في هــــــــــــذا الملف:
أوباما إذ «يشكو».. نتنياهو!
بقلم: محمد خروب عن الرأي الأردنية
أوباما لـ«إيباك»: كفّوا عن نشر الأكاذيب!
بقلم: حلمي موسى عن السفير اللبنانية
ما وراء الغضب الإسـرائيلـي الظاهـر على حرق عائلة دوابشة
بقلم: ياسر الزعاترة عن الدستور الأردنية
أضعف الإيمان (الشهيد والقتيل في الإعلام العربي)
بقلم: داود الشريان عن الحياة اللندنية
فلسطين ـ اسرائيل: البديل – العدو
بقلم: عماد شقور عن القدس العربي
أوباما إذ «يشكو».. نتنياهو!
بقلم: محمد خروب عن الرأي الأردنية
عندما «يعترف» باراك حسين اوباما بأنه لا يذكر زعيماً اجنبياً تدخّل في السياسة الاميركية كما يفعل نتنياهو, فإننا هنا أمام تصريح «فانتازي» بامتياز, لرئيس أقوى دولة في العالم, يعرف كل العالم أن اسرائيل لم تكن لتبقى أو تستمر في الوجود طوال «67» عاماً, لولا الدعم الاميركي غير المحدود لهذه الدولة, التي اقيمت على أرض ومستقبل الشعب الفلسطيني والتي شكّلت على الدوام حاملة طائرات أرضية اميركية, ولعبت دور كلب حراسة للمصالح الاميركية الامبريالية وتواطأت معها كل الادارات الاميركية, موفرة الحماية اللازمة لها على اكثر من صعيد, كي تبقى اقوى من كل الدول العربية وخصوصاً ودائماً خارجة على القانون, ووصل الامر بالنفاق الاميركي حدوداً غير مقبولة في تبرير كل عدوانها وعربدتها وغطرستها ودمويتها وما قارفته من جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب, كان الاميركيون بمثابة مظلة أمان لاجرامها, تارة بالفيتو في مجلس الامن وطوراً في مدّ جيوش الاحتلال بالاسلحة الاميركية الجاهزة للدخول في المعارك, كما كانت الحال في حرب اكتوبر 73 وتسترت على ترسانتها النووية واختارت لها تسمية تفيض تضليلاً وخداعاً للعالم أجمعها أسمتها سياسة الغموض «النووي», وسوّقت لدول العالم مقولة عتاة الصهاينة بأن اسرائيل لن تكون البادئة بادخال السلاح النووي الى المنطقة, فيما كل التقارير ومصادر وكالات الاستخبارات الاميركية تؤكد حيازتها لأكثر من مائتي قنبلة نووية, والأكثر اهمية من كل ذلك ان اسرائيل قادرة على توجيه ضربة انتقامية (نووية بالطبع) في حال تعرضت لهجوم نووي مفاجئ.
هنا يسقط باراك اوباما في الاختبار ويمنح لنفسه صفة البطة العرجاء حتى قبل أن يبدأ ماراثون الانتخابات الرئاسية الاميركية, عندما يشكو رئيس وزراء اسرائيل (علناً), لكنه يُبدي عجزاً واضحاً ازاء «الرد» على هذا التدخل الفظ والوقح في الشأن الاميركي, لأنه غير قادر عليه أو ربما غير راغب, بعد ان سُمِحَ لاسرائيل ان تكون مُقرّرة في الداخل الاميركي وبعد أن قبلت النخبة «السياسية» الاميركية ان يكون اعتمادها السياسي والتشريعي في مكاتب ومؤتمرات «الايباك» وبعد أن أعلن اصدقاء اسرائيل في البيت الابيض وفي الكابيتول هيل حيث مجلسي الكونغرس، انهم يعتبرون أمن اسرائيل جزءاً من الأمن القومي الاميركي ودائماً في منحها «مكافأة» على عدوانها، بل وتدخلها في الشؤون الاميركية، وتعلّم اوباما نفسه-على جلده-عندما وقف نتنياهو الى جانب المرشح الجمهوري ميت رومني ضد اوباما في التجديد لنفسه ولاية ثانية, ثم تمت الصفعة الاقوى عندما دُعيّ نتنياهو كي «يخطب» في مجلسي الكونغرس ضد الاتفاق الاولي مع ايران حول برنامجها النووي (في لوزان) من وراء ظهر اوباما، الذي لم يخجل عندما ابدى لرئيس حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل خنوعاً واستخذاء، وهنأه على نجاحه في انتخابات 17 اذار الماضي ثم عندما دعاه لزيارة البيت الابيض وها هو يستعد لاستقباله قريباً على ما تقول الصحف الاسرائيلية ذاتها.
