النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: اقلام واراء عربي 664

  1. #1

    اقلام واراء عربي 664

    في هــــــــــــــــــــــذا الملف:
    التوقيع على اتفاقات جنيف أعظم إنجاز فلسطيني!
    بقلم: جمال خاشقجي عن الحياة اللندنية
    (يوم الأرض).. فرصة لتجديد الوعي بقيمة (الوطن)
    بقلم: زين العابدين الركابي عن الشرق الأوسط
    رائحة الدم أم السلام؟
    بقلم: انس حسونة عن القدس العربي
    افتتاحية الخليج: لعنة "أوسلو"
    بقلم: أسرة التحرير عن الخليج الاماراتية
    لماذا «تشدد» الفلسطينيون؟
    بقلم: مازن حماد عن الوطن القطرية

    «التكتيك الدحلاني» لحماس
    بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
    عمّا يُسمّى «التعليق على مشجب إسرائيل»
    بقلم: أسعد أبو خليل عن الأخبار البيروتية
    يوم الأرض.. بلا أرض في عالمنا العربي!
    بقلم: عاطف بن عمر دلالي عن رأي اليوم
    العلاقة السرية بين 'عون' وإسرائيل
    بقلم: أحمد عدنان عن العرب اللندنية
    من؟ ولماذا؟
    بقلم: فهمي هويدي عن الشروق المصرية
    الإخوان والإرهاب والوصولية
    بقلم: مصطفى الصراف عن القبس الكويتية





    التوقيع على اتفاقات جنيف أعظم إنجاز فلسطيني!
    بقلم: جمال خاشقجي عن الحياة اللندنية
    اكتشفنا، وربما تذكرنا الأسبوع الماضي، أن الفلسطيني لم يخسر فقط أرضه وماءه وسماءه، بل حتى خسر حقه في مقاضاة خصمه في معارك الديبلوماسية والقانون الدولي، بعدما خسر طوعاً حقه في المقاومة.
    اكتشفنا ذلك عندما وقّع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وفي استعراض بطولي أمام كاميرات التلفزيون طلبات الانضمام إلى 15 اتفاقاً ومنظمة دولية، أهمها اتفاقات جنيف الأربعة التي تعني الفلسطينيين بالدرجة الأولى، إذ إنها تنظم حقوق الإنسان في حالات الحرب والأسر والاحتلال، وهم في حال حرب بلا شك مع إسرائيل، حتى لو كانت الحرب من جانب واحد وهو الإسرائيلي بالطبع، وتمارسها كلما اعتقدت أنها تحتاج إلى ذلك من دون أن يحاسبها أحد، أما الأَسْرى، فالسجون الإسرائيلية مليئة بهم، وهم تحت احتلال صريح وإن وقّعوا عشرات الاتفاقات المتفرعة من اتفاق أوسلو الشهير، تجمّل ذلك الاحتلال وتسميه سلطة وطنية، وتوزع الأراضي الفلسطينية إلى منطقة «أ» و «ب» و «ج».
    المفارقة أن حرمانهم من التمتع بحماية هذه الاتفاقات ولو نظرياً، حصل بطلب من الولايات المتحدة التي تريد أن تكون الوسيط الوحيد بينهم وبين عدوهم الإسرائيلي، وجعلته شرطاً لاستمرارها في دورها كوسيط، فكانت هي الخصم والحكم، ما يفسّر غضب وزير الخارجية الأميركية جون كيري وإلغاءه الثلثاء الماضي اجتماعاً مقرراً مع الرئيس عباس، بعدما وقّع الأخير الاتفاقات المشار إليها.
    إنه وضع تفاوضي غير عادل بالمرة، إذ لا يخفى انحياز الولايات المتحدة الكامل لإسرائيل وتفهمها لظروفها وأمنها، وفي الوقت نفسه تحرم الفلسطينيين من حقهم في التحاكم أمام مؤسسات المجتمع الدولي، علماً بأن أبو مازن الذي تحدى الأميركيين بتوقيع الاتفاقات لم يجرؤ بعد على أن تتقدم «دولة فلسطين الافتراضية» بطلب للانضمام إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، كأنه يدخر هذا السلاح لمعركة أخرى... نعم، هذه هي الأسلحة المتبقية بيد الفلسطينيين. هل تذكرون كلمة الراحل ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عام 1974 الشهيرة: «لا تجعلوا غصن الزيتون يسقط من يدي» وكرّرها ثلاث مرات. لقد سقط بعدها غصن الزيتون والبندقية، وما هو أكثر من ذلك.
    الثلثاء الماضي سمعنا أبو مازن يكرر وبغضب ثلاث مرات أنه لم يجد من الإسرائيليين والأميركيين غير «المماطلة والمماطلة والمماطلة»، لم يكن غضبه واحتجاجه لأن هناك مماطلة حول الحدود أو القدس أو السيادة، وفي كل ما سبق مماطلات، وإنما في تنفيذ اتفاق ووعد مستحق التزمت به إسرائيل وبضمان أميركي بإطلاق دفعة رابعة من الأسرى الذين أمضوا جلّ حياتهم في السجون الإسرائيلية.
    كيف يمكن للعرب مساعدة الفلسطينيين عندما يجتمعون هذا الأسبوع تحت قبة الجامعة العربية في القاهرة في اجتماع طارئ لوزراء الخارجية لمناقشة هذا الانهيار العاشر أو العشرين لمفاوضات السلام، التي تحمس لها كيري في ظرف عربي صعب، وانشغال تام بشتى القضايا المحلية والإقليمية، ما دفع بالقضية الفلسطينية إلى آخر قائمة أولويات الدول العربية؟
    ربما نعرف بعدما نجيب عن السؤال: هل يمكن التوصل إلى اتفاق سلام عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين والهوة واسعة جداً بين الحد الأعلى الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي المفوض من شعبه انتخاباً، والحد الأدنى الذي يمكن للشعب الفلسطيني أن يقبله؟ ولم أقل القيادة الفلسطينية، فعلى رغم كل الدعم العربي للرئيس عباس إلا أنه لا يستطيع التوقيع على اتفاق عادل مع الإسرائيليين من دون تفويض شعبي حقيقي يفتقده في ظل الانقسام الفلسطيني، والانقسام هنا ليس بين «فتح» و «حماس»، ولا بين غزة والضفة، وهو انقسام حقيقي، بل حتى داخل البيت الفتحاوي نفسه، فكيف عندما يكون التوقيع على اتفاق مجحف؟ فكل المعروض من نتانياهو وكيري يدخل في دائرة المجحف.
    انقسام عربي، وانقسام فلسطيني، وضعف مشترك بين الاثنين، فلماذا التفاوض الآن، وهذا الإصرار الأميركي على «السلام الآن»؟ ثمة شيء ما خطأ!
    أقصى ما يستطيعه العرب هو تقديم مزيد من الوعود الكلامية بتأييد «حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الحرة المستقلة ذات السيادة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس»، ولكن لا أحد مستعد أن يفعل أكثر من هذا، ولا أن يهدد مصالحه المباشرة مع الولايات المتحدة بمواجهتها أو الضغط عليها، في الوقت الذي يحتاجها في مسائل أخرى تهمه أكثر.
    تنهار عملية السلام، بينما تنهار كل يوم مقومات الدولة الفلسطينية المحتملة، على الأرض والواقع، بتخطيط إسرائيلي منظّم، ولا مبالاة بأي اتفاقات دولية أو ثنائية وقعتها مع الفلسطينيين. هذه الصورة القاتمة، أستقيها من تقرير وزعته دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية بمناسبة الذكرى العشرين لتوقيع اتفاق أوسلو التي مرّت من دون عظيم اهتمام العام الماضي، ما من صفحة منه إلا وتتحدث عن انتهاكات إسرائيلية للاتفاق، الخرائط، الجدار الفاصل، المستوطنات، كلها تشير إلى واقع لا يمكن أن يقبله الشعب الفلسطيني، حتى لو وقّع أبو مازن في احتفالية أممية عشرات الاتفاقات لإرضاء كيري، ليدخل التاريخ كصانع للسلام الذي عجز عنه ساسة العالم، أو لإعطاء الرئيس أوباما إنجازاً يُصلِح به سجله الحافل بالفشل في السياسة الدولية.
    حتى لو قبل كل العرب، أو بالأحرى لم يهتموا أن يقبلوا أو يرفضوا في خضم فوضاهم التي يعيشونها في ظل ربيعهم المنتهك، فهل يقبل بها الفلسطيني؟ بل هل يستطيع أن يرفض الاتفاق؟ لعله يفضل التمتع ببعض من «اتفاق جنيف الرابع» الذي سيعطيه حقوقاً أكثر من اتفاق سلام يفرض عليه في ظل حال ضعف عربي وفلسطيني عام.
    لذلك، فإن توقيع الرئيس الفلسطيني طلب الانضمام لهذا الاتفاق، هو أعظم إنجازاته.

