أقلام وآراء

(11)

مصر: كيف فشل شباب الثورة ونجح الإسلام السياسي؟

بقلم: هاني نسيرة عن الحياة اللندنية

يهود في الثورات العربية

بقلم: موفق محادين عن العرب اليوم

عام على الانتفاضات العربية

بقلم: فايز رشيد عن القدس العربي

الربيع العربي : بين التعثر والانحراف

بقلم: باسم الجسر عن الشرق الاوسط

المعارضة الديمقراطية في العالم العربي

بقلم: محمد بن علي المحمود عن الرياض السعودية

هل بدأت نهاية الأحزاب الدينية؟

بقلم: أحمد أميري عن الاتحاد الاماراتية

مصر: كيف فشل شباب الثورة ونجح الإسلام السياسي؟

بقلم: هاني نسيرة عن الحياة اللندنية

من بين سبع عشرة تظاهرة مليونية عرفتها مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير)، لم يخرج الإسلاميون إلا في مليونيات بعينها، ووفق إستراتيجية محددة، ركزت على التعجيل بالانتخابات -التي كانوا مستعدين لها بحكم خبرتهم السياسية- وإطلاق اليد في وضع الدستور من دون أي مبادئ حاكمة له. وبعد معركة الانتخابات التي انتهت لصالحهم بشكل كبير، تبقى معركة الدستور المنتظَر بعد اكتمال الانتخابات والاتفاق على معايير اختيار الهيئة التأسيسية لوضعه، وهو المعركة الكبرى والغاية التي ركز عليها الإخوان والسلفيون بمختلف الوسائل...

كانت أبرز التظاهرات التي شارك فيها الإسلاميون ما عرف بـ» جمعة توحيد الصف» والتي عرفت إعلامياً بـ «جمعة قندهار» يوم 29 تموز (يوليو)، بعد أن سيطر الإسلاميون خلالها على الميدان وانسحب 31 ائتلافاً من ائتلافات الثورة وأحزابها والطرق الصوفية أمام إصرار الإسلاميين على الهتافات المعبرة عنهم ورفض أي مبادئ فوق دستورية والالتزام بخارطة الطريق التي تم إقرارها عبر استفتاء 9 آذار (مارس).

وكانت أبرز مليونياتهم وتظاهراتهم تلك التي أتت قبل الانتخابات بقليل، في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وعرفت بـ «جمعة المطلب الوحيد»، وهو موت وثيقة المبادئ الأساسية للدستور (التي عرفت إعلامياً بـ «وثيقة علي السلمي») وما نصت عليه من معايير في اختيار الهيئة التأسيسية له، تجنباً لاحتكار البرلمان، المتوقع أن تكون أغلبيته من الإسلاميين -وهو ما وقع-، لوضعه! وهو ما نجحوا فيه كذلك!

وبينما كان الإسلاميون ينشغلون بخارطة الطريق الى الدولة، عبر الانتخابات ثم الدستور، مع العمل الشعبي على القواعد الجماهيرية والانتخابية التي صوتت لهم وملت ديمومة الثورة وهشاشة مؤسسات الدولة على مختلف المستويات، كانت ائتلافات شباب الثورة منشغلة بانفعالاتها وردود أفعالها، سواء تجاه النظام السابق ومحاكمات رموزه، أو هواجسها تجاه العسكري من دون إستراتيجية واضحة تتيح لهم الانتقال من سؤال الثورة إلى سؤال الدولة الذي انتقل إليه الإسلاميون ووافقهم فيه العسكر، لتنتهي المرحلة الانتقالية في حزيران (يونيو) القادم!

كان مهماً أن يركزوا على تنظيم أنفسهم حزبياً وسياسياً ومخاطبة الناس بأهداف الثورة وبمشروعها، حيث يكون المستقبل للتنظيمات لا للإلكترونيات، وللإستراتيجيات لا للانفعالات!

لم يكن مفاجأةً توجه مليونيات الإسلاميين -بذكاء ملحوظ- نحو صناديق الانتخاب في 28 تشرين الثاني، وإلى قنوات هندسة الدولة، البرلمان والدستور، رغم ما سبق الانتخابات بقليل من أحداث ميدان التحرير ثم أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء. لقد تركزت أنظار ائتلافات شباب الثورة من المعتصمين والمتظاهرين على الانفعال وعلى الميدان وحده في مواجهة العسكر، بينما اتجهت أنظار الإسلاميين والقوى السياسية التي خاضت الانتخابات الى الناس والأغلبية الصامتة ومواجهة العسكر سياسياً، عبر قيام مؤسسات موازية لمؤسسته، كالبرلمان ثم الدستور.

انتهت الانتخابات المصرية وحصد الإسلاميون أغلبية كبيرة من مقاعدها... وبعيداً من احتمالات تحالف الإخوان مع السلفيين أو تحالفهم الديموقراطي بعيداً من السلفيين الذين خرجوا منه مبكراً، تبقى الحقيقة المُرة، وهي فشل شباب الثورة في إدارة هيكلة الدولة بعد أن أداروا عجلة الثورة، لينجح بعض من لم يشاركوا فيها من السلفيين. أما التحالف، فهو مسألة ظرفية تحددها معركة الدستور المنتظرة، وكيف ستدار، وإلى أي حد سيترك الجيش المسألة بعد نهاية وثيقة السلمي، وإلى أي حد كذلك سيتدخل فيها؟ فهذه الأسئلة وحدها ستحدد من سيتحالف مع من في البرلمان القادم، بعيداً من الوعود والأمنيات. لكن ما لا شك فيه، أن القوى المدنية خسرت كثيراً بسبب سجالاتها وضعف توافقها وقدرتها على إدارة معركة هندسة الدولة بعد الثورة وفرزها السياسي بعد الاستفتاء.