لا يبدو أن اوباما يعرف «العنوان» الذي سيوجّه او يسجل «شكواه» ضد نتنياهو بعد ان خرج «ستة» شيوخ ونواب «يهود» من الحزب الديمقراطي على ارادته واعلنوا انهم لن يؤيدوا الاتفاق مع ايران، ناهيك عن اولئك المتصهينين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي الذين يقدمون المصلحة الاسرائيلية على المصلحة الاميركية والذين يسمّون في الولايات المتحدة «Isreal Firsters» لكنهم رغم ولائهم لاسرائيل اولاً, فانهم يحظون بتربيت على الكتف (والقبلات ايضاً) من سيد البيت الابيض واصحاب القرار في الادارة الاميركية بشقيها السياسي والعسكري.
عندما خرج الاستاذان الجامعيان المرموقان, ستيفان والت عميد كلية جون كنيدي للعلوم السياسية وجو ميلشماير من جامعة شيكاغو بكتابهما/ الدراسة الموثقة/ حول الهيمنة اليهودية على القرار الاميركي، أعلن انصار اسرائيل من يهود ومتصهينين وامبرياليين في الغرب الاستعماري وخصوصاً في الولايات المتحدة, الحرب عليهما ووجهوا لهما اتهامات بمعاداة السامية وكراهية اليهود والتشهير بهم وغيرها من الاوصاف والتهديدات الى حد اهدار دمهما في النهاية.
هنا يقترب اوباما من «الدائرة» التي وقف فيها والت وميلشماير، لكنه اكثر جبنا وتواطؤاً ومدعاة للشماتة منه الى اي شيء اخر, لأن مؤلفي كتاب الادانة, كانا اكثر شجاعة من رئيس الولايات المتحدة, الذي لا همّ له سوى استرضاء اصدقاء اسرائيل ونيل بركاتهم وخصوصا في مهادنتهم حتى على حساب كرامته الشخصية ومكانة بلاده ومصالحها التي تزعم انها تقود محور الاخيار في مواجهة محور الشر.
فأين يقع نتنياهو من هذين المحورين؟ ثم ماذا سيحصل لاي زعيم اجنبي (ولنفترض انه عربي) لو انه انتقد الولايات المتحدة او غمز من قناتها او عرّض مصالحها للخطر؟
السؤال ليس لاوباما بل للعرب أنفسهم.
الاتفاق النووي يعمّق الشرخ بين يهود أميركا
أوباما لـ«إيباك»: كفّوا عن نشر الأكاذيب!
بقلم: حلمي موسى عن السفير اللبنانية
أوصل الرئيس الأميركي باراك أوباما سجاله مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للذروة في اليومين الأخيرين حينما وجه رسالة الى احد أبرز جمعيات اللوبي الصهيوني (إيباك)، مفادها: كفوا عن نشر الأكاذيب حول الاتفاق النووي الإيراني. واضطر نتنياهو لتعديل رسالته الى أعضاء الكونغرس من الديموقراطيين حينما قال لهم إنه لا يقول لهم كيـف عليهـم أن يصـوتـوا علـى الاتفاق.
وفيما كشفت «هآرتس» النقاب عن أن لقيادة الاستخبارات الإسرائيلية تقييماً إيجابياً تجاه الاتفاق تخفيه خشية رد فعل نتنياهو، قال السفير الأميركي في تل أبيب دان شابيرو إن على إسرائيل الاستعداد لمرحلة ما بعد إقرار الاتفاق.
ورأت مراسلة «يديعوت» من واشنطن أورلي أزولاي، أن تهديد أوباما كان حاداً وواضحاً. وفي اللقاء الذي أجراه مؤخراً مع نشطاء اللوبي الصهيوني (إيباك) أوصل لهم رسالة حازمة: أنتم ملزمون بالكف عن نشر الأكاذيب عن الاتفاق النووي مع إيران، ويجب عليكم وقف الحملة الدعائية ضده.
وقالت أزولاي إن اللقاء بين الطرفين أظهر بكل الشدة الشرخين اللذين أنتجهما الاتفاق مع إيران، أولهما بين الإدارة وإسرائيل والثاني في صفوف يهود أميركا. إذ صار على يهود أميركا أن يحددوا اليوم ولاءهم: للرئيس الأميركي الذي يحاول بكل قوته تحقيق الاتفاق، أو لدولة إسرائيل التي يقود رئيس حكومتها حملة إقناع متعددة الضغوط على أعضاء الكونغرس للتصويت ضد أوباما.
وقال إيف فوكسمان، الذي ترأس لسنوات طويلة جماعة «الرابطة ضد التشهير»: «لو جاء لي يهودي وسألني ما العمل بشأن الولاء المزدوج، لقلت له الأمر جد بسيط: نحن أميركيون وينبغي أن نفكر في ما هو في صالح أميركا. هذا الاتفاق سيئ لأميركا. وبالصدفة هو أيضا سيئ لإسرائيل. وهذا لا يعني أننا توقفنا عن دعم أوباما».
وتمارس «إيباك» ضغوطاً على أعضاء الكونغرس للتصويت ضد الاتفاق. وكان أوباما في طريق عودته من أفريقيا علم أن اللوبي اليهودي موَّل لـ700 من نشطائه في أرجاء أميركا رحلة ومنامة في واشنطن لغزو مكاتب أعضاء الكونغرس ولإقناعهم بالتصويت ضد الاتفاق. وعلى الفور أمر أوباما بإرسال طاقم من مؤيديه إلى الفندق الذي يقيم فيه هؤلاء لعرض مزايا الاتفاق عليهم.
وأشارت «يديعوت» إلى أن الخلاف بين الإدارة الأميركية وحكومة إسرائيل يزعزع الطائفة اليهودية منذ أشهر. وقال غريغ روزنباوم، رئيس لجنة اليهود الديموقراطيين إن «هذا قاد إلى شرخ داخل الطائفة. جزء مع وجزء ضد. وطرف يصرخ على الآخر. والأمر خرج عن السيطرة».
وسمع روزنباوم ورفاقه أثناء اللقاء مع أوباما شروحات عميقة حول مزايا الاتفاق النووي وأهمية إقراره. وقال لهم أوباما: «إذا لم يقر الاتفاق، فسوف يتهمون أميركا بأنه يستحيل الوثوق بها. وستواصل إيران نشاطها النووي وحينها ستزداد الضغوط لتنفيذ عمل عسكري ضدها. وطهران لن ترد بمهاجمة واشنطن لكنها ستوجه صواريخ حزب الله إلى تل أبيب، وسيضربون دولاً عربية مجاورة، كما سيحاولون إرسال زوارق مفخخة نحو حاملات طائراتنا في المنطقة».
وروزنباوم ليس الوحيد بين يهود أميركا وأعضاء اللوبي الصهيوني الذي ينتقد نتنياهو وإدارته للحملة التي تشنها ضد أوباما. وقد كرر كثير من اليهود موقفهم بأن نتنياهو أساء إلى يهود أميركا ووضعهم في موضع حرج لأن من يؤيد منهم الاتفاق سيعرض وكأنه عميل لإسرائيل.
وكان السفير الإسرائيلي في تل أبيب دان شابيرو قد دعا الإسرائيليين في مقابلة إذاعية إلى البدء، برغم الخلافات، بحوار ديبلوماسي حول ما بعد الاتفاق. وأشار إلى أن نتنياهو لا يزال يرفض مناقشة عواقب الاتفاق على إسرائيل وأن على الطرفين إدراك أنهما على خلاف وأن ليس بوسع أحدهما إقناع الآخر. وأضاف: «عرضنا على رئيس الحكومة الشروع بمحادثات بشأن كيفية زيادة التعاون الأمني بعد الصفقة مع إيران، والبحث في المعلومات الاستخبارية التي نحتاجها، والاتفاق على الخطوات العسكرية المطلوبة في السنوات العشر المقبلة، وكيف يمكن وقف نقل الأسلحة لحزب الله والبحث في احتياجات إسرائيل العسكرية في مواجهة خطر الصواريخ».
وفي رد كان الأطول في المقابلة التي أجرتها شبكة «سي ان ان» مع أوباما وكانت حول تدخل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في السياسة الداخلية الأميركية قال: «لا أتذكر تدخلاً كهذا في السياسة الأميركية.. إن منظومة العلاقات بين أميركا وإسرائيل عميقة جداً وتتجلى في سياستي. وأنا ملتزم بأمن إسرائيل وكررت موقفي هذا مراراً. وأنا أتعامل بجدية مع الأمر ولذلك في ولايتي توثق التعاون العسكري والاستخباري بيننا وبين إسرائيل أكثر من أي وقت مضى». وأضاف أن نتنياهو مخطئ في تعاطيه مع الاتفاق النووي وتساءل: «ما هو السبيل الأفضل لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي؟ لقد كررت مطالبتي لنتنياهو وآخرين أن يعرضوا خطة منطقية ومعقولة تحقق هذا الهدف، وإلى الآن لم أتلق جواباً».
ومن جهة أخرى استعرض نتنياهو في لقاء مع 22 عضو ديموقراطي في الكونغرس يزورون إسرائيل حالياً موقفه من الاتفاق النووي. وقال لهم إنه لا ينوي التوصية بكيفية تصويتهم على الاتفاق. وقد نظم اللوبي الصهيوني رحلة هذه المجموعة من أعضاء الكونغرس إلى إسرائيل على أمل إقناعهم بالتصويت ضد الاتفاق بعد حوالي شهر.
ما وراء الغضب الإسـرائيلـي الظاهـر على حرق عائلة دوابشة
بقلم: ياسر الزعاترة عن الدستور الأردنية
لا جديد في إجرام المستوطنين في الضفة الغربية، فهو ماضٍ منذ حط غراب الاحتلال عليها قبل ما يقرب من خمسة عقود، وإذا كانت السنوات الأكثر أمنا للاحتلال طوال تاريخه، وهي سنوات محمود عباس (منذ 2004) قد شهدت بحسب إحصائية للسلطة 11 ألف انتهاك من قبلهم بحق الفلسطينيين، فلك أن تتصور سيرتهم برمتها.
لا خلاف على أن جريمة حرق الرضيع كانت من البشاعة بحيث يمكنها استفزاز أي إنسان، مهما كان منسوب الإنسانية متدنيا لديه، لكن المؤكد أن هذ الجدل العنيف في المستوى السياسي والإعلامي الصهيوني لم يكن يعكس حنانا على الفلسطينيين، بقدر ما ينطوي على أبعاد أخرى، لا سيما حين جاءت الجريمة بعد جريمة أخرى للمستوطنين المتدينين بحق مسيرة لـ”المثليين”، أودت بحياة مراهقة طعنا بالسكاكين وجرح خمسة سواها.
