1 مرفق
اقلام واراء عربي 04-11-2015
في هــــــذا الملف:
إنجازات انتفاضية
بقلم: احمد جميل عزم عن الغد الأردنية
أهي انتفاضة عبثية؟
بقلم: حلمي الأسمر عن الدستور الاردنية
استمرار الهبة الفلسطينية
بقلم: أحمد مصطفى علي عن الخليج الإماراتية
الأقصى و«كشوف المصلين»
بقلم: محمد خالد الأزعر عن البيان الإماراتية
فلسطين.. الاسم الباقي
بقلم: علا عباس عن العربي الجديد
الهبّة الفلسطينية تفجّر الخلافات بين قادة الاحتلال
بقلم: حلمي موسى عن السفير البيروتية
هذا هو طريق التحرير
بقلم: صالح عوض عن الشروق الجزائرية
«سيف» نتنياهو!
بقلم: منار الشوربجي عن المصري اليوم
أكاديميون بريطانيون يقاطعون الكيان وعرب يطبعون..!
بقلم: كاظم الموسوي عن الوطن العمانية
لسنا بحاجة لإحباط جديد!!
بقلم: صابر عارف عن رأي اليوم
إنجازات انتفاضية
بقلم: احمد جميل عزم عن الغد الأردنية
حققت الانتفاضة الفلسطينية -بغضّ النظر عن تسميتها- التي بدأت مطلع الشهر الماضي، عددا من الإنجازات المهمة التي يمكن المراكمة عليها. ويمكن القول إنّ هذه الانتفاضة، بغض النظر عن مآلاتها، ستفرض منطقاً وواقعاً جديدين للتفكير والأمور، وهذا رغم الافتقار لأهداف آنيّة مباشرة واضحة، أو رغم معضلات القيادة والإسناد الميدانيين لها.
أحد الإنجازات التي حققتها الانتفاضة، أنها ضربت سيناريو التغول الاستيطاني، الذي كان يريد تعدي القدرة على بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي، إلى الوصول إلى مرحلة قيام المستوطنين بعمليات تطهير عرقي صريح، من نوع الهجوم على القرى الفلسطينية وطرد الفلسطينيين، وحرقهم، وحرق أشجارهم من دون أن يمسهم أحد، أو يتصدى لهم أحد. وكان أحد أهم أسس مواجهة هذا المخطط، هو أهالي القرى الذين شكلوا لجان حراسة. وعدا عن معنى هذه اللجان والجهود على نطاق بناء الفعل الفلسطيني الشعبي، فإنّها كانت مؤشرا على التسليم بأنّ السلطة الفلسطينية، وأجهزتها، والعمليات الدبلوماسية والتنسيق الأمني، لم تعد ضمن حسابات الأهالي في تأمين الحماية لأنفسهم؛ بل وحتى الفصائل فإنّ تفعيل عناصرها لدورهم في الدفاع عن القرى أصبح يتقرر من واقع ميداني مواقعي (يرتبط بكل موقع على حدة). من دون أن يعني هذا أن المستوطنين سينكفئون كلياً، أو أنّهم توقفوا في كل المناطق، ولكن تقلصت مخططاتهم عندما ووجهوا بحسابات جديدة.
لعل الإنجاز الثاني الذي حققته الانتفاضة، هو الإنجاز الأهم، ويتمثل في فشل استراتيجية تحويل الصراع (Conflict Transformation). ولو عدنا إلى حديث مسؤولين أميركيين، ومنهم جون كيري، لوجدناه يستخدم هذه المصطلحات، (Transformative). وعلى سبيل المثال، استخدمها كيري وهو يتحدث عن دور رجال الأعمال، ومبادراته الاقتصادية والاستثمارية. والمقصود بعملية التحويل: إحداث تحول عقلي وفكري واجتماعي، ينشئ بنية جديدة لدى الفلسطينيين، ويجعل فكرة المقاومة غير مطروحة، ويوجد "مناخا" جديدا. وعملية التحويل منها ما هو مقصود، ومنها ما هو نتيجة غير مخططة؛ فمثلا تقسيم مناطق الضفة الغربية إلى (أ) و(ب) و(ج)، وجعل المناطق ذات الكثافة السكانية تحت سيطرة قوات الأمن الفلسطينية، وبعيدا عن إمكانية المواجهة المستمرة للجنود الإسرائيليين، حولا كثافة الفعل المقاوم، وجعلا الانتفاض صعبا. لكن ما اتضح حاليا هو تحول المواجهات إلى القدس ونقاط التماس. كذلك، فإن الارتباط برواتب شهرية من السلطة الفلسطينية، والغرق في دوّامات الديون البنكية، وقطاع المنظمات غير الحكومية الذي تحول إلى قطاع عمل يعتمد على تمويل أجنبي مشروط، كل ذلك كان من شأنه تفريغ الشارع وميدان المقاومة من كوادره، لكن اتضح الآن أن كل ذلك لم يحُل دون ظهور جيل جديد، حرّك من خلفه أجيالا أكبر سناً، وأثبت تفوق الواقع الموضوعي للاحتلال الذي يفجر الثورات، أكثر من تكتيكات إدارة احتواء الصراع.
ويرتبط بالإنجاز الثاني بعث وتأجيج الروح النضالية والتمكين للكوادر المقاومة؛ أي إنّ هناك جيلا جديدا، ومناضلين، يستطيعون الآن تجديد روح المقاومة.
والإنجاز الرابع، أنّه اتضح أنّ الانقسام بين الفصائل وحالة الشلل السياسية يمكن تجاوزهما، وعدم التوقف عندهما، وإعادة البوصلة من قبل جيل جديد، نحو العدو الحقيقي، المتمثل في الاحتلال. وهذا سيؤدي إلى وضع القوى السياسية المنقسمة أمام مسؤولية التوحد، وتطوير برنامج عمل مقاوم حقيقي وشامل، بعيدا عن مقولات التفاوض والدبلوماسية المجردة، وبعيداً عن نمط واحد من المقاومة، وإلا فإنّه يصبح متوقعاً أنّ الهبّة الحالية ستدفع وبشكل جديد شرائح مختلفة للتفكير في كيفية الإسناد السياسي والميداني للفعل الشعبي المقاوم، إن لم يكن في هذه الهبة ففي الهبات التالية.
أعادت الانتفاضة الاعتبار للفعل المقاوم، ومثلت قرارا شعبياً يتجاوز الاتفاقيات الأمنية والسياسية، التي تعلن القيادة السياسية نفسها أنها لا يمكن أن تستمر بها، ومثلت ترجمة لعدم الإمكانية هذه وعدم التسليم بالأمر الواقع.
قد تكون الأمور بخواتيمها، وبما ستحققه من نتائج سياسية وميدانية فعلية. وقد يعتقد كثيرون أنّ محصلة الانتفاضات السابقة لم تكن إيجابية، وأنّها جرّت دماراً على شكل اتفاقيات أوسلو، أو اجتياحات إسرائيلية وتغول استيطاني. وبطبيعة الحال هذا غير صحيح، فالأداء السياسي والقيادي هو الذي لم يحسن توجيه الانتفاضات واستثمارها وطنياً، ولكن الأكيد أن تلك الانتفاضات أوجدت إرثا تاريخيا يضمن استمرار المقاومة بانتظار الترجمة السياسية الفعالة للمقاومة، وتحقيق الحصاد الملائم المتمثل في التحرير.
أهي انتفاضة عبثية؟
بقلم: حلمي الأسمر عن الدستور الاردنية
أشعر شخصيا بإهانة حين أسمع من يقلل من شأن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، مدعيا، أن الدم الفلسطيني يُهدر عبثا، وبلا أي فائدة، وأشعر بتقزز لا حدود له، حين أقرأ أو أسمع تعليقات بلسان «عربي» غير فصيح، تنتقد المنتفضين، وربما تشتمهم، وتصطف إلى جانب الاحتلال وممارساته الوحشية، مع العلم أن هناك تزايدا في أعداد المحللين والكتاب اليهود، الذين بدأوا «ينصفون» أبناء الشعب الفلسطيني المنتفض، بل يرون في ثورته عملا «اعتياديا» ونتيجة متوقعة وشرعية، تصدر من شعب يعاني من الاحتلال والقهر والجبروت!
من يعتقد أن الانتفاضة عبثية، هو من زمرة من كان يقول أيضا بعبثية الصواريخ الغزية، إلى حد أنه جعلها مادة لسخريته، وطفق يقارن بين عدد الشهداء الذين قتلهم المجرمون الصهاينة، وبين عدد القتلى الإسرائيليين، مستدلا على ذلك بعبث المقاومة.
إن من يصدر عن هذا الموقف، لم يقرأ التاريخ، فشعب الجزائر مثلا قدم مليون شهيد لتحرير أرضه، فيما تكبد الاحتلال الفرنسي قطعا أقل من هذا العدد بكثير، أصدرت صحيفة (لوموند) الفرنسية عام 2012 عددا خاصا تحت عنوان (حرب الجزائر.. ذاكرتان متوازيتان) تناولت فيه حرب التحرير الوطني التي خاضها الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، واعترفت أن ما دفعه الشعب الجزائري في سبيل نيل الاستقلال يعادل عشرة أضعاف ما خسرته فرنسا من أجل الاحتفاظ بالجزائر مستعمرة فرنسية، وفي الحالة الفلسطينية هناك حرب يخوضها شعب أعزل تقريبا ضد جيش مدجج بالسلاح، يحتل المرتبة الرابعة في العالم، في قائمة أقوى الجيوش، ولا بد من تباين كبير في عدد من يموتون من كل طرف، نسبة للتباين الهائل في ميزان القوى.
من ينتظر حصول تعادل في التسليح بين الشعب الفلسطيني والاحتلال لخوض المقاومة، يقضي على أي احتمال لنشوء مثل هذه المقاومة، وهو انتظار عبثي بكل المقاييس، خاصة في ظل حالة الخذلان العربي والدولي للقضية الفلسطينية، التي بدأت تستقر في ذيل اهتمامات العرب والعجم على حد سواء.
لو تجردنا لحساب الكلفة التي يدفعها الاحتلال جراء مواجهته للانتفاضة الفلسطينية الثالثة، لهالنا ما نجد، خاصة في جانب تآكل الاحساس بالأمن الشخصي، وفقدان الاستقرار، وهي حالة غير مسبوقة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني، بل إن الاحتلال كان قبل الانتفاضات المختلفة، احتلالا مريحا مربحا، يعود على الاقتصاد الصهيوني بالفوائد المجزية، ثم أصبح بعد اندلاع الانتفاضة الثالثة مكلفا ومرهقا على كل الأصعدة، (قبل الانتفاضة توقعت إحدى الدراسات أن تتكبد «إسرائيل» خسائر بقيمة 250 مليار دولار، في حال اندلعت انتفاضة ثالثة!)
يقدر مختصون فلسطينيون واسرائيليون أن خسائر الاحتلال الاقتصادية خلال الانتفاضة الجديدة فاقت خسائر العدو التي تكبدها على مدار خمسين يوما في الحرب الأخيرة على غزة صيف عام 2014، فيما تؤكد تقارير الخبراء أن خطر الانتفاضة الحالية يفوق سابقاتها بكثير.
في حروب التحرير التي تخوضها الشعوب المتطلعة للخلاص، ضد المستبدين والطغاة والقتلة، لا تقاس الأرباح والخسائر بعدد الضحايا، وإلا لما قامت الثورات ولا تحرر العبيد!
استمرار الهبة الفلسطينية
بقلم: أحمد مصطفى علي عن الخليج الإماراتية
أثبتت الهبة الشعبية التي تعيشها الأراضي الفلسطينية ضد الاحتلال «الإسرائيلي» وممارساته العدوانية، أن القيادات والتنظيمات الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتها عاجزة عن الانخراط في هذا النضال المقدس بالأفعال، وأنها تكتفي ببيانات الشجب والإدانة والاستنكار، بدليل أن معظم المنتفضين فتية لم ينتسبوا إلى فصيل معين وأن غضبهم ناجم من دوافع فردية بحتة نتيجة تراكم عوامل القهر والغضب من ممارسات جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه التي بلغت حداً لا يطاق.. وجراء انسداد أفق التسوية بسبب المراوغة «الإسرائيلية».
أسلوب جديد في المقاومة والدفاع عن الأرض الفلسطينية والمقدسات وبخاصة مدينة القدس التي يسعى الاحتلال إلى جعلها عاصمة موحدة لكيانه الغاصب، من خلال هدم المنازل الفلسطينية ومصادرتها والتضييق على سكانها بإقامة الحواجز الأسمنتية وعزل أحيائها وسحب هويات أبنائها والسعي ليل نهار لتهويد المسجد الأقصى المبارك وتقسيمه زمانياً ومكانياً ومنع الصلاة فيه وتشجيع المستوطنين المتطرفين على تدنيسه بحماية جنود الاحتلال.
استطاعت هذه الهبة الشعبية، منذ اندلاعها، قبل أكثر من شهر، وتقديمها قرابة الثمانين شهيداً وعشرات الجرحى، أن تزلزل الأرض تحت أقدام الاحتلال وتصيب قيادته وجنوده ومستوطنيه بالإرباك والعجز حيال شبان لا يمتون لأي تنظيم فلسطيني بصلة، لجأوا، ومن دون تخطيط مسبق، إلى السكاكين للدفاع عن أرضهم التاريخية ووضع حد لعنجهية الاحتلال إلى درجة بات جنود الاحتلال ومستوطنيه يصابون بالهلع لمجرد رؤيتهم فتى يتقدم نحوهم، وما حادثتي مقتل مستوطن في القدس ومهاجر إريتري في بئر السبع على يد قوات الاحتلال للاشتباه بكونهما فلسطينيين يسعيان لتنفيذ عمليتي طعن ضد مستوطنين، إلا دليلاً دامغاً عن مدى هذا الإرباك والهلع.
كشفت الهبة الفلسطينية مدى سادية الاحتلال وانحطاطه الأخلاقي، فجنوده لا يكتفون بإطلاق رصاصة أو رصاصتين تجاه الشاب المنتفض، بل يكثرون من إطلاق النار عليه من مسافة قريبة جداً، أو ما يسمى بالمسافة صفر، ثم ينكلون بجثمانه الطاهر، ثم يحتجزونه على أمل المساومة عليه، وفرض عقوبات جماعية على الشعب الفلسطيني كوسيلة للانتقام، ما يدل على مدى تأصل العنصرية في مجتمع الكيان وقادته وعلى رأسهم زعيم عصابة الإجرام والقتل بنيامين نتنياهو، الذي لم يتورع عن تزييف التاريخ وتبرئة النازية في ارتكاب ما تسمى المحرقة اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية وإلصاق التهمة بالفلسطينيين.
غليان الأوضاع على الساحة الفلسطينية وغضب فتيانها يؤكد، مرة أخرى، بأن هذا الشعب صامد على أرضه التاريخية، رافض الخنوع والاستسلام، ولا يدخر أي وسيلة في سبيل استرجاع حقوقه المغتصبة، رغم بساطة وسائل نضاله، وغياب الدعم العربي والدولي في وجه محتل إرهابي أرعن مدجج بكافة أنواع الأسلحة وبتأييد غربي وخصوصاً أمريكي غير مسبوق، يقلب الحقائق لصالحه ويظهره بأنه الضحية، والشعب الفلسطيني الأعزل هو الجلاد، وصولاً إلى تصفية قضيته العادلة، وهذا لن يحدث بوجود أمثال هؤلاء الفتية المنتفضين.
من المؤسف جداً، أن تنشغل معظم القيادات الفلسطينية، بأمور ثانوية، بينما شبانهم وفتيانهم يخوضون معركة الحياة والموت، وكان أحرى بهذه النخب أن تنخرط فيها وأن تسعى منذ اللحظات الأولى إلى العمل لاستنهاض الهمم وإشراك شرائح شعبية فيها بغية توسيعها لتشمل كل الأراضي المحتلة بما فيها أراضي ال 48 وتحويلها إلى انتفاضة شاملة وصامدة تربك العدو وتُجبره على التنازل عن بعض من الحقوق المشروعة التي اغتصبها من الشعب الفلسطيني.