كذلك عجزت ائتلافات شباب الثورة عن نظْم نفسها، وتخلى عنها بعض من وعدها بدعمه، وغلب فيها التحزب على التوافق، فكان شتاتها بين ميدان التحرير وبين أفراد معدودين على قوائم مختلفة أو أفراد بلا قوائم!

ولعل الخطورة الأكبر والتي ساهم فيها الإعلام السجالي في مصر، هي هزيمة الخطاب قبل هزائم الواقع، حيث انشغل الليبراليون والعلمانيون جميعاً بالدفاع أمام الهجمات السلفية الاتهامية الموجهة اليهم: انشغلوا بالدفاع الديني عن توجهاتم الفكرية والسياسية بتوجيهات وكلمات معلنة من شيوخ الدعوة السلفية في الإسكندرية وغيرها! وكان الأولى أن يشغلوا الآخرين بالدفاع عن مدى صدقية إيمانهم بالسياسة والمدنية، بعد سقطات كان يمكن استثمارها من تكفير الديموقراطية وتشبيهها بالمِيتة ولحم الخنزير، حيث الضرورات تبيح المحظورات، وتكفير أمثال نجيب محفوظ، الذي حلت ذكرى مولده المئوية قبل قليل، أو اللغة الخشبية العدائية تجاه المسيحيين رغم سقوط شهداء مسيحيين في ساحات الثورة حينما لم يكن يشارك فيها السلفيون!

بعد عام من ثورة «اللوتس» والحرية، تتراجع الحريات وتحضر الطائفية هجوماً وهواجس متزايدة، كما يعود نفس القاموس المعادي لمنظمات المجتمع المدني، والتي تم اقتحام بعض منها في أواخر أيام العام الماضي! فهل سيظل شباب الثورة - فقط- عالقين في ميدان التحرير غير قادرين على نظم لحن سياسي وإستراتيجي فاعل في غد أكثر صعوبة وتحدياً؟

يهود في الثورات العربية

بقلم: موفق محادين عن العرب اليوم

ما من ثورة عربية خلت من حضور يهودي ما, واضحا جليا حينا, وملتبسا في بعض الاحيان, ومن امثلة الحضور الثاني مساهمات بعض اليهود في تأسيس حلقات يسارية في مصر والعراق وفلسطين, وكان ابرزهم هنري كورييل الذي اتضح لاحقا انه عميل مزدوج لجهات دولية عديدة..

اما الابرز في الحضور اليهودي فهو العمل كجواسيس للدوائر الاستعمارية ولاجهزة المخابرات والقتل الصهيوني, ومن ابرزهم ساره وشبكتها التي سعت لاختراق رجال الثورة العربية الكبرى ونجحت في تمزيق سورية التاريخية الى اربعة كيانات, ومثل شبكة ساره, شبكات لؤلؤة اللاحقة التي اقام بعض افرادها علاقات مع بعض السوريين الذين حرضوا على انفصال سورية عن مصر جمال عبدالناصر- ثم الجاسوس كوهين الذي قدم نفسه كصديق لامين الحافظ وجماعة سليم حاطوم الذين حاولوا الاستفادة من عدوان حزيران 1967 للانقلاب على تحالف صلاح جديد - حافظ الاسد آنذاك...

اما في (الثورات الاخيرة) فالابرز, الفرنسي اليهودي برنار ليفي, صديق نتنياهو وساركوزي ووزير خارجيته (جوبيه). ولم يعد خافيا على احد دوره في اسقاط نظام القذافي في ليبيا وفي التحريض على سورية, فهذا (الفيلسوف) الفرنسي (ليفي) زميل لبرهان غليون في مدرسة السوربون الغيرية (من غير او الآخر) كما اسسها يهودي فرنسي آخر هو ليفينياس.

واضافة لبرنار ليفي, ثمة جاسوس خطير هو ايلان غرابل تشايم, الدي اعتقلته المخابرات المصرية في ميدان التحرير في حزيران 2011 بعد تورطه في التحريض الطائفي. واضافة لمهامه التجسسية التقليدية وخدمته في فرقة المغاوير الصهيونية اليكم (نماذج) من مهامه الخطرة الاخرى كما جاء على لسانه نفسه في مقال نشرته جريدة معاريف (الاسرائيلية) في الخامس من الشهر الحالي وأعادت الرأي نشره في اليوم التالي:-

1- »وصلت الى مصر كي اعمل في منظمة غير حكومية« والمقصود/ احدى منظمات التمويل الاجنبي التي تعمل كمركز دراسات خاص او في مجال حرية الصحافة او حقوق الانسان او الاعلام المجتمعي.. الخ.

2- »كنت مهتما بتقديم المساعدات لطالبي اللجوء السياسي من العرب في القاهرة« وربما يقصد بعض العراقيين والسودانيين والسوريين كما هو معروف ان المنظمات العاملة في مجال حقوق الانسان هي مرتع خصب لهؤلاء الجواسيس وسخائهم المالي وقنواتهم السرية.