كل هذا الضجيج الذي تابعناه في الكيان الصهيوني لم يسفر سوى عن اعتقال ثلاثة أشخاص “اعتقالا إداريا”، ليومين اثنين لا أكثر، بينما يُعتقل بذات الطريقة 400 فلسطيني لم ينفذوا أي عمل مسلح ولا غير مسلح، ولا يُعتقلون إلا على خلفية دعمهم لرؤية المقاومة في الضفة الغربية.
ثمة ما هو داخلي في الضجة يتعلق بالمجتمع الصهيوني نفسه، بخاصة بعد جريمة مسيرة المثليين، ذلك أننا إزاء مجتمع أخذ ينقسم إلى صنفين؛ صنف موغل في العلمانية والاستهلاك، وصنف آخر يذهب بعيدا في تطرفه وانحيازه للشريعة اليهودية، ومن هنا كان الأول يحتج دفاعا عن نفسه، وليس عن الفلسطينيين، بدليل تهليله هو نفسه لقتل الفلسطينيين بقنابل الطائرات والصواريخ في قطاع غزة، وحيث قتل المئات من الأطفال أيضا، بطريقة لا تقل بشاعة عن الطريقة التي قتل بها علي دوابشة ووالده، ومن الطبيعي والحالة هذه أن يعبر المستوى السياسي أيضا، أو بعضه عن مصالح هذه الفئة ورؤيتها للمجتمع.
تسوّق دولة الاحتلال نفسها في العالم بوصفها واحة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي معنية رغم كل جرائمها باستمرار هذه اللعبة، ومن هذا المنطلق تأتي الإجراءات التي اتخذت بحق المستوطنين، ودوع التماسيح والاعتذارات التي صدرت بعد جريمة أسرة دوابشة.
لكن البعد الأهم من ذلك في اعتقادي هو المتمثل في الهستيريا التي تصيب الكيان الصهيوني من فكرة اندلاع انتفاضة في الضفة الغربية، والتي يمكن أن تصيب الكيان في مقتل؛ اقتصاديا وأمنيا في آن، ولذلك يجري استرضاء الفلسطينيين، والسلطة بشكل أهم ببعض الاعتذارات والإجراءات، ويتصل نتنياهو بعباس، بينما يُغدق قادة الأمن الثناء عليه، ويقرون بأنه هو لا غيره من يمنع الانتفاضة.
على هذه الخلفية تتكاثر الاعتقالات في صفوف الفلسطينيين، ويصل عدد المعتقلين مستوىً لم يصله إلا خلال انتفاضة الأقصى، وما ذلك إلا من أجل الحيلولة دون تفجر الانتفاضة، بينما يجري من جهة أخرى منح بعض التسهيلات لقادة السلطة، وكذلك للفلسطينيين في الضفة الغربية، بحيث يسمح له لهم مثلا بالصلاة في الأقصى يوم الجمعة.
بدوره لا يكف عباس عن تقديم استحقاقات التعاون الأمني، بمطاردة شبح الانتفاضة، وإغلاق كل النوافذ التي يتسلل منها فكرها وبرنامجها نحو الوعي الفلسطيني.
والخلاصة أن الضجة ضد جرائم المستوطنين هي في شق منها استجابة للأبعاد التي ذكرنا، لكن الأهم هو الخوف من أن تؤدي إلى اندلاع الانتفاضة، ما يعني أن رد الشعب الفلسطيني على ذلك كله هو بإطلاق انتفاضته المباركة، ورفض برنامج محمود عباس الذي يكرّس واقع النزاع كنزاع حدودي لا أكثر مع دولة احتلال تتمتع بالأمن، من دون أن تقدم للفلسطينيين أكثر من بعض أسباب الحياة، ولقيادتهم العتيدة الكثير من التسهيلات.. وللأحباب من حولها بطبيعة الحال!!
أضعف الإيمان (الشهيد والقتيل في الإعلام العربي)
بقلم: داود الشريان عن الحياة اللندنية
الحياد في الصحافة وهْم، وان شئت كذب، والموضوعية شرط مهني. وفي تعبير الفقهاء، الحياد سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، والموضوعية فرض يعاقب تاركه. لكن بعض الصحافيين يخلط بين الحياد والموضوعية، والبعض الآخر يعتقد أنهما مرادفان لمعنى واحد. الصحيح أن الحياد موقف والموضوعية أمانة، والفرق هائل بين الأمانة والموقف. من حق الصحافي أن تكون له ميول وموقف، وليس من حقه أن يخل بالأمانة المهنية، ويسلب طرفاً حقاً من حقوقه لأن له موقفاً ضده. ولهذا يمكن القول إن الخلط بين الحياد والموضوعية هو أساس فساد مهنية الإعلام، وسبب خلل صحافة العرب وقنواتهم. بإمكان الصحافي أن يلعب على الحياد، يزيد من صفات حسنة للطرف الذي يؤيد، ويقللها من الآخر الذي لا يحبه، لكن ليس من حقه أن ينفي صفة أو يزيف معلومات ضد هذا الطرف. والفرق بين الإعلام العربي وبين نظيره الغربي، أن الأخير لا يعبث بالموضوعية، بل يحترمها، لكنه يحتال عليها بما يسمى الحياد المهني، فيُكثر مثلاً من مشاهد تدين الفلسطينيين، ويقلل من نقل إرهاب إسرائيل ضدهم، لكنه لا يسلب الفلسطينيين حقاً، أو يعطي إسرائيل شيئاً لم تفعله. وفي المحصلة، فإن اللعب المهني على قضية الحياد، أعفى الإعلام الغربي من انتهاك الموضوعية، وهذا ليس تبرئة لهذا الإعلام، بل إقرار بقدرته على الاحتيال والمخادعة المهنية.
في العالم العربي أصبح المتلقي يعرف موقف دولة عربية من أخرى شقيقة إذا اصبح يقرأ صفة نظام لحكومة ذلك البلد الشقيق. أجهزة الإعلام العربي الرسمي تستبدل النظام بالحكومة إذا كانت الخواطر غير صافية، فتقول مثلاً: «النظام الحاكم في دمشق» عوضاً من «الحكومة السورية». هذا التعبير في عرفه «شتيمة» محترمة، على رغم أن صفة نظام في اللغة الإنكليزية لا تعني ذلك. واستناداً إلى هذا التفسير العجيب لصفة «النظام» في الإعلام الرسمي، فإن هذا مهنياً يدخل في باب خرق الحياد، لكن حين تدعي دولة أشياء غير حقيقية على دولة توصف حكومتها بالنظام فهذا خلل في الموضوعية.
من أهم وأخطر قضايا العبث في الحياد والموضوعية، التفريق في الأخبار بين قتلى الحروب، وخلع صفة القتيل على طرف والشهيد على آخر. أخبار الحروب يجري صوغها في الإعلام العربي على طريقة «قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار». في الحرب السورية مثلاً، تجد أن بعض القنوات يصف قتلى خصوم النظام بالشهداء وضحايا الجيش السوري بالقتلى، وهذا التمييز بين القتيلين انتهاك للموضوعية، فضلاً عن الحياد، وهو مناف لحكم الإسلام. الشيخ الراحل محمد بن صالح بن عثيمين له رأي مهم في هذا الموضوع، وهو قال حين سئل عن القضية: «لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد ولو قتل مظلوماً أو قتل وهو يدافع عن الحق، فإنه لا يجوز أن نقول فلان شهيد، وهذا خلاف ما عليه الناس اليوم، حيث رخصوا هذه الشهادة، وجعلوا يسمّون كل من قُتل، ولو كان مقتولاً في عصبية جاهلية، شهيداً، وهذا حرام...».
الأكيد أن الموضوعية هي المقدمة الأولى لمهنية الإعلام وحريته.
فلسطين ـ اسرائيل: البديل – العدو
بقلم: عماد شقور عن القدس العربي
هل يعتبر الفلسطينيون اسرائيل عدوا أم بديلا؟ وهل يعتبر الاسرائيليون فلسطين عدوا أم بديلا؟
هذا السؤال الجوهري، تحدد كل اجابة عليه، طبيعة السياسة التي يتوجب اعتمادها. والسياسة هنا تشمل كل مناحي الحياة، ابتداء بما يتصل منها بادوات ووسائل وأهداف الصراع بشكل مباشر، وانتهاء بكل ما له علاقة بالتعليم والتوجيه والاقتصاد والحياة المدنية بشكل عام.
صعوبة التوصل، بل أكثر دقة من ذلك: استحالة التوصل الى تفاهم فلسطيني فلسطيني، ينهي مرحلة انقسام العمل الفلسطيني، وتشرذم الساحة الفلسطينية، ينبع اساسا من الاختلاف البيّن في الاجابة على سؤال: هل اسرائيل بالنسبة لنا بديل عنا، فإما نحن وإما هي، وأن ما يمكن أن يكون على ارض فلسطين هو واحد فقط من الاثنين، فلسطين او اسرائيل، او انها، اي اسرائيل، عدو قاتلناه ونقاتله ونخوض معه صراعا دمويا مريرا ومتواصلا، ولكن لا بد له ان ينتهي يوما ما الى تسوية ما، قد تتطور لان تكون بين الجانبين علاقات متوترة او علاقات حسن جوار، او علاقات تعاون وتكامل، بل وربما تحالف ايضا؟
هذا الامر يستدعي بالضرورة، البحث والعثورعلى منصة مشرفة بما فيه الكفاية، لتبدو الصورة منها اكثر وضوحا، رغم انها تغطي تاريخا وزمانا أطول، وجغرافيا أوسع وأبعد، من حيث ما تسبره من أبعاد لكُنه وجوهر الصراع الفلسطيني الاسرئيلي، واوسع منه الصراع العربي الصهيوني.
لكن كثرة تشعبات هذا السؤال، وما قد تتعرض له الإجابة عليه من خطر الانزلاق الى تعقيدات، بسبب تعدد الاطراف، تستدعى حدا اقصى من التركيز. لذلك سأحصر البحث هنا في أوجه وأشكال وتبدلات جوهر هذا الصراع بين فلسطين بتجلياتها المتعددة من جهة، واسرائيل بتجلياتها المتعددة، هي الاخرى، من جهة ثانية. لافتين الى امكانية اعتبار ما نذهب اليه، عيّنة ونموذجا في دراسة ابعاد وجذور ومآلات هذا الصراع بين بقية اطرافه.
رأى الفلسطينيون في الحركة الصهيونية منذ انشائها عام 1896، ( وكذلك فيمن تستقدمهم من اليهود)، وطوال خمسة عقود من الزمن، لغاية عام 1948، عام النكبة الفلسطينية، بديلا عنهم، وليس مجرد عدو لهم، مثل الانتداب البريطاني او غيره من اعداء الشعب والأُمة. وتصرف الفلسطينيون خلال هذه المرحلة من الصراع تجاه كل القادمين اليهود الى فلسطين استنادا لقاعدة ان هؤلاء ليسوا مجرد عدو يمكن لك ان تحاربه فتهزمه أو يهزمك، ثم تتوصل معه الى تسوية مؤقتة او دائمة، وتبني معه علاقات عادية، كعدو سابق، او كجار مرغوب او غير مرغوب فيه. وحكمت هذا التصرف قناعة محقة، ان هؤلاء الصهاينة هم بالنسبة لنا البديل الذي يعني وجوده، (مجرد وجوده)، الغاء لوجودنا. وألا مكان على ارض فلسطين الا لواحد من الاثنين: فإما نحن وإما هم. ولما كانت لدى الفلسطينيين قناعة كاملة بأنهم هم الاقوى، وأن انتصارهم على الصهاينة امر مؤكد، فانهم تشبثوا بهذه السياسة، رغم علامات فشل كثيرة مروا بها، وعلامات تغيير جذرية على موازين القوى بين طرفي الصراع، وأخطر من ذلك بكثير، موازين القوى بين القوى العالمية الكبرى المتحالفة مع كل واحد من طرفي الصراع، الامر الذي اوصل هذه المرحلة الى نهايتها الكارثية، بالنكبة والتشرد واللجوء.
على الجانب الآخر، حاولت الحركة الصهيونية، منذ بداية هذه المرحلة، ان تقنع الفلسطينيين، سواء بحسن نية او بخبث وبسوء نية، ألا مطامع لديها للنيل من حقوق الفلسطينيين، وأن في ارض فلسطين مكانا لاهلها و»للقادمين الجدد»، وأن إمكانية التعاون والتعايش بين الجانبين ممكنة ومفيدة لكليهما.
إلا ان احداث عام 1948، التي حملت للفلسطينيين نكبتهم، ومكنت الحركة الصهيونية من اعلان قيام دولتها اسرائيل، شكّلت بداية لمرحلة ملتبسة، استمرت الى ما بعد عام النكسة 1967 بقليل، وتحديدا لغاية عام 1974، يوم اعلن الفلسطينيون من خلال برنامج النقاط العشر، الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني، الذي تضمن ما يعني السعي لاقامة الدولة الفلسطينية، «على اي شبر يتم تحريره او جلاء الاحتلال عنه»، بما يعنيه ذلك، بكلمات اكثر وضوحا، ان اسرائيل هي العدو، وان بالامكان ان تقوم على ارض فلسطين دولتان. لكن عندما وصل الفلسطينيون الى حيث كانت الحركة الصهيونية لغاية عام النكبة، انسحبت الحركة الصهيونية، في مرحلة تجليها كدولة اسرائيل، الى حيث كان الفلسطينيون لغاية عام اعلان قيام دولة اسرائيل.
بهذا البعد للصراع الفلســـطيني الاسرائيلي، فان م.ت.ف. تكون بنقلها لاسرائيل، من خانة البديل لفلسطين، الى خانة العدو لفلسطين، قد دشّنت مرحلة جديدة، اضطُرت اسرائيل الى الانجرار اليها، متخلية عن انكارها لوجود الشعب الفلسطيني، وعن خرافات سياسة الوطن البديل، وعن تجريم اللقاء مع م.ت.ف. ومعتبرة ان فلسطين واسرائيل عدوين، وليس اي من الجانبين بديلا للآخر.
من هنا، فان اقرار اتفاق اوسلو، يعتبر نهاية لمرحلة من الصراع، ولكن الاهم من ذلك، وبكثير، هو انه بداية لمرحلة جديدة من الصراع. إن عدم ادراك اي جهة فلسطينية لهذه الحقيقة، وكذلك اي سياسة فلسطينية لا تستوعب هذا الدرس وتبني عليه، لا يمكن الا ان يعودا بالضرر على مجمل القضية الفلسطينية. ليس من مصلحة الفلسطينيين تمكين اسرائيل من الافلات من خانة العدو، والعودة الى خانة البديل، كونها الطرف المستفيد من ذلك، جراء كونها الطرف الاقوى. وليس من مصلحة الفلسطينيين التعامل مع اسرائيل بأي صفة غير صفة انها العدو المحتل. هي العدو، وليس «الطرف الآخر».


رد مع اقتباس