أقلام وآراء

دير ياسين ومسيرة الدم

بقلم: أمجد عرار عن الخليج الاماراتية

اليوم يطبق الزمن الفلسطيني الدامي أربعة وستين عاماً على ارتكاب العصابات الصهيونية واحدة من أبشع مجازرها العديدة . كانت تلك في التاسع من إبريل/ نيسان ،1948 ومن نصيب قرية دير ياسين الصغيرة الواقعة على مشارف القدس . في تلك المجزرة الرهيبة التي ارتكبها الصهاينة بعد مرور أقل من أربعة وعشرين ساعة على استشهاد القائد عبدالقادر الحسيني في معركة القسطل، قضى ثلاثمئة وستون شهيداً برصاص تلك العصابات الإجرامية وبإشراف من زعيم عصابة الأرغون مناحيم بيغن الذي أصبح بعد حوالي ثلاثين سنة رئيس حكومة يلتقيه قادة العالم، وبضمنهم زعيم أكبر دولة عربية الذي وقّع معه أول معاهدة ل “السلام”، ولم يكن لنا من اسمها أي نصيب، وكانت مناسبة لحصول بيغن على جائزة نوبل ل “السلام” وخروج الدولة الكبرى من دائرة الصراع .

أربع وستون سنة مرت على تلك الجريمة ومشاهدها يتناقلها أبناء فلسطين، وبخاصة أبناء القرية، وحملت تلك الروايات المنقولة ممن عايشوا المجزرة ونجوا بأرواحهم، لا رحمة من القتلة بل لأنهم انسحبوا إلى مناطق أخرى، أو لأنهم صبغوا أجسادهم بالدم وتمدّدوا بين الضحايا للتمويه .

في ذكرى تلك المجزرة، من المفيد أن يدرك المؤرّخون المخلصون من غير الباحثين عن مجد شخصي أو شهرة أو جائزة، أن ينتبهوا إلى أن كثرة الاهتمام والتركيز على مجازر معروفة، كانت بمثابة وجه آخر للتعتيم على مجازر أخرى عديدة ارتكبها الصهاينة، بعضها كان أشد ترويعاً وبشاعة من مجزرة دير ياسين وشقيقاتها التي باتت معروفة لدى كل العالم، مثل مجزرتي كفر قاسم وصبرا وشاتيلا .

من الجدير بالأهمية أن نخبر العالم أو نذكّره بقرابة أربعين مجزرة موثّقة ارتكبتها “العصابات الصهيونية” بحق الفلسطينيين والعرب قبل النكبة وبعدها، وقبل مفاوضات واتفاقات بعض الفلسطينيين والعرب مع الكيان الصهيوني وبعدها، وبالتأكيد سترتكب مثلها وأبشع منها بعد المفاوضات المقبلة . على المخلصين لمبدأ حماية الذاكرة العربية أن يلقوا الضوء على جرائم ارتكبتها العصابات الصهيونية وبقيت قيد التعتيم . لقد كان أمراً مؤسفاً أن تمر أكثر من خمسين سنة على مجزرة ارتكبت في قرية اسمها الطنطورة، إلى أن أتى طالب “إسرائيلي” ليكشفها في رسالة ماجستير، لنكتشف أن عدد شهدائها يزيد عن أربعة أضعاف ضحايا مجزرة شهيرة مثل كفر قاسم .

هناك مجزرة الدوايمة التي ارتكبها الصهاينة في الثامن والعشرين من أكتوبر 1948 وذهب ضحيتها خمسة وسبعون شهيداً وعدد آخر من الجرحى . وهناك مجزرة شبه مغيّبة ارتكبها الصهاينة في قرية صلحة الواقعة على الحدود الفلسطينية اللبنانية، وقبل أن يمسحوا القرية من على وجه الأرض، قتلوا أكثر من مئة إنسان من أبناء القرية الذين لم يكن عددهم يزيد على مئتي نسمة.

مجازر هذا الكيان التي وصلت إلى مدرسة بحر البقر المصرية وحمامات الشط التونسية وقانا اللبنانية مرتين، تتجاوز قدرة مقال على استعراضها وتحتاج لعمل جماعي من المخلصين والشرفاء في العالم، ليصار إلى تحويل دماء الشهداء إلى طاقة تعيد الحقوق المغتصبة .

استذكار هذه الجرائم لا يستكمل جدواه مالم يتحرّك الأفراد والمؤسسات بمعزل عن الدول، لكي يهيئوا لِسَوْقِ مرتكبي هذه الجرائم إلى العدالة عندما تتوفّر أدوات العدل لأن الجرائم لا تسقط بتقادم الزمن، أياً كان مرتكبوها .

هذه المهمّة الإنسانية الجبارة تحتاج إلى “خطوة عملية واحدة خير من دزينة برامج” ومن طن مزايدات، وإذا كانت أنظمة تستخدم دماء الشهداء شعارات للمزايدة، فإن بعض الناس والجهات تستخدمه للمتاجرة وأجندات أخرى.

ذكــــــــــــــرى أليمة

بقلم: صبحي زعيتر عن الوطن السعودية

ليس نكئاً للجراح، بقدر ما هو تذكير، بما حصل في مثل هذا اليوم من العام 1948.