3- في زيارات سابقة لمصر - يتابع غرابل - وبالحرف الواحد, اقمت علاقات مع مؤيدين للجماعات الاسلامية وساهمت في تغيير افكارهم حتى انهم تمنوا النجاح لي حين عدت الى (اسرائيل) لاداء واجب الخدمة الاحتياط (في فرقة المغاوير).

4- يقول ايضا: رغم انني دخلت مصر بجواز سفر امريكي الا انني عرفت نفسي كاسرائيلي - صهيوني..

5- من بين التهم الموجهة له التي ذكرها غرابل في مقاله, نقل وتهريب السلاح بين مصر وليبيا, واغواء الفتيات المصريات ومحاولة تجنيد بعضهن.

6- حسب غرابل وتجربته, فأخطر ما يواجهه الليبراليون من جماعة مراكز الدراسات الخاصة وغيرها هو التشكيك بدور امريكا والدول (الحرة) في نشر الديمقراطية وربطها (بالمؤامرات الخارجية)...

7- لم يذكر غرابل كلمة واحدة عن اعترافاته الخطرة كما نشرتها صحف مصرية, ومنها عمله السابق في فرقة المغاوير الصهيونية, ودخوله بيروت خلال عدوان تموز 2006 كصحفي روماني متعاون مع وسيلة اعلامية مقربة من جماعة 14 اذار, كما لم يذكر في المقال دوره في التحريض الطائفي المزدوج في مصر (مسلمون صد اقباط والعكس).

وفي لبنان, حيث اقام في اكثر من منطقة ومارس اكثر من مهمة, من الشبكة الالكترونية لتحديد اهداف لقصف الطائرات, الى الدفع بسخاء لاعلاميين لغايات التحريض المذهبي, مسلم - مسيحي وسني- شيعي...

عام على الانتفاضات العربية

بقلم: فايز رشيد عن القدس العربي

عام انقضى على الانتفاضات العربية التي دشّنتها تونس، وانتقلت إلى مصر وليبيا وإلى بعض البلدان العربية الأخرى، التي ما تزال تمور بإرهاصات الحدث. وفي المشهد البانورامي العام لبلدان الانتفاضات العربية، يمكن القول: ان النتائج لم تكن على مستوى التوقعات من حيث الإنجازات التغييرية الثورية، وصولاً إلى أن البعض تمنى لو لم تكن تلك الانتفاضات/الثورات قد حدثت. هؤلاء على العكس من أصحاب وجهة نظر يعتقدون بأن الثورات قد أنجزت أهدافها، وبين هذه وتلك تكمن الحقيقة ومفادها: أن هناك تغييرات حقيقية تم إنجازها في هذه البلدان، لكنها لم تكتمل وهي بحاجة إلى مشوار طويل من حيث الوصول إلى ما هو مفترض أن تحققه ثورة.

من جانب آخر: لم تكن هذه التغييرات بمعزل عن أخطارٍ جديدة رافقتها مثل: خطر الحرب الأهلية في ليبيا، والتي حذّر منها رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل أثر اشتباكات دموية وقعت في طرابلس، والتي كشفت عن حجم التناقض بين ما كان يُطلق عليه صفوف المعارضة، والتي تصل إلى مرحلة التناقض التناحري بين أطراف مفترض فيها أن تشكل فريقاً واحداً. هذا إلى جانب نزاعات أخرى نبتت كفطرٍ مسموم على هامش بعض الانتفاضات: كالنزاعات القبلية العشائرية، والأخرى المتعددة المظاهر.

صحيح أنه أُجريت انتخابات في كلٍّ من تونس ومصر، ففي الأولى حذّر المنصف المرزوقي رئيس الدولة من تصاعد حدة الخلافات بين الأطراف التونسية وطالب'بهدنة' فترة ستة شهور من أجل احتواء هذه الخلافات. في تونس أسفرت النتائج عن فوز القوى الدينية في الانتخابات، وهذه أخذت على عاتقها تكرار التجربة التركية في الحكم، والسؤال هو: هل هذه القوى فعلاً مهيئة لتكرار نفس التجربة المذكورة، وهل ما جرى في تركيا يمكن تطبيقه على ظروف تونس؟ في مصر تكررت نتائج الانتخابات عن فوز القوى الدينية بمن فيها الأصولية، وفق تأكيدات من مصادر غربية (أهمها الأمريكية) منها تصريح لهيلاري كلينتون: بأن الولايات المتحدة لا تضع فيتو على تسلم القوى الإسلامية المعتدلة للحكم في بلدانها'، ومنها أيضاً تصريحات أدلت بها المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية: فكتوريا نولاند، ذكرت فيها:'إن جماعة الإخوان المسلمين في مصر قدّمت للولايات المتحدة ضمانات وتعهدات باحترام معاهدة كمب ديفيد مع إسرائيل'، ومنها تصريح لجيفري فيلتمان، كبير مستشاري وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤؤن التغييرات في العالم العربي، ذكرها في مقابلة له مع صحيفة 'يديعوت أحرونوت' الأسرائيلية قال فيه: 'أن الاخوان المسلمين في مصر أبلغوه: أنهم يفهمون أهمية الحفاظ على معاهدة السلام مع اسرائيل وأنهم لا ينوون الغاءها'.

من جانب ثان فوفقاً لتصريح باسم الحكومة الإسرائيلية مفاده: انها أعطت الضوء الأخضر لسفيرها في مصر للإلتقاء بالإخوان المسلمين. بالطبع الأخيرون حاولوا نفي كل هذه الأنباء، فقد أدلى الناطق الرسمي باسم الإخوان المسلمين في مصربتصريح قال فيه: 'أن الإخوان لم يعطوا تعهدات لأمريكا لكنهم يؤكدون على اللقاءات بين الجانبين'، ولكن هل يتجرأ الأمريكيون على اختلاق كل هذه التصريحات؟ وهذا بدوره يقود إلى تساؤلات أخرى: ما معنى التغيير إذن في مصر إن جرى التمسك بمعاهدة كمب ديفيد؟ وبخاصة أن إلغاء هذه المعاهدة هو مطلب جماهيري! فقد قام شباب الثورة بمهاجمة السفارة الإسرائيلية في القاهرة،هذا بالطبع عدا عن الخلافات بين أطياف المعارضة المصرية، وأن وجود المجلس الأعلى العسكري المصري على رأس السلطة في مصر هو استمرار لوجود ملامح من عهد مبارك!

على صعيد آخر: فكما هو معروف بالطبع، تدخل حلف الناتو في الحدث الليبي، وهذا لم يكن تأييداً للثورة بالقدر الذي هو فيه دفاع عن مصالح دول الحلف في اقتسام الكعكة الليبية وتحديداً النفط في عهد التغيير، وهذا ما حصل، وبخاصة في ظل توتر متسارع للأحداث بين إيران والدول الغربية، وتهديد الأولى بإغلاق مضيق هرمز أمام تصدير النفط من كافة دول الخليج.

الاستراتيجية الغربية وبالتحديد الأمريكية انطلقت في رؤيتها للانتفاضات العربية من قاعدة محاولة احتوائها وبخاصة بالنسبة للعهود الجديدة في هذه البلدان وبواقعية نقول: استطاعت هذه الاستراتيجية تحقيق أشواط في نظرية الاحتواء. هذا عدا عن أن التدخل العسكري الناتوي في الحدث الليبي قد أخرج الانتفاضة الليبية من مسارها السلمي إلى الآخر ذي الطابع العسكري، وبتدخل مباشر خارجي.

من جانبه، فإن برهان غليون رئيس المجلس الانتقالي السوري (المعارضة الخارجية) كان واضحاً في تصريحاته: بضرورة التفاوض مع إسرائيل لاسترداد الجولان، ووعد في حالة تسلم المجلس للحكم في سورية بقطع العلاقات السورية مع حزب الله وإيران (وبالطبع مع المقاومة الفلسطينية، وطرد المتواجدين منها في سورية)، بما يشكله ذلك من مغازلة لواشنطن ولإسرائيل وللغرب عموماً، هذه الأطراف التي ترسم سيناريوهات عديدة (كما كشفت الأنباء) للمعارضة من أجل إنجاز عملية التغيير في سورية!هذا عدا عن المباحثات التي جرت مع الطرف الأمريكي في واشنطن، ومطالبة المجلس للناتو بفرض مناطق حظر جوي في سورية،ولتركيا بإنشاء مناطق عازلة على الحدود التركية - السورية. هذا يعني المطالبة بتسليم بلد عربي للولايات المتحدة وللأطراف الخارجية، الأمر الذي يُخرج هذه المعارضة من ردائها الوطني إلى الجانب النقيض منه تماماً.

في اليمن، فإن للولايات المتحدة خيوط مع الحكم ومع المعارضة في محاولة لاحتواء أية تغييرات في هذا البلد، بمعنى أن أمريكا لم تترك بلداً عربياً حدثت فيه انتفاضة/ثورة أو أي بلد آخر توجد فيه هذه الإرهاصات. بالطبع الأهم للولايات المتحدة هو استمرار علاقاتها مع هذه البلدان، وضمانة أن لا يعكس التغيير في هذا البلد أو ذاك أية نتائج للبلد مع إسرائيل. وبخاصة معاهدة كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

بعد عام على الانتفاضات العربية وفي ظل الصورة الضبابية الحالية لواقع بلدان هذه الانتفاضات، لا يملك المواطن العربي سوى أن يضع يده على قلبه، تحسباً لنتائج سلبية غير متوقعة، آملين عدم حدوث ذلك.

الربيع العربي : بين التعثر والانحراف

بقلم: باسم الجسر عن الشرق الاوسط

هل بدأت أزهار الربيع العربي تذبل وتتساقط؟ أم أن ما حدث ولا يزال يحدث بعد انتفاضات عام 2011، من نزاعات وانتكاسات وانحرافات، داخل الأنظمة الجديدة، كان منتظرا، بل ومحتما؟ وأن علينا، الآن، التريث في حكمنا على مآل الربيع العربي، والكف عن التصفيق الشديد له أو التخوف الكبير من عواقبه؟

وعلى الأخص ما يحدث في سوريا، حيث باتت الثورة تراوح مكانها جراء المناورات والتحولات في مواقف الدول الكبرى والإقليمية النافذة من هذه الثورة ومن النظام الحاكم في دمشق، والذي يطرح أكثر من سؤال ويرفع أكثر من علامة تعجب واستفهام، لا فوق الواقع الراهن في سوريا فحسب، بل فوق ما يجري في أكثر من بلد عربي تتقاذف القوى الجديدة الحاكمة أو المرشحة للحكم مصيره.

فمن الواضح أن موقف جامعة الدول العربية، منذ وصول مراقبيها إلى سوريا بات ألين بكثير من موقفها السابق الذي حشر سوريا في الزاوية ودفعها إلى القبول بالمراقبين. ويطرح السؤال نفسه حول موقف بعض الدول العربية والإقليمية التي لينت موقفها السلبي من النظام السوري؟ وحول هذا الانفتاح الأميركي على الإسلاميين؟ هل هو مجرد اعتراف بحق الأكثرية البرلمانية الفائزة في انتخابات ديمقراطية.. أم أنها بداية سياسة أميركية جديدة في الشرق الأوسط تلعب فيها ورقة الإسلاميين السنة العرب ضد الإسلاميين الشيعة الإيرانيين؟ وماذا إذا اتفق الإسلاميون السنة والشيعة على مواجهة مشتركة للولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل؟

ثمة أحداث وتحولات أخرى مفاجئة شهدتها منطقة الشرق الأوسط مؤخرا، تستحق أيضا التوقف عندها، منها هذه الأزمة المجانية التي نشبت بين فرنسا وتركيا بشأن المسألة الأرمنية، والتي لم تقتصر ذيولها على تسميم الأجواء بين تركيا والغرب، بل دفعت تركيا إلى فتح حوار مع إيران (زيارة وزير خارجيتها لطهران)، وبالتالي إلى تراجع تركيا خطوة إلى الوراء في موقفها الضاغط على النظام السوري. لقد كان الرئيس التركي أردوغان قد قام بجولة على عدة عواصم عربية تكريسا للسياسة العربية الجديدة التي قررت بلاده اتباعها، ولكنه - على ما قيل - عاد من هذه الجولة العربية بانطباع سلبي، قد يكون من أسباب فتور موقفه بالنسبة إلى الانتفاضة الشعبية السورية.

ثم ماذا عن اندلاع هذه الأزمة السياسية - الطائفية في العراق، بعد ساعات من جلاء القوات الأميركية عنه؟ هل هي مجرد صراع على الحكم بين الساسة السنة والشيعة؟ أم أن وراءها صفقة أو صفقات أكبر، دولية وإقليمية، كالتمهيد للانسحاب من أفغانستان؟ والسؤال الملح أيضا، هو حول موقف إسرائيل الحقيقي مما يجري في سوريا.

ذلك أن هناك أكثر من سبب يدفع إلى الظن بأن إسرائيل لا تريد سقوط النظام السوري (وإن كانت سعيدة بإضعافه وتقليص دور حلفه مع إيران وفي لبنان)، لأنها تخشى من وصول الإسلاميين إلى الحكم، وتلاقيهم في معاداتها فعليا مع إسلاميي مصر. وغني عن القول إن الولايات المتحدة تتأثر، بل وتلتزم بموقف إسرائيل من الأنظمة العربية ونراها بالتالي تدعو إلى تغيير النظام في سوريا، ولكن دون أن تخلع قفازيها وتضربه بهما. مع أنها لا تخفي موقفها المتصدي للحلف السوري - الإيراني وامتداداته عبر ما سمي بجبهة الممانعة في لبنان وفلسطين.

في الواقع، يبدو العالم العربي بعد عام من الانتفاضات الشعبية بوجه أنظمة حكمها الاستبدادية، في أضعف حالاته، ضائعا وممزقا. الدول الكبيرة الفاعلة فيه تبحث عن دور جديد. ومحور المبادرات العربية المهمة انتقل من مصر وسوريا إلى الخليج، وباتت أكثر من دولة عربية مرشحة لثورات أو لحرب أهلية أو للانقسام إلى دويلات عرقية أو طائفية أو مذهبية. ومن الواضح أن الدولتين «الفاعلتين» الجديدتين في المنطقة هما اليوم إيران وتركيا. في نظر المراقبين الغربيين، على الأقل. فهل يتفق هذان البلدان الطامحان والفاعلان على تقاسم النفوذ في المنطقة مع الدول الكبرى أو من دونها؟ أم أنهما سيدخلان في منافسة يكون العراق وسوريا مسرحهما؟

يضاف إلى كل هذا الغليان السياسي والضياع العقائدي، الحرب الباردة الجديدة بين المحور الأميركي – الأوروبي، والمحور الروسي - الصيني، في هذه المنطقة من العالم وعليها، والتي تزيد من حماوة مشاكلها. أما قضية السلام في الشرق الأوسط، وقضايا الحرية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي من أجلها انتفضت الشعوب.. فيمكنها الانتظار، والانتظار طويلا قبل أن تتحقق، لا سيما أن عام 2012 هو عام الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، وهو عام يحجم فيه الرؤساء المرشحون عن اتخاذ مواقف دولية حاسمة تؤذيهم انتخابيا.

المعارضة الديمقراطية في العالم العربي

بقلم: محمد بن علي المحمود عن الرياض السعودية

الفضاء الديمقراطي ، أياً كان زمانه ، وأياً كان مكانه ، يلتزم وجود المعارضة السياسية ضرورة ؛ لأنه في هويته ، من حيث هو ديمقراطي، فضاء تعددي ، فضاء اختلافي ، فضاء جدلي في النهاية ، لا معنى للديمقراطية بدونه ، بل لا وجود لها بدونه ، إذ تنتفي حقيقتها (= الديمقراطية) بانتفائه ؛ تبعا لمستوى درجة الانتفاء .