الأقصى و«كشوف المصلين»
بقلم: محمد خالد الأزعر عن البيان الإماراتية
في أغسطس 1929 وبمناسبة إحياء طقس ديني يهودي، طمع الصهاينة في استحداث أمر واقع يشرعنون به رؤيتهم لماضي المسجد الأقصى ومستقبله. وقتذاك، اختاروا أن تكون البداية بتوكيد مكتسبات يهودية بجوار حائط البراق؛ الذي يدعونه بحائط المبكى.
وفي هذا الإطار، وضعوا طاولات وكراسي ونصبوا خياماً أضاؤوها بالمصابيح ورفعوا عليها علمهم وشاراتهم، وأوقدوا شموعا، ونفخوا في بوقهم وراحوا يرددون صلوات وأناشيد بأصوات جهيرة.
كانت تلك التصرفات والشعائر غير المعهودة في المكان؛ المنتهكة لأعراف وسنن التعامل الإسلامي مع الوجود اليهودي في رحاب أولى القبلتين، مدعاة لاستفزاز المسلمين داخل فلسطين وخارجها، ولا سيما في القدس وضواحيها.. الأمر الذي أفضى إلى اشتعال غضبة شعبية، صاحبتها اشتباكات دامية مع الصهاينة المنتشين بالحماية الاستعمارية البريطانية. عرفت تلك الأحداث بهبة البراق؛ التي انتهت بتعيين لجنة تحقيق دولية رعتها عصبة الأمم؛ أكدت في تقريرها حرفيا أن«الحائط الغربي (البراق) تعود ملكيته للمسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لكونه جزءا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف، وهي من أملاك الوقف الإسلامي..». ولمن لا يعلم، لم تضم اللجنة عربيا أو مسلما واحدا.
قبل زهاء تسعين عاما، أدى استجلاب الصهاينة لبعض الأثاث والأدوات البسيطة، ومنها ستارة وبعض الحصر وطشت للغسيل، إلى ثورة إسلامية عارمة. نستذكر هذه الواقعة اليوم، كي نتأمل في انقلاب الأحوال رأسا على عقب، حتى صار الفلسطينيون لا يستطيعون إقامة صلواتهم وشعائرهم في الأقصى برمته، إلا بتصاريح خاصة لا تصدرها سلطات الاحتلال الصهيونية إلا بشق الأنفس وبالقطارة وتحت خيارات متعددة الأشكال.
فمرة تحظر عليهم الزيارة والصلاة بحسب السن، فيسمح بذلك فقط في أيام الجمعة لمن تجاوزوا الأربعين وأحيانا يعلو سقف المنع ليطال كل من هم دون الخمسين. ومرة يتعلق الحظر بكل المقيمين خارج القدس الشرقية. ومرة يجري الحرمان علي بعض المقدسيين أنفسهم لفترات معينة. ومرة تشترط إسرائيل ألا يتجاوز المصلون جميعهم عددا محددا. وهي الآن بصدد التطبيق الحرفي لفكرة اقتطاع أوقات لا يسمح فيها لغير اليهود بالوجود في الحرم القدسي.
وفي بدعة ما سمعنا بها من قبل، أصبح من المعتاد صدور كشف أسبوعي، بأسماء «الذين توافق إسرائيل علي انتقالهم من قطاع غزة لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى». الكشف يتضمن اسم المصلي وعنوانه ورقمي بطاقته الشخصية وهاتفه، ولا يزيد عدد المدرجين فيه أسبوعيا على المئتين من الرجال والسيدات.
أثناء الأوضاع الطبيعية لا يقل عدد المصلين بالأقصى في أيام الجمعة عن خمسة وثلاثين ألفاً. لكن مصنفات الحظر والإجراءات الإسرائيلية الأفعوانية المانعة، هبطت بهذا الرقم في أحيان كثيرة أخيرا إلى ثمانية آلاف لا غير.
من نكد الدنيا ومفارقات التاريخ، أفول الزمن الذي كان الصهاينة اليهود يرجون فيه مجرد وضع طاولة تحمل بعض كتب الأدعية، على الرصيف المقابل لحائط البراق. ومجيء زمن آخر أغبر، عشنا حتى رأيناه، يحول فيه هؤلاء بين المسلمين وبين حرية الصلاة في الأقصى، بل ويمنعونهم من الوصول إليه من الأساس. زمن يزور الفلسطينيون فيه أقصاهم للصلاة والتهجد، وهم يدركون أنهم قد يغادرونه أسرى أو جرحى أو شهداء. وبعد ذلك يتشدق الصهاينة الإسرائيليون بالحديث عن مراعاتهم للحقوق الدينية وحرية العبادة. إنها الوقاحة، قرينة الحماقة التي أعيت من يداويها.
فلسطين.. الاسم الباقي
بقلم: علا عباس عن العربي الجديد
ما بال هذا الاسم؟ من أي معدن صُنع؟ ما بال هذه الأحرف الستة المتراكبة بطريقة عجيبة لا مثيل لها في اللغة العربية؟ كيف تمتلك كلمة متشابكة، مثل فلسطين، هذه القدرة على هزّ أرواحنا كلما ذكرت؟
القدرة على التجدد، والعودة دائماً إلى صدر الاهتمام، هي ما يميز هذا الاسم، فعند أي حدث أو شبه حدث، يتضاءل الاهتمام بأي حدث آخر، وتتصاغر أشياء حياتنا اليومية، تستيقظ تلك البقعة العميقة من إنسانيتنا، ونعود إلى التفاعل وكأننا في 1948، وكأننا نشاهد قوافل الهاربين من الموت الآن.
لم تستطع عقود من الابتذال والمتاجرة بالقضية أن تفقدها أهميتها وعمقها وأثرها علينا، نحن البشر، لم ينجح الطغاة والأنظمة الفاسدة في قطع هذا الرابط بين قلوبنا وقضيتنا فلسطين، وما زالت، على الرغم من كل شيء، هي القضية الشخصية لعشرات ملايين البشر، وما زال الاسم فلسطين مرتبطاً بالألم والقهر والظلم، وما زال موضوعاً غير قابل للنقاش.
ما زالت تلك اللهجة المحببة توقظ فينا مشاعر الحب والتعاطف والإعجاب بالصمود، وما زالت كلمات مثل (خيّا وزطون) تحرك آلاف الصور والمشاعر في عقولنا.
يتحرك الناس في فلسطين، اليوم، دفاعاً عن حقهم في الحياة، يتحركون (ومتى توقفوا أصلاً؟) بطرق مختلفة ومتنوعة، مجددين حكاية لم تتوقف فصولها نحو سبعة عقود، معيدين إلى الأذهان وإلى وسائل الإعلام، وإلى اهتمام الرأي العام، مفاصل من هذه العقود السبعة. فمن موجة التهجير المنظم والمتعمد، والتي بدأت في 1948، إلى نشوء حركات المقاومة، ثم تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، إلى الانتفاضتين الأولى والثانية، حرق المسجد الأقصى، وغيرها وغيرها، مع التنويه أن كل يوم وكل دقيقة من حياة الفلسطينيين في الداخل وفي الشتات مفصلية وحدث تاريخي سيتوقف الضمير الإنساني عنده طويلاً.
في اللحظة التي كان فيها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يلقي كلمة في الأمم المتحدة يطالب فيها المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لحماية الفلسطينيين من الجرائم التي ترتكبها حكومة نتنياهو، والكذب الذي تمارسه، كان طيار إسباني يقود رحلة لشركة آفيتا من مدريد إلى تل أبيب، يخبر الركاب عبر ميكروفون الطائرة عن قرب هبوط الطائرة، وتحدث الإنسان الذي فيه، فقال للركاب (جلّهم إسرائيليون): الركاب الأعزاء، لحظات ونهبط في فلسطين.
أثارت القصة غضب الركاب، ثم غضب الحكومة الإسرائيلية، وانتهت إلى وعد من الشركة الإسبانية بعدم تكليف الطيار برحلات أخرى إلى تل أبيب.
القصة بسيطة، وربما تكون عبارة الطيار غير مقصودة. وهنا أهميتها، ففي قصيدة محمود درويش (على هذه الأرض ما يستحق الحياة) يرد (على هذه الأرض، سيدة الأرض، أمَ البدايات أمَ النهايات، كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين.) أجل، كانت وصارت وستبقى، وسيظل اسمها يتردد من طيار إسباني ومن شاعر بيروفي ومن عامل صيني، ومن طفلة سوريّة تجاوزت الأربعين.
أجل، من طفلة سورية تجاوزت الأربعين، تتغلب أخبار فلسطين في قلبها، على الرغم من كل مآسي بلدها، وأبناء بلدها يكررون سيرة النزوح والموت والدمار، وبيوتهم مثل بيوت أهل غزة تتعرض للقصف، وأبناؤهم يتعرضون للاعتقال والتعذيب. وحين تتوالى الأخبار والصور من فلسطين، تعود تلك الطفلة الواقفة في باحة مدرستها تغني ملء حنجرتها لفلسطين. وأظن طفلة أربعينية أخرى في اليمن تشعر كذلك، وأخرى في العراق، وفي كل شتات الأمة العربية، يوحّدنا الموت والحروب، وتبقى فلسطين رمز شتاتنا ورمز موتنا ورمز ألمنا.
المشكلة التي لم يفهمها الغرب الداعم أو المتغاضي عن إسرائيل وجرائمها في حق الفلسطينيين، أن مشكلتهم لم تكن يوماً مع الحكومات والأنظمة، وأن فلسطين قضية شخصية لكل واحد منّا، ومهما تاجر طغاة بلداننا بفلسطين وبقضيتها، فهم لن يستطيعوا أن يلصقوها بهم، ولن يستطيعوا أن ينتزعوها منّا، ولا أن ينتزعونا منها.
سنظل نختلف معهم على كل شيء، حتى لو قالوا كلماتٍ لا يعنونها عن فلسطين، فسنكرر الكلمات ونحن نعنيها، سنكرر كلماتهم ذاتها من دون أن نشعر أننا نلتقي معهم على شيء، فالعلاقة مع فلسطين، كعلاقة الإنسان مع الإيمان، بينه وبين ربه، ومهما قال الكافرون آمنّا، سنظل نقول آمنّا، وسيظل الإيمان خيطاً يمتد من القلب إلى الله، يمتد من القلب إلى فلسطين.
الهبّة الفلسطينية تفجّر الخلافات بين قادة الاحتلال
بقلم: حلمي موسى عن السفير البيروتية
طفا الخلاف مجدداً على السطح بين المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل حول الهبّة الشعبية الفلسطينية والسلطة وآفاق التسوية. وبرز هذا بوضوح في اجتماع الحكومة الإسرائيلية الأخير عندما تساجل رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال هرتسي هاليفي مع عدد من الوزراء بشأن تقديراته وتقييمه للأوضاع. وكان هاليفي قد أعلن أن أحد أبرز أسباب الهبّة الفلسطينية سيادة اليأس والإحباط في صفوف الفلسطينيين من احتمالات التغيير بطرق تفاوضية. كما تحدث جنرالات حاليون وسابقون في ندوة انتقدوا فيها أداء الحكومة الإسرائيلية وانسداد أفق التسوية.
وفي جلسة الحكومة الإسرائيلية الأسبوعية يوم الأحد الفائت برز الخلاف بشكل واضح عندما عدّد الجنرال هاليفي أمام الوزراء ثلاثة اسباب: ملخصاً إياها في محاولات اسرائيل خرق الوضع الراهن في الحرم، العملية ضد عائلة دوابشة (التي لم يحل لغزها) واحساس باليأس والاحباط لدى الجمهور الفلسطيني بغياب الافق السياسي. وركّز أكثر من أي شيء آخر على أن أبرز أسباب «موجة الإرهاب» الأخيرة في القدس والأراضي المحتلة هو الشعور بالغضب والإحباط في صفوف الفلسطينيين، خصوصا أبناء الجيل الشاب. وأشار إلى أن الكثير من الشبان الفلسطينيين خرجوا لتنفيذ عمليات لأنهم باتوا يائسين من الوضع و «يشعرون أن ليس لديهم ما يخسرونه». وأضاف أن هناك عوامل أخرى أثّرت على قسم من الشباب منفذي العمليات وهي الحوارات التي تجري في الشبكات الاجتماعية ومشاهدة أشرطة العمليات الأخرى. وشدد على أن قيادة السلطة الفلسطينية تواجه هي الأخرى مصاعب في التأثير على هؤلاء الشبان الذين يشعرون أصلا باغتراب عميق عنها.
وذهب هاليفي في الجلسة التي صنفت «سرية للغاية» حد الاعتراف بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يعمل من جهة لتهدئة الميدان ويأمر قواته بمنع تنفيذ عمليات ضد إسرائيل، لكنه استدرك قائلا: «إنه من جهة ثانية لديه فروع لا تواصل العمل من أجل إبقاء نوع من الحريق على الأرض». وفصّل هاليفي أمام الوزراء الأعمال التي تتخذها السلطة الفلسطينية لمكافحة الإرهاب وكرّر موقف جهاز الأمن بأن السلطة، برئاسة ابو مازن، تمنع «الإرهاب» وأن التعاون الأمني يجري كالمعتاد.
وكان أول من اعترض على توصيف هاليفي وزير الهجرة من الليكود زئيف ألكين الذي قال إن هذا موضوع سياسي وأن رئيس شعبة الاستخبارات يتحدث في واقع الأمر عن الفلسطينيين.
وبيّن ألكين أن هناك بين أسباب «موجة الإرهاب»، «التحريض الذي لم تشر إليه البتة». وأضاف ألكين أن أقوال هاليفي تعطي الانطباع بأن إسرائيل هي المذنبة في ما يجري وليس التحريض. وقال حين يكون هذا هو الموقف الاسرائيلي (أي اقوال رئيس شعبة الاستخبارات)، فما العجب في أن بعد ذلك يصعب شرحه في خارج البلاد.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية فإن هاليفي تجنب السجال مع ألكين بأن قال: «نعم هناك أيضا التحريض». ومع ذلك حاول الجنرال هاليفي أن يشرح للوزراء أن دوره ليس أن يقرر لماذا اندلعت موجة الإرهاب بل ان يشرح ماذا يفكر به «العدو» وماذا يقوله العدو في هذه المواضيع. وشدد رئيس شعبة الاستخبارات على أن ما يقوله ويستعرضه، هو ما يمر في رأس «العدو». وقد تطور النقاش في الموضوع الى تراشق للكلام شارك فيه بعض الوزراء، ولكنه لم يرتفع الى حدة عالية. وأثار الحدث عدم ارتياح في اوساط بعض الوزراء، وكذا في قيادة الجيش الاسرائيلي.
وفي كل حال، فإن مواقف هاليفي تعبّر عن الرأي السائد في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي يعرضونها في الاجتماعات الحكومية الأمنية منذ بدء الهبة الشعبية. وترى وسائل الإعلام الإسرائيلية أن رئيس أركان الجيش الجنرال غادي آيزنكوت وقادة الجيش يقودون خطا أشد «اعتدالا» من باقي وزراء الحكومة الاسرائيلية، ويشددون طوال الوقت على الحاجة لمواصلة التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية.
وتتناقض التقديرات التي عرضها هاليفي بشكل تام حول أسباب اندلاع الهبّة الفلسطينية مع ما يشيعه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الأسابيع الأخيرة. وكان نتنياهو أعلن في منتصف الشهر الفائت في مؤتمر صحافي «أنهم يقولون لنا: إن هذا يحدث بسبب الإحباط. وهذا ليس بسبب وجود أو عدم وجود أفق سياسي، وإنما بسبب الرغبة في التخلص من دولة إسرائيل. إن إحباطهم نابع من كوننا هنا. من كون دولة إسرائيل قائمة».
وفي افتتاح الدورة الشتوية للكنيست في 12 تشرين الأول الفائت، قال نتنياهو إن «الإرهاب لا ينبع من إحباط بسبب غياب تقدم في العملية السياسية وإنما ينبع من الرغبة في تدميرنا». وقبل ذلك بأربعة أيام أعلن نتنياهو أن موجة الإرهاب هي «محصلة لتحريض مجنون وكاذب من حماس، والسلطة الفلسطينية، ودول عدة في المنطقة والحركة الإسلامية في إسرائيل».
ويوم أمس الأول انتقد الجنرال سوم طوف ساميا الذي كان قائدا للحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة القيادة السياسية في ندوة لمعهد أبحاث الأمن القومي معلنا أن الحكومة الاسرائيلية «درجت في العقد الأخير على تعريف أهداف الحملات أو أهداف الحرب بشكل غير دقيق. وهذا ينبع بشكل عام من انعدام القدرة على الحكم». وأضاف في انتقاد لتوزيع الأوسمة بعد الحرب أنه «عندما تكون غاية الحملة غير واضحة بهذا القدر وانجازاتها لا تزال في علامات استفهام، وتنتهي مع 72 وساماً فتوجد عندي كرجل عسكري مشكلة غير بسيطة مع هذا».
وفي الندوة ذاتها، انتقد الجنرال عاموس يادلين، الذي خدم سابقا رئيسا لشعبة الاستخبارات العسكرية، القيادة السياسية بشأن الحرب على غزة التي وصف نتيجتها بـ «التعادل الاستراتيجي». واقترح عدم تقزيم انجازات حماس في الصيف الاخير وقال: «صحيح أننا كسرنا لها الذراعين الاستراتيجيتين اللتين اعدتهما ـ الأنفاق والصواريخ بعيدة المدى ـ ولكن رغم ذلك كانت لحماس انجازات استراتيجية لا يمكن الاستخفاف بها. فقد قاتلت على مدى خمسين يوما الجيش الاقوى في الشرق الاوسط، أغلقت مطار بن غوريون، دفعت سكان الجنوب الى ترك بيوتهم وطرحت شروطا مددت الحملة، رغم أنها لم تحققها. كان يمكنها أن تنهي الحملة بعد اسبوع وتحصل على ذات الامور، ولكنها لم تفعل ذلك».
من جانبه انتقد رئيس الأركان الإسرائيلي السابق الجنرال بني غانتس أداء المجتمع الإسرائيلي في الحرب على غزة وأعلن أن هناك اليوم حاجة لتسوية سياسية تستعد في مواجهة الإرهاب بموازاة تعاظم القوة الأمنية. وأضاف «نحن هنا لسنا في سويسرا ولوكسمبورغ، ونحن الأقوى وهذا جيد، ولكن لتحقيق النصر نحتاج لضمان وجود السيف ولكن أنا مقتنع بضرورة البحث عن تسوية سياسية. لا أعلم إن كان بالوسع التوصل لاتفاق سلام، لكن بذل الجهد من أجل ذلك أمر مهم».
وفي إطار الإجراءات القمعية الجديدة ضد الهبّة الشعبية، أقرّت الكنيست الاسرائيلية، ليل أمس الأول، مشروع قانون يفرض عقوبة السجن لثلاث سنوات على الأقل على راشقي الحجارة.
وأقرّ القانون، الذي دعمته حكومة بنيامين نتنياهو، بغالبية 51 صوتا في مقابل 17 صوتاً. وينص القانون الجديد على انه ليس بامكان القضاة اصدار احكام مع وقف التنفيذ «الا في حالات خاصة» لم يحددها. كما يقوم القانون بتجميد المخصصات الاجتماعية التي يحصل عليها أهالي القاصرين الذين تتم ادانتهم بـ «ارتكاب جرائم أمنية، وإلقاء الحجارة لأهداف قومية أو في إطار أنشطة إرهابية».
هذا هو طريق التحرير
بقلم: صالح عوض عن الشروق الجزائرية
يصنع شباب فلسطين من دمهم المبارك هذه الأيام معالم طريق التحرير.. فلقد انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الحالية متميزةً بما حملت في داخلها من إجابات واضحة على أسئلة هربت في المراحل السابقة التي استسلمت لمفردات سياسية وخطاب سياسي عمّ في الساحة الفلسطينية وفي كل التوجهات الإيديولوجية.
لقد أظهرت الانتفاضة الحالية بجلاء أنها تمتلك رؤية وبرنامجا وفهما للعلاقة بالآليات والأدوات، الأمر الذي يملأ الروح تفاؤلا، والعقل اقتناعا، والقلب يقينا، بأننا إزاء عمل صائب تمكَّن من اختراق جدار الفوضى والارتباك والتصدع ومناخ التيه الذي أصبح متنفس البيئة العربية والاسلامية، فكانت بحق بداية لثورة بطبعة جديدة.
لقد أدخلت الانتفاضة الكيان الصهيوني في دوامة التساؤلات الوجودية الكبرى إلى الدرجة التي أعلن فيها قائدُ جهاز الاستخبارات الصهيونية أنه لو تسنّى للإسرائليين في 1948 مشاهدة العمليات الفلسطينية التي تتم هذه الأيام لما قامت "دولة إسرائيل".. أما وكالة المخابرات الأمريكية فعقّبت على مجريات هذه الثورة بأن الأمور تتجه إلى موت فكرة حل الدولتين وأننا الآن بصدد زوال الدولة العِبرية خلال أقل من عشرين عاما، وأن السنوات القادمة ستشهد رحيل أكثر من 3 ملايين يهودي من فلسطين.. وفي الكيان الصهيوني، ترتفع الأصوات من قبل سياسيين كبار حكوميين وغير حكوميين بأن حل الدولتين انتهى، وأن الدولة العنصرية الصهيونية لن تكون حقيقة بعد زمن قريب.
إنها بدايات تحرير.. وجملتها الأولى فلسطين كلها.. وهذا يعني أن الفلسطينيين يطوون سلسلة من المحطات السياسية ويخرجون من تنازع البرامج والانشغال بـ"الانقسام والوحدة"، بل يذهبون مباشرة إلى الهدف: فلسطين.. وجملتها الثانية رحيل الاستعماريين الأوربيين والأمريكان من فلسطين وإنهاء الحالة العنصرية الصهيونية.. وهذا يعني الاقلاع عن الحوار حول"العودة" ونِسبتها وتصوّرها؛ فالعودة هي تحصيل حاصل للتحرير وطرد المستعمرين.. والجملة الثالثة العملُ الشعبي الواسع على كل التراب الفلسطيني الذي يستوعب كل القادرين على تحمّل تبعات الانتفاضة بعيدا عن إبراز أي توجه إيديولوجي أو انتماء فصائلي.. بمعنى أن مرحلة الفصائل والأحزاب أكملت فصولها، واليوم نحن إزاء مرحلة جديدة؛ مرحلة الشعب بأبنائه المؤمنين بأن فلسطين هي إطارهم وهي هدفهم وهي معيارهم في الحكم على الأشخاص والهيئات والدول..والجملة الرابعة ضربُ العدو في مركز أعصابه وصميم استقراره بكل وسيلة ممكنة وتصعيد الكفاح وصولا إلى طرده من فلسطين كلها بعد أن يصبح الهروب من فلسطين أهمّ خيار أمامه.
إنها بدايات التحرير.. تنطلق بشباب جامعيين وتقريبا بلا إمكانات مادية، فكل ما في اليد من سلاح هي أدوات طهي أو سكاكين ليست غالية الثمن.. وهؤلاء الشباب ينطلقون في كل فلسطين ويستهدفون العدو في كل فلسطين.. وبين هذه البدايات ونهايات المواجهات، حيث النصر العزيز، هناك مسافة قاسية من التحديات الصعبة، مسافة من الألغام والأشواك والمواجهات ومؤامرات العدو وبعض الأصدقاء.. ولكنه ممرّ لابد منه.. سبيل تتراكم على جنباته الانجازات والوعي واكتشاف الحقيقة الكبرى بأن التحرير قاب قوسين أو أدنى..
من يصطفّ مع الانتفاضة تحت عناوينها ويلتزم بجملها، يكون اختار لنفسه عقبى الدار، ومن أخذته عزة النفس بالإثم لن يضرّ الله شيئا ولن يستطيع إيقاف عجلة التاريخ الحتمية نحو نصر فلسطين وتدمير الكيان العنصري الصهيوني، ولشباب فلسطين في ثورة الجزائر القدوة والمثل الصالح.. تولانا الله برحمته.
«سيف» نتنياهو!
بقلم: منار الشوربجي عن المصري اليوم
لرئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو تصريحان فى الآونة الأخيرة، أحدهما حظى بتعليقات واسعة النطاق، بينما مر الثانى، الذى لا يقل خطورة، دون اهتمام يذكر. فالتصريح الذى حظى بالاهتمام هو ذلك الذى اتهم فيه مفتى القدس الراحل الشيخ أمين الحسينى بأنه هو الذى أوعز لأدولف هتلر بارتكاب المحرقة وأعلن فيه، زورا، أن هتلر «لم يكن ينوى إبادة اليهود وإنما مجرد ترحيلهم»، حتى أقنعه الشيخ الحسينى بارتكاب الجريمة. وبالطبع، فإن وقائع التاريخ ليست خافية على نتنياهو الذى يعلم بالضرورة أن أن جريمة الهولوكوست كانت قد بدأت بالفعل قبل زيارة الحسينى لألمانيا. وهى الزيارة التى زعم نتنياهو أن الرجل أقنع فيها هتلر بارتكاب جرائمه. لكن المقصود بالتصريح ليس الشيخ الذى رحل منذ عقود طويلة وإنما الشعب الفلسطينى بأكمله. فنتنياهو استهدف تحويل المسؤولية عن الجرم التاريخى من أوروبا إلى الفلسطينيين كخطوة أولى نحو تبرير جرائم الاحتلال الإسرائيلى ثم الاستيلاء على كامل الأرض.
ونتنياهو احترف منذ بداية تاريخه السياسى مسألة القياس التاريخى الزائف على نحو انتهازى من أجل تبرير مواقف ليس لها علاقة بالحدث التاريخى الذى يقيس عليه. فهو لا يكف مثلا عن القياس على اتفاق ميونخ عام 1938، لتخويف العالم من التوصل لأى اتفاقات دولية لا تعجب حكومة إسرائيل، مهما كانت الاتفاقات الجديدة مختلفة شكلا وموضوعا عما جرى فى ميونخ. واتفاق ميونخ هو ذلك الذى تم توقيعه بين ألمانيا فى عهد هتلر وكل من بريطانيا وفرنسا اللتين وافقتا على مطلب هتلر باقتطاع جزء من أرض تشيكوسلوفاكيا وقتها وضمها لألمانيا. وقد دخل ذلك الاتفاق التاريخ باعتباره «مهادنة» للعدوان الألمانى وقتها لم تمنع قيام الحرب العالمية الثانية ولا ارتكاب النازى لجرائمهم. ومن هنا، كلما أقدمت دولة فى العالم على اتفاق أو حتى موقف لا يتوافق مع نتنياهو، فإنه يرفع فى وجه تلك الدولة فورا اسم «ميونخ»، فى قياس على التاريخ يكون فى أغلب الأحيان مزورا، تماما مثل تحميل الفلسطينيين المسؤولية عن جرائم النازى ومن ثم اعتبار أى مقاومة مشروعة للاحتلال هى، وفق القياس على التاريخ المزور، مجرد مقدمة لهولوكوست جديد تستوجب استباحة الفلسطينيين شعبا وأرضا.
ورغم أن تصريح نتنياهو هذا نال ما يستحقه من إدانة، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلى قام بعدها بأيام بإطلاق تصريح آخر أكثر خطورة، إذ قال فى اجتماع لجنة برلمانية بالكنيست الإسرائيلى إنه «فى الوقت الحالى»، (ولا يعلم أحد بالمناسبة مدة «الحالى» هذا)، لن يتخلى عن الأرض المحتلة لإقامة دولة فلسطينية وإنما ستظل إسرائيل تسيطر على كل الأرض. واتهم المعارضة البرلمانية التى تطالبه بقبول حل الدولتين بأنهم يعيشون فى الأحلام. وأضاف قائلا إن البعض يسأله «ما إذا كنا سنعيش للأبد بالسيف، والإجابة نعم».
ولو أن زعيما عربيا قال مثل هذا الكلام لقامت الدنيا ولم تقعد. ثم إن نتنياهو فى هذا التصريح كذّب بنفسه تصريحاته التى أطلقها أمام الأمم المتحدة منذ شهر واحد، والتى دعا فيها لاستئناف «المحادثات الفلسطينية دون شروط مسبقة». فإذا كانت إسرائيل تحمل الفلسطينيين المسؤولية عن جريمة الهولوكست ومن ثم تعطى لنفسها مشروعية الاستباحة. فإن نتنياهو بنفسه فى تصريح «السيف» يقول للعالم إن ما قصده فى الأمم المتحدة هو فى الحقيقة «محادثات» من باب طق الحنك، كما يقول اللبنانيون. أما النتيجة المرجوة منها، فهى مجرد «أحلام» كما قال نتنياهو لمن يعارضونه فى الكنيست!
أكاديميون بريطانيون يقاطعون الكيان وعرب يطبعون..!
بقلم: كاظم الموسوي عن الوطن العمانية
تُذكّر تحركات انسانية من منظمات وأفراد في اكثر من مكان من المعمورة الشعوب العربية وحكوماتها في اغلب الاحيان بواجبات يفترض ان يؤدوها دون هذا التذكير. ويقدمون لهذه المنظمات والأفراد نماذج من أعمالهم أو تطبيقاتهم لهذه الواجبات القانونية والانسانية والمهمات الاساسية لهم. ولعل في العريضة التي وقعها مؤخرا 343 اكاديميا بريطانيا من 72 مؤسسة اكاديمية بريطانية، بما فيها اكسفورد وكامبردج، ومطالبتهم بمقاطعة جامعات الكيان الصهيوني، درسا اكاديميا لمن يعنيه الأمر. انتشر الخبر في أوساط اكاديمية عالمية ورحبت به قوى وطنية ومنظمات انسانية دولية، ولكن قابله للأسف، في المقارنة والوقائع المعروفة، اذا كان ثمة اسف هنا، ما يخجل ويحرج اصحاب الضمائر والنوايا الخيرة. لاسيما وان اصحابه مسؤولون عرب يعملون ليل نهار، في السر والعلن، على التطبيع مع هذا الكيان وتمرير استيطانه واحتلاله لأرض فلسطين وتشريد شعبها وتصفية القضية الفلسطينية. التي يدعون كذبا وتضليلا بأنها القضية المركزية في بعض خطاباتهم العربية او لدى مروجي اعلامهم المخادع، ولكنهم في الحقيقة يقدمون الدعم الكامل للكيان ويلتقون مع سياساته في اكثر من مجال. وكما يبدو غاب الخوف او الخشية من تصرفاتهم هذه، بل ان بعضهم اخد يتباهى بتلك الصلات واللقاءات والحديث عنها علنا الى وسائل اعلامهم الرسمي.
طالب اكاديميون بريطانيون في عريضتهم بمقاطعة أكاديمية للكيان الاسرائيلي بسبب خرقه للقانون الدولي واستمرار احتلاله للأراضي الفلسطينية. ورفض العمل مع أي من جامعاته. وقرر الموقعون أنهم لن يزوروا “إسرائيل” أبدا ما دامت “دولة محتلة”، كذلك لن ينصحوا أي شخص أو يوجهوه للتعامل مع أي مؤسسة أكاديمية “إسرائيلية”. وبينت العريضة إن معهد الأبحاث التكنولوجية “التخنيون” في حيفا يطور برامج وأدوات تستخدم لهدم منازل الفلسطينيين، ولا يمكن للمؤسسات الأكاديمية أو الأكاديميين السماح بمثل هذه الأمور، ولا يجب التعامل مع التخنيون لسبب كهذا. (ورغم ما في العريضة والمطالبات من امور للجدل والنقاش، ماذا يرد المطبع العربي عليها؟ وكيف يبرر تشجيعه الكيان الصهيوني على القيام بهذه الجرائم؟)
ذكرت البروفيسورة جين هاردي – إحدى الموقعات على العريضة- أن هذه فرصة حقيقية للأكاديميين لضم صوتهم إلى صوت حركة مقاطعة “إسرائيل” التي يزداد تأييدها في المجتمع الدولي، والتي ترى أن”إسرائيل” لا تنفك تخرق القانون الدولي وتنتهك حقوق الإنسان. وأضافت هاردي أن “إسرائيل” كذلك تمنع مشاركة اكاديميين فلسطينيين من الاشتراك في فعاليات اكاديمية عالمية.. قالت هذا الكلام الواضح من قبلها والمعبر عن قناعتها والموقعين معها في اكثر من وسيلة اعلامية حين سؤالها، بما فيها صحافة الكيان نفسه. واذا قارناها مع ما صرح به عرب الى وسائل الاعلام الصهيونية ورغبتهم في زيارة الكيان واستقبالهم لممثليه، فماذا يكون الموقف وكيف تكون الحالة؟! يا لعارهم الشنيع!.
ليست هذه العريضة جديدة. هي استمرار لتراكم عمل انساني وقانوني في اتحاد أساتذة الجامعات البريطانية، وغيره، وقد قاطع جامعات بعينها كجامعتي حيفا وبار إيلان سابقا، وكانت الحملة هذه قد بدأت في بريطانيا منذ حوالي اكثر من عقد من الزمان. ويمثل الاتحاد الاكاديمي حوالي 48 ألف محاضر جامعي. وقراراته ملزمة لأعضائه في الامتناع عن زيارة او تعاون في مجال البحث العلمي، أو قبول دعوات لحضور مؤتمرات، أو دعوة أكاديميين “إسرائيليين” للمشاركة في نشاطات علمية وبحثية في بريطانيا. ( هل قرأ المطبلون للمشاركات في المعارض والندوات في العواصم العربية، الخليجية خصوصا، ذلك؟!).
تترافق هذه الحملات وتتواصل بأساليبها المتعددة مع ما أعلنته حركة مقاطعة اسرائيل BDS. (عالميا تعرف بحركة Boycott Divestment and Sanctions أو اختصارا، BDS). خاصة وقد اصبحت حركة عالمية لمقاطعة الكيان وسحب الإستثمارات منه وفرض العقوبات عليه حتى ينصاع للقانون الدولي بالكامل ويلتزم بحقوق الشعب الفلسطيني. ورغم مجاراتها للسياسات العامة ومطالبتها بما توصلت اليه سياسات الحلول الدولية بشأن حقوق الشعب الفلسطيني الا انها تتعرض الى ضغوط وتهديدات من لدن قوات الاحتلال وداعميها داخل وخارج فلسطين. ولما حققته من نجاحات أصبحت تصنف بـ(خطر استراتيجي) عند الكيان الاسرائيلي.
اصدرت الحركة نداء تاريخيا في 9 يوليو 2005، في الذكرى السنوية الأولى لقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بإدانة الجدار الاستعماري بل الاحتلال الإسرائيلي برمّته، وَقّع عليه أكثر من 170 من القوى والفعاليات والأحزاب والإئتلافات والمؤسسات الفلسطينية في كامل فلسطين والشتات. مشكلة بعد مؤتمرها الاول عام 2008 أكبر ائتلاف مجتمع مدني فلسطيني، ومرجعية وقيادة حركة BDS العالمية..
ربما من المهم هنا الإشارة إلى المرأة التي وقفت بقوة وراء صدور القرار الاول في اتحاد الاساتذة الاكاديميين، سوبلاكويل، المحاضرة بجامعة برمنجهام، والتي كانت ترد على كل انتقاد يوجه لها لجهودها المتواصلة لإصدار القرار، بأنه: “من المستحيل أن تتعاطى مع أكاديمي دولة “إسرائيل” باعتبارهم مواطنين طبيعيين ينتمون لدولة طبيعية”. وتؤكد بلاكويل موقفها الواضح حيال الكيان الاسرائيلي نفسه وتعتبره “دولة غير شرعية”، وترى بأن القرار الأكاديمي من شأنه أن يشكل قوة ضغط على “إسرائيل”، معتبرة أن السبب الرئيس وراء مؤازرتها لقرار مقاطعة المعاهد والأكاديميين الإسرائيليين هو كون تلك المؤسسات متورطة في الإساءة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وأنه من الضروري بمكان أن يقف اساتذة الجامعات ضد ما تصفه بـ”دولة الأبارتهايد”.
وتنتقد بلاكويل بكل شجاعة “حائط الصمت العظيم والتواطؤ من قبل الأكاديميين الإسرائيليين” حيال ما يحدث في فلسطين المحتلة. ولا تفهم كيف أن هؤلاء الأكاديميين لا يتفوهون بكلمة حول الاحتلال وهم يتوقعون أن يمر الأمر بشكل عادي، وأن يتم التعامل معهم على أنهم مواطنون طبيعيون من دولة طبيعية، يتوقعون أن يكونوا مرحبا بهم في المحافل الدولية وكأن شيئا لم يكن.
المقاطعة وسيلة من وسائل النضال ضد العنصرية والاحتلال والاستعمار، وقد نجحت في تجارب كثيرة، وهي موقف انساني وقانوني وأخلاقي ينبغي تطويره إلى ما يخدم البشرية والقانون.
لسنا بحاجة لإحباط جديد!!
بقلم: صابر عارف عن رأي اليوم
بأجواء من الفرح والبهجة تابع قطاع ما، من الشارع الفلسطيني يومي الاحد والاثنين الماضيين سير العملية الانتخابية المحلية في تركيا بشكل واسع وكانت عند البعض وكانها انتخابات محلية فلسطينية، معتبرين ومتوهمين، أن النتائج الأولية للانتخابات، والتي أظهرت تقدما كبيرا لحزب “العدالة والتنمية” الاخواني الحاكم، من شأنها أن “ترسخ الدعم التركي،، للقضية الفلسطينية!!.
بالفعل فإن نتائج الانتخابات، اظهرت بانها ستمكن حزب اوردغان رجل تركيا القوي جدا، من تشكيل حكومة تركية بمفرده، ويستطيع وحزبه وضع وصياغة دستور جديد للبلاد يعطيه الصلاحيات الرئاسية التي يتمنى ويطلب. وهذا ما طالب به ودعا له رئيس وزرائه احمد داود اوغلو، حينما قال في كلمة له من على شرفة في المقر الرئيسي لحزب العدالة والتنمية في أنقرة أمام آلاف المحتفلين من أنصار الحزب “أدعو كل الأحزاب التي دخلت البرلمان إلى وضع دستور وطني مدني…،، الذي وبالضرورة سيمنح اوردغان السلطات والصلاحيات الرئاسية التي طالما حلم وتمنى وجاهر بها.
وسائل التواصل الاجتماعي ازدحمت بالتهاني وبصور اوردغان، ولفت نظري أن العديد ممن كانت تستضيفهم القنوات الاسلامية للحديث عن بروفه الانتفاضة، انهم وفي بداية حديثهم، وبعد ترحمهم على شهدائها والدعاء للأسرى والجرحى، يتبعون ذلك مباشرة وبدون مبرر أو مسوغ بالمباركة والتهنئة لاوردوغان وحزبه بنتائج الانتخابات التركية . ومعالم البهجة في غزة أكثر منها في الضفة للأسباب المعلومة، فالسائر في شوارع قطاع غزة لا تخطئ عينه، (كما افادني الأصدقاء هناك) رؤية صور عديدة لأردوغان، ومحال كثيرة تحمل اسمه، بل إن سجلات الولادة في المشافي الفلسطينية باتت تدون اسم “أوردوغان” للكثير من المواليد !!.
فما زال هؤلاء المحتفلون يتمنون تواصل الموقف التركي في دعم غزة وخاصة بعد الموقف الذي أداه أوردوغان مع شمعون بيريز عشية خوضه لانتخابات تركية مشابهة، في قمة دافوس الاقتصادية واتهامه لإسرائيل بأنها تتفنن في قتل الأطفال خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة خلال شهري كانون الأول 2008 وكانون الثاني 2009، ثم إرساله سفينة،، مرمره،، لرفع الحصار عن غزة، الذي اعقبه اقتحامها من قبل القوات الإسرائيلية وقتل عشرة من المواطنين الأتراك في عرض البحر . وما تلاها من زوبعة تهديدات تركيه، سرعان ما تبيّن انها ما هي الا زوبعة في فنجان، انتهت باتصال تلفوني وبدون فنجان قهوة لا تركي ولا،، نس كفيه،، إثر تدخل الامريكي المعلم الأول لكليهما .
فقد اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان يوم 22 آذار 2013، بحضور الرئيس الأميركي اوباما، واعتذر عن مهاجمة إسرائيل للسفينة التركية مرمره، وهو ما اعتبره أردوغان نصرا مؤزرا يستوجب الترحيب، وكفى الله المؤمنين شر القتال وانتهت الزوبعة، وعادت ريما لعادتها القديمه، وإعاد علاقات بلاده مع إسرائيل إلى سيرتها الأولى التي سناتي على جزء يسير جدا جدا منها .
حافظ الفلسطينيون بشقيهم الفتحاوي والحمساوي، على علاقات متوازنة مع أنقرة، فالسلطة الفلسطينية تعتقد أن علاقات وثيقة معها تحفظ لها عمقاً إقليمياً بعد تراجع العمق الإقليمي العربي، لاسيما وأن تركيا ملتزمة رسمياً بخط عملية السلام، والدعوة الدائمة للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما يعتبر تبنياً واضحاً لموقفها الذي لا يرى خيارا في الدنيا والاخرة غير وسوى خيار المفاوضات، وتعتبرها جسرا لاحتواء حركة حماس التي تأمل ترويضها سياسياً، وإدخالها في العملية السياسية، ولو بخطى متأنية .
أمّا حركة حماس الإخوانية كاوردغان وحزبه العدالة والتنمية التي تربطهما مع بعض من خلال التنظيم الدولي للإخوان المسلمين .علاقات تنظيمية حزبية قوية، فانها تعتبر تركيا “أوردوغان” تمثل الحضن الأكثر دفئاً لها في الإقليم، وليس أدل على ذلك من استيعاب المدن التركية للعشرات من كوادرها وعناصرها ممن لجأوا إليها بعد عدائهم لسوريا ورحيلهم عنها .
وفي قراءة استشرافية مستقبلية، يمكن القول أن الموقف التركي من القضية الفلسطينية ستقف أمامه جملة من العقبات الإشكالية بعكس الأماني والتطلعات التي يرجوها المحتفين الفلسطينيين الذين يتعلقون بالقشطة كالغريق ، أهمها العلاقات التركية الإسرائيلية الوطيدة تاريخيا وجوهريا بغض النظر عما اعتراها من إشكالات شكلية عابرة عبرت وانتهت، فالمعلم واحد، والمصالح واحدة،، العداء للعرب وللعروبة ،،.
وحتى لا نذهب بعيدا ونغرق بالتفاؤل بتركيا ونحن نبحث عن تعويض للخذلان العربي، وحتى لا نصاب بإحباط جديد، فإنني سالقي بعض الضوء على بعض العلاقات التركية الإسرائيلية في العهد الجديد الذي يراهن ويتوهم فيه البعض .
لن اتحدث عن أن تركيا عضو أصيل وفاعل في حلف الناتو الامريكي الذي لا يضم إسرائيل لعضويته حتى تبقى فوق قوانين وأنظمة الحلف، وحتى تحظى بالرعاية والحماية الأكثر تميزا والخارجة عن القوانين، باعتبارها ومنذ التأسيس دولة فوق وأهم من القوانين الدولية . ولن نتحدث عن الدور الاوردوغاني التامري اللامحدود ضد بلادنا بلاد الشام، فهذا قد لا يعجب البعض، وسنكتفي فقط بالاشارة الى العلاقات التركية ـ الإسرائيلية التي بدأت منذ تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948 م .
فعلى مدار تلك السنوات كانت المصلحة التركية التي اختارت طريق الاتحاد الأوروبي ومحاولة الانضمام له، وجدت تركيا واهمة في العلاقات مع إسرائيل ما يمكن أن يمثل جسرًا لها للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى حاولت إسرائيل استخدام تحالفها مع تركيا كفزاعة في مواجهة الدول العربية وخاصة سوريا والعراق التي لطالما كانت علاقاتهما متوترة مع تركيا.
فعلى المستوى السياسي، فان العلاقات الإسرائيلية مع تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية بدأت منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي عندما كان اوردوغان مسؤول فرع حزب الرفاه في إسطنبول الذي كان يترأسه نجم الدين أربكان حيث تعرف على السفير الأميركي في أنقرة آنذاك مورتون إبراموفيتس، الذي قام بربط أوردوغان بشخصية أميركية يهودية مهمة جدا لإسرائيل ألا وهو بول ولفوفيتز الذي يعتبر من أبرز منظري الصهيونية المسيحية، ويعتبر المهندس الأول للغزو الامريكي للعراق عام 2003.
لهذا السبب يمكن أن نقول إن أردوغان ومنذ أن بدأ حياته السياسية كان مدعوما من قبل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية ولهذا قام المؤتمر اليهودي الأميركي عام 2004 وهو من أهم المحافل اليهودية في أميركا وبخطوة منقطعة النظير بمنح أوردوغان وسام الشجاعة وهذا الوسام فقط منح لعشرة أشخاص منذ تأسيس المؤتمر وكان أول شخص غير يهودي يمنح هذا الوسام، وقال المسؤول عن المؤتمر اليهودي أثناء تقديم الوسام إن هذا الوسام ليس فقط تقديرا للخدمات التي قام بها أردوغان لأميركا بل أيضا يعد تقديرا للخدمات التي قام بها لدولة إسرائيل وموقفه الطيب حيال المجتمع اليهودي في العالم.
وفي المجال العسكري، تعد تركيا، من أكثر الدول الإسلامية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، وعلى الرغم من تراجع العلاقات بين البلدين بعد حرب عام 2009 في غزة، ورغم إعلان تركيا تعليق التعاون العسكري بين البلدين، في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قافلة المساعدات التركية إلى غزة عام 2010، الى إن نفس العام حمل معه قفزة نوعية في العلاقات العسكرية. فقد زار حينها وزير الدفاع الإسرائيلي، أيهود باراك أنقرة، ووصفت الزيارة بأنها نجحت في إعادة العلاقات بين البلدين إلى مسار إيجابي. وكشف مصدر مرافق له أن هناك 60 معاهدة سارية المفعول للتعاون المشترك في قضايا الأمن والعسكر.
ويعود آخر تعاون عسكري معلن بين البلدين إلى عام 2013، حيث ذكرت مصادر بالحكومة التركية أن شركة إسرائيلية زودت تركيا بمعدات عسكرية، بقيمة 100 مليون دولار لأربع طائرات مزودة بنظام الإنذار والمراقبة المحمول جوا (أواكس). ومنها تحديث أسطولها الجوي من طائرات (أف 4 واف 5)، بمبلغ 900 مليون دولار للشركات الإسرائيلية، وتحديث 170 دبابة من طراز (إم60 ) بمبلغ 500 مليون دولار، كما يوجد اتفاق على شراء صواريخ (دليلة) التي مداها 400 كم، كما أن الكونغرس الأميركي وافق لإسرائيل على بيع تركيا صواريخ (أرو) المشتركة الصنع بقيمة 150 مليون دولار، كما أن تركيا عقدت صفقة طائرات (هارون) دون طيار وهي عشر طائرات بلغت تكاليفها 183 مليون دولار
وإذا ذهبنا إلى التعاون الاقتصادي فقد كان حجم التبادل التجاري عام 2002 م بضعة ملايين من الدولارات لكنه اليوم يتعدى خمسة مليارات دولار خلال عشر سنوات، في حين أن العلاقات التجارية بين تركيا وفلسطين لم تتجاوز 44 مليون دولار، وباختصار فان التجارة بين البلدين هي لصالح إسرائيل لأنها تصدر وتبيع لحكومة العدالة الأسلحة .
خلاصة القول ان تركيا في ظل حكم الاخوان المسلمين، ظلت على علاقتها القوية المتينة مع الكيان الصهيوني في الجوهر، وعلينا أن لا نستلم شيكات بلا رصيد، وان لا نشتري كلاما في الهواء، وسمكا في البحر، ففينا من الاحباطات ما يكفي شعوبا وليس شعبا كشعبنا الغريق الذي يتعلق بقشة .