فلسطين جريحة منذ ذلك الوقت، ممن كان منتدبا عليها من قبل الأمم المتحدة، وممن سرقها من أصحابها، بقرار دولي بغيض، وممن سلمها إلى عصابات الأرغون والشتيرن الصهيونيتين الإجراميتين.

في مثل هذا اليوم من عام النكبة، كانت دير ياسين تسبح في بحر من دماء أبنائها. 250 امرأة وطفلا وشيخا وشابا سقطوا مضرجين في دمهم، دون أن يعلموا سببا لذلك، سوى أنهم عرب فقط، والغازي يهودي جُرّد من إنسانيته، واعتنق مذهبا صهيونيا يتخذ من الدين غطاءً، تحت شعار الوطن القومي.

لولا الأجندة، والذاكرة، لنسينا مجزرة دير ياسين، وغيرها من المجازر التي عاصرها آباؤنا في بداية النكبة وعاصرنا بعضها منذ النكبة وحتى الآن، ولسان حالنا يقول إن النصر لا بد آت في يوم من الأيام.

إيماننا لن يتزعزع بأحقية وعدالة القضية الفلسطينية، ولو لم تكن قضية محقة لنُسيت وطُمست وتجاهلتها الأجيال. حقيقتها هي التي أبقتها في الضمير العربي، والضمير الإنساني، رغم كل المؤامرات الخارجية والداخلية عليها، لتحويلها من قضية شعب وأرض، إلى قضية يمكن أن تباع في السياسات الدولية الرخيصة.

مجزرة دير ياسين، ومجازر كفر قاسم وصبرا وشاتيلا وجنين، يجب أن تكون درسا للقادة الفلسطينيين لوضع خلافاتهم جانبا، والسير في طريق المصالحة الوطنية، قبل أن يلفظهم شعبهم.

دير ياسين- شهادات في المجزرة والمقاومة...!

بقلم: نواف الزرو عن العرب اليوم الأردنية

في الذاكرة الجمعية الفلسطينية -العربية أن المجزرة الجماعية التي نفذتها القوات الصهيونية قبل اربعة وستين عاما ضد أهالي بلدة دير ياسين, كانت الأخطر والأشد تأثيراً على مجريات حرب 1948 ونتائجها, حيث استثمرها القادة الصهاينة في نشر الإرهاب والرعب في نفوس المواطنين العرب, واجبارهم على الرحيل.

وفي تفاصيل ما جرى في البلدة, فقبيل بزوغ فجر يوم الجمعة التاسع من نسيان عام 1948 وتحت جنح الظلام توجه أكثر من 100 شخص من عصابات الأرغون والهاغاناه الصهيونية مسلحين بالرشاشات والبنادق الاوتوماتيكية والقنابل اليدوية والمدى للقيام بمهمة أمر بها الإرهابي المعروف مناحيم بيغن, وهي إفراغ قرية دير ياسين العربية الفلسطينية من سكانها العرب والقضاء عليهم أو في احسن الاحتمالات, اجبارهم تحت وابل النيران على المغادرة التماساً للنجاة, وضحى هؤلاء بعنصر المباغتة عندما أرسلوا في مقدمتهم سيارة عسكرية مصفحة ومسلحة, حيث دخلت القرية وطلبت من أهلها عبر مكبر الصوت إخلاء قريتهم, لكن المواطنين تصدوا للسيارة وأمطروها بوابل من النيران ما جعلها تنحرف لتقع في خندق عند مدخل القرية مؤذنة بنشوب المعركة.

وعلى خلاف ما روج على مدى العقود الماضية, فقد كانت المقاومة العربية الفلسطينية فوق توقعات العصابات الصهيونية التي كانت تنوي مع سبق الإصرار إخلاء القرية وقتل من فيها, ووصلت المعركة إلى نهايتها بعد الظهيرة وسيطرت العصابات الصهيونية على القرية وتم حشر الفلسطينيين الذين اسقط في أيديهم في سيارات عسكرية طافت بهم شوارع القدس الغربية ثم القدس الشرقية حيث تم إنزالهم, وقد لقي العشرات من الشيوخ والنساء والأطفال حتفهم في هذه المذبحة فيما قتل خمسة من العصابات وجرح أكثر من ثلاثين شخصاً.

وانتشرت أقوال ب¯ان الفظائع التي ارتكبت خلال تلك المجزرة تفوق الوصف حيث شوهدت الجثث ممثلاً بها والمدنيون قتلوا طعناً بالسكاكين والمدى, وثبت أن حالات إعدام حصلت بعد انتهاء المعركة بوقت طويل.

يقول جاك رينيه ممثل الصليب الأحمر في القدس بزيارة دير ياسين يوم 11/4/1948:"ان الضابط اليهودي في المكان كانت تنطلق من عينيه نظرات نارية فضلاً عن برود ووحشية في آن معاً, وقد تم القتل بوحشية باستعمال بنادق أوتوماتيكية وقنابل يدوية, ثم أجهزوا على الباقين باستعمال المدى, إن ذلك أمر واضح يمكن لأي شخص أن يتلمسه", مضيفا:"أن عدد الضحايا فاق 350 شخصاً وهو يزيد على التقديرات التي أوردتها المصادر العربية".

وقال الضابط البريطاني الذي تولى التحقيق"أن هناك شواهد عديدة على حدوث حالات اغتصاب للنساء على أيدي اليهود المهاجمين, وكذلك الكثير من طالبات المدارس تعرضن للاعتداء الجنسي الوحشي عليهن ثم تم الإجهاز عليهن ذبحاً, كما تم الاعتداء على نسوة متقدمات في السن".