الرؤية الأحادية هي رؤية دكتاتورية ، أو هي الوعي الدكتاتوري ذاته . الأحادية هي اللاديمقراطية ؛ لأنها تعني : اللامعارضة ، اللاتنوع ، اللااختلاف . الرؤية الأحادية هي رؤية رافضة للحرية ابتداء ، وللديمقراطية انتهاء . وبين البداية والنهاية هي نافية للإنسان

المعارضة هي جزء رئيس من بنية التصور الديمقراطي (التصور المضمر نسقيا في الثقافة الواعية واللاوعية) ؛ قبل أن تكون جزءا من واقعه الإجرائي / العملي ، ذلك الواقع المتجسد في مستويين : مستوى نصوص الأنظمة والقوانين والتشريعات الحاكمة (إذ هي إحدى تجليات الممارسة العملية ، أي نقل التصور إلى مستوى الفعل ، حتى وإن بدت نظرية) ، ومستوى النزاهة في التطبيق .

من هنا ، فالرؤية الأحادية هي رؤية دكتاتورية ، أو هي الوعي الدكتاتوري ذاته . الأحادية هي اللاديمقراطية ؛ لأنها تعني : اللامعارضة ، اللاتنوع ، اللااختلاف . الرؤية الأحادية هي رؤية رافضة للحرية ابتداء ، وللديمقراطية انتهاء . وبين البداية والنهاية هي نافية للإنسان . وبهذا ، كلما استحكمت أحادية الرؤية ؛ ارتفع مستوى نفيها للإنسان ؛ حتى ولو كانت ، على مستوى الخطاب المعلن ، ترفع عقيرتها ليل نهار باحترام الإنسان، بل وبتقديس / تكريم الإنسان.

إذن ، ليست أية معارضة تصلح لأن تكون تلك المعارضة التي يشترطها الفعل الديمقراطي الحقيقي ، والتي لا وجود له بدونها حتما . المعارضة الحقة ، هي المُعَارَضة المُعَارِضة ، أي القائمة على مجموعة واسعة من الاختلافات الجوهرية في مجمل التصورات ، بداية من طريقة الشعور بالمشكلة / الأزمة ، وانتهاء بسُبُل اجتراح الحلول ووسائل تنزيلها على الواقع ، وليست مجرد (اختلاف الآراء) مع تماثل أو تطابق التصورات ، ولا تباين الطروحات التي قد لا تتعدى مستوى (تقابل الآراء) ، وأحيانا (تجاور الآراء) .

هذا على مستوى الديمقراطيات الناجزة ، أو تلك التي هي في دور من أدوار الاكتمال ، أو حتى تلك التي تعد بشيء من الاكتمال . أما الديمقراطيات الشكلية التي لا تمثل المعارضة فيها إلا دورا هزيلا من أدوار المسرحية الهزيلة ، فالمعارضة فيها مُزوّرة ، بداية من الفكرة ، وانتهاء بالممارسة ، فضلا عن الأحزاب الحاكمة فيها ، والتي هي الإعلان الصريح عن مجتمع التزييف ، وليس - فقط - عن حكومة التزييف !.

المعارضة لابد أن تكون معارضة تخترق أنساق الوعي ، الوعي المُهيمن الحاكم للواقع (الواقع أنظمة وتطبيقا)، لابد أن تكون اختلافاً في نمط التفكير ، بل وانقلابا عليه ؛ وإلا فهي - حقيقة - لا تتعدى كونها جزءا أصيلا من الواقع الدكتاتوري / الاستبدادي / اللاديمقراطي ، بل واستمرارا له ؛ فيما لو تم السماح بتبادل الأدوار .

إذا كانت البُنية العامة للوعي العربي الراهن هي بنية كهنوتية على مستوى الديني ، فإنها كذلك أيضا على المستوى المدني ، على مستوى البُنى التي تحكم الوحدات الاجتماعية الصغرى (= ما دون سياسية) . في العالم العربي ، البنية الاجتماعية المدنية ذات طابع تراتبي / تفاضلي / تقديسي في كثير من ملامحها ؛ تماما كما هي الحال في البنية الدينية ، أقصد الدينية الصريحة في تجسيد معالم كهنوتيتها في الواقع المعاش.

في الجمهوريات العربية التي رفعت راية الديمقراطية ظهرت أحزاب وتيارات معارضة ، فضلا عن حركات المعارضة المحظورة ، أو تلك التي كانت محظورة ؛ لتكون تعبيرا عن التنوع والاختلاف والتعدد ، أو هكذا أُريد لها أن تكون . في تلك الجمهوريات القائمة أو البائدة كانت معظم هذه الأحزاب / التيارات / الحركات المعارضة ، ذات طبيعة دينية حقيقة وشعارا ، خاصة تلك التي كانت تمتلك رصيدا جماهيريا معتبرا في الشارع منذ أربعة عقود .

لكن ، ما يلفت النظر ، ويسترعي الانتباه ، ويستدعي المراجعة ، ويُؤكد على ضرورة إعادة القراءة والتأويل، هو أن بقية التيارات المدنية/ اللادينية، فضلا عن الحكومات المتعسكرة، والتي كانت تُصنّف - أو تُصنف نفسها - على أنها علمانية بنسبة ما، كانت ذات طابع كهنوتي ديني، بحيث لا فرق - في الجوهر - بينها وبين حركات المعارضة الدينية إلا في لغة الشعارات، أما نمط التفكير، وطبيعة الممارسة، وسيمياء اللغة (اللغة القولية واللاقولية)، فهي صادقة - أشد ما يكون الصدق - في التعبير اللامباشر عن مكنون الوعي الديني/ الكهنوتي الذي لم يتحرر منه الوعي العربي/ الإسلامي العام، على امتداد الجغرافيا والتاريخ.

عندما تقوم بقراءة واقع تلك الأحزاب / التيارات المدنية المعارضة ، ومن ورائها الأنظمة الحاكمة المتعلمنة بنسبة ما ، تجد الروح الكهنوتية طاغية إلى حد كبير، حيث قداسة الأفكار وعصمتها، وحيث قداسة الأشخاص وادعاء معصوميتهم، وحيث التراتبية، ومن ثم اللامساواة، وحيث الحصانة المقترنة بالمنصب أو الموقع أو المكانة الاعتبارية ...إلخ ، كما هي الحال في الكهنوت الكنَسي الصريح ، وأحيانا ، كما هي الحال في الكهنوت الوثني الصريح .

زعماء الأحزاب ، قادة التيارات المعارضة ، رؤساء الجمهوريات ، مرشدو الجماعات ...إلخ ، كلهم يتم التعامل معهم بوعي كهنوتي ، يتم التعامل معهم على أنهم كائنات ما فوق بشرية (آلهة ، أنصاف آلهة ، ملائكة ، أنبياء ، باباوات ، قساوسة ..) . التعامل معهم يعكس حقيقة التصور ، ولذلك فكل هؤلاء الزعماء ، وكل هؤلاء القادة ، وكل هؤلاء الرؤساء يتم التعاطي معهم على أساس أنهم ليسوا بشرا عاديين ، بحيث يُصيبون ويخطئون ، يحَكمون ويُحاكمون . هؤلاء يتم التعاطي معهم ضمناً ، وأحيانا صراحة ، على أساس أنهم ليسوا بشرا يخضعون للقانون ، كما هي حال بقية البشر (= المواطنين) ، بل هم فوق القانون ، قانون الأرض أو قانون السماء . آراؤهم هي نصوص مقدسة بحد ذاتها ، لا يُفسرها إلا هم ، أو من هو منهم ، بينما غيرهم مجرد بشر ، مجرد رعايا أو رعية ، مجرد هوامش على المتن المقدس المتعالي (الذي يمثله هؤلاء الزعماء والرؤساء والمرشدون) المتن المتعالي عن إدراك وفهم هؤلاء الرعايا المساكين !.

في وضع كهذا ، لا ديمقراطية حقيقية ؛ حتى ولو حدث المستحيل ، فعَشِق هؤلاء الديمقراطية ، وأرادوها في الواقع حقيقة ، إذ البنى الذهنية المتفاعلة جدليا مع شبكة علاقات الواقع تتناقض جذريا مع التصور الديمقراطي أولا ، ومع شروط مَوْضَعة الديمقراطية في الواقع ثانيا . أي أن كل ادعاء ديمقراطي ، وكل محاولة ديمقراطية في مثل هذه الحال ، لا يتعديان كونهما خداعا غير واع للذات ، أو خداعا واعيا للآخرين.

وبناء على هذا، يعجز الإنسان العربي عن تحقيق الشرط الديمقراطي الأولي والجوهري (= المساواة). لا يستطيع الإنسان العربي اليوم أن يرى الرئيس، أو زعيم الحزب، أو الحاكم، أو مرشد الجماعة، أو شيخ الطريقة...إلخ على أنه مجرد إنسان كغيره ، إنسان مساوٍ تماما لغيره على كل المستويات ، إنه لا يستطيع تصوره مجرد مواطن (والمواطنة مفهوم مدني منفصل عن كل التصورات الكهنوتية ، بل ومتضاد معها) مثل بقية المواطنين . ولهذا يستحيل عليه أن يكون ديمقراطيا حتى وهو ينادي بأعلى صوته مطالبا باللبنات الأولى للتصور الديمقراطي: الحرية والعدالة والمساواة.

رَفْعُ البشرِ إلى ما فوق البشر ممارسة كهنوتية في أساسها ، حتى وإن تمظهرت في بعض البيئات على هيئة تراتبية مدنية لا علاقة لها بالدين ولا بعالم المتدينين . مشروعية تعظيم وتقديس الرئيس أو الزعيم ...إلخ ، تتكئ على التصور الكهنوتي المتمثل في تزكية جماعات من القدماء بالعصمة، أو بالعدالة التي هي نوع من العصمة، على اعتبار أن هناك مجموعة بشرية ما، في زمن ما، تجاوزت بشريتها؛ فأصبحت (بكل فرد من أفرادها) معصومة من الأخطاء والخطايا البشرية: الكذب والتزوير والفساد والظلم والطغيان واتخاذ عباد الله خولا بعد أن وُلدوا أحرارا متساوين.

من الطبيعي أن من يقدس (بأية صورة من صور التقديس التي تتجاوز بالشخص حدود البشرية) شخصاً ما في ماضيه السحيق، شخصاً محدود القدرات، محدود الأتباع ، لا يملك شيئا من مقومات القوة، ولا من مقومات القدوة ؛ لمجرد أن حظه ساعده على أن وُلد في زمن ما، وفي مكان ما، لن يجد أية غضاضة في أن يُقدّس ويُعظّم الزعيم أو الرئيس المتجسد كواقع حي أمامه، والذي يمتلك كثيرا من مقومات القوة ومن وسائل النفوذ، بل سيجد نفسه منقادا - بوعي أو بلا وعي - لممارسة هذا التقديس والتعظيم، الذي لايمكن للوعي الديمقراطي أن يتعايش معه؛ مهما كان حجم التلفيق أو التوفيق، على مستوى النظرية أو على مستوى التطبيق.

هل بدأت نهاية الأحزاب الدينية؟

بقلم: أحمد أميري عن الاتحاد الاماراتية

يراهن بعض الخصوم الفكريين للأحزاب الدينية على أن وصول هذه الأحزاب إلى الحكم سيعني بداية النهاية لفكر الإسلام السياسي برمته، باعتبار أنها ستغرق في مستنقع المشكلات العربية، والتي لا يمكن الخروج منها بقيم العصور الوسطى وبالخطب الحماسية والشعارات الرنّانة، ومن ثم فإن الشعوب العربية ستسير في طريق الصحوة الحقيقية وتطلّق تلك القيم إلى الأبد، ولن تصدّق بعدها إلا صوت العقل، وستحتضن قيم العصر الحديث.

كما يدعون إلى عدم التطيّر بوصول الإسلاميين إلى الحكم، إذ ستكون للشعوب التي سيحكمها هؤلاء الفرصة لمعرفة الحقيقة المرّة، والتحقق إن كانت هذه الجماعات ستبقى وفيّة لمبادئها التي أعلنت عنها وهي تخطب ودّ الصناديق أم ستتنكّر لها كما يفعل الأزواج، فبينما في فترة الخطوبة يظهر الزوج، أو الزوجة، أرقى ما عنده ليظفر بإعجاب الطرف الآخر، فإن مرحلة الزواج تكشف معدنه إن كان ذهباً أو فالصوه، ويصعب على الطرف الآخر أن يستشف معدنه قبل الدخول، خصوصاً إذا كان بارعاً في التغطية على عيوبه. لابد له أن يجرّبه ليعرفه.

ويرون أنه ما دامت الشعوب العربية لم تجرّب الحكم الإسلامي، فإنها ستظل تحلم باليوم الذي يكون حاكم دولتهم هو نفسه إمام مسجدهم. وما دامت بعض الدول سائرة في هذا الاتجاه، فلنقعد ننتظر ماذا سيحصل لها، أي أن نتخذهم شواهد على الفرضية القائلة بأن الإسلاميين ليسوا مؤهلين للحكم، وبمعنى آخر، سيصبحون شهداء يضحون بحريتهم لينيروا الطريق لبقية الشعوب العربية.

ورغم أن المفكّر الفرنسي غوستاف لوبون يرى أن التجربة تشكّل منهجية فعّالة لتدمير الأوهام، لكنه يرى أن التجارب التي يعيشها جيل ما غير ذات جدوى بالنسبة للجيل اللاحق. ويستخف بالعظات والبراهين التي تستخدم الأحداث التاريخية مضرباً للمثل، لأنها لا تفيد شيئاً. ويقول إن "فائدتها الوحيدة تكمن فقط في البرهنة على مدى ضرورة تكرار التجارب من عصر إلى عصر من أجل أن تمارس بعض التأثير وتنجح في زعزعة خطأ راسخ بقوة".

وما بين أيدينا من تجارب فاشلة للإسلاميين في الحكم تدعم وجهة نظر لوبون، فهل خطرت تجربة السودان أو أفغانستان أو غزة في بال الملايين التي صوّتت للإسلاميين ؟ وحتى لو خطرت، فيمكن بسهولة تبرير فشل تلك التجارب أو التبرؤ منها، فتارة الظروف مختلفة، وتارة نحن استفدنا من تجربتهم ولن نكرر الأخطاء التي وقعوا بها، وتارة الغرب هو الذي أجهض تجربتهم المباركة.

ورغم أن التجربة الإيرانية هي أوضح تجربة، وقدّم الإيرانيون ولا يزالون العِبر في فشل الحكم الديني، لكن بحركة يد واحدة استطاع الإسلاميون استبعاد هذه التجربة كأنها لم تكن، فهم ببساطة يقولون إن هذه التجربة لا تعنيهم من قريب أو بعيد، وذلك بسبب الاختلاف المذهبي واختلاف الثقافة القومية، والاختلاف في جزء لا يستهان به من الإرث التاريخي، لذلك فإن هذه التجربة لم تستطع أن توقظ الملايين التي صوّتت للجماعات الدينية.

قد تفيد التجارب التي ستخوضها بعض الشعوب العربية مع حكم الأحزاب الدينية، لكن فشلها لن يضع عربة العرب على سكة الحداثة فوراً، إذ للأسف يجب أن تتكرر التجربة "من عصر إلى عصر من أجل أن تمارس بعض التأثير وتنجح في زعزعة خطأ راسخ بقوة".


إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً