اقلام عربي 12/06/2014
في هــــــــــــذا الملف:
المصالحة الفلسطينية: هل المشكلة في الراتب؟
بقلم: حسام الدجني عن القدس العربي
إنهاء الانقسام الفلسطيني أم إدارته إلى حين؟
بقلم: معين الطاهر عن العربي الجديد
ثغرة إسرائيلية في الحرب على الإرهاب
بقلم: رغيد الصلح عن الحياة اللندنية
أسئلة ما بعد وصول «داعش» للموصل
بقلم: بكر عويضة عن الشرق الأوسط
سر الانهيارات الأمنية في العراق
بقلم: عدنان حسين أحمد عن العرب اللندنية
رأي البيان: سوريا.. تراجيديا الموت واللجوء
بقلم: أسرة التحرير عن البيان الاماراتية
أيها الأميركيون لا تحدثوا فوضى جديدة
بقلم: جيمس زعبي عن السفير البيروتية
المصالحة الفلسطينية: هل المشكلة في الراتب؟
بقلم: حسام الدجني عن القدس العربي
أعتقد أن الإشكالية التي تعيق المضي قدماً في ملفات المصالحة الفلسطينية ليست الرواتب وحدها، وأدلل على صحة ما أقول من خلال أرقام شبه رسمية، وهي:
مجموع تعداد الموظفين الرسميين التابعين للحكومة السابقة في قطاع غزة تسعة وثلاثون ألفاً. خمسة عشر ألفاً يتقاضون رواتبهم من خزينة السلطة برام الله وهم على رأس عملهم بوزارتي الصحة والتعليم، بينما يبلغ تعداد المفصولين والمقطوعة رواتبهم وهم ممن عينوا قبل أحداث الانقسام في الرابع عشر من حزيران/ يونيو2007، ثمانية آلاف موظف، وهؤلاء من المتوقع انهاء مشكلتهم فور تشكيل حكومة التوافق حسب نص المادة التالية من اتفاق القاهرة: «عودة جميع الموظفين المدنيين بالضفة الغربية وقطاع غزة الذين كانوا على رأس عملهم قبل 14/6/2007 إلى وظائفهم، بما في ذلك المفصولون والمتغيبون على خلفية الانقسام، مع الحفاظ على كامل حقوقهم وسحب وإلغاء قرارات الفصل، ويكون ذلك فور بدء تنفيذ اتفاقية الوفاق الوطني، وتكون العودة وفق الآلية التي ستوصي بها اللجنة الإدارية والقانونية المشكلة، وخلال المدة المقررة لعملها».
أما إعلان الشاطئ الموقع يوم 23/4/2014م فمادته الثانية المتعلقة بالحكومة تقول: يبدأ الرئيس مشاورات تشكيلة حكومة التوافق الوطني بالتوافق، من تاريخه؛ وإعلانها خلال الفترة القانونية المحدد (خمسة أسابيع استناداً إلى اتفاق القاهرة وإعلان والدوحة)، وقيامها بالتزاماتها كافة.
والالتزام هنا لم يقيد بأي نص بمعنى أنه يشمل كل ما يمكن أن تلتزم به حكومة وعلى رأسها الرواتب.
إذاً، لم يتبق سوى ستة عشر ألفاً ونيّف عينتهم حكومة السيد اسماعيل هنية بعد أحداث حزيران/يونيو 2007، جزء كبير منهم في قطاع الصحة والتعليم، ومتوسط دخلهم ما بين 500-600 دولار وهذا الرقم لا يعقل أن يعرقل اتفاق مصالحة الهدف منه استعادة المشروع الوطني التحرري بعد ما أصابه من أمراض جراء حالة الانقسام البغيض.
وهذا يدلل أن الإشكالية الجوهرية بالحالة الفلسطينية تتجاوز الرواتب، وتتمثل بعدم قدرة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، عن التخلي عن سياسة التفرد والهيمنة على مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية، وفي المقابل عدم قدرة حركة المقاومة الاسلامية (حماس)، على طمأنة حركة فتح بأنها تسعى لشراكة حقيقية، وليست للانتقال لثقافة الهيمنة أو أن تكون بديلاً عنها، وهذا مرجعيته ثقافة مجتمعية سائدة في المجتمع الفلسطيني ومستمدة من السلطة الابوية.
وبين هذا وذاك تلعب الفواعل الدولية والاقليمية دورها في تدجين وتشويه القضية الفلسطينية بما يخدم المصالح الصهيونية.
وبذلك فإن الأزمة تتجاوز أزمة الرواتب، لترسخ أزمة الثقة، والتي يكمن سر علاجها بالبحث في جدوى اتفاقية أوسلو، وافرازاتها، والصراع على سلطة وهمية يتحكم فيها الاحتلال الصهيوني عبر أدوات عديدة أهمها أموال المانحين الدوليين.
وأذكر صانعي القرار الفلسطيني بنصيحة ميكافيلي للأمير عندما قال له: إذا أردت ان توحّد مجتمعك فابحث له عن عدو خارجي. والاحتلال الصهيوني مازال جاثماً على أرضنا لمن نسي أو تناسى ذلك.
إنهاء الانقسام الفلسطيني أم إدارته إلى حين؟
بقلم: معين الطاهر عن العربي الجديد
ليست المرّة الأولى التي تتفق فيها حركتا "فتح" و"حماس" على شكل من المصالحة الوطنية، فمحاولاتهما في ذلك طويلة ومتعرجة، وباء معظمها بالفشل، إن لم يكن كلها. ففي سنة 2005 تم توقيع اتفاق القاهرة، وأعقبه في سنة 2006 توقيع على وثيقة الأسرى، وتوج ذلك في 2007 بتوقيع اتفاق مكة الذي أسفر عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، برئاسة إسماعيل هنية، استمرت أشهراً عدة، ليجهز عليها الانقسام، وتنتج عنه حكومتان وسلطتان في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي سنة 2012، تم التوقيع على الورقة المصرية، بعد أخذ ورد، وسط احتفال مهيب في القاهرة، برعاية جامعة الدول العربية، وحضور مختلف الفصائل، وشخصيات وطنية فلسطينية، ليعقبه، في العام نفسه، توقيع اتفاق الدوحة.
وخلال هذه السنوات، وعلى الرغم من المعاناة والاجتياحات والحصار، استمرت المصالحة في المراوحة في المكان، ولم تفلح في تجاوز حالة ترقب وانتظار ما قد يأتي من متغيرات، تعدل في شروطها لمصلحة هذا الطرف، أو ذاك، أو تمنعه من التقدم في مساره. إذ فشلت كل هذه المحاولات في التصدي لأسباب الانقسام الحقيقية، ولم تتمكن من تجاوز الضغوط أحياناً، والإغراءات الإقليمية والدولية أحيانا أخرى، حيث اكتفى كل طرف بالتلويح بالمصالحة، وامتصاص النقمة الشعبية الناجمة من عدم تحققها، ومراقبة تأثير ذلك على الأوساط المختلفة، والرغبة في انتظار متغيراتها الموعودة، لعلها تسمح بترجيح كفة أحدهما على الآخر، والسعي إلى إبرامها بشروط جديدة.