ويروي الناجون من المذبحة شهاداتهم للسلطات البريطانية قائلين:"ان عائلات كاملة تم إيقافها بجوار الحائط ثم أطلقت عليها النيران من البنادق, بنات صغيرات تم اغتصابهن, امرأة حامل تم ذبحها أولاً ثم بقروا بطنها بسكين جزار, حاولت فتاة صغيرة أخذ الجنين من بطن المقتولة فتم إطلاق النار عليها, بعض أعضاء الأرغون أحالوا الجثث إلى قطع بسكاكينهم, ثم قطع أو جرح أيدي النساء وآذانهم لسرقة أساورهم أو خواتمهم".

"بدأ الهجوم والأطفال نيام في أحضان أمهاتهم وآبائهم, وقاتل العرب- كما يقول مناحيم بيغن في حديثه عن المذبحة"دفاعاً عن بيوتهم ونسائهم وأطفالهم بقوة", فكان القتال يدور من بيت لبيت, وكان اليهود كلما احتلوا بيتاً فجروه, ثم وجهوا نداء للسكان بوجوب الهروب أو ملاقاة الموت, وصدق الناس النداء فخرجوا مذعورين يطلبون النجاة لأطفالهم ونسائهم, فما كان من عصابات شتيرن والأرغون إلا أن سارعت بحصد من وقع في مرمى أسلحتهم, وبعد ذلك أخذ الإرهابيون يلقون القنابل داخل البيوت ليدمروها على من فيها, في صورة همجية قل ما شهدت مثلها البشرية إلا من حثالات البشر, وكانت الأوامر تقضي بتدمير كل بيت, وسار خلف رجال المتفجرات إرهابيو الأرغون وشتيرن فقتلوا كل من وجد حياً, واستمر التفجير بهذه الهمجية حتى ساعات الظهر من يوم 10 نيسان ,1948 ثم جمعوا الأحياء إلى جانب الجدران وحصدوهم بالرصاص".

ثم جاءت وحدة من الهاغاناه بقيادة بنشورين شيف" فحفرت قبراً جماعياً دفنت فيه مئتين وخمسين جثة عربية أكثرهم من النساء والأطفال والشيوخ".

فاخر مناحيم بيغن بهذه المذبحة في كتابه"الثورة", قائلاً:"كان لهذه العملية نتائج كبيرة غير متوقعة, فقد أصيب العرب بعد أخبار دير ياسين بهلع قوي فأخذوا يفرون مذعورين, فمن أصل 800 الف عربي كانوا يعيشون على أرض إسرائيل الحالية ( يعني المحتلة عام 48) لم يتبق سوى 165ألفاً", وبذلك يعتبر بيغن أن العملية خدمت استراتيجية الحركة الصهيونية, ويعيب على من تبرأ منها من زعماء اليهود ويتهمهم بالرياء", ويقول بانها"تسببت بانتصارات حاسمة في ميدان المعركة", ويصل الحد ببعضهم ليدعي أنه: بدون دير ياسين ما كان ممكناً لإسرائيل أن تظهر إلى الوجود, "وقد بقيت اتسل فيما بعد متمسكة بمواقفها تجاه المجزرة, ولم تحدث عليه أي تغيير, وذلك خلافاً لليحي التي دافعت عنها في بداية الأمر بكل قوة معتبرة ما ارتكبته عناصرها بمثابة"واجب إنساني".

المسؤولية الفلسطينية.. والمسؤولية العربية

بقلم: بلال الحسن عن الشرق الأوسط

لماذا لا ينعقد المجلس الوطني الفلسطيني؟ لماذا لا ينعقد هذا المجلس وهو المخول تاريخيا بمناقشة السياسة الفلسطينية، واتخاذ القرارات بشأن استمرارها أو تغييرها؟

لماذا لا ينعقد هذا المجلس ليحسم حالة الغموض التي تحيط بالسياسة الفلسطينية، والتي لم تعد تدري إذا كانت سياسة تفاوض مع العدو الإسرائيلي، أم سياسة مقاومة للعدو الإسرائيلي المحتل؟ وها نحن نواجه الآن حالة مزرية، عنوانها الأساسي أن المقاومة الفلسطينية للاحتلال متوقفة، وكذلك المفاوضات متوقفة أيضا.

وحين تتوقف المقاومة، وحين تتوقف المفاوضات، يكون العدو الإسرائيلي في أحسن أحواله، فهو لا يواجه ضغطا عسكريا، وهو لا يواجه ضغطا سياسيا، وهو لذلك يستمر في احتلاله بهدوء، ومن دون ثمن.

ويبدو فلسطينيا، أن القيادة الراهنة لا تعرف إلى أين هي ذاهبة، فهناك قادة أساسيون فيها يعلنون أنهم لا يرغبون بالعمل المسلح ضد الاحتلال، وهناك مفاوضات متوقفة، يغلق توقفها باب الأمل بالمستقبل. وإزاء هذا الوضع لا نريد إطلاق مواقف وجدانية، ندعو فيها القيادة للتحرك العسكري ضد الاحتلال، أو نحبذ فيها الجدل اللامجدي مع الاحتلال، أصبح الأمر يتطلب ما هو أهم من ذلك. وما هو أهم من ذلك لا يبحث في الجدل الصحافي العلني، ولا يبحث في الغرف السرية المغلقة، لأن ميدانه الحقيقي هو المجلس الوطني الفلسطيني، فهو الذي يبحث، وهو الذي يخطط، وهو الذي يقرر. وهو غائب عن الصورة السياسية منذ سنوات طويلة.

لقد آن الأوان لتوجيه دعوة لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، لكي يبحث في الأمور بمنطق استراتيجي، فيقوم بعملية تقييم لتجربة التفاوض ومسارها، ويتخذ القرارات المناسبة لتصويب ذلك.

لقد عاشت الثورة الفلسطينية مرحلة كان فيها القرار السياسي يتركز حول مواصلة الكفاح المسلح ضد الاحتلال. ثم عاشت الثورة الفلسطينية مرحلة تالية امتزج فيها منهجا الكفاح المسلح والمفاوضات، ثم برزت مرحلة ثالثة عبر مواقف قيادات رئيسية، تقول بالمفاوضات وتستبعد الكفاح المسلح، بل وتدعو أحيانا إلى الكفاح الشعبي السلمي. ولا نريد أن نتسرع وننحاز إلى هذا الرأي أو ذاك، إنما نريد أن ندعو إلى مزيد من النقاش والحوار، لتحديد الأسلوب النضالي الأنسب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إذ لا يجوز لقائد أو لقيادة أن تقرر منفردة وأن تغير التوجهات الاستراتيجية منفردة، مع أن الكل يعرف أن مثل هذا القرار الاستراتيجي لا يمكن اتخاذه إلا عبر مجلس وطني، وعبر نقاش حر في مجلس وطني ينعقد لهذا الغرض.

وحين لا ينعقد المجلس الوطني للمناقشة والقرار، فإن الوضع الفلسطيني يكون في مواجهة أزمة حقيقية. وأسوأ ما فيها أن تصبح الآراء الشخصية هي المسيطرة.

والذي يحدث الآن، أن قيادات فلسطينية متنفذة، لا تحبذ نهج الكفاح المسلح ضد الاحتلال، وهي تدعو لاعتماد منهج الكفاح الشعبي السلمي، وهي تظن أيضا أن هذا النهج أسهل وأريح، بينما الكل يعرف، ومن خلال التجربة الثورية العالمية، وأبرزها تجربة الهند، أن الكفاح السلمي، وما يقتضيه الكفاح السلمي من تعبئة شعبية، هو أصعب بكثير من الكفاح المسلح، ويحتاج إطلاقه إلى جهود مكثفة قبل اللجوء إليه أو الإعلان عنه، وإلا جاء فشله مدويا.

ولذلك نصرّ ونؤكد، أن البت في هذه المسألة يحتاج إلى حوار فلسطيني داخلي، ميدانه المجلس الوطني الفلسطيني، أي الهيئة المخولة باتخاذ قرار من هذا النوع، ثم تحمل مسؤولية العمل بمقتضاه، ولا ندري لماذا لا تتم الدعوة لانعقاد المجلس الوطني، بعد أن اتضح مصير كثير من السياسات التي اعتمدت ولم تلق تجاوبا من الخصم.

وهنا نعود ونؤكد أيضا أن نزعة «فلسطنة» العمل الفلسطيني، هي نزعة قصيرة النظر. فالعمل الفلسطيني كان ولا يزال جزءا من العمل العربي، سياسيا وعسكريا. ومن واجب القيادة الفلسطينية أن تدير أوسع بحث سياسي مع كل القيادات العربية الفاعلة، لتحديد خط العمل المستقبلي، وإلا بقي الشلل الراهن مسيطرا على الساحة، وبقيت الأمور تدور عبر الكلام، ولا شيء غير الكلام.

يحتاج الأمر إلى خطوتين استراتيجيتين؛ خطوة فلسطينية، ينعقد فيها المجلس الوطني الفلسطيني، ويناقش المسألة ويضع قراره بشأنها، ثم خطوة فلسطينية - عربية يلتقي فيها الطرفان ويناقشان المسألة فرديا وجماعيا. لبلورة موقف عربي موحد، ليصبح العمل الفلسطيني عملا عربيا، حيث الحقيقة الدائمة بأن مواجهة إسرائيل هي مسؤولية عربية بالأساس، وليست مسؤولية فلسطينية. ومهمة الفلسطينيين هنا تحريك المسألة دائما، بحيث لا تموت، ولا تدخل في ثلاجة الجمود.

ومثلما هناك حاجة لانعقاد مجلس وطني فلسطيني، هناك حاجة بعد ذلك لانعقاد قمة فلسطينية - عربية، يدعو لها الفلسطينيون، لبحث الخطط العملية، ولتحديد الأدوار الفلسطينية، والأدوار العربية، ثم العمل الجماعي، حسبما يتقرر.

وإذا لم يحدث ذلك، فإن إسرائيل ستكون في أفضل حال، إذ لا عمل عسكريا يواجهها، ولا عمل سياسيا عربيا يضغط عليها، وهذا يعني مواصلة حالة الجمود، وهو جمود ترتاح إليه إسرائيل، وربما يرتاح له أيضا الوضع الدولي، لأنه لا أحد يطالبه بمواقف محددة.

الوضع الفلسطيني مشتت الآن، وتهيمن عليه الآراء الفردية، ويتواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي، ومن دون دفع أي ثمن لهذا الاحتلال. ولذلك نقول إن المسؤولية الفلسطينية هنا كبيرة. وإذا لم تتحرك القيادة الفلسطينية لمعالجة الوضع واقتراح الخطط، فلا شيء يمنع من تلاشي هذه القيادة تاريخيا، ومن بروز قيادات جديدة، تواجه الاحتلال الإسرائيلي بقوة المقاومة المسلحة المشروعة دوليا.

ونلاحظ هنا أيضا ما هو أخطر. إذ إن الوضع السياسي مستكين إلى هذه الحالة، إذ لا أحد يتحدث منذ زمن، حتى في إطار التصريحات الصحافية، عن إسرائيل، أو عن الخطر الإسرائيلي، لا على فلسطين، ولا على الوضع العربي، وكأن السياسة العربية تقدم استقالتها من مواجهة تحدياتها الاستراتيجية.

صحيح أن القمة العربية ناقشت المسألة في اجتماعها الأخير، واتخذت بشأن العدوان الإسرائيلي قرارا جيدا ومفصلا، ولكن هذا القرار خلا من تحديد الخطوات العملية المطلوبة، وخلا من تحديد الأدوار الفلسطينية أو العربية، وخلا من تحديد مناهج العمل السيا

إن الحديث عن خطر إيران مثلا، أخذ يطغى على الحديث عن الخطر الصهيوني، مع أن الكل يعرف أن المواجهة مع إيران لا تُحل بالحروب، إنما بالحوار السياسي، ومجاله قائم وممكن. أما الخطر الصهيوني، فله مواجهة واحدة، هي الضغط على إسرائيل، إما بالحرب وإما بالتهديد بالحرب. والتهديد بالحرب يكون أحيانا أكثر فعالية من الحرب نفسها، إذا كان تهديدا يأخذ طابع الجدية، لا طابع الحديث التقليدي عن الاهتمام بفلسطين وبالقضية الفلسطينية.

إن قرارات القمة العربية بحاجة إلى خطة عمل تنفيذية، وهو الأمر الغائب حتى الآن.

اسرائيل تمهد للحرب ضد ايران

بقلم: أسرة التحرير عن القدس العربي

اسرائيل تمهد تدريجيا لشن هجوم لتدمير المنشآت النووية، وربما البنى التحتية الايرانية ايضا، فامس الاول قللت تقارير استراتيجية من حجم الخسائر البشرية الاسرائيلية وحصرتها في حوالي 300 شخص في حال انفجار الحرب، واليوم يخرج علينا ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي بتهديد جديد عندما يؤكد ان العام الحالي هو عام مواجهة البرنامج النووي الايراني.

ربما يعتقد الكثيرون ان هذه التهديدات الاسرائيلية التي يتناوب عليها رئيس الوزراء تارة ووزير الدفاع تارة اخرى، هي من قبيل الحرب النفسية، لارهاب السلطات الايرانية ودفعها الى تقديم التنازلات المطلوبة، والتخلي عن طموحاتها النووية، سلمية كانت ام عسكرية، خاصة ان مفاوضاتها مع الدول الغربية ستبدأ خلال الايام القليلة المقبلة.

لا نستبعد نظرية الحرب النفسية هذه، ولكن من الواضح ان الاسرائيليين يضمرون شرا لايران والمنطقة بأسرها في الوقت نفسه، فعندما يستبعد باراك نجاعة العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية المفروضة على ايران من امريكا واوروبا، ويقول ان اسرائيل لن تتنازل عن قراراتها السيادية مثل شن الحرب على ايران، حتى لاقرب اصدقائها، فان علينا ان نتوقع هجوما على ايران قبل نهاية هذا العام.

كان لافتا ان تهديدات باراك هذه التي ادلى بها الى مراسلين عسكريين اسرائيليين لم تقتصر على ايران فقط، وانما امتدت الى حزب الله اللبناني عندما قال ان اي صاروخ يطلقه الحزب على المدن الاسرائيلية سيقابل بتدمير كلي للبنى التحتية اللبنانية.

حزب الله الذي صمد لاكثر من 34 يوما في مواجهة العدوان الاسرائيلي عام 2006 وأوقع بالجيش الاسرائيلي هزيمة كبرى لن تردعه مثل هذه التهديدات، فقد قرر زعيمه السيد حسن نصر الله مبكرا اطلاق كل ما في جعبة الحزب من صواريخ (يقدرها البعض بخمسين الف صاروخ) على حيفا وتل ابيب وكل الاهداف الاخرى في حال اقدام اسرائيل على شن عدوان على ايران.

باراك اوباما رئيس الادارة الامريكية حذر ضيفه بنيامين نتنياهو الذي زاره قبل شهر في واشنطن من مواصلة اطلاق التهديدات بضرب ايران لما يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على الاقتصاد العالمي، واسعار النفط على وجه الخصوص، وعدم الالتزام بهذه التحذيرات ليس فقط اهانة للرئيس الامريكي، وانما اعطاء اشارة بان عمليات التهيئة الاسرائيلية للحرب مستمرة ولم تتوقف، فمثل هذه التهديدات تصدر عن الرجل الاخطر في اسرائيل، الرجل الذي يتربع على قمة المؤسسة العسكرية، ويعرف بدقة موعد اي هجوم متوقع وحجم القوة المستخدمة فيه.

اسرائيل تلعب بالنار، وتقرع طبول الحرب بقوة، وتشكل تهديدا على امن العالم واستقراره، ولم يجاف الاديب الالماني غونتر غراس الحقيقة عندما اعرب عن استغرابه من تهديد اسرائيل الدولة النووية ايران الدولة غير النووية، وطالب بتفتيش دولي للمنشآت النووية في البلدين على قدم المساواة. الحرب التي تريد اسرائيل اشعال فتيلها لن تكون نزهة، لانها لن تحرق اصابعها فقط، وانما يدها وربما اجزاء عديدة من جسمها، هذا ما يقوله العديد من الخبراء.

هل تراجعت إسرائيل عن مهاجمة إيران؟

بقلم: رندى حيدر عن النهار البيروتية

إن كل من يتابع المواقف والتحليلات الإسرائيلية المتعلقة بسبل كبح المشروع النووي، لا بد أن يلاحظ التبدل الذي طرأ عليها بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها بنيامين نتنياهو لواشنطن. فقد تراجع الكلام الإسرائيلي على حتمية الخيار العسكري، وبرز مجدداً الرهان على المفاوضات السياسية مع إيران التي من المفترض ان تجريها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا منتصف الأسبوع المقبل، وعلى ضرورة انتظار ما ستسفر عنه العقوبات الاقتصادية على إيران وخصوصاً بعد دخول الحظر الدولي على شراء النفط حيز التنفيذ تموز المقبل.

ويبدو واضحاً اليوم أن كل التهديدات الإسرائيلية باحتمال توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية إلى إيران خلال فصل الربيع قد ذهبت أدراج الرياح. وعلى رغم اصرار وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك في مواقفه الأخيرة على القول ان سنة 2012 هي سنة انهاء البرنامج النووي الإيراني، فإن دلائل كثيرة تشير الى عكس ذلك. فهل معنى ذلك تأجيل إسرائيل ضربتها العسكرية للمنشآت النووية الإيرانية إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في تشرين الثاني المقبل، أم بداية للتخلي عنها نظراً الى اقتناعها بأنها تشكل مجازفة خطرة لا تحظى بتأييد دولي؟

لا شك في أن من أسباب التبدل في المواقف، التفاهمات الضمنية التي امكن التوصل إليها خلال لقاء أوباما الأخير ونتنياهو، وتعهده عدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي في حال فشل المفاوضات والضغوط الاقتصادية. لكن ثمة أسباباً أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، رفض غالبية دول العالم شن حرب على إيران في هذه المرحلة تخوفاً من ارتفاع كبير لأسعار النفط ولا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، وتخوّف إسرائيل في حال اقدامها على ضربة عسكرية منفردة من العزلة الدولية ومن تحولها مركزاً للكراهية بسبب التأثيرات السلبية للحرب على الاقتصاد العالمي التي ستدفع ثمنها شعوب العالم بأسره.

وهناك أيضاً مزاج الشارع الأميركي، كما أظهرته حملة المرشحين الجمهوريين للرئاسة، وتعليقات الصحافة الأميركية، اذ برز بوضوح عدم رغبة الأميركيين في الوقت الحاضر بتورط بلادهم في حرب جديدة بالشرق الأوسط على إيران، وانطباعهم ان إسرائيل تحاول جر بلادهم الى مواجهة عسكرية مع إيران غير مضمونة العواقب.

يعكس عجز إسرائيل عن التفرد بشن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية زيادة التبعية الإسرائيلية للولايات المتحدة، كما يدل على حجم تأثير الاضطرابات والحروب في منطقة الشرق الأوسط على الوضع في العالم كله.

من اطلق الصواريخ، اذاً، ولماذا ؟

بقلم: عصام نعمان عن الوطن القطرية

اسرائيل تستشعر الحاجة الى جواب مقنع لتتمكن من الرد، إلاّ اذا كانت هي تحديداً وراء العملية لتبرير تبديل منتظر في سياستها او لإجراء تحرك مغاير لتحركاتها السابقة في المستقبل المنظور.

المحللون العسكريون الصهاينة حاولوا تحديد الجهة المسؤولة عن إطلاق الصواريخ. اتفقوا، اولاً، مع بنيامين نتانياهو وايهود باراك ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال افيف كوخافي على ان السياج الجاري بناؤه بطول 266 كيلومتراً على الحدود بين اسرائيل ومصر يمنع تسلل مهربي السلاح وتنفيذ عمليات للمقاومة، لكنه لا يوفّر حلاً في مواجهة الصواريخ العابرة للحدود. كما أجمعوا، ثانياً، على ان الجيش المصري فَقَد سيطرته الكاملة على سيناء، وعلى ان العمليات «الإرهابية» تعاظمت من الحدود الاردنية، وان هذه التطورات تلقي على عاتق الجيش الإسرائيلي اعباء اضافية لجهة تحديد هوية الطرف او الأطراف المسؤولة وكيفية الرد عليها.

الى ذلك، سرّبت جهات أمنية اسرائيلية رسمية لوسائل الاعلام ان ثلاث مجموعات «ارهابية» تنشط حالياً في سيناء. الاولى تتشكّل من عناصر محلية بدوية تتبنى ايديولوجية الجهاد الإسلامي. الثانية تدعمها ايران وتحاول الانتشار والتجذر في كل انحاء مصر. الثالثة تتشكّل من مجموعات فلسطينية ملتزمة نهج المقاومة وتتلقى دعماً من دول ومنظمات اسلامية في شتى انحاء العالم.

كل هذه المعلومات والتحليلات لا تساعد اسرائيل على تحديد هوية الجهة المسؤولة عن اطلاق الصواريخ على ايلات، لكنها تتيح الاستنتاجات الآتية:

أولها، ان لا سيطرة كاملة للجيش المصري على سيناء. فقدان السيطرة ناجم عن اضطرابات سياسية وأمنية أعقبت سقوط حسني مبارك وبالتالي سقوط سياسته المرتكزة على محالفة اسرائيل ومنع الأنشطة المعارضة لها في مصر، والتزام الحصار المتعدد الوجوه المضروب على قطاع غزة.

ثانيها، ان البلبلة السياسية التي تعصف بمصر منذ انتفاضة 25 يناير والاستحقاقات الدستورية والسياسية التي يقتضي الوفاء بها قبل نهاية شهر يونيو القادم، تحول دون قيام المجلس العسكري باتخاذ قرارات سياسية وأمنية استراتيجية مخافة ان تُواجَه برفضٍ من القوى الوطنية، الإسلامية والليبرالية، التي عارضت وتعارض انفراد المجلس العسكري بسلطة التقرير والتنفيذ.

ثالثها، ان تنظيمات المقاومة كانت اقامت، اثناء حكم مبارك وبعده، شبكة علاقات وخلايا قتالية فاعلة في سيناء ولاسيما في صفوف البدو الخارجين غالباً عن سيطرة سلطات الامن المصرية، وان هذه الخلايا باشرت، بعد سقوط مبارك، بتوجيه ضربات دقيقة للانبوب الذي يزود اسرائيل بالغاز المصري. مجموع التفجيرات بلغ احد عشر حتى الآن من دون ان تتمكن قوى الامن المصرية من وضع حدٍ لها ما يؤكد قدرات هذه الخلايا وفعاليتها في سيناء عموماً.

رابعها، ان نشاط خلايا المقاومة لا يقتصر على سيناء بل يمتد الى اودية جنوب الاردن المحاذية لمنطقة ايلات. ولا يُستبعد، والحالة هذه، ان تكون الصواريخ قد أطلقت من هذه المنطقة تحديداً.

خامسها، ان يكون جهاز امني اسرائيلي وراء اطلاق الصواريخ على ايلات بقصد توفير مبررات لحكومة نتانياهو لصرف النظر عن مواجهة خطر ايران البعيد من اجل التركيز على مواجهة خطر المقاومة القريب. ذلك ان الولايات المتحدة افصحت عن اتجاه واضح الى تفادي الاعتداء على ايران، اقلّه في الفترة الزمنية السابقة لموعد الإنتخابات الرئاسية في مطلع نوفمبر القادم.

سادسها، ان حكومة نتانياهو مضطرة خلال الاشهر الستة القادمة الى ان تراقب بعناية ثلاثة انتخابات رئاسية في فرنسا ومصر واميركا وان تدرس بعمق ما يمكن ان تنتهي اليه من نتائج وتداعيات. في هذه الفترة الزمنية الحبلى بالاحداث والتطورات قد لا تجد حكومة نتانياهو ان من الحكمة اتخاذ مواقف سياسية حاسمة او سلوك مسالك أمنية مثيرة للجدل او لردود فعل خطيرة.

سابعها، ان التريث في الرد على ما تعانيه اسرائيل من ضربات ومتاعب على جبهتي غزة وسيناء يوفّر لها الوقت الكافي لمراقبة ما ستنتهي إليه التطورات العسكرية والسياسية على جبهتها الشرقية ( سوريا) والشمالية (لبنان).

ثامنها، بات واضحاً ان حكومة نتانياهو تحاول ابتزاز اميركا لتعوّض تراجعها عن ضرب ايران بالسكوت عمّا تقوم به اسرائيل من اجراءات واعتداءات منافية للقانون الدولي ولقرارات الامم المتحدة. ذلك ان نتانياهو وحزبه (ليكود) وسائر الاحزاب اليمينية المؤتلفة في حكومته تعارض «حل الدولتين» لقضية فلسطين، وقد حققت مؤخراً انتصاراً سلبياً بهزيمة زعيمة المعارضة تسيبي ليفني في انتخابات رئاسة حزبها (كاديما) الذي يحمل، ظاهراً في الاقل، لواء الحل المذكور. ذلك يساعد نتانياهو وحلفاءه على مواجهة ادارة اوباما بأمر واقع هو تضامن احزاب اسرائيل جميعاً في رفض حل الدولتين، ما قد يحمل واشنطن على وقف ضغوطها على الكيان الصهيوني لمعاودة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. فوق ذلك، يعتقد نتانياهو ان النهج الافعل لجعل المفاوضات مع الفلسطينيين غير ذات موضوع هو في تسريع عمليات الاستيطان في القدس وسائر انحاء الضفة الغربية. في هذا السياق، اعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً الاستيلاء على مزيد من الاراضي الفلسطينية بطرح عطاءات لبناء 1121 وحدة استيطانية غالبيتها في القدس الشرقية المحتلة، والبقية في الضفة وهضبة الجولان السورية. كل ذلك بعد ساعات من اعلان نتانياهو اعتزامه «تشريع» ثلاث مستوطنات «عشوائية» في الضفة وايجاد حل لبؤرة رابعة.

هكذا تتيح مشاهد الصراع السياسي والعمليات العسكرية في سيناء وايلات وقطاع غزة وسوريا وحتى في لبنان الوقت اللازم لنتانياهو وفريقه لمتابعة سياسة ابتزاز اميركا وفرض سياسة الامر الواقع على العرب والأعراب والأغراب.

الانقلاب على الإخوان

بقلم: عبدالله الفويضل عن الوطن الكويتية

حالة من الكوميديا السوداء تحيط بالمشهد السياسي العربي ونحن نرى الحرس القديم يحجر على حق أي قوى سياسية تماثل فكرنا أم ضده سواء كانت ناشئة او قديمة ويحرمها من تبوؤ أي دور سياسي في المرحلة الراهنة وهي مرحلة الربيع العربي.فهناك من شمر عن سواعده وتفرغ لحركة الاخوان المسلمين في الخليج متهما اياهم بأنهم أصحاب مؤامرات مغالطا نفسه بعدم استيعاب حركة التغيير في العالم وأن كل شيء تغير فيما أفكار مطلق التحذير هي التي لم تتغير وهو ايضا لا يريد التغيير حفاظا على مكاسبه ومصالحه الخاصة لا مصالح الآخرين.

وللأمانة الآن حركة الاخوان المسلمين بغض النظر عن اختلافنا معهم أو حتى في تفاوت أدائهم ووجودهم من اقليم الى آخر ومن ناحية العطاء وحتى التفكير والمنهج فاليوم نحن نجد تجربة «الاخوان» في تونس مغايرة تماما لتجربة «الاخوان» في مصر لعدة أسباب أهمها النضج الذي يتسم به قيادات حزب النهضة التونسي وهذا قد يكون نابعاً من المهجر وبلد المنفى للعديد من تلك القيادات التي عاشت فترة طويلة في أوروبا واستطاعت بحكم الاحتكاك مع الشعوب الأوروبية تغيير تصوراتها حول الوضع السياسي والواقعي إلى جانب العلمانية الطويلة التي يمارسها الشعب التونسي بحيث لا يمكنهم التعايش مع نظام متشدد والتخلي عن الأفكار الراديكالية التي تنفر من حكم الإسلاميين بدل احتوائهم وتقبلهم في المجتمع ورغم قصر حكم حزب النهضة في تونس بحيث يصعب على المرء اطلاق الأحكام عليها لكن الخطوات التي بدأت تسير عليها والتي اتخذتها خلال الأسابيع الماضية ومع اتخاذ المزيد منها في المستقبل وسيرها على هذا النهج قد يمكننا من القول بأنها تجربة يمكن ان تحاكي تجربة حزب «العدالة والتنمية» في تركيا.

فيما واجه قيادات «اخوان» مصر السجون والمعتقلات والقمع لفترات طويلة من جهة اضافة للبيئة الاجتماعية والسياسية الضاغطة والحظر على عملهم وعلى تحركاتهم مما يعكس بقاء أفكارها رهن هذه الظروف المعاشة التي تحيط بهم وحبيسة الشعارات الإسلامية المتشددة بدل تحديث النهج وعلى نقيض تام مع أقرانهم في تونس، والآن يتعرضون لحالة من الصراع ومحاولة اقصاء غير مفهومة أمام حقهم في السلطة على الرغم من ان الارادة الشعبية وخيارات الناس هي لصالحهم.

عملية الزج بعمر سليمان كمرشح للانتخابات الرئاسية أمام خيرت الشاطر في اللحظات الأخيرة تدلل على ذلك وماهي في الواقع الا مقدمة انقلاب من قبل المجلس العسكري الحاكم على «الاخوان» والذي فاوضهم في وقت سابق حول عدم فتح ملف ملاحقته قضائيا عن جرائم ارتكبت بحق الشعب المصري من قبل قيادات عسكرية تتبع للمجلس العسكري في الفترة الماضية بعد وصولهم للسلطة وهو أمر رفضه الإخوان فيما يبدو، الذين هم قاب قوسين أو أدنى من الفوز بالانتخابات مما يفرض حالة من التوجس والخشية لتزوير ارادة الناخبين وعودة فلول النظام السابق الذي يعد سليمان أحد رجاله.

في ظل هذا المشهد السياسي وحالة الضبابية والتطورات الاخيرة التي حملت تسجيل مرشحين احتياط لكل من الاخوان ونظرائهم السلف السؤال الآن هل سيقبل «الاخوان» بهذا الأمر؟ وهل ستدخل مصر مرحلة جديدة وفصلاً من الاضطراب والفوضى السياسية؟ وهل سيتطور هذا المشهد الى حد رؤية عمليات عنف؟ وهو بالمجمل ان كل ما يجري يناقض أحلام المواطن المصري البسيط الذي كان يتطلع بعد سقوط نظام مبارك لاستقرار سياسي يوفر له حياة كريمة ولقمة عيش خالية من امتهان الكرامة.


إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً