبل أن يُسْتكمل وقف إطلاق النار الذي يجري الحديث عنه، إلى التوجه للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن الدولي تحديداً وإبلاغه بقبوله وقبول منظمة التحرير والسلطة الوطنية والدولة الفلسطينية تحت الإحتلال بإقتراح أفيغدور ليبرمان هذا وعلى أساس أن تتكفل المنظمة الدولية بأمن قطاع غزة والضفة الغربية من خلال قوات تابعة لها وعلى غرار ما هو متبع بالنسبة لمناطق النزاعات منذ إنشاء هذه المنظمة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.
ثم وإلى جانب القوات الدولية يجب أن تتكفل الأمم المتحدة بالإنفاق المالي على كل شيء في قطاع غزة والضفة الغربية ،التي يصر ما يسمى «اليسار الفلسطيني» على تسميتها :»الضفة الفلسطينية» وهنا فأنا أعتقد أن الأردن لا تزعجه هذه التسمية وأنه يوافق عليها ويباركها بكل حماسٍ وأريحية، من التعليم إلى الصحة إلى الطرق وشبكة المواصلات إلى رواتب الموظفين وكل الموازنات التي تتولى مسؤوليتها الآن السلطة الوطنية.
إنَّ هذا الإقتراح الذي بادر إليه وزير خارجية إسرائيل في ذروة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة يجب أنْ تأخذه القيادة الفلسطينية على محمل الجد ويجب أن تلاحقه وتبلغ الأمم المتحدة أنها لا تقبله وفقط بل ترحب به وتصـر عليه.. لكن بشرط أن يشمل كل الأراضي الفلسطينية التي احتلها الإسرائيليـون في حرب عام 1967 وفي مقدمتها القدس الشرقية التي لا يمكن التنازل عن مطلـب أن تكون عاصمة دولة فلسطين المنشـودة حتى وإن أُفْني الشعب الفلسطينـي عن «بكرة أبيه»!!.
ربما أن هذا الإقتراح المفاجئ الذي تقدم به وزير خارجية إسرائيل في ذروة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة يعني أنَّ الإسرائيليين ،الذين قرف العالم كله تصرفاتهم بما في ذلك أصدقاؤهم في الولايات المتحدة وفي دول الإتحاد الأوروبي، ما عادوا قادرين على تبعات حرب فعلية كل عامين وأنهم ما عادوا قادرين على إشغال جيشهم في مطاردة الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية.. وحقيقة وإذا كان هذا التقدير صحيحاً فإن هذا يعني أن هناك تطوراً في المفاهيم بعدما أرتطمت رؤوس قادة اليمين الإسرائيلي بجدار الحقيقة.. وهذا يجب المسارعة لإستثماره من قبل القيادة الفلسطينية ومن قبل العرب المعنيين أيضاً.
وحتى إذا كانت إسرائيل لا تطمئن لوجود قوات دولية في قطاع غزة والضفة الغربية فإن المفترض أن القيادة الفلسطينية لا تمانع في أنْ تكون أغلبية هذه القوات الدولية قوات أميركية وأوروبية وروسية وصينية فالمهم أن تخرج القوات الإسرائيلية من آخر شبر من الضفة الغربية والمهم ألاَّ تبقى الإعتداءات على غزة تتكرر في كل عامين والمهم أن يدرك الإسرائيليون أن قطاع غزة والضفة الغربية كياناً فلسطينياً واحداً وأن يدركوا أيضاً أنه لا يمكن أن يفرط الشعب الفلسطيني بذرة تراب واحدة من أرضه التي أحتلت في عام 1967 وفي مقدمتها القدس الشرقية التي ستكون حتماً عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة.
نقلا عن صحيفة "الرأي الأردنية"
غزة تنتصـر والمقاومة وحماس
ان لايت برس / ياسر الزعاترة
هي هدنة لمدة ثلاثة أيام، ولا تعني نهاية العدوان على قطاع غزة، ولكن انسحاب جيش العدو الكامل تقريبا من المناطق المحدودة التي دخلها يشير إلى نهاية حقيقية للعدوان.
بوسع نتنياهو والناطقين العسكريين والسياسيين الصهاينة أن يتحدثوا عن استكمال أهداف العملية العسكرية، لكن الحقيقة أن نهاية العدوان كانت انتصارا مؤزرا للمقاومة رغم العدد الكبير من الضحايا في أوساط المدنيين، وكذلك المقاتلين أيضا، وإن لم تتحدث عنهم حماس لأسباب أمنية ومعنوية.
لا مجال لمقارنة عاشر أقوى جيش في العالم، والأقوى في منطقة الشرق الأوسط بقوة مقاومة في قطاع لا تتجاوز مساحته 360 كيلو مترا مربعا، وهو محاصر من البر والبحر والجو، فيما المنفذ البري الوحيد له على العالم الخارجي، والذي لا يخضع لسلطات الاحتلال، يخضع لسلطة لا تقل عداءً عن سلطات الاحتلال.
لكن إرادة الإيمان والصمود والبطولة كانت حاضرة بقوة، وهي التي كسرت ميزان القوى، وجعلت قادة الاحتلال في ورطة حقيقية، وها إنهم ينسحبون ليلا بينما قذائف المقاومة تطاردهم كما اعترف بذلك جيش الاحتلال، بحسب ما نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
خرجت غزة وحماس والمقاومة من المواجهة ويدها هي العليا، بينما يبحث الطرف الصهيوني عن مبررات للانسحاب عبر القول إنهم حققوا الأهداف المرجوة، وللعلم فحكاية الأنفاق التي يضعونها في صلب الموقف لم تكن ضمن الأهداف في البداية، بل كانت الصواريخ هي الهدف، وحين عجزوا عن الوصول إلى منصات إطلاقها، وتقدموا لضربها، فاجأتهم أنفاق الموت التي كبدتهم أفدح الخسائر وزرعت الموت في طريقهم؛ من أمامهم ومن خلفهم، فصارت هي الهدف الجديد.
اليوم يخرجون وسط “بروباغندا” تقول إنهم دمروا 31 نفقا، لكنهم ليسوا متأكدين أنها جميع الأنفاق كما اعترفوا. والحال أنهم خرجوا لأنهم لم يعودوا قادرين على التوغل أكثر من ذلك خشية المزيد من الخسائر بعدما اعترفوا بقتل 64 جنديا (تقول المقاومة إن الرقم هو الضعف).
تراجع مصر عن الشروط الأصلية التي تنص على قبول حماس بالمبادرة، وهو تراجع لم يكن ليتم لولا وجود ضوء أخضر من نتنياهو، وهذه الهدنة الأخيرة -أيضا- هي جزء من ترتيب الأجواء لهدنة شاملة تنهي الحرب، طبعا بعد أن وصل العدوان نهايته وعجز الصهاينة عن تحقيق شيء يذكر من دون خسائر باهظة لا يتحملها المجتمع الصهيوني.
من الصعب الحديث الآن عن صيغة الاتفاق النهائي الذي سيتم التوصل إليه، لكن ما نحن متأكدون منه هو أن المقاومة لن تساوم على سلاحها بأي حال من الأحوال، والأوهام التي تلبست البعض حول هذا الأمر ستنتهي إلى لا شي، أما الشروط الأخرى، فقد يتحقق بعضها وقد لا يتحقق البعض الآخر، لكن المؤكد أن التراجع كان من نصيب العدو وحلفائه.
هي ملحمة عز وبطولة وكرامة سطرها الرجال وشعبهم الذي احتضنهم وتحمّل التضحيات معهم. صحيح أن هناك الكثير من الضحايا، لكن الشهداء من المقاتلين لم يكونوا قلة أيضا، وقد التحم الجميع في صناعة هذه الملحمة التي أعادت فلسطين إلى صدارة المشهد الدولي، وأعادت للمقاومة بهاءها، ولغزة وفلسطين روعتها، وللأمة كرامتها وثقتها بنفسها.
لا حدود لروعة هذه المعركة، ولا حدود لانكسار العدو فيها، إذ كانت خسارته واضحة على الصعيد العسكري، وعلى الصعيد الإعلامي إذْ أصبح كيانا وحشيا قاتلا في نظر العالم أجمع، وإذا كان من مكسب يمكن أن يسجله لنفسه، فهو هذه الحالة العربية البائسة، والتي يعوِّل عليها في المستقبل، لكن تعويله -أيضا- سينتهي إلى لا شيء لأن الأمة لن تسكت عن بيع قضيتها في سوق النخاسة السياسية بأي حال.
مصر .. و«سورنة» غزة!
امد / وحيد عبدالمجيد
لم ينته خطر الجنون الصهيونى الذى تابعنا ممارساته خلال العدوان على غزة لقد فقدت الفاشية الصهيونية ما كان لها من عقل وبات علينا ألا نستبعد اقدامها على أعمال أكثر جنونا تهدد مصر وأمنها اذا لم يتم التوصل لاتفاق هدنة طويلة
ومن ذلك مثلا محاولة تحويل غزة الى ساحة صراعات مسلحة عبر استغلال التناقضات الكامنة بين «حماس» وقوى «سلفية جهادية» متطرفة يسعى كل منها لاقامة «امارة» فى احدى مدن القطاع او بلداته وينبغى أن نقرأ النصيحة التى وجهها المدير السابق للاستخبارات العسكرية عاموس مادلين لحكومته الفاشية فى هذا السياق، وهى أن (تحويل قطاع غزة إلى منطقة بلا حكومة سيكون خطأً استراتيجيا كبيرا).
وليس هناك أيضاً ما يدفع إلى استبعاد أن تكون نصيحة مادلين هذه مرتبطة بقراءته لاتجاه يبدو أنه يتنامى فى أوساط القوى المهيمنة على السلطة فى إسرائيل ويرمى إلى تغيير ميزان القوى الداخلى فى غزة لتصعيد الصراع على النفوذ فيها.
فقد أدت سيطرة «حماس» على القطاع إلى قمع أى صوت آخر إذا ارتفع مثلما حدث مع جماعة «جند أنصار الله» عندما أعلنت قيام إمارة إسلامية فى رفح فى أغسطس 2009.
ولذلك فالسيناريو الأرجح لما سيكون عليه الوضع فى القطاع إذا تصاعد الصراع داخله و ضعفت «حماس», ولم تستطع السلطة الفلسطينية السيطرة عليه, هو تحوله إلى ساحة صراع مسلح مفتوح.
وعندئذ سيكون الوضع أقرب ما يكون إلى المشهد السورى الراهن الذى لا يمثل إزعاجاً لإسرائيل رغم أنه على حدودها، لأن كل أطرافه منشغلون عنها بقتل بعضهم البعض وربما يشجع ذلك اسرائيل على التطلع لإعادة انتاج مثل هذا السيناريو الذى يمكن أن نسميه «سورنة» غزة, لتحويلها إلى ساحة حروب مفتوحة بين من توحدوا فى مواجهة عدوانها. وربما تأمل ليس فقط فى أن يقتل بعضهم بعضاً بلا هوادة على نحو ما يفعلون فى سوريا الآن ولأن هذا السيناريو شديد الخطر على مصر, فعلى صانعى سياستها الخارجية أن تكون لديهم نظرة أبعد وأن يتحرروا من القالب الضيق الذى حشر نظاما مبارك ومرسى هذه السياسة فيه.
عن الاهرام
العدوان على غزة وحساب الأرباح والخسائر
الكرامة / يوسف مكي
العدو لم يتمكن من إلحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها، وقد أراد أن يبرز نفسه في صورة الضحية بدلا من الجلاد، فإذا به يظهر على حقيقته أمام العالم أجمع، كغول متوحش خال من الوجدان والضمير
بخلاف ما يروج له الكيان الصهيوني الغاصب، من أن العدوان على غزة شن بهدف الانتقام للمستوطنين الإسرائيليين الثلاثة، الذين جرى خطفهم في الضفة الغربية، تكشف مؤخرا، أن من أقدم على عملية الاختطاف وإطلاق الرصاص على المستوطنين الثلاثة لم يكن فلسطينيا، وليس للمقاومة الفلسطينية أية علاقة بذلك.
ولأهمية هذا الموضوع، نورد بعضا مما ذكرته القناة الألمانية الثانية "ذي. دي. إف" في يوم الاثنين الموافق 21/7 ببرنامج أوسلاندر جورنال "المجلة الدولية"، حول قصة اختطاف المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة. لقد أعد الحلقة المذكورة الصحفي البارز كريستيان سيجرس. ولأجل التحقق من ادعاء الحكومة الإسرائيلية، سافر معد الحلقة إلى الأراضي المحتلة، وتتبع خيوط الحدث وملابساته، وعاد بتقرير موثق أثبت فيه أن الجريمة لم تكن سياسية، وقد ارتكبت الجريمة لأسباب مادية بحتة، وأن من أقدم عليها ليس من الفلسطينيين، ولكنه مستوطن آخر. ولكن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، شين بيت الذي علم بأمرها من جهاز الشرطة، تحفظ على كل ما له علاقة بالحادثة، وكان من بين تلك متعلقاتها، تسجيل لاتصال هاتفي أجراه أحد الشبان المختطفين مع الشرطة، وهو لم يسجل المكالمة فحسب، بل سجل أيضا صوت إطلاق الرصاص من جانب المختطف على ضحاياه.
ذكر التقرير أن جهاز الشين بيت فرض حظرا تاما على كل المعلومات المتعلقة بهذه الحادثة. ومنع الشرطة من الإدلاء بأي تصريحات بخصوصها. ثم سلم الملف لجيش الاحتلال، بهدف استثمار الحدث في ضرب التوافق الفلسطيني الذي أدى إلى الإعلان عن قيام حكومة وحدة فلسطينية، بين الضفة والقطاع، ومن خلال خطط أعدت سابقا وتنتظر التنفيذ. توصل الصحفي الألماني الذي حقق في الأمر، إلى أن الحكومة الإسرائيلية متهمة بشكل واضح بالتلاعب بالأدلة، وبالتآمر على المدنيين الفلسطينيين.
وقد نشر هذا الخبر في صحيفة التحرير المصرية، يوم الجمعة في 25 يوليو، ولفتت الصحيفة المصرية إلى أن الخاطف قتل المستوطنين الثلاثة بعد يوم من اختطافهم وحرق السيارة التي وجدت جثثهم بداخلها..
هذه الصورة الكاريكاتورية ليست غريبة على الكيان الصهيوني، فقد برع الصهاينة، وحتى قبل تأسيس كيانهم الغاصب، في الكذب وتزييف الحقائق. ليس ذلك فحسب، فالعقيدة الصهيونية استندت في جذورها على الخرافة والعنصرية والكذب، بل يمكن القول إن هذه الصفات هي جزء من مكونات المشروع الصهيوني، ومن لديه شك في ذلك، فليس عليه سوى قراءة عناصر هذا المشروع، وأين هو موقع الحق التاريخي، ونظرية الاصطفاء، وأسطورة أرض الميعاد إن لم يكن عالم الأوهام والخرافة، ولم يجانب المفكر الفرنسي الراحل روجيه غارودي الصواب، حين كتب عن الأساطير المضللة.
لا يحتاج الكيان الصهيوني لأسباب حقيقية، كي يشن اعتداءاته على العرب. فنوايا العدوان دائما مبيتة، والهدف هو باستمرار الحيلولة دون تنامي أي قوة أو مقاومة عربية، أو فلسطينية، يمكن أن تكون قادرة على التصدي لنهجه العنصري التوسعي.
في حرب يونيو عام 1967، هدد رئيس الحكومة الإسرائيلية ليفي أشكول باحتلال دمشق، ما لم تتوقف عمليات حركة فتح، عبر الأراضي السورية. ولم تكن لفتح، حتى تلك اللحظة عمليات عسكرية حقيقية، تلحق الخطر بالكيان الغاصب. وشنت الحرب بعد إغلاق القيادة المصرية مضائق تيران، في وقت كانت الحركة الدبلوماسية مستعرة بين الأقطاب الدولية، وفي حينه تسلمت مصر ضمانات دولية بأن الكيان الغاصب لن يكون البادئ بالحرب.
في غزو بيروت، قامت جماعة منشقة عن حركة فتح، تدعى مجموعة أبو نضال، باغتيال دبلوماسي إسرائيلي في لندن. وبسرعة اتهمت حكومة بيجن منظمة التحرير الفلسطينية، والرئيس عرفات بالذات، بالتخطيط لعملية الاغتيال، التي لم يكن لعرفات ولا المنظمة يد فيها. وقد أعلنت حكومة بيجن في حينه، أن غزو بيروت هو انتقام لحادثة الاغتيال.
لا يتورع الصهاينة عن شن حروب إبادة بحق المدنيين العزل، وتسوية أحياء كاملة بالأرض، وقصف المنازل على ساكنيها، بشكل همجي ووحشي. ليتأكد مجددا أن المشروع الصهيوني، في منطلقاته وسلوكه، وكل ممارساته، هو مشروع عدواني، وغير أخلاقي، وأنه لا يتورع مطلقا عن الكذب والتزوير، متى ما رأى أن ذلك يخدم أهدافه في التوسع والعدوان.
شن الكيان الغاصب عدوانه على قطاع غزة، وتسبب في مصرع أكثر من ألف وسبعمئة شهيد من أهلنا، وما يقرب من تسعة آلاف جريح، عدا الأجساد الغضة الموجودة تحت أنقاض المنازل المدمرة، والذين لم يجر انتشالها بعد. لكن حساب الأرباح والخسائر، يؤكد أن العدو هزم سياسيا وأخلاقيا، وكسبنا نحن في الأخلاق والسياسة، وأنه لم يتمكن من تحقيق أهدافه من العدوان.
فالعدو لم يتمكن من إلحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها، وقد أراد أن يبرز نفسه في صورة الضحية بدلا من الجلاد، فإذا به يظهر على حقيقته أمام العالم أجمع، كغول متوحش خال من الوجدان والضمير. يؤكد ذلك أن قتلاه في هذا العدوان هم من العسكريين، وغالبية شهدائنا هم من المدنيين، من ضمنهم أكثر من أربعمائة طفل. وكانت ردة فعل الشعوب في العالم، ولا تستثنى من ذلك أوروبا الغربية، التي اعتادت على مناصرة العدو، هي استنكار جرائم الإبادة، وإدانة المعتدي. وكان موقف بعض دول أميركا اللاتينية هو الأبرز في مناهضة العدوان.
أما الوحدة الفلسطينية، وحدة الضفة والقطاع، التي استهدفها العدو، فهي الآن أكثر قوة ومتانة، ومصر العربية عادت لتمارس دورها بقوة في نصرة الحق العربي، ولتكون متراسا صلبا في حماية الشعب الفلسطيني، وصيانة حقه في الاستقلال وتقرير المصير. والقضية الفلسطينية، التي تراجعت للخلف بعد أحداث الربيع العربي، أكدت مجددا حضورها بقوة في الوجدان والضمير العربي.
خسرنا كثيرا من الأرواح والممتلكات، وكسبنا كرامتنا وقدرتنا على المقاومة. وقد أكد تاريخ صراعنا مع العدو مرارا وتكرارا، قدرتنا على الخروج من بين الركام، وستكون الأيام القادمة بعون الله، مرحلة تعمير وبناء، ورسم للبسمة على شفاه الجرحى والثكالى وأطفال فلسطين، وما ذلك على الله ببعيد.
فلسطين بين قضايا الجيل الجديد
الكرامة / علي سعد الموسى
وفي مقابل هذا الخوف المتوالد من ولادة جيل العنف والتطرف، يبدو الخوف المناقض من تنامي جيل جديد آخر لم يعد لديه الإيمان ولا الحماس أو الدافع الأيديولوجي للتعاطف مع قضايا أمته وعالمه الأساسية. تأملوا استنتاجات هذه القصة القصيرة: في إحدى مكتبات جدة بالأمس، تعرفت على شابين في نهايات العقد الثالث من العمر ومباشرة يفتحان معي قضايا وأسئلة حياتهما اليومية وهما يفتحان الأقواس وعلامات الاستفهام ويريدان طرحها إلى كاتب.
أسئلة مثل مستقبل الوظيفة وجودة التعليم وكفاءة الخدمات العامة، هما مهندس كيميائي، والآخر معلم مدرسة ثانوية، وفوراً فتحت معهما أجواء فلسطين وموقفهما مما يحدث في غزة، باعتبار القضية هي الحدث والحديث الإخباري السائد.
يجيبني المعلم ضاحكاً: الراتب لا يكفي الحاجة يا دكتور، جواب المهندس الأنيق اللامع كان لافتاً للانتباه ومثيرا للدهشة، وهنا سأحاول ربط جمله الطلابية المتناثرة التي كنت أكتب بعضها (رؤوساً) على ورقة صغيرة.
(أنا لن أعيش حياتي لقضية كانت هي قضية جدي رحمه الله ومن أجلها سمى والدي (جمال) عندما كان الاسم أيقونة للقضية العربية، لدينا من قضايانا اليومية ما يشغلنا عن قضية قومية تراكمت عليها أخطاء الساسة والسياسة) ولولا أن العنوان سيلصق بي شخصيا ككاتب لوضعته جملة هذا المهندس الشاب الصارخة وهو يقول بين من يقول: (فلسطين لا تمثلني).
مساء الأمس أيضاً قابلت الصديق الدكتور عبدالكريم العيدان، أستاذ علم الاجتماع وتحدثت معه عن دهشتي بهذه المحادثة، لم يكن متفاجئاً، بل فوق هذا ظل عليها يتذكر بحثاً استطلاعياً في العام الماضي لم يضع فيه أفراد العينة قضية فلسطين ضمن اهتمامات وأولويات القضايا العشر الأول، وهو كأستاذ لعلم الاجتماع لا يستغرب مثل هذه النتائج لأن المجتمعات وبتعليله تتناسى القضايا الحزينة وتستسلم للأدبيات التي تكثف الخيال حول المتاجرة بالقضية. يؤكد الدكتور أن العالم العربي سيصاب بالدهشة لو أجرى استطلاعا على موضوعي من ترتيب (فلسطين) بين قضايا الشباب، الأمر كوارثي ويحتاج إلى دراسة جادة وعميقة.
يا قتلة الأطفال… إنهم عائدون
الكرامة / محمد كريشان
هل يمكن أن ينجو قتلة الأطفال من الكابوس المرعب الذي سيظل يلاحقهم و يقض مضاجعهم لسنوات طويلة فضلا عن جرهم يوما إلى محاكمات دولية؟!!
ليس المقصود هنا بكابوس الضمير الإنساني فقد اتضح الآن جليا أن هؤلاء الجنود الإسرائيليين، كما قيادتهم السياسية والعسكرية، منعدمو الضمير تماما بدليل افتخار بعضهم علنا بقتل عديد الاطفال و بدليل قدوم بعضهم من حمَـلة الجنسية المزدوجة من بقاع مختلفة من العالم لممارسة هذه «الهواية». ليس المقصود كذلك ضمير المجتمع الذي يساندهم في غالبيته الساحقة ووقف البعض منه على ربوة يتابع قصف غزة منتشيا، ورقص بعضه الآخر في الشوارع. لم يتحرك أي منهم ليقول لحكومته «لا» مع أنهم «طليعة العالم الحر في وجه التطرف» على رأي وزير الخارجية ليبرمان ومع أنهم «واحة للديمقراطية في وسط محيط من الاستبداد والتخلف» كما يحلو لهم دائما الزعم.
المقصود هنا تحديدا الكابوس الذي سيسببه هؤلاء الأطفال عندما يكبرون، ومعهم تكون كبرت ذكريات ما حصل هذه الأسابيع في غزة، معطوفا عليه مرارات الحصار وكل ما حكاه الأباء والأجداد. لقد أسقط الإسرائيليون بنيران مدفعياتهم وقنابل طائراتهم ما قاله رئيس وزرائهم الأول ديفيد بن غريون من أن «الآباء يموتون والأطفال ينسون». تكفل الإسرائيليون بــ«صيانة» ذاكرة الفلسطينيين عبر التجديد الدائم للعدوان عليهم. لن يحق لهم بعد اليوم خاصة التذمر من مناهج التعليم الفلسطينية التي لم تتغير. إنهم يتجاهلون أن ما يفعلونه هم بأيديهم هو الذي يظهر حقيقتهم عارية أمام أطفال فلسطين و ليس بضعة أوراق في كتب التاريخ.
بالكاد تميزها وسط كلام عدواني متغطرس، يرمي المسؤولون الإسرائليون عبارات «الأسف» عن سقوط ضحايا مدنيين في غزة لكنه أسف كاذب ومنافق بل هو أقرب للتضليل وتنميق الكلام منه لأي شيء آخر. في بداية العدوان الأخير على غزة تحدث الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس باستحياء عن أن سقوط هذا العدد من القتلى المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ «يطرح إشكالا أخلاقيا عند الإسرائليين» لكنه سرعان ما بلع لسانه هو والأغلبية الساحقة من قومه.
إلقاء إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، وبعض الصهاينة العرب، باللائمة على الضحية لأنها برأيهم هي السبب فيما أصابها ليس جديدا فقد سبق لرئيسة الوزراء الإسرائيلية الراحلة غولدا مائير أن قالت ذات مرة إنها لن تغفر أبدا للفلسطينيين أنهم أرغموا الإسرائيليين على التصرف معهم على نحو بشع!! خرجت المظاهرات في كل أنحاء العالم لأن الإنسانية في النهاية هي ما يجمعنا إلا في بلدان قليلة من بينها إسرائيل نفسها التي قال فيها قبل عام بالضبط نائب وزير الأديان ( هكذا!!) ايلي بن دهان وهو من حزب «البيت اليهودي» عن الفلسطينيين « بنظري هم حيوانات وليسوا آدميين. الشعب الفلسطيني لم يترب على السلام ولا يريد السلام. ماذا يعلمونهم في الحضانات ؟ نحن نأخذ الأطفال إلى منتديات الرياضة. وهم ماذا يفعلون في مخيمات الاطفال ؟ أسلحة ويمثلون الحروب؟».
أطفال غزة الذين كان ثلث شهداء القطاع في هذا العدوان منهم والذين يحتاج 360 ألفا منهم لرعاية نفسية، حسب أرقام «اليونيسيف»، هؤلاء الذين شاهدوا أقرانهم تهدم بيوتهم على رؤوس أهلهم وخسروا إخوة وأمهات وآباء وأجدادا وأقرباء وجيرانا… هؤلاء ومعهم إخوانهم في الضفة الغربية والشتات هم من سيقرر في النهاية كيف ستكون حياة الاسرائيليين في المستقبل، بل وقد يقررون مآل دولتهم مرة واحدة. في إحدى جلسات التفاوض الفلسطينية الاسرائيلية الأمريكية المريرة طرحت مسألة صعبة القبول على الرئيس الراحل ياسر عرفات فما كان منه سوى أن أجاب بأنه سيعود للجنرال فارس عودة قبل أن يعطيهم جوابه النهائي. إحتار الحضور لأنه لم يسبق لأي منهم أن سمع بهذ الإسم من قبل. فارس عودة هذا لم يكن سوى ذلك الطفل الفلسطيني ذي السبع أو الثماني سنوات الذي جابت صورته العالم بأسره في الانتفاضة الاولى عام 1987 وهو يقف أمام الدبابة الاسرائيلية ويرميها بحجر. الشاهد هنا أن عرفات أراد أن يقول لهم بأن من يقرر المستقبل هو أصغر طفل في شعبه وليست القيادة السياسية.
فارس عودة هذا هدمت إسرائيل بيته في عدوان غزة الحالي وكأنها تمنعه من النسيان إن كان نسي أصلا ما تعرض له أقرانه وقتها . «أطفال الحجارة» هم الذين صاروا اليوم رجال الأنفاق والصواريخ. أما أطفال مجازر رفح والشجاعية ومدارس الأونروا فهم الذين يتعين على إسرائيل مواجهتهم في المستقبل. مع هؤلاء لن يهنأ لها حياة وسترى معهم ومنهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. على أنفسهم جنى الإسرائيليون.
اقتراح وجيه لكنه ناقص!
امد / صالح القلاب
في ذروة عدوان إسرائيل الغاشم والغادر على غزة بادر وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الأكثر تطرفاً ويمينية حتى من رئيسه بنيامين نتنياهو، إلى تقديم اقتراح غير مسبوق دعا فيه إلى وضع قطاع غزة تحت إدارة وإشراف الأمم المتحدة، وهذه مسألة يجب متابعتها وأخذها بعين الاعتبار، خاصة من قبل القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها محمود عباس (أبو مازن) الذي يتمتع بشفافية سياسية عالية ومميزة.
يجب أن يقال لوزير خارجية إسرائيل وللحكومة الإسرائيلية، التي على رأسها بنيامين نتنياهو، إن هذا الاقتراح المفاجئ مقبول ومرحبٌ به، لكن بشرط بسيط...! وهو أن يشمل الضفة الغربية كلها وبدون استثناء ولا "إنش" واحد من الأراضي التي احتلت في عدوان عام 1967، والتي اعترفت الأمم المتحدة للشعب الفلسطيني بدولة تحت الاحتلال عليها.
والمفترض أن يبادر (أبو مازن)، حتى قبل أن يُستكمل وقف إطلاق النار، الذي يجري الحديث عنه، إلى التوجه للأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن الدولي تحديداً، وإبلاغه بقبوله وقبول منظمة التحرير والسلطة الوطنية والدولة الفلسطينية تحت الاحتلال باقتراح أفيغدور ليبرمان هذا، على أساس أن تتكفل المنظمة الدولية بأمن قطاع غزة والضفة الغربية من خلال قوات تابعة لها، على غرار ما هو متبع بالنسبة لمناطق النزاعات منذ إنشاء هذه المنظمة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.
ثم وإلى جانب القوات الدولية يجب أن تتكفل الأمم المتحدة بالإنفاق المالي على كل شيء في قطاع غزة والضفة الغربية، التي يصر ما يسمى "اليسار الفلسطيني" على تسميتها: "الضفة الفلسطينية"، وهنا فأنا أعتقد أن الأردن لا تزعجه هذه التسمية، وأنه يوافق عليها ويباركها بكل حماسٍ وأريحية، من التعليم إلى الصحة إلى الطرق وشبكة المواصلات إلى رواتب الموظفين، وكل الموازنات التي تتولى مسؤوليتها الآن السلطة الوطنية.
إن هذا الاقتراح، الذي بادر إليه وزير خارجية إسرائيل في ذروة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، يجب أن تأخذه القيادة الفلسطينية على محمل الجد، ويجب أن تلاحقه وتبلغ الأمم المتحدة أنها لا تقبله فقط بل ترحب به وتصر عليه... لكن بشرط أن يشمل كل الأراضي الفلسطينية التي احتلها الإسرائيليون في حرب عام 1967، وفي مقدمتها القدس الشرقية، التي لا يمكن التنازل عن مطلب أن تكون عاصمة دولة فلسطين المنشودة، حتى وإن أُفْني الشعب الفلسطيني عن "بكرة أبيه"!
ربما هذا الاقتراح المفاجئ، الذي تقدم به وزير خارجية إسرائيل في ذروة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، يعني أن الإسرائيليين، الذين قرف العالم كله تصرفاتهم، بما في ذلك أصدقاؤهم في الولايات المتحدة وفي دول الاتحاد الأوروبي، ما عادوا قادرين على تبعات حرب فعلية كل عامين، وأنهم ما عادوا قادرين على إشغال جيشهم بمطاردة الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية... وحقيقة، وإذا كان هذا التقدير صحيحاً، فإن هذا يعني أن هناك تطوراً في المفاهيم، بعدما ارتطمت رؤوس قادة اليمين الإسرائيلي بجدار الحقيقة... وهذا يجب المسارعة إلى استثماره من قبل القيادة الفلسطينية ومن قبل العرب المعنيين أيضاً.
وحتى إذا كانت إسرائيل لا تطمئن لوجود قوات دولية في قطاع غزة والضفة الغربية فإن المفترض أن القيادة الفلسطينية لا تمانع في أن تكون أغلبية هذه القوات الدولية أميركية وأوروبية وروسية وصينية، فالمهم أن تخرج القوات الإسرائيلية من آخر شبر من الضفة الغربية، وألا تبقى الاعتداءات على غزة تتكرر في كل عامين، وأن يدرك الإسرائيليون أن قطاع غزة والضفة الغربية كيان فلسطيني واحد، وأن يدركوا أيضاً أنه لا يمكن أن يفرط الشعب الفلسطيني في ذرة تراب واحدة من أرضه التي احتلت عام 1967، وفي مقدمتها القدس الشرقية التي ستكون حتماً عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة.
عن الجريدة الكويتية
فريق الرئيس... بين أميركا وإسرائيل
امد / السيد أمين شلبي
عند انتخاب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وحتى خلال حملته الانتخابية، كان الكتّاب والمحللون يطالبونه بأن يعلن عن فريقه الرئاسي وكانوا يعللون ذلك بأن الشخصيات التي ستلازمه هي التي ستقدم له المشورة وتساهم في تشكيل قراراته ومواقفه، بل إن مجرد اختياراته لهذه الشخصيات ينبئ عن توجهاته وفكره. واستندت المطالبة بمعرفة فريق الرئيس إلى أن التجارب الدولية أثبتت مدى تأثير هذا الفريق داخل القصر الرئاسي في قرارات كبرى. وصدر أخيراً في الولايات المتحدة كتابان يناقشان هذه القضية ويقدمان مجموعات من الشخصيات التي اعتمد عليها رؤساء أميركيون وكيف أثَّروا في سياساتهم وقراراتهم.
يركز الكتاب الأول على اثنين من هذه الشخصيات وهما الأخوان دالاس، جون فوستر وآلان، والأخوان باندي، ماك جورج ووليم. فجون وآلان دالاس عملا مع الرئيس ايزنهاور، والأخوان باندي مع جون كينيدي وليندون جونسون. وفي تلخيص تأثير هذه الشخصيات في الرؤساء والأحداث الكبرى، يستخلص الكتاب أن الأخوين دالاس وباندي رأيا العالم من خلال رؤية أيديولوجية اعتبرت أن حلفاء الاتحاد السوفياتي أكثر تحالفاً معه مما كانوا في الحقيقة، كما قدمت المكاسب السوفياتية على أنها أكثر إخافة مما الحقيقة، مع التشديد على ضرورة العمليات العسكرية الأميركية والعمليات السرية بأكثر مما يجب.
وفي أساليب هذا الفريق في التأثير، كان أفراده بمجرد النظرة والإيماءة وكلمات قليلة، وبلا استشارة أحد، بخلاف الرئيس، في استطاعتهم تعبئة كل قوى الولايات المتحدة في أي مكان في العالم، وعندما كان سفراء أو شخصيات أخرى يعوقون مشروعاتهم، كان الأخوان دالاس بخاصة يرتبان لإزاحتهم. وكان ايزنهاور خصوصاً مصمماً على تفادي الحروب الساخنة مع الاتحاد السوفياتي، وفي هذا اعتمد على الأخوين دالاس لتنفيذ عمليات سرية كبديل للعمل العسكري، وربما نجح بعض هذه العمليات كإزاحة مصدق في إيران عام 1953 وارينز في غواتيمالا عام 1954 في المدى القصير ولكنه أضر بالسياسة الخارجية الأميركية على المدى البعيد.
ويلقي الكتاب على الأخوين باندي مسؤولية الهزيمة في فيتنام. فعلى رغم أن الاثنين كان لهما بعض المخاوف حول الحرب، فإنهما قررا أن يستمرا في دعمها. كذلك فشل الأخوان باندي في أن يدركا أن فيتنام الشيوعية ستكون أقل خضوعاً للصين الشيوعية، ولو أدركا هذه اللعبة الجيوبوليتيكية فإن أرواحاً وأموالاً كثيرة كانت ستُنقذ، وكانت فيتنام ستبدو أكثر شبهاً بفيتنام اليوم.
ومصرياً، كانت رؤية وأيديولوجية الرئيس خلال عهود ناصر والسادات ومبارك حاسمة في تحديد توجهات السياسة الخارجية المصرية، وقد اختلفوا في اعتمادهم المؤسسي على المستشارين، فاعتمد عبدالناصر على مساعدين بخاصة في الشؤون الأفريقية والعربية (منهم محمد فائق وفتحي الديب)، لكنهم كانوا أقرب إلى التنفيذيين لسياساته. ولئن كانت استجابته للأحداث تعتمد على «المعلومات» التي يتلقاها من «الأجهزة»، فهو كان في النهاية صاحب التقدير والقرار.
واتجه أنور السادات إلى استحداث منصب مستشار للأمن القومي بخاصة في الفترة الحرجة للإعداد لحرب 1973 (حافظ إسماعيل)، وانتهى هذا المنصب مع نهاية الحرب. أما حسني مبارك، وبخلاف أسامة الباز الذي اعتزل في الفترة الأخيرة، فكان أميل إلى الاستماع غير المنتظم الى مجموعات من الخبراء، وكان اعتماده أساساً على رئيس الاستخبارات العامة. ومع نهاية عهده تزايدت الدعوات الى إنشاء مجلس للأمن القومي، وهو ما أخذ به دستورا 2012- 2014. ويبقى أن نرى فعالية مثل هذا المجلس وأن يتضمن تشكيله، إلى جانب الوزراء المعنيين، مجموعة من الخبراء الدائمين المهنيين، ومدى مساهمته في رصد وتتبع الأحداث والتطورات والأزمات الإقليمية والدولية وتقديم الأفكار والتوصيات والمبادرات للتعامل المبكر معها.
* المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية
عن الحياة اللندنية