    (يوم الأرض).. فرصة لتجديد الوعي بقيمة (الوطن)
    بقلم: زين العابدين الركابي عن الشرق الأوسط
    لم يكُ عادلا ولا منصفا جون كيري وزير الخارجية الأميركي حين قال: إن سلام الشرق الأوسط يتعثر بسبب التصرفات (الأحادية) من كلا الطرفين: الفلسطيني والإسرائيلي. فهذه مساواة ملؤها الظلم والجور؛ فالواقع يقول: إن الذين يمارسون الإجراءات الانفرادية هم الإسرائيليون لا الفلسطينيون.
    فإذا سألنا: من الذي يواصل قضم الأرض الفلسطينية عبر ما عرف بـ(التوسع الاستيطاني)؟ فإن الجواب القاطع هو أن الإسرائيليين يفعلون ذلك وفق خطة منهجية تزيد ولا تنقص، وتستمر دوما ولا تنقطع قط.. وإذا سألنا من الذي يتصرف - بانفراد - في المقدسات الإسلامية في القدس؟ ومن الذي يريد تبديل معالمها وطمس هويتها؟ فإن الجواب القاطع هو أن الإسرائيليين هم الذين يفعلون ذلك.. إذن لماذا يساوي جون كيري بين الطرفين؟! ثم يطالب الأميركيون الطرفين بتقديم تنازلات كبيرة أو مؤلمة.. وهذه - كذلك - مطالبة تجردت من معايير العدل والإنصاف؛ فحقيقة الأمر أن الفلسطينيين قدموا من التنازلات ما يشبه (التفريط) في الحقوق الأساسية: اعترفوا بإسرائيل من خلال الرسالة التي بعث بها ياسر عرفات - رحمه الله - إلى إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل يومئذ.. وهذا التنازل وحده يكفي، لو كان لدى إسرائيل ذرة واحدة من إرادة السلام.. ثم وافق الفلسطينيون على ما عرف بـ(خارطة الطريق) بيد أن الرد الإسرائيلي عليها أفرغها من مضامينها، وأبطل أهدافها (طالع ص 207 من كتاب جيمي كارتر: «فلسطين: السلام لا التمييز العنصري»).
    ماذا يريد الأميركيون أن يقدمه الفلسطينيون من تنازلات كبيرة أو مؤلمة؟ لم يبق أمام الفلسطينيين إلا:
    1- أن يكتبوا وثيقة جماعية يعلنون فيها عبوديتهم لإسرائيل إلى الأبد!!
    2- أو يعلنوا الامتناع المؤبد عن الزواج بهدف ألا تنجب النساء الفلسطينيات في المستقبل لا بنين ولا بنات (قد يلدن صبيانا في المستقبل)!!
    3- أو يتعهدوا في حالة الزواج بتعقيم العرائس الفلسطينيات تعقيما كاملا وأبديا وفق خطة علمية منهجية يشرف عليها متخصصون في التعقيم البشري من غلاة الصهاينة!!
    أي هزل هذا الذي يتفوه به الأميركيون حين يطالبون الفلسطينيين بمزيد من التنازلات؟
    نقول هذا بمناسبة ذكرى (يوم الأرض) الذي يتوجب أن يتجدد فيه الإحساس بقيمة (الوطن) لدى الفلسطينيين، ولدى العرب والمسلمين أجمعين.
    فحقيقة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين هي على (الأرض).. ولسنا نقبل من متنطع أن يقول: وهل نسيت (القدس)؟ ذلك أن القدس ذاتها (أرض).. أرض مباركة.. نعم. لكنها أرض!!
    ووثائق التاريخ والجغرافيا تثبت أن هذه الأرض هي لأهل فلسطين (إن شئت توسعا فاقرأ كتاب: «الأساطير المؤسسة لإسرائيل» لروجيه جارودي).
    فجاءت الحركة الصهيونية فاحتلت جزءا ضخما منها عام 1948، ثم التهمت المزيد منها عام 1967.. ثم ها هي تقضم ما تبقى بواسطة التوسع الاستيطاني.
    ثم.. ثم ابتدعت فكرة (الدولة اليهودية الخالصة) وهي فكرة تعني 100 في المائة نبذ كل من هو غير يهودي من فلسطين بحجة أن (الدولة اليهودية) لا تتسع إلا لليهود وحدهم!! ثم هي فكرة تلغي - بطبيعتها - حق عودة الفلسطينيين إلى أرضهم ووطنهم.. وهل يجوز أن يكون لهم وطن في دولة يهودية خالصة؟
    إنه توكيد للواقع - في يوم الأرض - إذا قلنا: إن إسرائيل تعيش فرحة غامرة، ليس بجهدها الذاتي، فهم في داخلهم يعانون أزمات مركبة: معيشية وأمنية وسياسية، لكن مصدر فرحتهم هو (غرق) العرب في مشكلاتهم الذاتية البينية المتناسلة دوما، غرقا أذهلهم عن فلسطين وما يجري فيها من استباحة صهيونية لكل شيء: الإنسان والأرض والمقدس والماضي والحاضر والمستقبل. أما المنتشون بالربيع العربي الذين عاشوا دهرا على شعار (تحرير فلسطين) واسترداد القدس.. هؤلاء لا يبدو أنهم قد استطاعوا التوفيق بين نزوعهم إلى (التمكن) وبين حمل هم القضية الفلسطينية بصدق وجد يتمثلان في (فعل) يحافظ - على الأقل - على المتفق عليه في القضية الفلسطينية.. ومن الإفك المفترى ترويج وهم مخدر للشعوب، وهم أن إسرائيل قد خافت - إلى درجة الرعب والهلع - من (الربيع العربي) هذا!!
    وهل يخاف الناس - في العادة - مما هو مصدر طمأنينة لوجودهم؟!
    نعود فنقول: إن الصراع الحقيقي إنما هو على (الأرض)، وما دفع الحركة الصهيونية يهود العالم - بالترغيب والترهيب - ما دفعتهم للهجرة إلى فلسطين إلا للاستيلاء على أرض فلسطين.. يقول إسحاق شامير: «إن الاستيطان هو جوهر الصهيونية».. ومعنى هذه العبارة الموجزة أن وظيفة الصهيونية الأولى، وهدفها الأسمى هو (الاستيطان)، أي الاستيلاء على أرض الفلسطينيين بعد طرد أهلها منها.. وبهذا المقياس تعيش إسرائيل أحلى أيامها من حيث إنها أيام شهدت أكبر توسع استيطاني في القدس وغيرها.
    ونطرق قضية (يوم الأرض) من زاوية أخرى فنقول: ثمة نزعة في الثقافة العربية الإسلامية أو الفكر العربي الإسلامي حاولت إضعاف الإحساس والوعي بـ(قيمة الوطن) أو الأرض من خلال شعارات (الأممية الإسلامية) أو الخلافة الإسلامية العالمية.. مثلا منذ سنوات وقف زعيم لجماعة إسلامية يخطب في جماهيره فاستهل خطبته بهذه العبارة: «الحمد لله الذي جمعنا على العقيدة والدين، ولم يجمعنا على آصرة التراب والطين».. وفي هذه العبارة مضامين لا علاقة لها بمنهج الإسلام نفسه، أي المنهج الذي يدعو إليه ذلك الخطيب.
    إن الإسلام نفسه قد أعلى من شأن قيمة الأرض بحسبانها مسرح حياة الإنسان، وساحة عمله وكفاحه وإبداعه وعبادته ومستقره ومأواه:
    أ- «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها»، أي جعلكم عمارها، وانتدبكم وأهلكم لذلك.
    ب- «ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش».
    ج- «والأرض وضعها للأنام».
    ثم إن الإسلام نفسه يتطلب وجود أرض أو وطن، وإلا فكيف وأين تقام شعائره، وتطبق شعائره: في الأجواء أو فوق السماوات؟
    يضم إلى ذلك أن التناقض المتوهم بين آصرة الدين وآصرة الطين، لا وجود له في حقيقة الأمر؛ فالناس جميعا خلقوا من طين.. وهؤلاء الناس المخلوقون من طين مطلوب منهم أن يتعارفوا على أساس نسبهم الإنساني المشترك: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا».. ومطلوب منهم التآخي في الله: «واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا».. إن الناس منذ وجد أبيهم الأول آدم - عليه السلام - على الأرض وهم يجتمعون على الطين أو الأرض، لا في الجو ولا فوق السماوات، ويجتمعون على العقيدة والدين إن هم اختاروا عقيدة ودينا.
    غريب جدا أن نضطر إلى مناقشة البدهيات، ولكن ما الحيلة - غير هذه - مع أناس يخوضون دوما غمار الجدل حول البدهيات؟!