يدفعنا ذلك إلى التساؤل عن المتغيرات التي أدت بالطرفين إلى الإعلان عن اتفاقهما لإنهاء الانقسام. وهل يشكل ذلك بداية حقيقيةً لإنهاء الانقسام؟ أم هي محاولة لإدارة الانقسام من "فتح" و"حماس"، تحت غطاء حكومة الوحدة الوطنية التي أعلن عن تشكيلها أخيراً؟
يمكن القول إن ثمة عوامل دفعت الطرفين إلى إخراج هذا الملف من أدراجه، والسعي إلى تطبيق ما يمكن منه، يتمثل أبرزها في انسداد أفق التسوية، وانخفاض التوقعات لدى القيادة الفلسطينية (السلطة) بحدوث تقدم سريع في المدى المنظور. إذ يعرض ذلك شرعية هذه القيادة، ومبرر بقائها للخطر، والمتمثل في إدارتها ملف المفاوضات، وكونها شريك عملية السلام المرتقب، بعدما تآكلت، بمرور الزمن، كل الشرعيات الدستورية الناجمة عن انتخاب الرئيس والمؤسسة التشريعية، ما يبرر حاجتها إلى شرعية جديدة، تضمن استمرارها، وهي شرعية الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام.
أضف إلى ذلك حاجة الرئيس محمود عباس لإنهاء الانقسام، والتوصل إلى صيغة ما مع حركة حماس، تتيح له التفرغ لإنهاء ملفات داخلية، ضمن حركة فتح، أبرزها ظاهرة محمد دحلان، والاستعداد لمؤتمر حركي جديد، لترتيب البيت الفتحاوي وخلافة الرئيس، مستفيدا من متغيرات الوضع الإقليمي، وأزمة حماس مع سورية، وتفكك محور المقاومة، ومصر بعد الانقلاب على حكم الرئيس محمد مرسي، والحصار الخانق الذي يشهده قطاع غزة، وأزمة الإخوان مع دول الخليج، ما يتيح له وضعاً أفضل في ترتيب شروط المصالحة.
وإذا كانت تلك هي الظروف التي دفعت الرئيس محمود عباس إلى الاندفاع نحو المصالحة، فإن ظروفاً مشابهة دفعت قيادة حماس للقبول بها، بل وإلى المبادرة في تقديم تنازلات مهمة من أجل إغلاق هذا الملف في هذه الفترة، بعد أن انهارت توقعات قيادتها بتغيير سريع في سورية، وانهار نظام الرئيس محمد مرسي في مصر، وشهدت حصاراً عربياً، ما يعني أن قطف ثمار الربيع العربي تأجل، ويحتاج فترة انتظار قد تطول، ما أصاب قيادة حماس بصدمة، دفعتها إلى التحرك السريع لإنقاذ قطاع غزة من الحصار الخانق، ومحاولة ترطيب العلاقة مع النظام الجديد في مصر التي تشكل المنفذ العربي الوحيد لغزة، مع طموحها إلى إعادة بعض النشاط لمؤسساتها وفعالياتها في الضفة الغربية التي تعاني آثار التنسيق الأمني.
لذا، قدمت حماس تنازلات كبيرة، تفوق تلك التي قدمتها فتح من أجل إنجاز الاتفاق، أبرزها الموافقة على نسخة مكررة من حكومة رامي الحمد الله، والصمت عن الحديث عن التزام الحكومة البرنامج السياسي للرئيس محمود عباس، وكذلك الحال في الموقف من التجديد لرياض المالكي وزيراً للخارجية، وإلغاء وزارة الأسرى.
هنا، يطرأ سؤال مشروع عما إذا كانت هذه الحكومة ستعمل لإنهاء الانقسام؟ وبكل ما تحمله هذه الجملة من معنى، أم أن مهمتها ستنحصر، وبالتعاون مع حركتي فتح وحماس، على إدارة الانقسام. فمن الناحية العملية، لن يطرأ أي تغير ملموس على عمل الأجهزة الأمنية، إذ سيبقى التنسيق الأمني (المقدس) بين أجهزة أمن السلطة وقوات الاحتلال قائماً، في حين ستبقى أجهزة أمن حماس المسيطرة في قطاع غزة. وقد تكون التعديلات الوحيدة في استلام حرس الرئيس المعابر في غزة، وفي لمسات محدودة على الحريات العامة هنا وهناك، أي أن القدرة على إعادة إنتاج الانقسام، ولو عبر وليد مشوه ما زالت قائمة.
التضخم في الجهاز الإداري والوظيفي في القطاع مشكلة بحد ذاتها، فهنالك 75 ألف موظف يطلق عليهم اسم "المستنكفون" يتقاضون رواتبهم من دون الالتحاق بعملهم منذ الانقسام، تم استبدالهم بـ45 ألف موظف، غالبيتهم من أنصار حماس. بطبيعة الحال، لا يوجد عمل لهذا الجيش الضخم من الموظفين، وهذا خارج إطاره السياسي يعد في أحد جوانبه مشكلة تقنية واجتماعية، لكنها تمس شريحة كبيرة من المواطنين، يمكن حلها عن طريق تعهد إحدى الدول بدفع رواتبهم، إلا أن دمج هاتين الشريحتين وإنجاز هيكلية وظيفية جديدة للدوائر والوزارات سيستغرق وقتاً طويلاً، قد تنتهي صلاحية الحكومة قبل إنجازه. أما في الضفة الغربية، فمن نافل القول إنه لا يتم تعيين أي موظف له علاقة من قريب، أو بعيد، بحماس. ويتطلب تعيين الموظفين موافقات أمنية معقدة، لا أعتقد أنها ستزول في ظل السياسات الأمنية المختلفة بين الضفة والقطاع.
ويبقى الأهم من هذا كله كيفية معالجة الملفات التي أدت أساساً إلى الانقسام نفسه، لمعالجة ذيوله من جهة، ومنع تكراره من جهة أخرى. وإذا كنا سنشهد في ظل الحكومة الحالية جهازين أمنيين، تحكمهما رؤية أمنية وسياسية متباعدة، تباعد التنسيق الأمني "المقدس" عن حماية المقاومة، وحقها في مقاومة الاحتلال، فإن ثمة ملفات أخرى لا تقل أهمية، ومن شأن إهمال التعاطي معها إعادة إنتاج الانقسام، بصور قد تكون مختلفة، من حيث الشكل، لكنها متشابهة من حيث النتائج. ويقف في طليعة ذلك، الموقف من المفاوضات والحل السياسي، فإذا كانت هنالك صيغة مطاطة لمعالجة هذا الموضوع، تتمثل في أن هذه المفاوضات من صلاحيات منظمة التحرير، وليست من اختصاصات الحكومة، وصمت حماس عن تصريحات تقول إن سياسة الحكومة هي سياسة الرئيس عباس، يتساءل المرء ما الذي سيحدث حين يتم التلويح، مرة أخرى، بالمفاوضات، ويتم اقتراح أسس جديدة قديمة لمشاريع مقترحة للتسوية؟
ولا تمر، منذ وعد بلفور في العام 1917، حقبة زمنية طويلة، أو قصيرة، إلا وتتعدد فيها المشاريع والحلول السياسية، بل ماذا يحدث، حين يبدأ الحديث عن إعادة ترتيب منظمة التحرير، وعن سياساتها الموحدة الجامعة، المفترض فيها أن تعيد توحيد البيت الفلسطيني، بقضاياه وهمومه وبرامجه في الوطن، بما فيه الأراضي المحتلة في 1948 والشتات، اللهم إلا إذا كان المقصود بإعادة ترتيب منظمة التحرير نوعاً جديداً من المحاصصة السياسية، أو إعادة توزيع حقائب اللجنة التنفيذية للمنظمة، من دون التطرق إلى واجبات المنظمة ومهامها التي فقدتها منذ اتفاق أوسلو.
ومن ثم، يأتي الموقف من الانتخابات المفترض إجراؤها نظرياً بعد ستة أشهر، وهو أمر على ما أعتقد بعيد المنال. وموضوع الانتخابات ليس إجرائياً، يتمثل في إصدار مرسوم بتشكيل لجنة انتخابات وإعداد قوائم الناخبين، ولا حتى بضرورة الحصول على موافقة إسرائيلية لإجرائها في القدس، وربما، الآن، في مناطق أخرى. فهذه عقبات على أهميتها يمكن تذليلها، وحسبنا أن نذكر أن الانتخابات السابقة شكلت المدماك الأول في بنية الانقسام الفلسطيني، إذ تفترض أي انتخابات استعداد الأطراف المشاركة فيها للاعتراف بنتائجها. وهذا لم يحدث قطعاً في الانتخابات السابقة، وفي ظل ظروف الشعب الفلسطيني، ومواجهته العنيفة والمستمرة منذ عقود للاحتلال الصهيوني، فإنها تفترض، أيضاً، ضرورة الابتعاد عن سياسة المغالبة، والالتفات لبناء جبهة وطنية عريضة. وبكل أسف، ظل هذا المعيار غائباً، ليس في فلسطين فحسب، وإنما في الساحة العربية، باستثناء التجربة التونسية اليتيمة.
لذا، قد يكون من مصلحة الطرفين طي هذا الملف الشائك، والاستعاضة عنه بانتخابات محلية، أو بلدية، أو نقابية، قبل الإقدام على تجربة انتخابات تشريعية، قد لا يريدها الفرقاء الحاليون.
تُجدد المصالحة، بصيغتها الحالية، شرعية أطرافها، وتتيح لكل منهم التحكم شبه الكامل في منطقته، وعلى هواه، وتتيح لهم الوقت الكافي للترقب وانتظار ما يستجد من ظروف محلية، قد تشهد صعود قوى جديدة، أو متغيرات إقليمية، في الوضع العربي، وفي تأثير الدول الكبرى ومواقفها، أو إجراءات إسرائيلية، أحادية الجانب في الضفة، واجتياحات وضربات عسكرية في القطاع، بل ربما تلويح بآفاق جديدة لمفاوضات تلد أخرى، ولا تنتج سوى حمل كاذب.
إن أياً من هذه التطورات سيجعل، حتى من إدارة الانقسام، مهمة صعبة، قد لا يقوى عليها الطرفان، خصوصاً أننا نعيش في رمال متحركة، تسير أحياناً بأسرع من توقعاتنا، وتنتج في كل يوم واقعاً جديداً.
ثغرة إسرائيلية في الحرب على الإرهاب
بقلم: رغيد الصلح عن الحياة اللندنية
تستمر إسرائيل في ممارسة ضغط على الحكومات الحليفة والصديقة للامتناع، أو على الأقل للحد من التعامل مع الحكومة الائتلافية الفلسطينية، فإن هذه الضغوط جديرة بأن تثير تساؤلات مهمة حول ما إذا كان التاريخ والتراث السياسي للأحزاب الممثلة في حكومة نتانياهو يسمح لها بمثل هذا السلوك. فحكومة نتانياهو تعترض على مشاركة «حماس» في الحكومة الفلسطينية. ويعود الاعتراض إلى أن إسرائيل تعتبر «حماس» حركة إرهابية. ويطرح هذا التصنيف لـ «حماس» السؤال عما إذا كانت حكومة نتانياهو مؤهلة هي نفسها للاضطلاع بدور الحَكَم في مسألة تصنيف الجماعات السياسية الفلسطينية وغير الفلسطينية بأنها منظمات إرهابية أو لا إرهابية، إلى جماعات متطرفة وجماعات معتدلة.
حتى الآن لا يوجد تعريف متفق عليه دولياً للإرهاب وللإرهابي. هذه الثغرة في الحرب الدولية ضد الإرهاب تعود إلى أسباب كثيرة، من أهمها معارضة إسرائيل عقدَ مؤتمر دولي للتوصل إلى هذا التحديد. وسبب هذه المعارضة أن إسرائيل تريد أن يبقى هذا التعريف فضفاضاً بحيث يمكن أن يدرج تحته اسم أي حزب أو جماعة أو قيادة تقاوم الاحتلال والتوسع الإسرائيلي. كذلك تعود هذه المعارضة إلى أن إسرائيل تريده محصوراً بالأفراد والجماعات فلا يطاول الكيانات السياسية مثل إسرائيل نفسها التي تمارس الإرهاب، في رعاية رئيس حكومتها بنيامين نتانياهو.
لقد نشأ رئيس الحكومة الإسرائيلي في مناخ متعاطف مع الجماعات الإرهابية الصهيونية. والده بنزيون نتانياهو كان أحد الناشطين والمؤيدين البارزين في التيار المؤيد لفلاديمير جابوتنسكي أحد أكبر دعاة العنف ضد العرب. فعندما سألت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية نتانياهو الأب في عام 2009 عن رأيه في العرب وفي إمكانية السلام معهم، أجاب: «العربي عدائي وعدو بالفطرة. لديه نزوع طبيعي للتقاتل. طبيعته لا تسمح له بالمساومة. وجوده هو حرب مستمرة»! نتانياهو الابن لم يكن بعيداً من آراء البيئة الحاضنة التي نشأ وترعرع فيها، بل على العكس كان متعاطفاً معها. تعبيراً عن هذا التعاطف أطلق على أحد أبنائه اسم «يائير» وذلك تيمناً بزعيم «شتيرن» الجماعة الإرهابية الصهيونية الأكثر تطرفاً بين المنظمات الصهيونية. كان أبراهام شتيرن يستخدم اسم «يائير» للتمويه والتهرب من ملاحقة رجال الأمن والشرطة في فلسطين.
بين الجيلين السابق واللاحق، اكتسب رئيس الحكومة الإسرائيلية صفتي التطرف والتعاطف مع الإرهاب الإسرائيلي حتى إن تكليفه ترؤس الحكومة الإسرائيلية عام 2009 أثار ضجة عالمية وتوقعات بالغة التشاؤم حول مستقبل الأمن والسلام في المنطقة. انحسرت هذه التوقعات ليس لأنها ظلمت نتانياهو، ولكن لأن الفلسطينيين قدموا التنازل تلو الآخر، والتراجعات الكبرى عن اتفاقية كامب ديفيد حتى يرضى زعيم المتطرفين الإسرائيليين بالجلوس معهم ومواصلة مفاوضات السلام. وانحسرت هذه التوقعات أيضاً، لأن مظلة الأمان والإعلام الغربية التي تشارك نتانياهو موقفه تجاه العرب والفلسطينيين سارعت إلى تبييض صفحته وتسويقه دولياً باعتباره «براغماتياً» وليس متطرفاً.
تهمة الإرهاب ظلت تلاحق مؤسسي حزب «ليكود» لسنوات كثيرة حتى بعد قيام الكيان العبري. هذه الصفة أطلقت على مناحيم بيغن من جانب الحلفاء في بريطانيا، ومن جانب كبار العلماء والمفكرين اليهود من أمثال ألبرت آينشتاين وحنة أرندت وغيرهما. وصفة الجزار لاحقت شارون من القبية مروراً بغزة ضد الاحتلال، ووصولاً إلى صبرا وشاتيلا وظلت معه إلى مماته. وبين مؤسسي «ليكود» لعل إسحاق شامير يستحق لقب موقع الصدارة بين المتهمين. فحينما توفي شامير قبل عامين، نعاه رئيس الحكومة نتانياهو كزعيم «انتمى إلى جيل العمالقة الذين أسسوا دولة إسرائيل».
بين المنتمين إلى هذا الجيل من «العمالقة» - مع أن بن غوريون وشامير كانا قصيري القامة - اختلف شامير عن بن غوريون بأنه لم يمتلك الثقافة السياسية وعن مناحيم بيغن بأنه لم يمتلك الكاريزما، واختلف عن أبراهام شتيرن الذي كان يروج للإرهاب كتابة، بينما شامير مارس الإرهاب ضد الفلسطينيين وغير الفلسطينيين بيده وبإشرافه. الفرق بين شامير وغيره أن تجربته في ميدان الإرهاب كانت الصفة الغالبة على شخصيته إلى درجة أن الذين تابعوا سلوكه كرئيس للحكومة وجدوه لا يزال يعمل في الظلال، فيفضل الاجتماعات الثنائية والابتعاد عن اللقاءات العلنية، وكأنه لا يزال ناشطاً في عصابة «شتيرن»، أو في جهاز «موساد» الذي انضم إليه في ما بعد للقيام بكل أنواع النشاطات التي كان يقوم بها سابقاً.
لقد تصرف شامير كإرهابي «نموذجي» فرفض التنصل من تهمة الإرهاب. على العكس من ذلك حاول أن يضفي على الإرهاب قيمة أخلاقية فكتب قائلاً: «لا الأخلاق اليهودية ولا التقاليد اليهودية تمنع استخدام الإرهاب كوسيلة من وسائل الحرب... نحن بعيدون جداً من أي تردد معنوي عندما نمارس النضال القومي»... «إن هذا الإرهاب هو، أولاً وقبل كل شيء، جزء من الحرب السياسية التي تتلاءم بأفضل لغة ممكنة مع الأحوال القائمة». فهل تغيرت الأحوال القائمة بحيث بات من المستطاع أن تقلع حكومة نتانياهو عن استخدام لغة الإرهاب ضد الفلسطينيين والعرب؟ وهل تغيرت هذه الأحوال على نحو يبيح لحكومة نتانياهو التصرف كحَكَم في التمييز بين الإرهابيين وغير الإرهابيين؟
قد يقال هنا: صحيح أن المنظمات الصهيونية مارست الإرهاب في الماضي، ولكن بعد قيام إسرائيل، تخلى هؤلاء عن السلاح واندمجوا في الحياة السياسية السلمية. فضلاً عن ذلك، تقول الرواية إن ذلك الجيل من المؤسسين قد مضى، وحل محله جيل جديد لم يمارس الإرهاب. هذه المتغيرات تسمح، إذاً، لحكام إسرائيل اليوم أن يتحفظوا عن دخول «حماس» الحكومة الائتلافية الفلسطينية. ولكن هل تنطبق هذه الصورة على واقع الحكام الإسرائيليين اليوم؟
نسمع يومياً ونقرأ كل يوم شهادات كثيرة حول المناخ الإرهابي الذي يسود إسرائيل والموجه أساساً ضد العرب وضد الفلسطينيين. بين هذه الشهادات صدر أخيراً كتاب مهم للصحافي والمؤرخ العسكري البريطاني باتريك بيشوب، في عنوان «الحساب: الموت والمكيدة في أرض الميعاد». وبعد أن يعرض بيشوب نماذج من الأعمال الإرهابية التي قام بها الصهاينة ضد الفلسطينيين وضد البريطانيين، فإنه يبين الكثير من الأوجه التي تدل على أن هؤلاء حملوا معهم إلى كراسي الحكم تراث الإرهاب.
إنه يشير إلى أن نظريات شتيرن حول زواج القومية والدين باتت هي الغذاء الفكري للنخبة الحاكمة ولمناصريها من الشباب ومن المتدينين المتعصبين. ولقد اقتبس الزعماء الإسرائيليون الحاليون من القومية والدين كل ما يشجع على التعصب والعنف، وابتعدوا عما يحض على الابتعاد عن ارتكاب المظالم والافتراء على الجماعات البشرية والنيل منها ومن حقوقها. وفي ظل هذا النوع من التفكير تنتشر فكرة أن إسرائيل هي دولة يهودية وليست ديموقراطية، وهي الفكرة التي كان مائير كاهانا، زعيم حزب «كاخ» العنصري والإرهابي أول من بشر بها ودعا إلى تطبيقها.
ويعرض بيشوب في كتابه أيضاً المبادرات التي لا تنقطع لتمجيد الإرهابيين، خصوصاً من عصابة «شتيرن» الذين قاموا بتفجير المراكز العربية والفلسطينية خلال الأربعينات. وفضلاً عن عبارات التحبيذ والتمجيد التي يخص بها الزعماء الإسرائيليون أولئك الإرهابيين الذين تتلمذوا على أيديهم، فإن البلديات التي يسيطر عليها الليكوديون والمتطرفون لا تكف عن إطلاق أسمائهم على الشوارع الجديدة التي تشقها وعلى المدارس التي تبنيها. وتنتشر بين الزعماء الإسرائيليين ممارسات تدل على إعجابهم وتعلقهم بقادة المنظمات الإرهابية. منها مساهمتهم في تحويل المكان الذي قتل فيه أبراهام شتيرن إلى مزار يتوافد إليه «الحجاج» بكثرة للترحم عليه. ومنها أيضاً إطلاق اسمه الصريح أو السري على أولادهم، كما فعل بنيامين نتانياهو.
لو كان هناك تعريف متفق عليه دولياً للإرهابي لوضع بنيامين نتانياهو و «عمالقة» إسرائيليون كثر في قفص الاتهام وليس على منصة المدعي العام. إن الحرب ضد الإرهاب هي واجب إنساني، ولكنها تشكو من ثغرات أساسية منها أنها تستخدم لخدمة إرهابيين وإرهاب من لون معين مثل اللون الإسرائيلي، وتسمح للدول أن تمارسه من دون أن توجه إليها تهمة الإرهاب بدلاً من أن تكون حماية المجتمعات البشرية من إرهاب الدول والجماعات والأفراد هي هدف الحرب ضد الإرهاب.
أسئلة ما بعد وصول «داعش» للموصل
بقلم: بكر عويضة عن الشرق الأوسط
بدءا، لعل من الشجاعة أن تبادر واشنطن وحليفتها لندن، فتعترف كلتاهما بما يسببه تخبط سياساتهما في العراق لهما وللعراقيين، وللمنطقة. بل إن الإقرار بالخطأ فقط ليس كافيا. ومع أن اعتذار ساسة كبار في العاصمتين كانت لهم أدوارهم في مسار الشأن العراقي، لن يغيّر من واقع الأمر شيئا، فإنه سيعبِّر عن تحمل لمسؤولية أخلاقية ثبتها سجل التاريخ. حقا، ليس بوسع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا غسل اليدين من تبعات غياب خطط واقعية وعملية لما بعد غزو بغداد لإطاحة حكم صدام حسين ثم المباشرة بتفكيك أجهزته، بدءا بحل الجيش العراقي بأكمله. الدولتان تحديدا معنيتان لأن الأولى قادت التحالف، والثانية شكلت الحليف الأقوى، ثم إن كلتيهما تحمّلت العبء الأساس مالا وأرواحا مقارنة بأعباء بقية دول التحالف، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن غياب خطط عملية واقعية تستند إلى واقع العراق والمنطقة، وتستفيد من خبرات أهل الحكمة فيهما، أدى إلى ما انتهى إليه العراق من شلالات دماء أهله، وتفكك أرضه، وصولا الآن إلى وقوع الموصل وكامل محافظة نينوى بأيدي مئات من مقاتلي «داعش».
مع أنه احتمال مستبعد، لكن موضوعية التحليل توجب افتراضه، إذ ربما مع صدور هذا المقال تكون حكومة السيد نوري المالكي تمكنت من استعادة السيطرة على الموصل، لكن حتى حصول ذلك لن يلغي حقيقة أن تنظيم ما يدعى بالدولة الإسلامية في العراق والشام يواصل بين كر وفر فرض حضوره على الأرض في كل من العراق وسوريا، وأنه بات يشكل همَّ الخطر الأهم في المنطقة. في هذا السياق، يمكن وضع سؤال أمام المعنيين على النحو التالي: بوصوله إلى الموصل، هل وصل تنظيم «داعش» إلى مرحلة استحالة تحجيم خطره، دع عنك القضاء المبرم عليه؟ لستُ خبيرا في علم الاستراتيجية، لذا لا أملك إجابة عن سؤال كهذا، ولستُ أحبذ المسارعة إلى الأخذ بآراء تستند فقط إلى التكهن بلا أسانيد تقوم على المعلومة الدقيقة. إنما، بدهيا واضح أن القوى الفاعلة في المنطقة صار لزاما عليها إعادة تقييم ما يجري على الأرض من منطلق أن حصار تنظيم «داعش» بغرض الحيلولة دون تمدده، بات أولوية يجب أن تتقدم على ما عداها.
من هنا أهمية الالتفات إلى تمكين مصر الدولة كي تنهض من جديد لتفرض الاستقرار، ولو بيد من حديد، شرط أن يكون الجميع سواء أمام القانون. في هذا الصدد، يلفت النظر الحضور الدولي لحفل تسلم المشير عبد الفتاح السيسي الرئاسة رسميا. تلك الاستجابة الدولية لدعوة شكلت سابقة مصرية، وربما عربية، تحمل من الرسائل ما يوجب الأخذ بعين الاعتبار. كأنما أرادت القاهرة القول لأكثر من طرف إن مصر الدولة تعود لساحة الفعل الدولي بقوة، وإن تمتين استقرارها الداخلي، لن يصرف نظرها عن تأمين حدودها لمنع أي تسلل لعناصر تابعة لجماعات مسلحة من أي جهة جاءت المحاولة. هل يعني ذلك احتمال المشاركة في مطاردة تلك الجماعات خارج أرض مصر؟ ذلك سؤال إجابته الدقيقة عند دوائر الاختصاص والقرار، وليست من اختصاص كاتب مقالة، إنما يمكن القول، ببساطة، إن تنظيمات العنف المسلح ربما تختلف في مكوناتها أو ينابيعها الآيديولوجية، وربما تباينت أجنداتها السلطوية، لكنها تلتقي عند هدف تقويض دول قائمة بغرض إقامة دولها، سواء كان الاسم «دولة الخلافة الإسلامية» أو ما شابهه مما ارتدى قبعة ذات اسم مختلف.
يبرز هنا، من جديد، سؤال ذو صلة هو الآخر بوصول «داعش» إلى الموصل: من يدفع لتنظيم «داعش» ويدفع به لكي يواصل الغلبة وتفر أمام بضع مئات من عناصره قوات نظامية تعد بالآلاف؟ ذلك السؤال راح يتردد، على الأقل في أوساط غير المطلعين - كما حالتي - على خفايا ما يجري تحت السطح، منذ بدأت الكلمة «داعش» في حد ذاتها تسطع عبر فضائيات عالمية ومنابر صحافية معتبرة. أتذكّر الآن دهشتي عندما احتل أبو بكر البغدادي غلاف مجلة «تايم» - العدد 25 للسنة 182 بتاريخ 16 ـ 12 ـ 2013 - إذ تساءلت من فوري: ومَن يكون هذا السيد كي يتربع على واجهة إحدى سيدات الصحافة الأسبوعية عالميا؟ لكن العنوان أجابني:
نجم «القاعدة» المظلم يرتفع، كيف أصبح أبو بكر البغدادي أقوى إرهابيي العالم؟ حسنا، سؤال «تايم» ذاك لم يثبت فقط أنها ليست تلعب بودع التخمين الصحافي، بل هو ما يزال قائما ومحيّرا. حقا، من يدفع المال لتنظيم «داعش»، من يسلّح المقاتل، ومن يسهّل عبور الجحافل؟ ثمة من يضع علامات استفهام عدة حول دور إيران من جهة، وتواطؤ نظام الرئيس السوري بشار الأسد من جهة ثانية، وهناك من يجمع الطرفين معا في خندق الدعم المالي واللوجيستي لتنظيم «داعش». لكن حكم طهران موال لحكم المالكي ببغداد، ومساند بالقول والفعل لنظام الأسد الذي يدعي البغدادي أنه يقاتله، وهو الزاعم أيضا أنه يقود ثورة أهل سنّة العراق انتزاعا لحقوق لهم، بعدما لحق بهم من غبن منذ أطيح حكم صدام حسين. أين الصح هنا وما الغلط، ومَنْ يخدع منْ، ليجره إلى وحل مستنقع تفكيك المنطقة العربية بأكملها، وصولا ليس فقط للموصل، وإنما لإعادتها إلى غابر زمن الطوائف ودولها؟
لا جدال أن الأمر جد خطير. إذا نجح تنظيم «داعش» في اقتطاع أجزاء من سوريا والعراق وأعلن دولته عليها، فالأرجح أن الخطر سيتمدد أكثر. الحيلولة دون تفكك كل من العراق وسوريا باتت أولوية توجب التدخل من قِبل أطراف بوسعها محاصرة النار قبل أن تتسع دائرتها. تكفي مراقبة ردود الفعل التي رددتها دوائر صنع القرار في غير دولة، وعلى لسان أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، لإدراك حجم القلق الناجم عن وقوع الموصل بأيدي «داعش». لكن لا القلق وحده يصد خطرا، ولا الإقرار بخطأ يغير في حد ذاته واقعا، إنما قد يحول دون تكراره على نحو أسوأ. دعونا نأمل أن ذلك ما يزال ممكنا.
سر الانهيارات الأمنية في العراق
بقلم: عدنان حسين أحمد عن العرب اللندنية
لم يألف العراقيون سقوط محافظة عراقية بكامل أقضيتها ونواحيها وقراها المتناثرة حتى في الاحتدام الطائفي الذي بلغ ذروته في سنتي 2006 و2007، إذ يبسط الإرهاب الأسود، أو بعض القوى المسلحة، نفوذه على مناطق محددة يتم استعادتها بعد بضع ساعات وتحريرها من الأسْر المؤقت الذي وقعت فيه. غير أن ما حدث في السنة الماضية، وما يحدث اليوم على وجه التحديد، هو أمر يدعو الباحثين والمختصين إلى دراسة هذه الانهيارات الأمنية الجديدة وتحليلها بغية الوصول إلى بعض الحلول المنطقية للكارثة التي تمر بها المحافظات العراقية ذات الغالبية السُنية على وجه التحديد مثل الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك وديالى وبغداد وبعض المناطق السُنية في محافظة بابل.
ليس من قبيل المصادفة أن تُستهدف هذه المحافظات آنفة الذكر من قِبل القاعدة سابقاً، وعناصر دولة العراق والشام الإسلامية (داعش)، هذا التنظيم المشكوك فيه والذي تحرِّكه أصابع خفية لا يُستبعد أن تكون وراءها إيران، وحكومة نوري المالكي تحديداً طالما تستهدف المناطق السُنية، وتسعى إلى إبادتهم أو تهجيرهم في أضعف الأحوال إلى كردستان العراق كمرحلة أولى، ثم إلى المنافي العربية والأوروبية كمرحلة ثانية. وهو ذات المشروع الذي يحدث في سوريا ويشرف بشار الأسد على تنفيذه، حيث تم تهجير ثلث الشعب السوري، وغالبيتهم من السُنة، إلى بلدان الجوار وبعض الدول الأوروبية المانحة لحق اللجوء.
يتساءل العراقيون كثيراً عن سبب هذه الانهيارات الأمنية المتتالية، والأسرار العميقة التي تكمن خلفها. فمن غير المعقول أن تسقط محافظة مثل الأنبار بأقضيتها ونواحيها الكثيرة التي تشكِّل مساحتها ثلث مساحة العراق بالضبط، من دون أن ترتعد لحكومة المالكي فريصة أو يهتز لها بدن.
وإذا كانت حجة المالكي والمحشورين في حلقته الضيقة أن الإرهاب يضرب أطنابه في الأنبار برمتها، فعليه أن يتذكر بأن أول مدينة طردت القاعدة من مضاربها هي الأنبار، هذه المدينة المترامية الأطراف. تُرى، ماذا يقول عن عشرات العلميات الانتحارية التي وقعت في بابل وذي قار والبصرة وغالبية مدن الفرات الأوسط والجنوب؟ ألا يسمي هذه العمليات إرهابا؟ وماذا يقول عن بغداد التي تتزامن فيها التفجيرات الإرهابية حتى تصل إلى خمسة أو ربما عشرة تفجيرات في الدقيقة الواحدة؟ هل من تسمية أخرى يقترحها دولة رئيس مجلس الوزراء العراقي الذي فشل في كل الملفات الموضوعة على طاولته منذ ثماني سنوات وحتى الآن، وعلى رأسها الملف الأمني الذي فشل في إدارته جملة وتفصيلا.
لنفترض أن داعش وبعض المجموعات المسلحة التي يعتبرها حواضن أساسية في هذه المدن السبع، بما فيها العاصمة بغداد، هي السبب الأول والأخير في هذه الانهيارات الأمنية الخطيرة التي يجب أن تستقيل بسببها الحكومة المركزية وكل القيادات العسكرية والأمنية التي فشلت في حماية البلد، وساهمت مساهمة كبيرة في إهدار دم الآلاف من المواطنين العراقيين الأبرياء الذين لقوا حتفهم في هذه الهجمات المتكررة أو تشردوا داخل حدود الوطن وخارجه.
إن من واجب رئيس مجلس الوزراء الذي يحتل منصب القائد العام للقوات المسلحة، وسعدون الدليمي، وزير الدفاع بالوكالة، أن يتحملا مسؤوليتهما التاريخية في الحفاظ على أرواح المواطنين العراقيين من كل القوميات والأديان والمذاهب، ولكنهما فشلا في القيام بهذه المهمة الوطنية والإنسانية النبيلة لأسباب كثيرة نذكر منها أن الجيش العراقي بتشكيلته الحالية غير المتوازنة التي بُنيت بنوايا طائفية واضحة للعيان لا يمتلك عقيدة وطنية يدافع من أجلها.
فقد زرع في غالبية هذا الجيش نزعة الانتقام من المكون السُني، ويمكن تلمّس هذا النزوع الانتقامي في الانهيار الذي حدث في مدينة سامراء قبل بضعة أيام حيث أعدمت قوات المالكي عدداً من أبناء المدينة الذين لا تربطهم أية صلة بالقاعدة أو داعش أو المجموعات المسلحة. وهذا ما حدث في بهرز وسليمان بيك وغيرها من المدن العراقية التي يستبيحها الإرهاب الأسود تارة، وقوات سوات وما يسمّى بعصائب الحق.
السبب الثاني الذي لا يقل خطورة عن سابقه هو انعدام المهنية في الجيش العراقي وعناصره الأمنية والاستخبارية. وقد لعبت عملية الدمج، سيئة الصيت، دوراً خطيراً في الانحدار بمستوى الجيش والشرطة والأمن والمخابرات العراقية إلى الحضيض. ومن غير المعقول أن تعداد القطعات العسكرية والأمنية الذي تجاوز المليون ونصف المليون عنصر لا يستطيعون جميعهم تقديم بضعة معلومات أمنية واستخباراتية تشير إلى هجوم داعش وبعض المجموعات المسلحة على الموصل، ثاني مدن العراق التي يبلغ تعدادها (1.700.000) مواطن.
أليس من واجب الفرقة العسكرية المكلّفة بحماية الموصل والقطعات المتجحفلة معها أن تقدم تقريرا يومياً يتضمن كل المعلومات الأمنية التي تنذر بوقوع هجوم على المدينة أو احتمال تعرضها لخرق أمني هنا أو هناك؟ أليس من واجب الدوائر الأمنية في كل نواحي الموصل وأقضيتها، بالإضافة إلى مركز المحافظة، أن تقدّم تقاريرها الأمنية اليومية التي تشير إلى تحرك هذه المجموعة المسلحة أو تلك للقيام بأعمال تخريبية؟
ما الذي تفعله قطعات حرس الحدود، ولماذا لا تمنع تسلل العصابات الإرهابية إلى مدينة الموصل وبقية المدن العراقية؟ ألا تنفق الحكومة العراقية مليارات الدولارات على الجيش والشرطة والأمن والاستخبارات بهدف تحقيق الأمن للمواطن العراقي، وحماية الوطن قبل كل شيء؟ لماذا لا يُحاسب هؤلاء على تقصيرهم في أداء واجباتهم الوطنية؟ ولماذا لا يُقال هذا القائد أو ذاك من المقصّرين الذين يفشلون في حماية أرواح العراقيين منذ التغيير وحتى الآن؟
لقد سقط الجزء الأكبر من مدينة الموصل بما فيها مبنى المحافظة ومديرية الشرطة والمطار والقنوات الفضائية المحلية، ولم يبقَ بين الداعشييّن ومعسكر الغزلاني سوى بضعة كيلومترات كي يطلقوا سراح أخطر النزلاء في سجن الغزلاني الذي سيزيد الطين بلّة ويرسّخ في أذهان المجرمين العتاة إمكانية تحرير أي واحد منهم إذا ما قُبض عليه في قادم الأيام. كما أنهم سيعودون لممارسة إرهابهم الأسود ثانية طالما أن حكومة المالكي لا تأبه لهروب أكثر 1500 سجين من سجناء القاعدة في بغداد.
خلاصة القول إن غياب العقيدة الوطنية عن المؤسسات العسكرية والأمنية هو الذي رجح النزوع الطائفي الذي رسّخه المالكي خلال السنوات الثماني الماضية. كما ساهمت عمليات دمج العناصر غير الكُفأة التي احتلت مناصب لا تستحقها أبداً، وها نحن ندفع الثمن غالياً، فلا غرابة أن تسقط الموصل برمتها بينما يتفرج المالكي من منطقته الخضراء على الشتات الذي يعيشه الموصليون هذه المرة.
لقد انقشع الضباب وباتت جريمة تهجير السُنة واضحة للجميع، لكن العراقيين لن يتركوا لمخالب الدكتاتور المستبد أن تنهش لحوم الأبرياء وأجسادهم الطاهرة فقد وصل السكين، ولم يبقَ في القوس منزع.
رأي البيان: سوريا.. تراجيديا الموت واللجوء
بقلم: أسرة التحرير عن البيان الاماراتية
مازالت سوريا بجراحاتها تجسيداً يكاد ينطق من غير لسان، عن العجز وغياب الضمير في مجتمع دولي لا يقر إلّا لغة المصالح دون سواها، لم يبذل من أجل إيقاف النزيف سوى إجلاس طرفي الأزمة، نظام الأسد ومعارضيه معاً، وهو يعلم أن لا حصاد لمفاوضاتهم سوى الهشيم.
لأميركا أجندتها وتريد كسب أقصى ما تملك من إطالة عمر الصراع قدر ما تستطيع، ظفرت حتى الآن بتقليم أظفار الأسد الكيماوية حتى تريح نفسها وحلفاءها الاستراتيجيين، وتبحث قطعاً عن مغانم أخرى من هذا الصراع الممتد.
وروسيا في واد آخر تدافع عن مصالحها في المنطقة باستماتة، تدعم الأسد بكل ما يريد لإبادة شعبه، وتدافع عنه في المحافل الدولية بكل ما تملك، ولو وصل الأمر إلى «الفيتو».
تباعد المواقف الدولية أدى إلى طول عمر المأساة، يتبدل الموفدون من كوفي أنان إلى الإبراهيمي، الذي يكاد يرحل مفسحاً المجال لآخر، ولا جديد يذكر، فقط هو القديم يعاد دماء تراق من غير ذنب سوى أنّ شعباً طلب الحرّية والعيش الكريم، ولاجئين بالملايين اكتظّت بهم المخيّمات في دول الجوار، غير من توزّعوا على دول العالم بحثاً عن الأمن.
تغيير موفد بآخر لن يؤدّي إلى شيء يزوّد بالأدوات المطلوبة لاختراق الملف المعقّد، ولعل أول متطلّب لهذا الاختراق يتمثّل في توافق دولي على الحل، الذي يجمع الكل على أنّه لن يخرج من إطار السلمية في ظل عجز طرفي الصراع عن الحسم العسكري.
ما أفرزته الأزمة في سوريا من مآس وكوارث حتى الآن، يتطلب أفكاراً جيدة، وآليات فعّالة، وخططاً ليست كسابقاتها، تصب كلها في إجماع دولي على وقف نزيف الدم، بما يرتضيه الشعب السوري من آمال، قدّم من أجلها الكثير.
وعلى المجتمع الدولي ممثلاً في منظمته الدولية ومجلس أمنه، اتخاذ كل ما يساعد على تحقيق هذه الأهداف، وحمل نظام الرئيس السوري بشّار الأسد على تحقيق مطالب مواطنيه، عبر تغيير حقيقي، لا مجرد إصلاح.
أيها الأميركيون لا تحدثوا فوضى جديدة
بقلم: جيمس زعبي عن السفير البيروتية
في الثالث من حزيران الجاري، أصدر «مركز زغبي للخدمات البحثية» نتائج استطلاعات رأي في سبع دول عربية هي الإمارات والسعودية والمغرب ومصر ولبنان والأردن وفلسطين. وتقيس هذه الاستطلاعات، التي أجراها المركز على مدار شهر أيار الماضي، المواقف العربية تجاه الولايات المتحدة والرئيس باراك أوباما بعد خمسة أعوام على خطابه التاريخي في الرابع من حزيران 2009 الذي ألقاه في جامعة القاهرة.
وقد حظيت هذه الاستطلاعات بتغطية واسعة النطاق في وسائل الإعلام الاجتماعية والتقليدية، ولكن من المثير للاهتمام هنا مدى انتقائية الكتاب والمعلقين على النتائج التي راقت لهم، فركّز البعض على سبيل المثال على تحسن تقييمات أوباما والتقييمات الأميركية بشكل عام، بينما لفت آخرون إلى حقيقة أن هذه التقييمات لا تزال منخفضة بدرجة كبيرة. وذكر معلقون آخرون أن غالبية العرب أيدوا المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة مع إيران، وأكد بعض آخر أن كثيراً من العرب ليسوا على ثقة بأن هذه المفاوضات ستكلل بالنجاح. وبرغم ذلك أشار البعض إلى أن النتائج المفاجئة لدى غالبية من شملهم استطلاع الرأي أعربوا عن معارضتهم للتدخل العسكري الأميركي في سوريا، وأظهروا مواقف متباينة تجاه السياسات الأميركية في مصر. وفي النهاية لاحظ بعض الكتاب أن التناقض الواضح يكمن في حقيقة أنه بينما يوافق العرب بأغلبية ساحقة على أنه من الضروري أن تكون لدولهم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة ووصف القضية الفلسطينية بأنها أكثر القضايا التي تواجه العالم العربي أهمية، إلا أنهم يعتقدون أيضاً أن «التدخل الأميركي» هو مصدر كبير لزعزعة الاستقرار في المنطقة ولا يثقون في قدرة الولايات المتحدة على أن تكون «عادلة» في التعامل مع القضية الفلسطينية.
وبقدر ما تبدو هذه النتائج الفردية مربكة ومتناقضة فهي تقدم تفسيراً منطقياً إذا ما أخذت في مجملها ونظر إليها في السياق الأرحب الذي يكشفه استطلاع الرأي. ومن ثم لا يمكن النظر إلى إحدى النتائج بمعزل عن «الصورة الكاملة». ومن السهل الإشارة إلى تقييم من التقييمات مثل إيجاد رقم على رسم بياني، ولكن فهم معنى هذا التقييم هو مفتاح تفسير استطلاع الرأي بأسره. وأعتقد أن الحقيقة الكبرى التي يرسخها ذلك الاستطلاع تتألف من ثلاثة عوامل تشكل العلاقات العربية الأميركية الراهنة.
وأول هذه العوامل حقيقة أن الولايات المتحدة والعالم العربي يعيشان في «الواقع ذاته»، فبعد حربين فاشلتين طويلتين ومكلفتين، بات الشعب الأميركي، مثلما أشار الرئيس أوباما مؤخراً، قلقاً من الحرب وحذراً من أي تدخلات عسكرية جديدة في الخارج. وقد تركت حربا العراق وأفغانستان دماراً وشكوكاً هائلة في أعقابهما. ونتيجة لحرب العراق على سبيل المثال، قويت شوكة إيران وزاد العنف الطائفي وانتشر التطرف وتضررت الهيبة الأميركية بشكل كبير ليس فقط بسبب الحرب ذاتها وإنما نتيجة سلوك واشنطن أثناء الحرب. أضف إلى هذه النتائج إهمال إدارة بوش المتعمد للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وبالتالي يمكن فهم شكل العالم الذي ورثه أوباما في العام 2009.
والعامل الثاني تحدده حقيقة التوقعات الكبرى التي نتجت من انتخاب أوباما، والتي عززها خطاب الرئيس في جامعة القاهرة. وتوضح استطلاعات «مركز زغبي» أنه حتى بعد خمسة أعوام لا تزال أغلبية الناس في الدول السبع تؤكد أنه كانت لديهم آمال مرتفعة في أن الرئيس الجديد سيحدث تغييرات جذرية في السياسات الأميركية. ولكن بحلول عام 2011، بات من الواضح أنه نظراً لأسباب كثيرة لم يعد التغيير المنشود مرتقباً. غير أن الأكثر إضراراً بصورة أوباما كان انهيار جهوده الرامية إلى صنع السلام الإسرائيلي الفلسطيني في مواجهة الرفض الذي تلقاه من نتنياهو والكونغرس الأميركي. وقد أظهر الاستطلاع الذي أجراه المركز في الذكرى الثانية لخطاب القاهرة تراجعاً شديداً في التأييد العربي للولايات المتحدة والرئيس أوباما.
والعامل الأخير الذي يحدد أساس نتائج استطلاع الرأي الأخير هو بالطبع الرد الأميركي على حالة عدم اليقين التي أحدثها ما سمي بـ«الربيع العربي»، والضغوط الشديدة التي سببها سفك الدماء في سوريا. وقد ارتبكت الإدارة الأميركية بشكل واضح بسبب هذه الأحداث، وفي بعض الأحيان أظهرت عدم اتساق في سياساتها ومبادئها. وقد اضجر العرب عند مشاهدة الارتباك والتردد الذي اعترى الولايات المتحدة نتيجة التطورات السريعة التغير في مصر، ولكن الضربة الأخيرة بالنسبة لكثيرين في العالم العربي صاحبت الإشارات المتباينة التي أرسلتها واشنطن رداً على استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيميائية.
وبناء على هذه الخلفية، يتضح السبب في أن الرأي العام العربي يكشف عن مواقف متناقضة تجاه أميركا وأوباما. فهو ليس مثل بوش، وهذا شيء جيد، ولكن عجز الرئيس الأميركي أيضاً عن الوفاء بوعوده التي قطعها على نفسه في القاهرة لا يزال في الوقت ذاته مصدر إحباط.
وفي هذه الأثناء، تكشف استطلاعات الرأي التي نجريها دائماً أن العرب لا يزالون يحتفظون بمواقف إيجابية تجاه الشعب الأميركي وثقافته وقيمه ومنتجاته، ويعرفون أن الولايات المتحدة لا تزال هي القوة العظمى في العالم، ولذا يرغبون في الحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، حيّرتهم عقود من التجاهل والأخطاء الفادحة والعجرفة وازدواجية المعايير من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة. ويعرف العرب ما يمكن لأميركا فعله، ولكنهم فقدوا الثقة في رغبة واشنطن وقدرتها على فعل الصواب.
ومما تكشفه أيضاً استطلاعات الرأي أن العرب يعرفون ما يريدون من الولايات المتحدة والذي يتمثل في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وكبح جماح الطموحات الإيرانية والمساعدة في إنهاء الصراع في سوريا. ولكن بعد حماقات إدارة بوش، التي جعلت العرب قلقين وحذرين من أي تدخلات عسكرية أميركية، والافتقار إلى الاتساق والالتزام الذي يرونه من الإدارة الحالية، تظهر الاستطلاعات أن لسان حال العرب يقول: «نرحب بزيارتكم ولكن لأننا نفتقد الثقة في أنكم ستساعدوننا في إصلاح الأخطاء، من فضلكم لا تحدثوا مزيداً من الفوضى».


رد مع اقتباس