    رائحة الدم أم السلام؟
    بقلم: انس حسونة عن القدس العربي
    عند النظر من نافذة أي مقهى يطل عالياً من رام الله، ستجد صورة واحدة، وهي صورة إحدى المستوطنات الإسرائيلية في نصفها الأعلى، ومن نصفها الأسفل البيوت والمآذن والمباني الفلسطينية. في طبيعتها وبنيتها المادية لا تختلف الأرض عن الأرض، لا تختلف فيما تحمل من تربة وأشجار ولا تختلف فيما تحمل من مواد بناء. ربما لا تختلف إلا بالشكل الهندسي للبناء.
    ولو أحضرنا شخصاً ما من أي مكان من الأرض، دون أن يعلم طبيعة الصراع الدائر في هذه الأرض، لما خطر له مطلقاً، أن النصفَ الأعلى من الصورة يضطهد الأسفل منها، والأسفل يكره الأعلى، ويُصر على أنه في أحد الأيام سيستطيع النيل منه وقتله.
    في إحدى الليالي، وفي طريقي من رام الله إلى أريحا، توقفنا بالسيارة أنا وصديق لي، وقد أخذنا جمال المكان وجاذبيته، إذ كنا في منتصف سهل ممتد من تلة تقطعها الطريق. كان الهواء الذي يُسرع من أعلى التلة إلى سهلها، يضرب الحشائش التي نبتت على السهل، ويجعلها تتماوج بصيغة أنثى تراقص الطبيعة.
    وقفنا خمسَ دقائق، ونظرت إلى صديقي لأسأله: أعطني سبباً واحداً يجعل هذه الأرض تستيقظ صباحاً لتقتل أبناءها؟ لتنتهك حرمة الطبيعة الخلابة هذه؟ وصمَت هو، وصمتُ أنا. قلت: دعكَ من رومانسيتك، فهي لا تنفع سوى في هذه الليلة.
    في الصباح، كان خبر استشهاد ثلاثة فلسطينيين في جنين. قلتُ لنفسي: قلت لك، ستقتل هذه الأرض أبناءها في الصباح.
    ولكن لم تكن الأرض القاتل، إن الأرض لا تقتل، بل المسدس والبندقية. وكان القاتل الجيش الإسرائيلي.
    لن أعود للتاريخ، ولن أعود لأي جدلية تذكر هنا. وهذه المقالة، لم تأت لتدين طرفاً من الأطراف. سأقوم بافتراض ما، وسأسرد ما تبقى من المقالة بناءً على هذا الإفتراض.
    إن الإفتراض يقول، لو استيقظ أبناء هذه الأرض يوماً، وتجردوا من كل أسباب الصراع، هل سيتجه جندي إسرائيلي إلى الحاجز ليقوم بإذلال نساءً فلسطينيات؟ هل سيتجه جندي إسرائيلي إلى طائرته ليقصف غزة؟ وهل سيتجه مقاوم فلسطيني إلى موقع إطلاق الصواريخ ليطلق صاروخاً؟ هل سيكره الفلسطيني من يسكن على الجهة الأخرى ويسميه صهيونياً؟ وهل سيكره الإسرائيلي من يسكن على الجهة الأخرى ويسميه وحشاً يجب قتله؟
    لا أعتقد ذلك، لو تجردنا من أسباب الصراع، سيقوم كل منا بإزالة أدوات الصراع وينتهي الأمر ببساطة.
    سأقتبس من قصيدة رفيف زيادة وهي شاعرة فلسطينية تقيم في كندا، جملة من قصيدتها تقول ‘ نحن نعلِّم الحياة سيدي’، وهذه الجملة تقول: ‘ ألا تعتقدين آنسة زيادة أن كل شيء سيُحل لو توقفتم عن تعليم أبنائكم الكراهية؟’.
    دار نقاش ما حول هذه القصيدة، وكان رأيي فيه، نعم نحن نكره الإسرائيليين. من لا يستطيع أن يكره من يقوم بإذلاله ورميه بالصواريخ؟ من الشخص الذي لن يقوم برمي الصواريخ لو استطاع، على من يقذفه بدبابة؟ ولكنَّنا لا نعلمهم الكراهية، الكراهية فعل إنساني في حالة التعرض للإضطهاد. ولكن أيضاً، نحنُ نعلم الحياة للعالم، كل شخص يستطيع أن يفعل ذلك. كل شخص ولأنه حي، هو شخص قادر على تعليم الحياة من خلال الحياة. ولكن، السؤال هنا، ما الذي يجعل الفلسطينيين والإسرائيليين في صراع، إذا كانوا في حالة التجرد من أسباب الصراع فلن يستمروا في هذا الصراع؟
    هل حقاً هناك أسباب للصراع؟ وإذا كانت هذه الأسباب حقيقية وهي بالفعل كذلك بالنسبة للكثيرين، وإذا كانت هذه الأسباب هي تتعلق بمسألة وجودية للطرفين. ما الذي يجعل الصورة التي تحدثت عنها في بداية المقال، ما الذي يجعلها قائمة؟ أقصد لمَ لم ينتهِ أحد أطرافها حتى الآن؟
    السؤال هو، إذا كان الصراع هو صراع وجود، ما الذي حتى اللحظة يبقي كل من الفلسطينيين والإسرائيليين في حالة صراع متقطع، نصف حروب متقطعة. وما الذي يجعلهم قادرين على العيش في أرض واحدة، أحدهم يطل من نافذته على مستوطنة، وأحدهم يطل من نافذته على قرية فلسطينية؟
    لو كان الصراع هو صراع وجود، إذن، لم ليس صراعاً مستمراً في كل ثانية على هذه الأرض؟
    دعونا نفكك الأمر ببساطة، إن كافة أسباب الصراع التي نمتلكها حتى اللحظة، وهي التاريخ والدين والوطنية ( وهي أشياء مشتركة لدى طرفي الصراع)، ليست قوية كفاية لتجعلنا في حالة صراع مستمر في كل لحظة من حياتنا على هذه الأرض؟ ليس فقط كذلك، بل هي ليست قوية كفاية لتجعلنا، نترك كل ما نبني فيها، كل تعليمنا، كل سعينا نحو مستقبل أفضل لأبنائنا، وكل الأمور التي نفعلها، تلك الأسباب ليست قوية كفاية لتجعلنا نترك كل هذه الأمور التي نفعلها يومياً، ونتجه إلى مستوطنة ما، أو قرية فلسطينية ما، ونبدأ صراعاً لأنني أرى في الطرف الآخر( سواء فلسطيني أو إسرائيلي ) هوعدو حقيقي لي.
    هل نحن فقط نكره الإسرائيليين؟ وهل الإسرائيليين فقط يكرهون الفلسطينيين؟
    حسناً، ربما تكون هناك بعض الإجابات على ما ذكرته في الفقرة السابقة. وسأكون هنا أكثر مباشرة وتخصيصاً. إذا كان الجندي الإسرائيلي يملك كافة أسباب الصراع الوجودي الحقيقية بالنسبة له، ما الذي يجعل ذلك الجندي، لا يطلق الرصاص وفقط الرصاص على من يمرون من أمامه على الحاجز؟ ألا يستغرب الفلسطينيون هذا الأمر؟ والجندي؟
    إذن نحن نملك القدرة على العيش دون صراع، وهذا الأمر هو أكثر الأمور التي حدثت على مر تاريخ قضية هذا الصراع، الأوقات التي لم يكن فيها الصراع مستمرا أكثر من الأوقات التي كان فيها صراع. إذن ماذا؟
    ما الأمر الذي يدفعنا نحو الإصرار على الكراهية المشتركة؟ هناك العديد من الأمور التي قد نذكرها، وأهمها وبحكم منطق القوة، هو إبقاء إسرائيل على اضطهادها للفلسطينيين وكردة فعل طبيعية بشرية وحتى دون أي تدخل لأي معتقدات أو تاريخ، سيكره الفلسطينيون إسرائيل ويقومون بفعل مقاومة مشروعة. ولكن ليس هذا ما أتحدث عنه.
    أتحدث عن الإفتراض. إن أي نهاية لهذا الصراع، ستكون إما الفناء الكامل لأحد الأطراف، أو العيش المشترك.
    والسؤال هنا، ما الذي يمنع هذا العيش المشترك؟ ما الذي يجعل تقبل الآخر فكرة مستحيلة في نظر الطرفين؟ توقف! إنها كذبة، فهي ليست مستحيلة، لو كانت مستحيلة، لما تقبل الفلسطينيون ولو للحظة وجود المستوطنات ولقاموا يومياً بمهاجمتها، وتوقف! لو كانت مستحيلة، لما تقبل الإسرائيليون وجود الفلسطينيين في الأعياد في اسرائيل ووجودهم بجانب مستوطناتهم.
    أليس الأمر غريبا؟
    أدعي وجودية الصراع الذي يربطني بالآخر، وأقوم بتقبله عند مروري على الحاجز، وأقوم بتقبله عندما أخرج في أعيادي إلى إسرائيل، وأقوم بتقبله كونه يسكن بجانبي ولا أهاجمه، وأقوم بتقبله ألف مرة يومياً، وفي النهاية أدعي وجودية الصراع.
    أنا لا أدعو للسلام الذي سيجعل أحد الأطراف يعيش على استغلال الطرف الآخر، وأيضا لا أدعو لإدانة أحد الأطراف، أنا فقط أقول، توقفوا للحظة، من إسرائيليين وفلسطينيين، نفترض، نفكر، هل هناك اي سبب للصراع وهل الصراع وجودي ومع ذلك ما زلت أنا هنا أقرأ هذا المقال ومن ثم سأقوم لأحضر التلفاز وأقوم بفعل واحد وفقط واحد، أكره الإسرائيلي، أو أكره الفلسطيني؟
    ما الذي يجعل أمر الإجابة على هذا السؤال، أمرا ملحا.
    هناك أمر واحد فقط يجعل الإجابة على هذا السؤال أمرا ملحا، هو أنّ غزة لن تكون يوماً ما مدانة حين تدافع عن نفسها في وجه الطائرات، وأيضاً، لن يكون هناك اي طفل إسرائيلي يوماً ما صهيونياً ويستحق قتله ولم يتجاوز بعد الرابعة من عمره.
    وبالتالي، فإن الصورة التي ذكرتها في البداية، ستحرق نصفاً منها يوماً ما، وستكون النهاية كارثية. لماذا؟ لأننا لم نفعل يوماً واحداً أمراً واحداً، وهو أن نقف للحظة ونفكر: هل هذا الصراع وجودي وإذا كان كذلك، لمَ أمرُّ من على الحاجز دون أن أقتل الجندي ولمَ لا يقتلني الجندي فورَ رُؤيتي؟
    الأمر بسيط أعزائي، هو أنّنا رهائن أوامر من فوق، من الحكومة أو أي جهة أخرى إلى الجندي: أقتل.. فيقتل. ربما يكون حقاً يفكر في هذا الأمر، في أمر القتل في كل ثانية، ولكنه لا يفعله وهذا هو الأمر الهام.
    في النهاية، سأقوم باستحضار قضية واحدة، وقد تكون هي الإجابة على كافة أسئلتي لم يعارضني وغالباً، سيكون العديد هناك ممن يتهمونني بكثير من الأشياء والأوصاف.
    وهي مسألة الدين، لدى الفلسطينيين والإسرائيليين. ولأنها تعدُّ إحدى أسباب الصراع. لو أصاب افتراضي في أحد الأيام، أي أن يستيقظ الفلسطينيون والإسرائيليون في أحد الأيام، متجردين من أسباب الصراع، وفقط، وينتهي كل شيء دون حتى التفكير في كيفية إنهائه. وأتى أحدٌ ما، وقال: لقد خيبت ظنَّ الرب... أتمنى أن يجيب احد ما: بما ان الرب رحيم، فيحب رائحة السلام.

    افتتاحية الخليج: لعنة "أوسلو"
    بقلم: أسرة التحرير عن الخليج الاماراتية
    كانت اتفاقية أوسلو العام 1993 بكل تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية كارثية بكل معنى الكلمة، لأن المفاوض الفلسطيني وقع ضحية سوء التقدير، إضافة إلى ضعف الأداء التفاوضي، واعتقد أنه يدخل مفاوضات متكافئة وأن بمقدوره أن يحقق نتائج متكافئة مع عدوه .
    لم يحسن المفاوض قراءة نصوص الاتفاقية، واعتمد على حسن نوايا عدوه الذي يعرف قبل غيره أنه لا يمكن الوثوق به أو الركون إليه أو إلى وعوده، وكذلك الطرف الأمريكي الذي كان يقود المفاوضات ويشرف على تفاصيلها من وراء الستار .
    اعتقد المفاوض الفلسطيني أنه سيقيم سلطة وطنية انتقالية على الأراضي المحتلة تؤدي حتماً بعد سنوات إلى قيام دولة فلسطينية، ولم يدرك أن كل فقرة في الاتفاقية تحتاج إلى مفاوضات جديدة سوف يستخدمها العدو وسيلة للمراوغة والمماطلة .
    وهكذا امتدت المفاوضات 21 عاماً بلا جدوى، وفي كل مرة يعود فيها الطرفان إلى المفاوضات، يعيدها العدو إلى نقطة الصفر، من خلال طرح شروط جديدة لابتزاز الطرف الفلسطيني وحمله على تقديم التنازلات .
    ولم يدرك الطرف الفلسطيني، إما عن جهل أو قصر نظر، أو اطمئنان إلى حسن نوايا عدوه، أن الاتفاقية سوف تعطيه سلطة وهمية، مقابل إخلاء مسؤوليات "إسرائيل" كقوة احتلال، ظلت ممسكة بالأرض وبرقاب أهلها، وتمارس عليهم شتى صنوف القهر والعنصرية والعدوان، إذ إن اتفاقية جنيف الرابعة تحمل الاحتلال مسؤولية حماية المدنيين، وتوفير كافة المستلزمات الحياتية لهم .
    لكن الذي حصل أن السلطة الفلسطينية لم تمارس أية سلطة فعلية، بل سلطة شكلية تدير شؤون الفلسطينيين من خلال الاعتماد على الهبات والمساعدات الخارجية، أي أنها تحولت إلى سلطة تتسول الدعم الخارجي في سبيل بقائها، في حين أن كل ذلك يجب أن يكون من مسؤولية سلطات الاحتلال .
    هل أدركت السلطة الفلسطينية الآن، خطأ وخطر اتفاقية أوسلو، وباتت على يقين بأن المفاوضات لن تجدي نفعاً؟ أم أن قرار الانضمام إلى منظمات ومعاهدات دولية، مجرد مناورة رداً على المناورات "الإسرائيلية"؟
    يبدو أن الأطراف الثلاثة (السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" والولايات المتحدة) دخلت مرحلة المناورات، كي لا يتحمل أي طرف مسؤولية فشل المفاوضات . . لعل هذه المناورات تقود إلى مقاربات جديدة ولمفاوضات جديدة .

    لماذا «تشدد» الفلسطينيون؟
    بقلم: مازن حماد عن الوطن القطرية
    وسط تأرجح المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بين الموت والحياة، وفي غمرة التباحث المكثف حول خيار التمديد لهذه المفاوضات التي تنتهي شهورها التسعة أواخر إبريل الحالي، يمكننا التحدث عن عدة أسباب أحبطت الفلسطينيين ودفعتهم إلى ما يصفه الإسرائيليون بالتشدد.
    السبب الأول أن هناك غضباً مبرراً واستياء يمكن فهمه جراء عدم إفراج السلطات الإسرائيلية عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، وذلك كجزء من شروط مسبقة لتواصل التفاوض حتى نهاية الفترة المقررة.
    وبالإضافة إلى أن نشر العطاءات الخاصة ببناء وحدات سكنية جديدة في مستوطنتي «هاروحوما» و«جيلو» في القدس الشرقية يشكل استفزازاً شديداً للجانب الفلسطيني، هناك أسباب أخرى للغضب ذات صبغة داخلية، منها أن شعبية رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس وحركة «فتح» التي يقودها قد تعرضت للتآكل في الآونة الأخيرة بعد التنازلات التي أقدمت عليها السلطة للإسرائيليين، وكذلك جراء الهجوم الحمساوي على مباحثات عباس «العبثية»، وبسبب الحفر التي يعدها «محمود دحلان» المفصول من فتح لعباس على أمل أن يطيح به ويترأس السلطة، وإن كانت سمعة دحلان قد دمرت منذ أن اتهمه أبو مازن قبل أسابيع بالضلوع في عملية اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات بالسم.
    ولا شك في أن توقيع عباس على خمس عشرة اتفاقية مع الأمم المتحدة قد هز الأميركيين والإسرائيليين على حد سواء، ومما يدل على هذه الهزة أن بنيامين نتانياهو سارع إلى إيفاد وزيرة العدل ورئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض للاجتماع برئيس الوفد الفلسطيني صائب عريقات.
    وهناك من المحللين الإسرائيليين من يخشون أن يندفع الفلسطينيون إلى مسعى كامل لاعتراف المنظمة الدولية بدولة فلسطينية على حدود «1967». وكما يقول مسؤول في تل أبيب، فقد وجد الفلسطينيون الزر السحري الذي يمكنهم من لجم الدولة العبرية، مثلما لجمت الأسرة الدولية نظام جنوب إفريقيا العنصري ومسحته من الوجود.
    وإذا تواصل المأزق السياسي الراهن فترة أخرى، فقد يطلق الفلسطينيون انتفاضة ثالثة لن تكون عنيفة وإنما ذات أغراض سياسية أهمها دعم حقهم في تقرير المصير أمام المحافل الدولية.

    «التكتيك الدحلاني» لحماس
    بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
    من منظور “الوزير المنشق” محمد دحلان، يتعين على كل الطرق أن تؤدي إلى غزة، فهي معقل نفوذه الأول، وفيها صعد نجمه الأمني والسياسي، ومنها انطلق إلى ساحات أوسع، يعزز فيها مساحات نفوذه ... فإن كانت الطريق إلى القطاع المحاصر، تمر بحماس، لا بأس من ذلك، ولنضع جانباً صفحات الصراع المرير والتصفيات الدموية وحرب الإلغاء والإقصاء.
    لكن السؤال الذي لا جواب “بسيط” عنه، هو: ماذا تريد حماس من علاقاتها الطارئة والمستجدة مع المسؤول الأمني السابق، الذي كرّس من جهوده وموارده، لمطاردة حماس وكوادرها ونشطائها، كما لم يفعل أيً من خصومها؟ ... ولماذا تفتح حماس أبواب القطاع المحاصر، لرسل الدحلان ومشاريعه “الخيرية” و”حملات البر والإحسان” التي ما انفك يسيرها في كل حدب وصوب؟
    في معرض البحث عن جواب عن هذا السؤال، تذهب التقديرات في كل اتجاه: هناك من يفترض أن حماس ابتلعت طعم الدحلان، وأنها تتعامل معه بوصفه ممثلاً أو مندوباً عن النظام المصري الجديد، الذي نجح في تسديد ضربات مؤلمة للحركة، وإحكام عزلتها في قطاع غزة، وتشديد قبضة الحصار على أنفاقها ... وثمة شواهد قليلة وغير جوهرية، تعزز هذه الفرضية، فحماس لم تبق باباً أو وسيطاً، إلا ولجأت إليه للخروج من عنق زجاجة الحصار المصري عليها، وإن كنّا نعتقد بأن حماس أخطأت في سلوك الطريق الأقصر لاستعادة علاقاتها مع القاهرة، وفضلت عليه طرقاً التفافية أخرى، لم تنجح حتى في تمكينها من تحقيق مُرادها، وأقصد بالطريق الأقصر: الانسحاب سياسياً وإعلامياً من الأزمة المصرية الداخلية، وتغليب “الوطني” على “الإخواني” في خطابها وسلوكها وممارستها.
    نستطلع ما بحوزة القاهرة ورام الله حول هذا الموضوع، فنرى أن القاهرة تنظر أساساً إلى “المكون الإماراتي” في مكانة ودور الدحلان، وليس إلى “المكون الفلسطيني”، مع أنه لا يجوز إسقاط هذا المكون كلياً، وأن شغف القاهرة بحفظ علاقاتها مع أبو ظبي والحفاظ عليه، يفوق أشواق حماس لاستعادة علاقاتها مع القاهرة ... وأن القصة قد لا تخرج عن هذا السياق، أو لا تخرج عنه كثيراً على الأقل.
    العصفور الثاني التي تريد حماس ضربه بـ “حجر الدحلان” هو “تطبيع” علاقاتها مع الإمارات ذاتها، ومن خلالها مع عدد من دول الخليج العربية، التي تبدي حماساً في مواجهة الجماعة الأم، منقطع النظير ... وعلاقات حماس من موقعها في قلب الجماعة، تأثرت سلباً بالصراع الإخواني – الخليجي، برغم “الاستثناء” النسبي الذي تظهره دول الخليج في تعاملها مع حماس، والذي يبقي قدراً من خطوط التواصل وخيوط العلاقة.
    أما العصفور الثالث، فهو “إحراج” فتح والسلطة والرئيس، باللعب على ورقة حساسة “داخلياً”، سيما في ظل اندلاع صراع مكشوف وحرب اتهامات بين الرئاسة والدحلان ... وهو أمر مألوف في العلاقات الفلسطينية الداخلية، ولطالما لعب الجميع ضد الجميع، عبر تقديم الدعم لهذا الفريق وحجبه عن ذاك، دعم هذه الجهة المنشقة أو تشجيع مجموعة أخرى على الانشقاق ... مع أننا كنا نظن، أن تردي الحالة الفلسطينية وتفاقم الأخطار والتهديدات المحيطة بقضية الشعب الفلسطيني، قد جعل مثل هذه الممارسات، صفحة مطوية من الماضي.
    على أية حال، لا يستقيم البحث في هذه القضية، دون طرح السؤال عمّا تريده الإمارات من الدحلان، سيما مع انتشار التقارير المؤكدة عن دعم مالي سخي لحركة الدحلان، وهل يغطي هذا الدعم، حركة الدحلان باتجاه غزة وحماس؟ ... وكيف يمكن تفسير هذه المفارقة الإماراتية: حرب شعواء على الإخوان، وقنوات اتصال ودعم غير مباشرة لحماس، يتولى إدارته الدحلان من موقعه “الرسمي” هناك؟
    في الحديث عن توقيت هذا التقارب الحمساوي –الدحلاني، تشتد الحيرة في فهم سلوك حماس!! ... فالتقارب مع الرجل يأتي في ذروة تباعد الأخير عن الرئيس وفتح والسلطة ... والتقارب يأتي فيما السلطة في ذروة اشتباكها السياسي مع إسرائيل والراعي الأميركي، وسط ارتفاع الأصوات الداعية لتسريع مسار المصالحة الوطنية لمواجهة الضغوط والتحديات، وفيما السلطة تعمل على تحريك هذا المسار، وتشكل “مجموعة اتصال” مع حماس، تضم شخصيات فلسطينية متحمسة في غالبيتها، لخيار المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية.
    أغلب الظن، أن “تكتيك” حماس الدحلاني، لن يفلح في تحقيق مراميه ... فلا مصر اليوم، مشغولة باستعادة علاقاتها مع حماس والإخوان، بدلالة أن الحكم القضائي المصري بإخضاع حماس على الأرض المصرية لقانون محاربة الإرهاب، تزامن من دون قصد، مع زيارة حرم الدحلان الثانية لقطاع غزة ... ولا الإمارات ومن يقف معها من دول الخليج، بوارد إضعاف حملتها ضد الإخوان وفتح “ثغرة غزيّة” في جدارها، بدلالة تزامن الزيارة، ومن دون قصد أو تخطيط أيضاً، مع الاقتراح الساخر للمسؤول الإماراتي ضاحي خلفان بضم قطر إلى دولة الإمارات على خلفية دعمها للإخوان .... ولن يترتب على هذا “التكتيك” سوى إشاعة المزيد من أجواء “انعدام الثقة” بين الفلسطينيين أنفسهم، وإلقاء ظلال كئيبة وكثيفة على جهود المصالحة واستعادة الوحدة الفلسطينية.

    عمّا يُسمّى «التعليق على مشجب إسرائيل»
    بقلم: أسعد أبو خليل عن الأخبار البيروتية
    من بوادر الحملة التي واكبت الترويج للقبول العربي (الرسمي والإعلامي التابع) بالصهيونيّة، السخرية من مقولة «تعليق المشاكل العربيّة على شمّاعة إسرائيل». ولقد ترافقت الحملة مع ثقافة التطبيع التي تلت الهزيمة المنكرة في 1967. وكان لتلك الحملة أوتاد إيديولوجيّة مختلفة: من إعلام النظام الأردني الرجعي الذي سخر من مقاومة العرب للعدوّ الإسرائيلي ومن إمكانيّة تحقيق النصر عليه، إلى كتابات صادق جلال العظم (في حقبته الماركسيّة وهي غير حقبته الديمقراطيّة - الطائفيّة الحاليّة)، والتي خصصتُ لها مقالة من قبل. خلاصة تلك الحملات كان تحميل «العقل العربي» مسؤوليّة كل ما اعترى ويعتري المجتمع العربي من مشاكل ومصاعب اقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة.
    إن حملات السخرية من تحميل العدوّ الإسرائيلي لمشاكلنا، كانت تهدف (ببراءة أو بشرّ أحياناً كثيرة) إلى تبرئة العدوّ من الكثير من جرائمه ومن خططه التي رافقت الغزوة الصهيونيّة على أرض فلسطين. وهذه الحملات هي صنو حملات تسويغ الاستعمار والتعبير عن التوق والحنين له.
    نحن نعلم الكثير اليوم عن الخطط المُبكّرة للعدوّ الإسرائيلي ونعلم ان حاييم وايزمان (القائد الثاني للحركة الصهيونيّة) أشرف شخصيّاً، منذ العشرينيات من القرن الماضي، على وضع خطط سريّة لبثّ الفرقة بين المسلمين والمسيحيّين من أجل تسهيل نفاذ الصهيونيّة إلى المجتمع العربي. هذا بات موثّقاً في ما نُشر من وثائق صهيونيّة عن تلك الحقبة. لم تقتصر الحملات الصهيونيّة على بناء أركان دولة يهوديّة في فلسطين، بل إن التخطيط المُبكّر أخذ في الحسبان المعارضة العربيّة للمشروع برمّـته، وحسب لطرق الترويج للصهيونيّة بين العرب.
    لكن بعد أكثر من قرن من الزمن على بدء المشروع الصهيوني الخبيث في بلادنا (الذي لم يكن يوماً مقتصراً على أرض فلسطين لأن المخطّطين الصهاينة علموا ان نجاح وفشل المشروع يتطلّب الحركة والتآمر في مجمل العالم العربي ـ وهذا يفسّر اتصال القادة الصهاينة بقادة عرب من مختلف أنحاء المنطقة)، حان أوان المكاشفة حول مقولة المبالغة في لوم العدوّ الإسرائيلي على مآسينا. لكن لنبدأ بنقد الفكرة من داخلها، على مذهب ثيودور أدورنو.
    هل بالغ العرب حقّاً في تعليق مشاكل عربيّة صرفيّة على مشجب إسرائيل؟ هل تمنّعوا عن لوم أنفسهم لما هم وحدهم مسؤولون عنه؟ هل قلّلوا من أحجام المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي تعتري مجتمعاتهم وتنخر في عضدها؟ ثم هل تجاهل العرب لمنفعة سياسيّة عواقب التخلّف الذي يُقال إنه لم يكن وريث الاستعمار؟ (هناك مدرسة بين البيض في أميركا تفيد انه بمجرّد إعلان عتق العبيد في الستينيات من القرن التاسع عشر، فإن فقر ودونيّة مستويات العيش بين السود لم تعد من مسؤوليّة البيض، لأن التساوي القانوني حكم وضعهم ونقّى ضمائرهم للأبد). وهل أن إيديولوجيّات القوميّة العربيّة قصدت أن تعلّق آثام حكمها على مشجب الصهيونيّة ومؤامراتها؟ هناك جوابان عن هذا السؤال.
    الجواب الأوّل يتعلّق بمدرسة حكم عربيّة تقصّدت إبراء الذمّة الذاتيّة ولوم آخرين على جرائم شاركت هي في صنعها. صحيح أن أنظمة البعث العربيّة والأنظمة الرجعيّة اليمينيّة (مثل النظام السعودي والأردني مثلاً) كانت تعزو المؤامرات بينها إلى مخطط صهيوني خبيث، لكن كان هناك ولا يزال مخطّط صهيوني خبيث. أما النظام الناصري فإنه مهما هوّل في زمنه من أخطار الصهيونيّة ضدّه، فإنه لم يكن يبالغ في حجم المؤامرات لأن ما من نظام (قبل إنشاء النظام الإسلامي في إيران) تعرّض لما تعرّض له من مؤامرات غربيّة - صهيونيّة لإسقاطه بالقوّة (لكن النظام الناصري نفسه استعمل معادلة عزو المعارضة الداخليّة إلى مؤامرة صهيونيّة، وكان مصيباً فقط في شقّها الإخواني الذي كان أداة بيد المعسكر الخليجي - الإسرائيلي). الأنظمة العربيّة استسهلت لوم العدوّ على ما لم ترد هي أن تتحمّل مسؤوليّته، حتى أنها لم تع أن العدوّ كان مسؤولاً عن جرائم ومشاكل لم تعلم هي أنه كان مسؤولاً عنه.
    إن استخدام الأنظمة العربية لمشجب لوم العدوّ سهّل من عمليّة السخرية منها والتي تعاونت أنظمة التطبيع مع العدوّ الإسرائيلي على الترويج لها. لم ترد الأنظمة العربيّة ان تقلّل من حجم التغلغل الإسرائيلي في داخل المجتمعات وأجهزة الحكم العربيّة، ولا من حجم عمليّات التجسّس والإرهاب في داخلها. كان سهلاً على النظام المصري ان يسخر من فضيحة إيلي كوهين في سوريا، كما كان سهلاً على النظام البعثي في سوريا ان يسخر من فضائح النظام المصري (أو العراقي في حقبة تناحر البعث المُدمّرة) التي برهنت عن ضعف أو تقاعس أو إحجام عسكري. لكن الجواب الثاني عن السؤال يجب التصدّي له بمعزل عن الشق الأوّل، أي إن تحليل تغلغل مؤامرات العدوّ في العالم العربي لا يجب ان يخضع لتقليل أو استهانة بسبب الاستخدام النفعي للموضوع من قبل الأنظمة العربيّة. ما هي حجم المسؤوليّة الإسرائيليّة عمّا اصطُلح على تسميته في كتابات شبه أكاديميّة بـ«المحنة العربيّة» أو «الأزمة العربيّة» أو «أزمة العقل العربي»... إلخ. يصحّ نقد إدوار سعيد للاستشراق على فئة في الكتابات الأكاديميّة درجت منذ السعبينيات بلغات عربيّة وأجنبيّة. هي بدأت في سياق كتابات «النقد الذاتي بعد الهزيمة» وأتبعتها كتابات في الغرب عن «المحنة العربيّة». كان هذا عنوان كتاب أوّل عمل لليكودي اللبناني، فؤاد عجمي (ويتلاقى كتابه مع آخر كتاب لسمير قصير بعنوان «تأمّلات في المحنة العربيّة»، والتي لنا عودة له هنا). وخلاصة الكتاب يتعلّق بالتشديد على فكرة أن العرب مسؤولون عن «جراحاتهم» وعن «عذاباتهم» (قال لي أستاذي العالم الفذ، حنّا بطاطو، عن الكتاب، إنه يحمل عدداً قليلاً جداً من الأفكار القيّمة كما أن الكاتب تَرجم وجمّل من كتابات عربيّة في «النقد الذاتي بعد الهزيمة» - ومن طرائف غير الصدف ان العظم الذي كان يزعم انه يعادي فؤاد عجمي وكتاباته بات رفيق سلاحه، لا بل حاكاه في استجداء حرب أطلسيّة على بلاده). لم تكن فكرة كتاب عجمي جديدة: هي تسويق غير مبتكر لكتاب الإسرائيلي، «العقل العربي» (من المُذهل ان الكتاب المنبوذ في كل المحافل الأكاديميّة الرصينة في الغرب، والذي يرفض علماء الأنثربولوجيا حقه في النسب إليه - أي إلى المذهب الأنثربولوجي - تُرجم إلى العربيّة من قبل كاتب عراقي تزامناً مع الغزو الأميركي للعراق). ولم يكن كتاب عجمي وحيداً، فهناك كتب لعرب سبقته. ينسى من يتهم إدوار سعيد (زوراً) أنه وصم ودان كل الكتابات الغربيّة عن الشرق، انه أشاد بكتابات لغربيّين ونددّ بكتابات لعرب، مثل كتاب اللبنانيّة المُهاجرة، سونيا حمادة، «مزاج وشخصيّة العرب» الذي صدر عام 1960 (والذي سبق كتاب رافائيل باتي في العنصريّة التعميميّة وقد ردّ عليه سعيد في «الاستشراق»).
    تنوّعت الكتابات العربيّة في العالم العربي، والعربيّة والغربيّة في العالم الغربي، عن «معوقات العقل العربي» - وهذا عنوان لكتاب صادر بالعربيّة. كان يمكن اتهام المرء من قبل جمعيّات حقوق إنسان غربيّة بمعاداة الساميّة لو أن هذا الكم الغزير من الكتب تخصّص في «العقل اليهودي» (كان ليبراليّو العالم العربي المنتشرين في مضارب النفط والغاز قد تداعوا لحمل الشموع استنكاراً). (كان رافائيل باتاي قد ردّ على اتهامات العنصريّة ضد العرب بعد صدور كتابه عام 1973 بأن أصدر عام 1977 كتاباً عن «العقل اليهودي»، لكن الكتاب يختلف نوعاً وبنية عن كتابه ضد العرب، إذ انه يعيب على اليهود الكدّ والجهد والعبقريّة والإفراط بعض الشيء في تناول الخمرة).
    كيف يكون هناك مدارس عربيّة وجهود بحثيّة في تشخيص «معوقات العقل العربي» وهناك من يتهم العرب بتعليق مشاكلهم على مشجب إسرائيل؟ على العكس، إن النقد الذاتي (وهو ضروري شيء) وتشاخيص نواقص العقل العربي تمثّل أبشع نماذج الاستشراق المُبتذل الذي لا يرتقي إلى مرتبة الاستشراق التقليدي الذي - بالرغم من نواقصه السياسيّة والمعرفيّة - كان مبنيّاً على أبحاث دؤوبة. ذم العرب من قبل العرب بات طقساً من طقوس الحديث الثقافي، وهناك في الجانبيْن في الصراع الإقليمي الجاري ممن يعيّر العرب - كل العرب - عبر الاستشهاد بعبارات تحقير معينة بالعرب، من نوع «العرب جرب». لا، لم نبالغ في تحميل العدوّ الإسرائيلي مكامن الضعف والانكسار والتخلّف (بالمعنى السياسي والاقتصادي للكلمة) في الحياة العربيّة. هناك أكثر من مجال لتحميل العدوّ المسؤوليّة عن نواقص في الحياة العربيّة، والمشجب الصيوني ينوء بالمسؤوليّة الجمّة:
    أولاً، إن العدوّ مسؤول عن دعم وتسليح نظام عربي متين من الطغاة يمتدّ من تطوان إلى جدّة. والعدوّ هو لوبي الطغاة العرب الأكبر في واشنطن ويعمل على إبقاء الدعم الأميركي لنظام الطغاة. إن الخطاب الذي سُوّق غرباً وشرقاً عن أن الطغيان في العالم العربي يعبّر عن حالة ثقافيّة متخلّفة أو عن نزوع إسلامي نحو الاستبداد أو عن خنوع ذهني أثبت بطلانه قبل اندلاع الانتفاضات العربيّة. لقد حاول نتنياهو جاهداً (بالاشتراك مع الملك السعودي) أن يحافظ على نظام حسني مبارك، وان يتيح أوباما لحليفه المطيع أن يقتل من شبعه ما يشاء للبقاء على العرش. إن سريان أنظمة الطغيان على أنواعها كان جزءاً لا يتجزّأ من سياسة إسرائيليّة مقصودة، وهي متوائمة مع الحسابات الأميركيّة منذ بدء الحرب الباردة. إن إتاحة المجال امام الشعب العربي للتعبير عن تطلّعاته وآماله ومطالبه ومكنوناته يتعارض مع المصالح الأميركيّة - الإسرائيليّة. علّقوا هذا العامل على مشجب العدوّ.
    ثانياً، لقد بثّ العدو عن قصد وبناء على سياسة استخباراتيّة مقصودة ومدروسة الفرقة بين العرب على أساس طائفي وعرقي وإثني. ليس هناك صراع داخلي عربي لم يدخل العدوّ من خلاله لتأجيجه وتسعيره واستغلاله وتحويله في مسار يترافق مع حروب وسياسات العدوّ. صدر في كتاب «جيش من الظلال» لهيليل كوهين (الصادر بالعبريّة والمُعتمد على وثائق الحركة والدولة الصهيونيّة) أن حاييم وايزمن زار فلسطين عام 1920، وطالب في مكتب استخبارات الحركة الصهيونيّة بوضع خطة شاملة لمواجهة الرفض العربي للصهيونيّة. وُضعت الخطّة وجاء في بندها السادس ما يلي (بالحرف): «العمل على استفزاز الشقاق بين المسلمين والمسيحيّين» (ص. 17 من النسخة الإنكليزيّة). لكن الشعب الفلسطيني وعى مُبكّراً خطة الصهيونيّة وتمترس وراء صف متراص من الوحدة الوطنيّة عبر إنشاء جمعيّات مسلمة - مسيحيّة مُشتركة لتفويت الفرصة على العدوّ. والعدوّ غير بعيد اليوم عن الصراع الطائفي بين السنّة والشيعة خصوصاً بعد أن أعلنت هيئة كبار العلماء في مملكة القهر السعوديّة ان قادة الصهاينة هم على مذهب الدين الحنيف، وأن صلواتهم مقدّمة على صلوات المسلمين. وبات شمعون بيريز يتحدّث عن العالم العربي كسنّي (لم ينتق واحداً من المذاهب الأربعة بعد).
    كذلك عمل العدوّ مُبكّراً على دعم الأنظمة الطائفيّة حوله، وفي لبنان بصورة خاصّة، وعقد اتفاقيّة رسميّة مع البطريركيّة المارونيّة سلّمت فيه الأخيرة (رسميّاً) بأولويّة الحق اليهودي على أرض فلسطين (لحسن الحظّ، لا قيمة قانونيّة أو أخلاقيّة لاعترافات أو إقرارات البطريركيّة المارونيّة). وفي الصراعات الإثنيّة والعرقيّة، قوّى العدوّ من كل النزعات الانفصاليّة من جنوب السودان إلى حركة الكرد إلى انعزاليّي لبنان (الذين تخيّلوا انهم ينتمون إلى العرق الأبيض) إلى إرتريا. وعلّق هذا العامل أيضاً على مشجب العدوّ.
    ثالثاً، لم يستقرّ عدوان واحتلال إسرائيل في أرض عربيّة إلا وأثّرت فيها على نمط العلاقات الاجتماعيّة عبر الترويج لنظام القبائل والعشائر والمخاتير من أجل إعلاء شأن الوحدات الاجتماعيّة ما قبل الحديثة (أي المتخلّفة). في الأراضي المحتلّة، أقام الاحتلال «روابط قرى» من إجل ضرب عرى أواصر الوحدات الاجتماعيّة الحديثة القائمة على النقابات والأحزاب السياسيّة. وعندما احتلّ العدوّ جنوب لبنان عام 1982، سارع إلى نبش مخاتير القرى من قبورهم بعد أن كانت أحزاب الحركة الوطنيّة قد سادت في القرى والبلدان الجنوبيّة وضربت عرى وأواصر وبنى الثقافة السياسيّة القائمة على تراتبيّة الثروة والجاه والنفوذ. أعاد الاحتلال السلطة إلى أيدي من كان الشعب قد نزع السلطة عنه ومنه بفعل التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة التي عاشها جنوب لبنان في الخمسينيات والستينيات، مستفيداً من التلقيح القريب للثورة الفلسطينيّة على أرض لبنان. كان المختار هو الوسيط بين الاحتلال وبين المُحتلّ. وكان المخاتير ينتمون حكماً إلى الفكر والنظام الرجعي التقليدي الذي اعتمد عليه الإقطاع للحفاظ على نفوذه. وفي الأردن (هذا الكيان المصطنع، والرديف للاحتلال، لم يكن يوماً إلا شبه محتلّ ومُسيّر بالواسطة من قبل العائلة الهاشميّة) أقام العدو نظام العشائر وحكم الأقليّات من أجل ربط مصير الاحتلال بمصير سيادة الرجعيّة في الأردن. وعلّق هذا على مشجب العدوّ أيضاً.
    رابعاً، أضرّ العدوّ بالبحث العلمي في بلادنا عبر سياسة مقصودة من استهداف العلماء. لقد اغتال العدوّ عدداً هائلاً (غير معروف) من العلماء العرب (والإيرانيّين) في حقول مختلفة، وهو يضغط على الأقسام العلميّة (خصوصاً في مجال الفيزياء) في الجامعات الغربيّة لتحديد ومراقبة وحتى منع المتقدّمين العرب. لكن العدوّ لا يعنى فقط بمحاربة متخصّصين في الفيزياء النوويّة، بل هو قتل أو حاول قتل عدد من علوم الاجتماع العرب (شهدت على ذلك عينا أنيس الصايغ وأصابعه). والعدوّ استهدف سرقة محتويات «مركز الأبحاث الفلسطيني» في الأيّام الأولى لغزوه لمدينة بيروت. كان المركز من الأولويّات في بنك الأهداف «العسكريّة». وعلّقت محاربة العلم والاختصاص على مشجب العدوّ أيضاً.
    خامساً، بثّ العدوّ ثقافة وممارسة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط برمّتها. منذ الثلاثينيات، أدخل نمطاً من العنف العشوائي الذي لم تكن منطقتنا تعرفه من قبل: من رمي القنابل في الأسواق المحتشدة إلى تفخيخ سيّارات الإسعاف إلى تفخيخ السيّارات المدنيّة والباصات إلى تفجير سفارات وإرسال طرود متفجّرة. كل هذه الجرائم الإرهابيّة دخيلة على منطقتنا ولم نعرفها إلا في الثلاثينيات بوصول جحافل الغزوات الصهيونيّة المُتكرّرة. إن كل ممارسات الإرهاب التي تقترن بالعنف العربي المُسلّح لم تكن إلا تقليداً لبعض من إرهاب الصهاينة، وإن عملت حركات المقاومة المُسلّحة (قبل «حماس») على الحرص على حياة المدنيّين والمدنيّات حتى في مجتمع صهيوني مسلّح ومُدجّج لا يميّز (بينه) بين مدني وإرهابي أو (بين أعدائه) بين مدني ومُسلّح ثوري. وعلّق هذا على مشجب الصهيونيّة. سادساً، أدخل العدوّ إلى منطقتنا ثقافة التجسّس والاستخبارات والريبة والشك. كان التجسّس والعمل الاستخباراتي الذي أرخى (ويرخي) بظل ثقيل جدّاً فوق صدور العرب، بدائياً قبل الخمسينيات. إن العدوّ زرع جواسيساً له في مجتمعاتنا وفي أجهزتنا الحكوميّة، ما أدّى إلى ظهور أمراض مستعصية في الجسم السياسي والاجتماعي العربي. أصبح الشك السائد، إضافة إلى المبالغة في قدرات العدوّ أديّا إلى إنتاج حالة من العجز النفسي الذي يقترن في التفسير الاستشراقي المبتذل بالقدريّة. إن الإيمان بقدرة أجهزة الاستخبارات والتجسّس على إعلاء شأن الأمّة هو من وراثة التأثير الصهيوني في بلادنا. وعلّق ذلك على مشجب الصهيونيّة.
    سابعاً، ثقافة العداء والكراهية الدينيّة. هذه أيضاً هي أمراض من نتاج الحقبة الصهيونيّة. لم تكن الحال بين المجموعات «الفسيفسائيّة» (على وصف علماء الاجتماع الذين تتيّموا بوصفة انشطار الملل والنحل في العهد العثماني) مثاليّاً لكن وجود طوائف ومذاهب وإثنيّات متنوّعة على مرّ القرون، بالإضافة إلى هجرة يهود الأندلس (القسريّة) إلى كنف الحكم الإسلامي، إن دلّ على شيء، فهو أن تقبّل الآخر في الشرق الأوسط كان أفضل مما كان عليه في الغرب الأوروبي (إذ قامت بريطانيا مثلاً على امتداد قرنيْن تزامناً مع الحملات الصليبيّة المجنونة بطرد اليهود بالقوّة من البلاد) - لكن يذهب الإسلاميّون من مختلف الأصناف بعيداً في اقتراحهم لنموذج «التسامح» الإسلامي، الذي لم يكن يعني يوماً المساواة. إن زرع مشروع الدولة اليهوديّة بالقوّة وبمجازر الحرب الصهيونيّة ساهم في نشر ثقافة عداء ديني ردّاً على العداء الذي كنّه ويكنّه الصهاينة (من العلمانيّين والمتديّنين) نحو الآخر المسلم والمسيحي. من يراجع أدبيّات انتفاضة الشعب الفلسطيني في الثلاثينيات والأربعينيات يُعجب بالإصرار الشعبي والنخبوي بينهم على التفريق بين اليهودي كيهودي وبين الصهيوني. حرصت الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة آنذاك على تعبئة الجماهير بإطار لا ديني لا طائفي، وطني صرف (تقارن ذلك بخطاب وممارسة حركة «حماس» التي دشّنت عهدها بخطاب معادي لليهود وللمسيحيّين أيضاً، والتي دشّنت عهد الانتفاضات العربيّة بانخراط في مشروع تحريض مذهبي سافر، رعته لها السلالة القطريّة). وعلقّ ذلك على مشجب العدوّ.
    ثامناً، كان المشروع العربي القومي في بدايات القرن العشرين مقترناً بمشروع نهضوي حديث (بالمعنى الأوروبي) ولم تكن أصوات الهويّة الدينيّة للدولة إلا على الهوامش (هذا لا يعني أن بعض تيّارات المشروع النهضوي العربي لم تكن إلا دعوات لتبنّي استعمار أوروبي كما شرح شكيب أرسلان في موقفه آنذاك من الحركة القوميّة العربيّة). إن ارتفاع أصوات دعاة الهويّة الدينيّة للدولة كانت ردّة فعل على المجاهرة بإعلان الهويّة الدينيّة للعدوّ، الذي يصيح في الغرب (ومن دون إحراج له يُذكر) مطالباً بإصرار باعتراف الجميع بهويّة دولته المُغتصبة الدينيّة، وذلك في تجاهل تام لوضع «الآخرين» من السكّان الأصليّين. سجلّوا ذلك على مشجب الصهيونيّة.
    يرتدي دعاة الصهيونيّة في العالم العربي ملابس وأقنعة مختلفة. هم يوماً يلهجون بحمد الليبراليّة وهم يقبعون في حظائر المضارب الوهّابيّة، وهم يوماً يلهجون بحمد «الحريّة» ضد الشيوعيّة وهم قابعون في حاشية هذا الأمير النفطي أو ذاك. إن مدرسة تحميل العرب كل أسباب مآسيهم هي مدرسة صهيونيّة تريد من العرب ان ينسوا جرائم حرب العدوّ واحتلالته. لا، لن ننسى ولن نغفر، وسنستمرّ في التعليق على مشجب العدوّ. لكن مشجب العدوّ يزول بزوال دولة كيان العدو. عندها فقط، يمكن (بعد سنوات ثقيلة) التوقّف عن التعليق الواجب على مشجب العدوّ.

    يوم الأرض.. بلا أرض في عالمنا العربي!
    بقلم: عاطف بن عمر دلالي عن رأي اليوم
    نحتفي بيوم الأرض ككل عام منذ ما يزيد على ثلاث عقود ولم يتغير شيء في واقعنا العربي بل تزداد التحديات عاما بعد عام.
    تتخبط أمتنا العربية في أزمات ومؤامرات لا حصر لها فاكتفينا بأقل ما يحفظ كرامتنا.
    نحتفي “شكليّا” بيوم الأرض كأنه يوم عادي آخر غير أنه تتخلّله بعض الخُطب والشعارات واسترجاع ما بقي في الذاكرة من أمجاد وبطولات زمن مضى قبل أن يأمرنا “الأمريكي” بمحوها من ذاكرتنا.
    نُحيي يوم الأرض وأرض العرب تُغتصب كل يوم ولا نحرّك ساكنا غير أننا كل عام نخصص يوما لخُطبٍ ملّتها الآذان ونفرتها القلوب!
    نحيي يوم الأرض بلا أرض ! الأرض بمفهومها الشامل القومي، كيف لا والوطن العربي يعيش على أنقاض أحلام وحدة لم تتحقق.
    لو قُدّر لسايكس وبيكو أن يعيشا إلى يومنا هذا لذُهلا من واقعنا المرير، فخططهما – ومن ورائهما القوى الاستعمارية – تخطّت سقف توقعات أكبر المتفائلين بنجاحها. لم يدُر بخلد أي منهما (سايكس وبيكو) أن العرب سيتخلون عن أهم ما يملكون: الكرامة والغيرة والنخوة العربية الأصيلة التي كانت لازالت موجودة رغم كل الظروف التاريخية المحيطة بالعرب آنذاك. نعم قسّمونا وجزّؤونا واليوم صرنا أكثر انقساما وتشرذما.
    عن أي أرض نتحدث في زمن عربيّ رديء، زمن تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ.
    عن أي أرض نتحدث والأمة فقدت قلبها النابض وعمقها الاستراتيجي العراق، العراق بلد الثقافة والتاريخ العربيين الضاربين في جذور الإنسانية. فقد العراق ثلثه بانفصال كردستان وهو يسير حثيثا نحو فيدرالية لن تصمد طويلا قبل أن تتفتّت إلى قبائلية وعشائرية كما خُطّط مُسبقا.
    التاريخ شاهد على دسائس القوى الاستعمارية والإمبريالية ومحاولاتها المتواصلة لتركيع كل نفس مقاوم فينا وما حصل في السودان ليس منا ببعيد، أَلم يترك الاحتلال البريطاني السودان على طريق ممهّد نحو التقسيم؟ والمصيبة أن حكام السودان لم يحاولوا حتى إصلاح ما أفسده المستعمر وعوض انتهاج سياسة عادلة تضمن لكل السودانيين حقّهم ورثوا عن المستعمر نفس تلك السياسات، فكان أن انقسم السودان دولتين وهو الآن يصارع بعد فوات الأوان من أجل الحفاظ على دارفور.
    لم يترك المستعمر الفرنسي والإسباني المغرب على طريق الانقسام؟ ماذا فعل المغرب حيال ذلك؟ لا شيء.. أَوصل العجز بالعرب أن يرضخوا لما سُطّر وقُرّر وراء البحر؟
    مصر اليوم بعد الثورة يغفل الكثيرون عن ما يتربّص بها من مشاريع تهدف لقتل أمل الأمة الأخير بها، مصر أصبحت مرتعا لكل “مصممّي” الخرائط كلّ يرسم على هواه فهذا يقترح دولتين وآخر ثلاث دول واحدة قبطية وأخرى مسلمة وثالثة نوبية في الجنوب.
    ولا ننسى لبنان المقسم – واقعا ملموسا – بفعل طائفية بغيضة مقيتة. أَينتصر الفرد لمذهبه على حساب وحدة شعب كامل؟
    وسوريا العربية التي لا يخفى على عاقل واحد ما يحاك ضدّها في كواليس الساسة والنافذين، حيث أصبحت ملعبا دوليا تلعب فيه كل أجهزة المخابرات العالمية وباتت رقعة ممزقة أشلاءً لتصفية كل من له حسابات إقليمية مع طرف آخر على نقيضه وربما كان ملتقيا معه على خراب سوريا. ما جريرة الشعب السوري المشرد والجريح وما ذنبه وما علاقته بكل ذلك الحقد الإمبريالي المتعنّت الذي يأبى إلا أن يدمرها؟
    عن أي أرض يمكن أن نتحدث وفلسطين تُغتصب يوميا على مرآى ومسمع من العالم كله.
    أَننتصر “لأرضنا” يوما ونخذلها 364 يوما؟ ! يأخذني الحنين حين يحدثني أبي عن أيام كانت الوحدة هي اللغة الوحيدة للتخاطب آنذاك، كان حلما وأصبح خيالا نطارده في التاريخ، صارت الوحدة ألما نقرأه في سطور كُتّاب حلموا وأملوا بوحدة لم تتحقّق فصارت لوعة ومأساة.
    أصبح الحكام اليوم يتنافسون أيّهم ينال رضى “السيد الأمريكي” أوّلا ولسان حالهم يقول “إني اخترتك يا سايكس بيكو حبّا وطواعية..” .. عذرا أيها الشاعر الشهيد “علي فودة” على التصرف في كلماتك الخالدة لكنّه الشعور بالعجز أمام واقع عربي منتكس..
    لكن سنبقى نقول بكل أمل “إني اخترتك يا وطني حبّا وطواعية إني اخترتك يا وطني سرّا وعلانية إني اخترتك يا وطني فليتنكر لي زمني..مادُمت ستذكرني يا وطني الرائع..”

    العلاقة السرية بين 'عون' وإسرائيل
    بقلم: أحمد عدنان عن العرب اللندنية
    أولى اللمحات الموثقة للعلاقة بين ميشال عون وإسرائيل، أوردها آلان مينارغ في كتابه “أسرار حرب لبنان- الجزء الأول” حين وثق اقتراح الكولونيل ميشال عون على قائد القوات اللبنانية بشير الجميل، توقيع اتفاقية اعتراف متبادل وميثاق للدفاع المشترك بين لبنان وإسرائيل. عاد مينارغ ليروي في الجزء الثاني من كتابه قصة حرب الجبل (وهي من الفصول المروعة في رواية الحرب الأهلية اللبنانية): “اعتاد الكولونيل عون- قائد اللواء الثامن بالجيش اللبناني- أن يتجول في دوريته برفقة ضباط إسرائيليين”!.
    مطالعة كتاب مينارغ بجزئيه، تؤكد دورا رئيسا لميشال عون في توريط مسيحيي لبنان وحزب الكتائب والقوات اللبنانية في العلاقة مع إسرائيل، إضافة إلى تحذيره الدائم من “أخطار” الابتعاد عنها. تلك العلاقة التي قطعها سمير جعجع (القائد الحالي للقوات) ومرشح 14 آذار الجدي للرئاسة.
    يورد الرئيس إلياس الهراوي، في كتابه “عودة الجمهورية”، القصة التالية: “استدعيت أحد ضبّاط العماد عون، وسألته عن دوافع زيارته لإسرائيل مع اثنين من رفاقه، قبل القضاء على التمرد بفترة وجيزة. فأجاب أن العماد عون كلفهم بمقابلة أوري لوبراني، وطرح عدد من الأسئلة عليه. وحين سألته هل سألهم السوريون عن لقائهم بلوبراني، أجاب أنهم كانوا على علم بأدق التفاصيل”.
    وثمة تحقيق مهم للصحافي طارق حسون، عنوانه “نمشي وبيننا يندس عونيون”، رصد فيه الاتصالات العونية الإسرائيلية من مختلف المراجع التاريخية:
    في السابع من أبريل 1989، اجتمع ميشال عون بمسؤول نمور الأحرار في الشريط الحدودي، وطلب منه الاتصال بالإسرائيليين وإبلاغهم عن دخول السفن الحربية السورية إلى مرفأ طرابلس، داعياً إيّاه إلى تحريك جماعات “الأحرار” في المناطق المحتلة للقيام بعمليات عسكرية ضد السوريين.
    في تاريخ 15 نوفمبر 1989 وجّه ميشال عون رسالة باللغة الفرنسية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحاق شامير، وهذا بعض ممّا جاء فيها: “إن سوريا تواصل مناوراتها السياسية والعسكرية لإفشال المقاومة اللبنانية، ولاسيمّا التي نمثّلها نحن شعبياً ودستورياً وعسكرياً. إن هذه المقاومة تشكّل السدّ الأخير في وجه عدوان السوريين والقوى الأصولية المتعصّبة على لبنان. فإذا بلغت هذه القوى أهدافها، فإن عنفها سيُوجّه كلّه إلى إسرائيل… إن اتفاق الطائف يوجب على الجيش اللبناني مواجهة إسرائيل، وبالتالي وضع إمكاناته بتصرّف المقاومة وميليشياتها الموالية لسوريا وإيران”.
    بتاريخ 26 نوفمبر 1989، أرسل عون إلى الموساد الإسرائيلي التلكس الآتي: “الوضع حرج جداً. نطلب جواباً واضحاً من قبلكم. لقد أعطى الهراوي ضوءاً أخضرَ لعملية سورية. الأميركيون موافقون… نريد معلومات عن الحشود السورية ونيات دمشق في ما يتعلق بعمل عسكري؟ هل هو دائم؟ وفي أي وقت؟ وما هي الجبهات التي سيشملها؟… في 25 نوفمبر 1989، دخلت فرقة سورية الأراضي اللبنانية لتعزيز تحضيرات الهجوم. نطلب موقفاً واضحاً وحازماً”.
    ثم يوثق طارق حسون في تحقيقه الاتصال بين عون والبعثيين، بعد انتقاله إلى المنفى في باريس، والتي توجت بعودته عقب ثورة 14 آذار لمواجهة تيار السيادة والاستقلال أملا بنيله لكرسي الرئاسة. هناك احتمال لوصول العماد عون إلى رئاسة الجمهورية في لبنان، وهذا الاحتمال ليس في صف المصالح اللبنانية والعربية، والحديث عن تحوله ضد المشروع الإيراني- البعثي في حال وصل إلى الرئاسة محض وهم.
    أبرز المخاطر الناجمة عن تحقق هذا الاحتمال إقليميا: منح حزب الله الغطاء الشرعي لمشاركته في سوريا، وتخفيف الضغط الداخلي عن حزب الله مما يسمح له أكثر بتهديد المصالح العربية والخليجية، لأنه سيتمتع بحرية حركة أكبر، وكذلك توفير مساحة جديدة أمنيا وسياسيا لبشار الأسد.
    إذا استحوذت قوى 8 آذار على رئاسة الجمهورية، ومعها رئاسة مجلس النواب وسلاح حزب الله، فستتحول لبنان إلى محمية إيرانية صرفة، ما يحسن وضعها التفاوضي بشأن المشروع النووي بحكم التماس مع إسرائيل، ويعزز حضورها الإقليمي الذي سينعكس بلا شك على المستوى الدّولي، وفي الوقت ذاته، سيرفع حظوظ الحرب الأهلية في لبنان تماهيا مع نوايا بشار الأسد، ويعزل- أيضا- لبنان عن صداقاته العربية والخليجية مما يوقع أفدح الأضرار الاقتصادية والسياسية.
    أبرز المخاطر التي ستنجم عن تحقق هذا الاحتمال لبنانيًّا، ستتمثّل في قِياَمِ مشكلة كبيرة سياسية وإنسانية وأمنية ستحدق باللاجئين السوريين في لبنان، بسبب الموقف المعادي لهم من قبل الجنرال وتياره، وهذا سيؤثر سلبا على لبنان وسوريا معا.
    سيكون هناك ضغط كبير على الطائفة السنية بحكم معاداة الرئاسة لها، الأمر الذي سيضاعف الاحتقان الطائفي ويدعم المتطرفين الإسلاميين- الذين سيشكل ظهورهم دافعا للمتطرفين في الطوائف الأخرى للبروز.
    ميشال عون يمثل التطرف المسيحي المؤمن بتحالف “الأقليات”- حتى لو كانت إسرائيلية- لمواجهة “الخطر” السني. على هذا الأساس، قام تحالفه مع حزب الله، وبناء عليه وقف مع الأسد ضد شعبه، وعلى أساسه سيبني حكمه إذا وصل إلى قصر بعبدا.
    مع أن حزب الله يفضل الفراغ، إلا أن الاهتمام الدولي بملف رئاسة لبنان، والضغط الداخلي شعبيا وكنسيا يرجح- ولو بنسبة طفيفة- حدوث انتخابات الرئاسة وعدم حصول الفراغ، وهو ما يتيح للقوى الوطنية اللبنانية والدول الصديقة فرصة دعم المرشح المناسب، والحذر من دعم مرشح بلا قاعدة شعبية مسيحية، لأن النتيجة ستكون تقوية عون سياسيا وانتخابيا.
    “ميشال عون مشكلة، لأنه حالة إسرائيلية صدامية وتدميرية ولا يرى إلا مصالحه الشخصية ومصالح طائفته. هو النهج الماروني العنصري في الشرقية”. هذه الجملة لم يقلها سمير جعجع أو رفيق الحريري، قائلها هو حسن نصرالله، في احتفال ذكرى الحر العاملي، ونشرتها صحيفة “النهار” في 6 نوفمبر 1989.

    من؟ ولماذا؟
    بقلم: فهمي هويدي عن الشروق المصرية
    بأعلى صوت وبأقوى الكلمات ينبغى أن نستهجن العنف المجنون الذى يستهدف أرواح الأبرياء فى مصر، بصرف النظر عن هوياتهم ومقاماتهم، ثم ننصرف بعد ذلك مباشرة إلى محاولة الإجابة عن السؤالين: من؟ ولماذا؟ ــ أدرى أن بعضنا لديه إجابات جاهزة وأحكام مسبقة لا تنتظر أى بحث أو تحرِّ. ولا يشغلها تقصى الحقيقة بقدر ما يهمها شىء واحد هو تصفية الحسابات السياسية. والالتزام بتوجيهات أجهزة التوجيه المعنوى بقصر نظرها وضيق أفقها.
    خلال الأشهر الثمانية التى خلت صرنا نحفظ مضمون البيانات التى تصدر عقب كل حادث عنف. فالشرطة عندنا كاملة الأوصاف وطاهرة اليد، فلا هى تعذب أحدا ولا تلفق تهمة ولا تطلق خرطوشا ولا تطلق قنبلة غاز خانق أو مسموم. وهى دائما مجنى عليها وضحية إرهاب الآخرين، وإذا ما اضطرت لأن تدافع عن نفسها فخراطيم المياه هى آخر الدواء الذى تلجأ إليه. والآخرون هم الجناة والمفترون. وهم الإخوان الإرهابيون بالدرجة الأولى. وما يفعلونه مخطط يستهدف إسقاط الدولة وضعه التنظيم الدولى وممول من قطر وتركيا بالتنسيق والتعاون مع أجهزة مخابرات الدول العظمى التى لا تريد لمصر أن تنهض.
    هذه الأسطوانة ما برحت تديرها الأبواق المعروفة التى باتت تتنافس فى التحريض وتسميم الأجواء. وبعدها انتشر خبر التفجيرات التى حدثت فى محيط جامعة القاهرة، ظهر أحدهم على شاشة التليفزيون وقد تقمص شخصية الغيور الغاضب، ودعا من جانبه إلى حسم الأمر بإعدام قادة الإخوان، هكذا قبل أى تحقيق ودون تضييع الوقت فى المحاكمة (!) ــ لم أستغرب ذلك لأن المحاكمات فى زماننا صارت تتم على شاشات التليفزيون ومزايدات الصحف بأكثر مما تجرى فى قاعات المحاكم. بعدما أصبحت تحقيقات النيابة ودوائر المحاكم تعقد فى السجون ومقار الاحتجاز. لم يعد مفاجئا ولا مستغربا ان تجرى بدورها فى ستوديوهات التليفزيون.
    المدهش فى الأمر أن الأبواق الإعلامية ظلت تتمسك بالإجابات النمطية حتى رغم صدور الإعلانات التى تنفيها وتكذبها. فحين سارع المتحدث باسم القوات المسلحة إلى اتهام الإخوان بالمسئولية عن قتل الجنود الستة بعد عشر دقائق من وقوع الجريمة، فإنه لم يكترث ولم يعتذر عن خطئه حين أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس أنها من قام بالعملية. وحين تكرر نفس الاتهام بعد تفجيرات جامعة القاهرة، فإن الخطاب لم يتغير حين أصدرت بعد الظهر بيانا لمجموعة باسم «أجناد مصر» ذكرت مرة واحدة من قبل أعلنت أنها من قام بالتفجير.
    أرجو ألا يلتبس الأمر على أحد. فالمطلوب هو التعامل بمنتهى الحزم مع الجناة الحقيقيين. لمعاقبتهم وتجفيف منابع الإرهاب ومظانه. وأضع خطا تحت كلمة «الحقيقيين»، لأن التسرع فى إلصاق الاتهام بمن نكره قبل أى تحقيق، من شأنه ليس فقط ان يفلت الجناة الأصليين من العقاب، وإنما من شأنه أيضا أن يستمر هؤلاء فى ارتكاب جرائمهم وهم مطمئنون إلى أن أصابع الاتهام السياسى ستشير إلى غيرهم.
    بعدما ذاع خبر تفجيرات جامعة القاهرة أصدر كل من الإخوان وتحالف الشرعية بيانين يدينان الجريمة ويستنكرانها. ومما ذكره بيان الإخوان أن الجماعة: «تطالب الجميع بأن يتقوا الله فى مصر وأهلها جميعا، مدنيين كانوا أو شرطة أو عسكريين (من القوات المسلحة)، فدماء الجميع حرام، والخلافات السياسية ينبغى ألا تكون ذريعة للقتل وسفك الدماء المعصومة». وهى ذات الفكرة التى عبر عنها التحالف المذكور. وقد استغربت تجاهل وسائل الإعلام للبيانين، حيث أزعم بأنها ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد، بحيث تخضع للدراسة والتحقيق، وإذا ثبت عدم صحتها فينبغى أن يحاسب مصدروها وان يوجه إليهم الاتهام بتضليل العدالة. أما إذا تبين أنها صحيحة فيتعين توجيه البحث فى الاتجاه الذى يوصل إلى الجناة الحقيقيين.
    بالمناسبة فإننى لا أعرف ما إذا كانت الأجهزة الأمنية على علم أم لا بتلك المجموعة الجديدة التى تحمل اسم «أجناد مصر»، وأرجو ألا تكون قد فوجئت ــ مثلنا ــ بوجودها. وإذا صح ذلك فهو يعنى أن ثمة قصورا فى الاستطلاع ينبغى تداركه.
    هذا الغموض الذى يحيط بالفاعلين يشمل أهدافهم أيضا. وإذا عرفنا من هم فربما كان بوسعنا ان نفهم بالضبط ماذا يريدون. هل هم مخربون يريدون إثارة الفوضى؟ أم أنهم طلاب فوضويون يريدون تعطيل الدراسة؟ أم أنهم من الجماعات التكفيرية التى تعلن الحرب على السلطة والمجتمع؟ أم أنهم أرادوا الثأر للضحايا الذين سقطوا فى الاعتصامات التى جرى فضها؟
    لا خلاف على أن ما حدث جريمة وأن الفاعلين مجرمون، لكننا نريد ان نتعامل مع المشهد بما يستحقه من جدية، بحيث ننطلق من المعرفة الواثقة ولا نحتكم إلى التخمينات والأهواء. وأكرر أننا نريد أن ننتصر للوطن وسلامته، لا أن نصطف إلى جانب قبيلة دون أخرى، وأذكر بأن الوطن ملك للجميع وليس لقبيلة دون أخرى.

    الإخوان والإرهاب والوصولية
    بقلم: مصطفى الصراف عن القبس الكويتية
    الشعب المصري بفطرته متدين، فاستغل الاخوان هذا الوازع فيه، وبداية باشروا في اقامة التنظيم الدعوي الديني، كما هو واضح من كتبهم ووثائقهم، في حين أنه لم يكن منذ بدايته تنظيماً أصولياً، بل كان تنظيماً وصولياً، وكان مؤسسوه يخططون للاستيلاء على السلطة حتى لو اقتضى الأمر أن يتحالفوا مع الشيطان، وقد ظهر ذلك منذ قيام ثورة 23 يوليو سنة 52، حيث حاولوا سرقتها من ثوار الجيش المصري بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر، وكما هم اليوم، لجأوا إلى استعمال السلاح يومذاك وحاولوا اغتيال جمال عبدالناصر، قائد الثورة، الذي خلص الشعب المصري من براثن الاستعمار وأقام دولة مستقلة ملكت إرادتها، وأممت قناة السويس وأقامت السد العالي، اللذين حتى يومنا هذا يشكلان موردا أساسيا للشعب المصري.
    لم تكن لديهم أية مشاعر وطنية ومازالوا كذلك، بل هم ينتهزون الفرص للوثوب على السلطة ولو على حساب الأمن الوطني والقومي، وما المظهر الديني سوى مظهر لخداع الناس، بينما في قراراتهم، كما أثبتت الأحداث، هم أبعد الناس عن الوازع الديني الذي سمته السماحة والسلام والحفاظ على الانسان، كما أمر الله تعالى، بعد فشلهم في سرقة ثورة 23 يوليو 52 سعوا إلى العمل على جمع الأموال باسلوب الصهيونية العالمية نفسه، وأقاموا المؤسسات المالية والجمعيات الخيرية لدعم وجودهم، وراحوا يعدون العدة لتحين الفرص، وانتشروا تحت مظلة التنظيم الدولي للاخوان أسوة ببؤر تواجد الصهيونية العالمية، وسعوا إلى الإمساك بمفاصل الدول التي تواجدوا على أرضها، ولم تسلم منهم حتى دولة الكويت، ولكننا مازلنا لم نسلم من شرهم وما يعدون له للقادم من الأيام، وهاهم أعضاؤهم وحلفاؤهم لا يخفون نواياهم في كتاباتهم وتصريحاتهم المؤيدة للارهاب. فرغم ما يقوم به «داعش» و«النصرة» ومختلف مسميات تنظيماتهم الارهابية من جرائم وتفجيرات في البشر الأبرياء، حتى في دور العبادة، فإنهم يظهرون تأييدهم لهم بما يؤكد وحدة الفكر والهدف معهم.
    إنهم اليوم يقومون بتفجير الأبرياء في العراق ويهاجمون أبناء مصر من أفراد القوات المسلحة الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن سيادتها، ولا يعني الاخوان الا العمل لاستعادة السلطة التي سبق ان استولوا عليها أيام مرسي خطفا من الثوار الحقيقيين من دون اعتبار لما يعانيه الشعب المصري من أوضاع اقتصادية تحتاج فيها مصر الى الاستقرار لتستعيد توازنها، وكما هو وضعهم في العراق يخدمون الصهيونية بنشر حالة عدم الاستقرار والترهيب بما يقومون به من اعمال التفجير من دون تمييز، هم كذلك في سوريا وهم اليوم في مصر ويذهبون للعلاج في مستشفيات اسرائيل وغيرها التي يتلقون الدعم منها، بالاضافة الى دول حلف شمال الأطلسي الاستعماري. وهنا لابد من الاقتداء بما قامت به مصر والمملكة العربية السعودية من حظر نشاط هؤلاء وتعقب خلاياهم حفاظا على سلامة الوطن والمواطن، لاسيما أنهم اصبحوا مسيطرين على معظم جمعيات النفع العام.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. اقلام واراء عربي 568
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2014-02-09, 11:52 AM
  2. اقلام واراء عربي 300
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-17, 12:06 PM
  3. اقلام واراء عربي 299
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-17, 12:04 PM
  4. اقلام واراء عربي 298
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-17, 12:03 PM
  5. اقلام واراء عربي 297
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-17, 12:02 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •