النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: اقلام واراء عربي 443

مشاهدة المواضيع

  1. #1

    اقلام واراء عربي 443

    اقلام واراء عربي 443
    7/7/2013

    في هذا الملف
    لعبة «نثر» التهديد على غزة!
    حسن عصفور – الدستور الأردنية
    أوراق صهيونية
    هاشم عبدالعزيز-الخليج الاماراتية
    حلم التغيير في لبنان: خمسون عاماً من السقوط
    مسعود ضاهر-السفير اللبنانية
    أيها الأردنيون افتحوا عيونكم جيداً !
    صالح القلاب/الرأي الأردنية
    معادلة «رابعة العدوية» : الجماعة مقابل الجميع
    عريب الرنتاوي-الدستور الأردنية
    «الإخوان»: نحن أو الحرب الأهلية
    عبدالله إسكندر- الحياة اللندنية
    يد الله مع الشعب وليست مع «الجماعة»
    حبيب فياض- السفير اللبنانية
    العلمانيون وسقوط الأقنعة
    مبارك فهد الدويله-القبس الكويتية
    نحو مصالحة وطنية جديدة في تونس
    توفيق المديني- الشرق القطرية



    لعبة «نثر» التهديد على غزة!
    حسن عصفور – الدستور الأردنية
    من المتوقع أن تعود قوى «الاسلام السياسي» وخاصة التنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين، لقضية فلسطين والقدس وتتذكر حضورها في أدبياتهم ونشاطهم، وخطبهم ومؤتمراتهم بعد أن باتت قضية هامشية جدا، في نهجهم مقابل البحث عن «تمكين» ما حازوا عليه من سلطة وحكم، فلسطين لم تكن جزءا من نشاط وقوام السياسة الاخوانية عربيا الا ما ندر، وذلك في اطار تحالفهم العام مع «محور أمريكا» وجعلوا من قضية السلطة وخطفها قضيتهم المركزية، ورفع القضية السورية الى مكانة بديلة لقضية فلسطين..

    ولكن ما حدث في مصر باسقاط حكم الاخوان وعزل محمد مرسي وتدشين مرحلة سياسية جديدة، سيجبرهم الآن على ارتداء معطف القضية المركزية كسلاح يستخدم لمخططهم الذي يشرعون بتنفيذه، وسيكون لقطاع غزة مكانٌ في ذلك المخطط، الذي قد يجلب الشر ثانية الى أهل القطاع. كان من المستغرب جدا بل والمفاجئ أن تعلن كتائب القسام، جناح حماس العسكري، وعبر مؤتمر صحفي أنها تمتلك مفاجآت عسكرية ستذهل «العدو الصهيوني»، مفاجآت القسام تزامنت عشية اسقاط حكم الاخوان في مصر، وكأنها جاءت كرسالة سريعة من قيادة حماس لتل أبيب أن اتفاقية التهدئة المعروفة لشعب فلسطين من اقصاه لأقصاه بـ»اتفاقية العار»، التي وقعتها لتعزيز مكانة الرئيس السابق مرسي عند الادارة الأمريكية، قد تصبح لاغية، تصريحات لا يمكن لها أن تكون في غير السياق الذي يبعث برسائل الى واشنطن وتل أبيب أن «وقف الأعمال العدائية – المقاومة سابقا – سيصبح لاغيا ما لم يعد مرسي ثانية..

    رسالة حماس عبر كتائبها العسكرية، تبدو وكأنها تجاوب عملي مع نداء الاخوان عبر القيادي البارز عصام الحداد بالاستنجاد بالولايات المتحدة كي تساند مرسي وتعيده للحكم، باي وسيلة ممكنة، مذكرا واشنطن بالخدمة الاستراتيجية التي قدمها لهم الحكم الاخواني على الجبهة الأمنية الاسرائيلية، ومدى الخسارة التي قد تحدث في حال خسارتهم حكم الاخوان في مصر..

    أن يفكر الاخوان بمصلحة الجماعة وحمايتها بكل طرقهم فتلك مسألة متروكة لشعب مصر بالتعامل معها، وقطعا سيجد السبل لذلك ليحافظ على عروبة مصر وروحها الوطنية كدولة قائدة في المنطقة بعيدا ان تكون جزءا من محور التدمير والتقسيم الأمريكي الجديد، أما أن تغامر حركة حماس باللعب بالنار فتلك مسألة لا يمكن السماح بها، بأن تستخدم قطاع غزة كساحة مناورة عسكرية كي تستقدم عدوانا اسرائيليا جديدا يرمي فيما يرمي لمنح جماعة الاخوان المسلمين في سبيل العودة للحكم باستغلال قضية فلسطين، ليست سوى مقامرة سياسة سيكون ثمنها غاليا، وقد تكون بداية النهاية لتحكم حماس القهري في قطاع غزة..

    دولة الاحتلال الاسرائيلي حريصة جدا على بقاء «سيطرة حماس» على قطاع غزة، بل وستعمل بكل السبل الممكنة لادامتها، فهي الهدية الثمينة لها في السنوات الأخيرة، ولكنها بالمقابل لن تقف متفرجة في حال قيام حماس باللعب العسكري معها، فحماس التي اعتبرت العمليات العسكرية ضد المحتل هي «أعمالا عدائية» قد ترى ووفقا لتعلميات مرشد الاخوان أن هذه الورقة تصبح لاغية، وتقوم بعملية عسكرية تستجلب عدوانا وحربا على قطاع غزة، لاحراج مصر الجديدة وللسماح للتنظيم الاخواني العام باستخدام فلسطين غطاء «مشروعا» ضد الحكم الجديد، خاصة وأن اي حرب اسرائيلية على غزة تشكل تعاطفا شعبيا مصريا وعربيا كبيرا.. لعبة يبدو أن بعضا مِن حماس يستعد لها وفقا لتطورات الوضع السياسي المصري..

    ولكن ما لا يجب ان يغيب عن ما يبحث عن التلاعب بالقضية الفلسطينية واهل قطاع غزة، لخدمة مشروع غير وطني فلسطيني سيدفع ثمنا يفوق كل التوقعات، فمن يعتقد ان صمت أهل قطاع غزة عن ممارسات القهر الحمساوية هو خوف من أن يرتكبوا حماقة كبرى، فالصمت الفعلي على الثورة ضد قهر حماس وارهابها وخطفها للقطاع بالقوة المسلحة، لا يعني صمتا ابديا وأي مقامرة تخرج عن اطار الوطنية الفلسطينية ستجد ردا وطنيا عاما، وقد يلحق أهل قطاع غزة بحماس ما لحق بحكم مرسي، ولن تحميها قواتها العسكرية من غضب شعبي فلسطيني..

    على قيادة حماس أن تسارع لقطع الطريق على فئة قد لا تعي ما هي مقدمة علية، ولا تعلم حقا ما ينتظرها من فعل شعبي فلسطيني، فالصبر على القهر نظرا لضعف البديل السياسي ووجود الأنموذج الذي يستحق التضحية، لا يقابله السماح لخطف فلسسطين من أجل خدمة جماعة تقامر هي بوطنها من أجل مصلحتها.. الفرصة بيد حركة حماس أن تبادر لتطويق روح المغامرة التي تعشعش في ذهن من اصيب بهستيريا اسقاط حكم الاخوان.. الحذر الحذر الحذر!

    ملاحظة: الغضب الاردوغاني على اسقاط حكم الاخوان في مصر، ليس حبا بمن يحكم ولكنه خوف على عودة الروح لمصر..فغيابها سمح له التمدد الاقليمي كما لم يحلم ابدا..غضبك سيطول يا رجل..راحت عليك!

    تنويه خاص: تقرير الشاباك الاسرائيلي عن انخفاض العمليات ضد المحتل في الضفة تعتبر «شهاد حسن سير وسلوك» للأجهزة الأمنية الفلسطينية..مبارك! عن موقع امد للاعلام.

    أوراق صهيونية
    هاشم عبدالعزيز-الخليج الاماراتية
    عشية وصول وزير الخارجية الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط لبدء جولته المكوكية وتحركاته الماراثونية التي دارت بين “تل أبيب” ورام الله والعاصمة الأردنية لإحياء المفاوضات الفلسطينية “الإسرائيلية”، استبق الكيان الصهيوني وصوله وبادر إلى استقباله بإعلان مشروعات استيطانية جديدة في جبل أبو غنيم بالقدس المحتلة .

    ومع أن هذا “الاستقبال الصهيوني” ليس الأول على هذا الشكل لساسة ودبلوماسيين أمريكيين يقدمون إلى المنطقة بهدف إحياء ما يسمى “العملية السلمية”، لكنه يكشف حقيقة التحرك الأمريكي المتناقض، باعتبار الاستيطان سياسة مقوّضة لهذه العملية التي لا يمكن أن تستقيم على ازدواج بين قاطرة الاستيطان الكاسحة لما تبقى من الأراضي الفلسطينية وبين تسويق الكلام الأمريكي عن أهمية كسر جمود الأوضاع لمواجهة هذه الأزمة المتداعية .

    لكنها ربما كانت المرة الأولى التي يثار فيها التساؤل: أليس لدى الولايات المتحدة أوراق ضغط على “إسرائيل” لحملها على عدم الاستمرار بهذه الصلافة الاستيطانية، وعلى الأقل في ظل التحرك الأمريكي تحت مظلة استعادة التسوية السلمية؟

    بالطبع كان هناك من ذهب إلى القول بالإجمال إن “إسرائيل” أصلاً هي ورقة أمريكية، لأن كيانها قائم على الدعم والحماية الأمريكية، هناك الدعم الاقتصادي والعسكري النوعي، وقائمة الأوراق الأمريكية كثيرة بالنظر إلى طبيعة العلاقة الأمريكية “الإسرائيلية” وهي فوق الاستراتيجية . أصحاب هذه النظرة يقولون إن الإدارة الأمريكية لا تستخدم أوراقها تجاه “إسرائيل” في شأن أزمة المنطقة، مع أن هذه الأزمة ذات تأثير في المصالح الأمريكية وعلى الأقل في صورتها وسمعتها المرتبطة بالسياسة الصهيونية التي تُكَرَّس ضد الشعب الفلسطيني بجرائم ضد الإنسانية .

    الأمر لا يعود فقط إلى فعالية اللوبي الصهيوني البالغ التأثير في مراكز القرار الأمريكي، بل لأن “إسرائيل” تمتلك أوراق لعب وتلاعب أهم من الأوراق الأمريكية في شأن سياستها، وأبرز هذه الأوراق راهناً الانقسام السياسي الفلسطيني الساقط على الأرض بين الضفة الغربية وبين قطاع غزة من جهة، والتفكك العربي بما آل إليه من حالة رمادية، وما آل إليه الوضع إثر رمي كامل البيض العربي في السلة الأمريكية بما كان من نتائج خادعة من جهة ثانية . “إسرائيل” تلعب وتتلاعب بما هي عليه الأوضاع الفلسطينية والعربية، فما الغرابة من استقبال “إسرائيل” وزير الخارجية الأمريكية جون كيري بوصفة جديدة من المشروعات الاستيطانية؟

    ومن هذه النقطة يمكن النظر إلى جولة كيري الأخيرة بمكوكيتها التي بدت ماراثونية، وفي مشاهد كاريكاتيرية تنقّل خلالها بين عمّان و”تل أبيب” مرات عديدة، وبين لقائه رئيس الوزراء “الإسرائيلي” ثم العودة إلى لقائه، ما أدى إلى رواج تفسيرات واحتمالات عديدة في البدء، وبعد عودته من لقاء عباس في عمان للقاء نتنياهو الذي كان قد التقاه قبل ساعات قليلة، قيل إن هذا يحتمل أن كيري حصل على موافقة فلسطينية من عباس بشأن العودة إلى المفاوضات، لكن، بعد عودته من “تل أبيب” إلى عمّان مرة ثانية كان هناك من فسر الأمر على أن كيري فشل في إقناع الفلسطينيين، وهو كذلك فشل في الحصول على تنازلات “إسرائيلية”، والأمر هكذا استمر حتى إعلان كيري عن أن لقاءاته مع الطرفين حققت تقدماً في تضييق الخلافات، وأن نجاح مهمته يحتاج إلى فرصة جديدة، ولهذا سيعود في جولة جديدة وفي فترة قصيرة .

    مراقبون رأوا أن جولة كيري الماراثونية والمكوكية لم “تنجح” ولم “تفشل”، وهذا يتطابق وتوجهاته القائمة على إطلاق “حركة من دون نتيجة جوهرية” .

    العودة إلى المفاوضات من دون شروط، هذه هي القضية التي تدور عليها الحركة الدبلوماسية الأمريكية الناشطة، وهي كما يشاع مفتوحة على مؤتمر رباعي يعقد قريباً ويضم الفلسطينيين و”الإسرائيليين” والأمريكيين والأردنيين وينعقد في العاصمة الأردنية . أحد لا يعلم حتى الآن هل تكون هذه القمة بنتائجها بديلة لخطة خريطة الطريق التي ماتت عند ولادتها بإجهاض “إسرائيلي” وتواطؤ أمريكي؟ أو أنها محاولة لقطع الطريق أمام الدعوات إلى مؤتمر دولي للسلام يعيد الاعتبار لمبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات الشرعية الدولية؟

    في أي حال، الزيارات الأمريكية محاولات لشراء الوقت الذي يخدم الاحتلال لا بوجوده، بل بسياسته وبالذات الاستيطانية، ومحاولة من جانب الإدارة الأمريكية لاستعادة زمام الأمور في شأن الترتيب الأمريكي للأوضاع الفلسطينية، وهو ما يرتبط بالاستفراد الأمريكي لا في شأن هذه الأزمة، بل والمنطقة منذ سنوات طويلة .

    في هذا الاتجاه أطلق وزير الخارجية الأمريكية ما صار يعرف ب”السلام الاقتصادي” الذي يقدم “إغراءات” للفلسطينيين في إحداث نقلة في حياتهم واقتصادهم ويدفعهم إلى التنازل عن القضايا السياسية . إغراءات كيري تبلغ أربعة مليارات دولار، وهو قدّم أرقاماً عن النتائج التي ستتحقق في فترة وجيزة تتداعى فيها البطالة إلى حد أدنى، ويرتفع دخل الفرد الفلسطيني مستويات كبيرة .

    كيري لم يتوقف عن ترديد قوله إن هذا لأجل الفلسطينيين، لكن حقيقة حصيلة هذا الاتجاه هي صفر، لأن كيري يكرر ما كان نتنياهو يحاول تسويقه في هذا الاتجاه، وقوبل فلسطينياً بالتمسك بالحل القائم على دولتين .

    بالطبع، الأمريكيون من خلال توجه “السلام الاقتصادي” لا يعيدون إنتاج ربط الاقتصاد الفلسطيني بالكيان الصهيوني الذي سيكون بإمكانه “الاستمرار في التحكّم بدورة الحياة اليومية للفلسطينيين” فقط، بل إنهم يرسمون ملامح وقواعد الوضع الفلسطيني المراد أمريكياً ترتيبه والتحكم بمجمل مجالاته .

    ما الذي ساعد على هذه “الشقلبة” الأمريكية للأولويات؟ أليست الأوضاع الفلسطينية والعربية؟
    حلم التغيير في لبنان: خمسون عاماً من السقوط
    مسعود ضاهر-السفير اللبنانية
    في مطلع القرن العشرين تساءل شكيب أرسلان: لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ وفي مطلع القرن الحادي والعشرين أُعيد طرح السؤال بطريقة أخرى: لماذا تقدّمت شعوب أميركا اللاتينية، ودول النمور الآسيوية، ودول أفريقية وتفرق شمل العرب حتى باتت جامعة الدول العربية مريضاً لا أمل بشفائه؟
    أبصرتُ النور سنة 1945، عام انتصار الاشتراكية على الفاشية والنازية. في العام 1949 انتصرت الثورة الشيوعية في الصين. فتقاربت في زمن ماوتسي تونغ مع زميلتها الروسية في زمن ستالين. لكن التفاهم بينهما لم يستمر طويلاً بعد وفاة ستالين وتراجع دور القيادة السوفياتية على المستوى العالمي في زمن خروتشيف وخلفائه. وسرعان ما دبّ الخلاف بين الدولتين الاشتراكيتين لدرجة العداء الشديد على المستوى الكوني. ودفعت الفيتنام والأحزاب الشيوعية في مختلف دول العالم ثمن ذلك الصراع غير المبرر إلا أنه صراع على مرتبة الزعيم الأوحد، ومعاقبة من يخالفه الرأي، داخل حزبه وفي الأحزاب الشيوعية الأخرى. فتأثرت حركات التحرر العربية والعالمية بذلك الصراع، وأجهض المدّ القومي العربي زمن الحقبة الناصرية بعد هزيمة 1967. وطرح سؤال مزدوج حول النكبة ومعنى النكبة مجدداً؟ وما العمل؟
    في تلك السنة اتجهتُ نحو خيار الاشتراكية العلمية والمبادئ الإنسانية المثالية التي تضمنتها. وبدأت أتعرف إلى كتابات ماركس وإنجلز ولينين وغرامشي وألتوسير ولوكاش وأراغون وناظم حكمت وفرج الله الحلو وعبد الخالق محجوب، وكثير غيرهم. وتولدت لديّ قناعة راسخة بأن الاشتراكية تهتم كثيراً بالديموقراطية، وحقوق الإنسان، والعلمانية، والتحرر القومي، محاربة الإمبريالية وكل أشكال الاستغلال، وتؤمن بالدور الطليعي لأحزاب الطبقة العاملة التي عليها أن تناضل لإيجاد حلول جذرية لمشكلات الفقر والبطالة والجهل ومحاربة المشروع الاستيطاني الصهيوني، ودعم ثورة الفيتنام وجميع الثورات التحررية في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

    خلال دراستي الأكاديمية في الجامعة اللبنانية، أتيحت لي الفرصة للمشاركة في نضالات الحركة الطلابية، ولاحقاً في تأسيس رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية. وتعرّفت في الجامعات الفرنسية إلى النضال الديموقراطي الحقيقي والذي لم يصل منه سوى القليل إلى لبنان. وعندما دخلت سلك التعليم في الجامعة اللبنانية، انصرفت لدراسة أعمال كبار النهضويين القوميين العرب من أمثال عبدالله العلايلي، وقسطنطين زريق، وعبد العزيز الدوري، وعملت على نشر دراسات علمية مسندة إلى مدرسة التاريخ الاجتماعي.
    بعد سنتين فقط على التدريس في الجامعة اللبنانية، انفجرت الحرب الأهلية العام 1975. فسرق منزلي في بداية تلك الحرب المشؤومة التي ما زلنا نعيش سلبياتها حتى الآن. شاركت بكثافة في نشاطات أكاديمية وثقافية متنوعة من خلال نشر الكتب، والمشاركة في المؤتمرات العلمية، ونشر المقالات الصحافية بكثافة في جريدة «السفير» منذ بداياتها الأولى. وساهمت بفاعلية ملحوظة، ومن موقع متقدم في اتحاد الكتاب اللبنانيين، واتحاد المؤرخين العرب، والجمعية العربية لعلم الاجتماع. وأتيحت لي الفرصة لزيارة اليابان والصين ودول كثيرة.

    كتبت عن تاريخ لبنان الحديث من زوايا متنوعة. ثم انتقلت إلى دراسة قضايا بارزة في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، وقارنت بين النهضة اليابانية والنهضة العربية، فتبين لي أن المقدمات كانت متشابهة لكن النتائج جاءت متباينة جداً.
    بعد أربعين عاماً من التدريس والبحث الأكاديمي، أتساءل اليوم مع كثير من الباحثين العرب: إذا كانت النهضة العربية الأولى قد فشلت لأسباب متنوّعة فلماذا استمر فشل النهضة العربية بالمقارنة مع نجاح شعوب آسيوية وأفريقية وأميركية لاتينية في ظروف مماثلة؟ فلدى الجانبين موضوعات متشابهة بعد أن انتقلت جميعها من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة بناء الدولة المستقلة. والمقارنة بين الدول العربية وتلك الدول الآسيوية في مرحلة ما بعد الاستعمار مفيدة للغاية، لأن تجارب تلك الدول تقدّم الدليل الملموس على نجاح بعضها في تجاوز سلبيات المرحلة الاستعمارية، وإقامة دول عصرية أثبتت قدرتها على مواجهة تحديات العولمة.

    لقد طرحت قوى التغيير الديموقراطي والليبرالي والعلماني في العالم العربي أسئلة مصيرية ذات صلة وثيقة برسم خارطة طريق عصرية للنهوض العربي الشامل في عصر العولمة. وأبرز تلك الأسئلة: لماذا فشل العرب في الوصول إلى الوحدة العربية، وفي بناء أنظمة ديموقراطية، وفي الدفاع عن القضية الفلسطينية؟ وكان لتلك الأسئلة حضور واسع في كتابات المتنوّرين اللبنانيين.

    فالنهضة العربية ما زالت تتعثر. وهل هناك خلل جيني في الذات العربية؟ أم أن المطلوب عدم الاكتفاء بمقولات جاهزة بل دراسة تلك المسألة المعقدة من جوانبها جميعاً؟
    تبنى قادة النظام السياسي اللبناني الصيغة الطائفية وحاربوا الأحزاب الوطنية غير الطائفية وحرموها من الترخيص بممارسة عملها الذي يضمنه الدستور اللبناني. وتبنّوا الديموقراطية التوافقية التي تلغي تعداد السكان حفاظاً على هشاشة التوازنات الديموغرافية المتبدلة باستمرار، وروّجوا لمقولة «لبنان ذو وجه عربي»، أي العروبة النفعية، وتغنوا بالمعجزة الاقتصادية اللبنانية التي لم تعمر طويلاً، وروّجوا لمقولة «لبنان سويسرا الشرق» شرط أن يكون محايداً في الصراع العربي - الصهيوني، على أن يتبنى مقولة «قوة لبنان في ضعفه»، أي أن لبنان تحميه صداقاته الدولية وليس شعبه أو جيشه المحروم من التسلح بأسلحة غربية حديثة.

    بيد أن الديموقراطية التوافقية لم تكن في الممارسة العملية سوى ديكتاتورية مقنعة. فسمحت لزعماء الطوائف في زمن السلم ولزعماء الميليشيات في زمن الحرب ورجال المال والأعمال والصفقات المشبوهة في جميع العهود أن يمارسوا كل أشكال الفساد الإداري والمالي، والصفقات غير المشروعة، واستغلال النفوذ، وتزوير الإرادة الشعبية في الانتخابات، وبدعة تعديل الدستور وتمديد الولاية التي اصبحت هدفاً سعى إليه عدد من رؤساء الجمهورية اللبنانية والمجالس النيابية. واستمر حكم الزعامات ذات الجذور العائلية القديمة في قيادة النظام السياسي اللبناني. وما زال اللبنانيون اسرى بورجوازية ريعية، تقوم على الخدمات والمضاربات العقارية والوساطة التجارية، وأدخلت لبنان في أزمات اقتصادية واجتماعية حادة.

    على جانب آخر، عايش جيلنا مرحلة انسداد أفق التغيير بعد هزيمة العام 1967 على المستوى العربي العام، وبعد انفجار الحرب الأهلية في لبنان مذذ العام 1975، بشكل خاص. فتضاءل دور قوى التغيير والأحزاب العلمانية والتيارات الليبرالية والديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني إلى الحدود الدنيا. ويعود سبب انسداد أفق التغيير السياسي إلى احتفاظ الدولة اللبنانية بعد الاستقلال بكثير من بناها التقليدية السابقة، خاصة الطائفية والعائلية. واكتفت غالبية المثقفين اللبنانيين باستيراد مقولات ثقافية عصرية لزرعها في تربة غير صالحة لنموّها وتطوّرها، والعمل على التصالح مع الطائفية بصفتها مكوناً أساسياً للمجتمع اللبناني، ما ساعد على تفاقم أزمة لبنان التي وصلت إلى الانفجار المدمر للدولة بعد أن أوغلت قوى التسلط والاستبداد في قمع الحريات، وتهجير أفضل النخب العلمية والثقافية والفنية اللبنانية إلى الخارج.

    بعد اتفاق الطائف، تشكلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة من تحالف أرباب المال والأعمال وأمراء الحرب، وباتت الثقافة السياسية السائدة هي «ثقافة الفساد والإفساد» وفق توصيف الرئيس سليم الحص. وإلى جانب عامل الوراثة السياسية للزعامة الطائفية، يستخدم زعماء السياسة أساليب الاستزلام، والتحريض الطائفي والمذهبي والرشوة والمال الانتخابي كأدوات معتمدة في العمل السياسي في لبنان.

    شارك بعض مثقفي التغيير في الحكومات اللبنانية تحت ذريعة الإصلاح من الداخل، أو «تجسير الفجوة بين المثقف والسلطة». فخرجوا بمرارة كبيرة أو أجبروا على الاستقالة من الوزارة لأن اصحاب القرار السياسي يرفضون أي مثقف يخالف أعرافهم في الحفاظ على التوازنات الطائفية. وابتدع زعماء الطوائف أساليب متعددة لاستقطاب أفضل النخب الثقافية في لبنان، ممن حملوا شعارات الإصلاح والتغيير ومحاربة الفساد وبناء دولة القانون والمؤسسات. وكان من الطبيعي أن يتخلى قادة النظام عن أي مثقف يريد التغيير والإصلاح ، وأن يحاصروه لدرجة يصبح معها بقاؤه في الحكم أمراً مستحيلاً لاعتبارات إنسانية ومهنية وأخلاقية.

    ليست المشكلة إذن في ممارسة الديموقراطية بل في غياب الديموقراطيين في لبنان، على مستوى أحزاب السلطة من زعماء الطوائف في النظام السياسي اللبناني وعلى مستوى الأحزاب العقائدية والقومية والليبرلية والديموقراطية. ويحرص قادة النظام الطائفي على تعطيل الديموقراطية السليمة من خلال تقييدها بالميثاق الوطني، ومقدمة دستور الطائف، والعيش المشترك، ومراعاة حصص زعماء الطوائف معاً. وكان الغرب نفسه وراء المأزق الذي تعيشه الديموقراطية في لبنان وسائر الدول العربية المنتفضة، لأنه ما انفك يساند قوى سلطوية أو أحزاباً علمانية تمارس الحد الأدنى من الديموقراطية في صفوفها.

    يكمن مأزق قوى الديموقراطية والتغيير في لبنان بغياب الممارسة الديموقراطية لقوى السلطة وأحزاب المعارضة معاً. ومن نافل القول إن ممارسة الديموقراطية السليمة مكون أساسي في بناء الثقافة الشعبية التي تفضي إلى قيام النظام الديموقراطي. كان الخاسر الأساسي من تغييب الديموقراطية هو الإنسان اللبناني الذي ما زال يحلم في الانتقال من مرتبة الرعايا إلى رحاب المواطنة.

    لقد أكد سلوك زعماء الطوائف في لبنان بالدليل القاطع على تنكرهم لأي مثقف يخالف مزاج الزعيم أو يهدد مصالحهم ضمن التركيبة الطائفية. وهم لا يشجعون المثقفين اللبنانيين من دعاة التغيير الجذري غير الطائفي على دخول العمل السياسي. ولديهم تخمة من مثقفي السلطة المتلهّفين للحصول على رتبة وزير بعد طأطأة الرأس أمام زعيم سياسي.

    لبنان اليوم بحاجة إلى نظام سياسي من نوع جديد. الانتقال بلبنان من مرحلة الديموقراطية التوافقية إلى ديموقراطية سليمة تقوم على الوحدة الوطنية غير الطائفية التي تجمع اللبنانيين وتحصن استقلال لبنان وسيادته.
    أيها الأردنيون افتحوا عيونكم جيداً !
    صالح القلاب/الرأي الأردنية
    الفضل في هذه الخطوة الجبارة التي أنقذت مصر من حرب أهلية مدمرة كانت تطلُّ برأسها من كل الأبواب والنوافذ أولاً لشعب مصر العظيم الذي أثبت أنه لا يقبل الضيم ولا يصبر على القهر والإنحراف وثانياً للجيش المصري المقدام الذي يتصف بوطنية مميزة والذي بقي حارساً أميناً لحدود بلده على مدى حقب التاريخ المعاصرة ومجسداً لطموحات شعبه ولم تتلطخ أيدي منتسبيه من جنود وضباط ولا في أي يوم من الأيام بدماء أبناء هذا الشعب.

    كانت مصر قبل مساء الأربعاء الماضي في الرابع من هذا الشهر ذاهبة إلى الفوضى والإقتتال الداخلي والحرب الأهلية فالذين إختطفوا الحكم في لحظة مريضة تعثرت فيها الرؤية الصحيحة وتراجعت خلالها الإختيارات الدقيقة بادروا ومنذ البدايات إلى تبني تجارب كل الأحزاب والقوى الشمولية التي أفرزت أنظمة إحتكارية وإستبدادية وإلى إتباع كل الوسائل والأساليب الملتوية لإحتكار السلطة والتعامل مع الديموقراطية على أنها مجرد طريق واحد في إتجاه واحد لا يسلكه غيرهم.

    «الضرورات تبيح المحظورات» ويقيناً لو أن القوات المسلحة المصرية بضباطها الأشاوس وجنودها الأبطال لم تتدخل في اللحظة المناسبة لتُصحِّح الأمور ولتعدِّل المسار لأصبحت مصر تسبح الآن في الدماء حتى عنقها ولكان الشعب المصري المعروف بطيبته وتسامحه وطول «باله» وبصبره وكرهه للعنف والإقتتال يُذبِّح بعضه بعضاً فالأوضاع الإقتصادية والسياسية أيضاً بعد عام واحد فقط من حكم الإخوان المسلمين غدت متردية كما لم تكن عليه في أي يوم من الأيام وأرض الكنانة خلال هذا العام أصبحت غير أرض وادي النيل السابقة الهادئة كهدوء ماء هذا النهر الذي إنْ هو فاض فإنه لا يبقي ولا يذر ويدمِّر كل شيء.
    ولعل ما يؤكد أن مصر ،في ضوء تجربة عام من حكم الإخوان المسلمين، كانت ذاهبة إلى إستبدادٍ بدائي وقمع كقمع العصور الوسطى وأشد باسم الدين ،والدين الإسلامي العظيم من كل هذا بريء براءة الذئب من دم إبن يعقوب، أنَّ أحد خطباء ميدان رابعة العدوية في القاهرة الذي خصصه هؤلاء لاستعراضاتهم التهديدية قد ادعى على شاشات عشرات المحطات الفضائية أنَّ جبريل عليه السلام قد هبط على هذا الميدان وأنه وعد هذه الجماعة بالنصر المؤزر المبين وهذا يعني أنه لو لم يتدخل الجيش المصري ويعيد الثورة المصرية إلى إتجاهها قبل وبعد إطاحة نظام حسني مبارك لذهبت مصر فعلاً إلى إستبداد بإسم الدين كالإستبداد الذي عاشته أوروبا قبل ثورتها الرأسمالية وقبل ثورتها الفرنسية.. ولعل ما يعزز هذا أن مراقب «إخواننا» هنا في الأردن الدكتور همام سعيد لم يرفَّ له جفن عندما قال في رسالته الداخلية التي وجهها إلى إخوانه :»إنَّ مرسي قد نجح في الإمتحان فعاش المصريون معه أياماً ذكَّرتهم بالخليفة عمر بن عبد العزيز فهو زاهد كزهده وعفيف كعفته وعابد كعبادته»!!.

    نحن نعرف والمصريون يعرفون أنَّ «إخوان» مصر كانوا يعتبرون أن الرئيس المخلوع رئيساً لهم أكثر منه رئيساً للشعب المصري لكن أن يقول الدكتور همام سعيد لا فُضَّ فوه :»وما مرسي إلاَّ واحد من هذا الارتقاء في سلم الصعود الإيماني والسياسي والإسلامي ويكفيه فخراً أنه ولأول مرة تجمع الأمة (...أيُّ أمة؟) بجميع فئاتها على «إمامة»! هذا الرئيس» فإن هذا يعني أن الإخوان المسلمين لا يعتبرون هذا الرجل رئيساً لمصر بل إمام لهم وللأمة الإسلامية كلها!.. ثم وربما أن مراقب «إخواننا» لا يعرف أن المصريين لم يجمعوا على «إمامة» محمد مرسي هذه ولا على رئاسته وأنَّ الفرق بين فوزه وإخفاق الفريق أحمد شفيق كان ضئيلاً جداً وذلك إلى حدِّ أن البعض قد اعتبر أنَّ الفائز فعلاً هو هذا الأخير لولا التدخل الأميركي في اللحظات الأخيرة الحاسمة.. في كل الأحوال إنَّ هذا يجب أن يدفع الأردنيين إلى أن يفتحوا عيونهم جيداً وأن يدركوا كم أنَّ مستقبل أجيالهم ومستقبل بلدهم سيكون مهدداً لو أن هؤلاء تتهيأ لهم لحظة تاريخية ليفعلوا ما فعله إخوانهم في مصر وذلك ما دام أنهم يفكرون بهذه الطريقة ولديهم كل هذه القناعات البالية!.

    معادلة «رابعة العدوية» : الجماعة مقابل الجميع
    عريب الرنتاوي-الدستور الأردنية
    لم يترك المرشد العام محمد بديع في خطابه في ساحة رابعة العدوية في القاهرة، مكاناً للتسويات والمصالحات ... فقد قطع “شعرة معاوية” ودفع المواجهة بين الإخوان وخصومهم، إلى “حافة الهاوية”، أو بالأحرى، نقطة اللاعودة، وهو بعد أن أمر أنصار الجماعة ونشطاءها البقاء في الميادين حتى عودة الرئيس مرسي إلى القصر الجمهوري محمولاً على الأعناق، رسم لنفسه وجماعته، هدفاً لا يمكن تحقيقه إلا بتكسير إرادة ( ورؤوس) غالبية المصريين ومؤسستهم العسكرية والأمنية ... وأحسب أن هذا ليس من السياسة ولا من الحكمة في شيء، ولقد دفع المصريون عشرات القتلى ومئات الجرحى، كعربون أول من الثمن الذي سيتعين عليهم دفعه، بعد دعوات “الشهادة” و”بذل الأرواح والدماء”، التي صاحبت استحضار بعض الأكفان إلى ميادين التظاهر “السلمي”؟!

    دفع المرشد المواجهة إلى ذروة “المفاصلة” بين الجماعة وحلفائها من الإسلاميين وحدهم، في مواجهة بقية أطياف المجتمع المصري ومكوناته، فضلاً عن مؤسسات الدولة من عسكرية وأمنية وقضائية وإعلامية ومدنية ... جعل من جماعته بؤرة استقطاب من لون واحد فقط، فيما بقية الأولوان والأطياف، تصطف على المقلب الآخر من المعادلة المصرية ... وأحسب أن عاقلاً ما كان يرتضي للإخوان (أو يرتضون لأنفسهم) مثل هذا التصنيف والفرز: الجماعة في مواجهة الجميع.

    ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد صدر “أمر العمليات” لكافة فروع الإخوان وتنظيماتهم خارج مصر، للانتصار إلى الجماعة الأم في مهد الجماعة ووطنها الأول ... فرأينا التظاهرات والاعتصامات ووسائل الإعلام المحسوبة عليها، تصدع بما تؤمر ... من أنقرة وإسطنبول وانتهاء بعمان وغزة، مروراً بكابول وتونس والرباط وغيرها من ساحات العمل الإخواني وميادينه، فأية رسالة يُراد إيصالها؟ ولمن؟

    لن يكون لمصر جيش وطني إن عاد محمد مرسي إلى القصر الجمهوري رغم انف المؤسسة العسكرية... ولن تحتفظ مصر بأقباطها ولن يشعروا بمصريتهم إن عاد الرئيس المعزول لموقعه بعد الحملة الخارجة عن المألوف التي شنّها الرئيس الإخواني على رمزهم ورئيس كنيستهم ... وستهبط مكانة الأزهر ومفتيه الأكبر إلى مستوى جامع بلال بن رباح وشيخه الطريد أحمد الأسير، إن تم لمرسي وإخوانه ما أرادوا وتعاهدوا عليه أمس الأول، في ميدان رابعة العدوية ... وسنقرأ على التعددية والديمقراطية السلام، إن تم تكسير إرادة كل هذه الملايين التي خرجت في مختلف الميادين والساحات منذ قبل وأثناء وبعد الثلاثين من يونيو ... باختصار لقد وضع المرشد المصريين أمام معادلة إما نحن أو أنتم.

    لقد قال في وصف حشد رابعة العدوية بأنه يمثل مصر بكل أطيافها، وأتحدى أن تجد مصرياً واحداً من خارج الحزب والجماعة والجماعة الإسلامية وبعض تيارات السلفية الحليفة للإخوان، انبرى خلال الأسابيع القليلة الفائتة، للدفاع عن الإخوان والرئيس ... إذ حتى الذين أخذوا على الجيش خطواته، من خارج الصف الإخواني– السلفي، لم نجد منهم، من يثمن أو يشيد بتجربة الإخوان في الحكم، وتحديداً رئيسهم المنتخب ... هي إذن، ومرة أخرى، معادلة الجماعة في مواجهة الجميع.

    في المقابل، وبعد كل التأكيدات والهتافات والأيمان الغلاظ التي قطعها المرشد على نفسه وجماعته أمام الجموع المحتشدة في رابعة العدوية، لن يبقى من الإخوان سوى “بقايا صور” إن هم تراجعوا عن موقفهم، وجنحوا للتسويات والصفقات في إطار خريطة الطريق التي بدأت تنفذ في “مصر ما بعد مرسي” ... وأحسب أن قائمة للإخوان لن تقوم، إن هم عادوا إلى منازلهم، وشرعوا في تلبية دعوات الحوار والمشاركة والمحاصصة والنسب المئوية والتمثيل ... مثل هذا الأمر، سيكون ضربة قاصمة لسمعة الإخوان وهيبتهم وصدقيتهم ومستقبلهم.

    لكأننا إذن، إمام قرار “انتحار جماعي”، يتخذه المرشد العام في لحظة غضب وانفعال شديدين ... كنا سنفهم الغضب ونقدر الانفعال، لولا أن الرجل قد قيّد نفسه وجماعته بهدف كرره عشرات المرات: الرئيس خط أحمر، وكل ما دونه قابل للتفاوض والحوار والمساومة ... وستكون لهذا القرار تداعيات على أمن مصر واستقرارها وسلمها الأهلي، يصعب التكهن بها، وما حصل في الساعات العشر التي أعقبت الخطاب، هزّ مصر، ورسم ملامح السيناريوات السوداء التي قد تنتظرها.
    قد يراهن البعض على “إصلاحية” الإخوان و”براغماتيتهم”، وهم أصحاب تاريخ طويل في التنقل بين الخنادق والتحالفات والمحاور المتناقضة (نميري في السودان، والمجلس العسكري في مصر، والولايات المتحدة في زمني الحرب الباردة واليوم، ومعهم في مجلسهم الانتقالي في العراق، ومع الشيوعيين والبعثيين والقوميين والحكومات العرفية) ... بيد أن طبيعة المعركة التي يخوضونها اليوم، تبدو من وجهة نظرهم، معركة حياة أو موت، ليس على مستوى مصر فحسب، بل وعلى مستوى المنطقة برمتها كذلك، ما يقلل من هوامش “البراغماتية” و”المناورة” خصوصاً بعد أن دفع خطباء رابعة العدوية، وعلى رأسهم المرشد، الصراع مع “الآخر” إلى مستوى “وجودي” غير مسبوق.

    خسر الإخوان الحكم في مصر، ما يؤذن بخسارات متلاحقة لهم في الحكم والمعارضة في غير دولة ومجتمع في الإقليم ... بيد أن ردهم على خسارة الحكم، من حيث طبيعته وانفعالاته وشعاراته، قد يلحق بهم خسارات أكبر وأفدح على مستوى الشارع وعلاقاتهم ببقية المكونات السياسية والاجتماعية ... ولقد كان يتعين على الإخوان، أن يتبصرا في خياراتهم، السيئة جميعها من دون ريب، لولوج الطريق الأقل سوءاً وضرراً منها، لكنهم لم يفعلوا، فكان الربيع العربي الذي اصطبغ بألوانهم الخضراء، وبالاً عليهم، بعد أن أخذهم على جناحيه، إلى علياء الحكم والسلطة أو على مقربةٍ منهما، ولمدة عام واحد فقط.

    «الإخوان»: نحن أو الحرب الأهلية
    عبدالله إسكندر- الحياة اللندنية
    جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، هل تدفع في اتجاه مواجهة شاملة في سبيل تحقيق شعار مرشدها العام محمد بديع بأن الدماء ستبذل من أجل عودتها إلى السلطة؟ المؤشرات السياسية والميدانية تؤكد الشكوك بأن الجماعة لن تترد في خيار «عليَّ وعلى أعدائي»، بعدما انتزعت منها السلطة عنوة. وهي التي تعمل منذ تشكيلها قبل زهاء نحو قرن، من أجل هذا الهدف، واستخدمت كل الأساليب الممكنة من أجل ذلك، مع ما انبثق عنها من تنظيمات وجماعات العنف الإسلامي التي تحالفت مع «الإخوان» فور توافر الظروف، خصوصاً بعد وصول «إخواني» إلى الرئاسة.

    لقد أطلقت الدعاية «الإخوانية»، مع حلفائها الذين تخلوا علناً عن فرض توجههم السياسي بقوة السلاح قبل فترة قصيرة فحسب، وبعدما قتلوا ونهبوا لسنوات طويلة في مصر وخارجها، أكبر عملية نفاق سياسي، عبر الادعاء بالدفاع عن الديموقراطية والتعددية. أين كان كل هذا الكلام عندما كان مرسي في قصر الاتحادية رافضاً، مع مكتب الإرشاد والمرشد لجماعته، سماع أي صوت مصري يطالب بإعادة صوغ المرحلة الانتقالية على نحو يشترك فيه الجميع؟ أين كان صوت العقل عندما أقدم «الإخوان» على كل ما هو غير عقلاني من أجل توطيد حكمهم، ومنع احتمالات تداول السلطة.

    تأمل الجماعة أن ينطلي هذا النفاق على الغرب الذي يعتبر، لأسباب ثقافية، أن صناديق الاقتراع هي التي تحدد من يحكم. لذلك تلعب الجماعة على هذه المسألة من أجل استدرار الرفض الغربي للمرحلة الانتقالية الحالية كونها وليد «انقلاب عسكري». وكما التبست الأمور يوماً في الجزائر، عندما اعتبرت جبهة الإنقاذ الإسلامية أن التنديد الغربي بإلغاء نتائج الانتخابات النيابية التي فازت فيها بالغالبية جواز مرور لمواجهة النظام بالسلاح، تلتبس الأمور مجدداً في مصر على نحو قد يشجع الجماعة على خوض غمار مغامرة مماثلة، وإن تكن أقل دموية حتى الآن من نظيرتها الجزائرية.

    ويدرك «الإخوان»، بفعل التجربة، أن كثيراً من المعارك السياسية تكسب عبر الهيئات والمنظمات الحقوقية في العالم التي ترصد انتهاكات حقوق الإنسان. وأفضل وسيلة لتحويل «الإخوان» إلى ضحية تتعاطف معها هذه الجمعيات، هي الدفع من أجل إظهار سلطة المرحلة الانتقالية، ومعها المؤسسة العسكرية، كمن يرتكب إساءات إلى هذه الحقوق، من حملات اعتقال تعسفي أو جماعي أو إطلاق نار على متظاهرين. وهذا ما تشهده مصر حالياً بفعل التحريض من قادة الجماعة، كما حصل بعد خطاب بديع أمام متظاهري رابعة العدوية.

    وإذا كان هناك من خدمة يؤديها الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، لمصر وشعبها ومستقبلها وللاستقرار فيها، فهي الامتناع عن ملاقاة الدعاية «الإخوانية» في منتصف الطريق، إذ إن الديموقراطية في وجهها «الإخواني» حالياً باتت الاستحواذ مجدداً على السلطة أو بدء العصيان المسلح، كما نرى إرهاصاته في شوارع المدن المصرية أو في العمليات الإرهابية العلنية ضد رموز الدولة المصرية في سيناء، والتي ينفذها مؤيدو «الإخوان» وحلفاؤهم وربما أعضاء في الجماعة.

    وفي هذا التصعيد أيضاً تهديد للداخل في مصر التي ينحو شعبها تاريخياً نحو السلم والاستقرار والكاره لسفك الدماء، ولم يعرف العنف والإرهاب على نطاق واسع إلا على أيدي الإسلاميين. ويتضمن توسيع دائرة التهديد استهداف أعز ما لدى المصريين، أي السلم الأهلي، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد لإمكان استعادة الدورة الاقتصادية الطبيعية وتحسين ظروف العيش.

    هكذا تندرج أعمال العنف التي يرتكبها «الإخوان» وحلفاؤهم ضمن استراتيجية جديدة تهدف إلى وضع البلاد أمام خياري: نحن أو الحرب الأهلية.

    يد الله مع الشعب وليست مع «الجماعة»
    حبيب فياض- السفير اللبنانية
    «الاخوان المسلمون» في مصر من سدة السلطة الى الهاوية. الامر لم يكن مفاجئا، بل عكس ذروة الفشل في سياق مسار مأزوم ارتضته الجماعة لنفسها منذ اللحظة الاولى للإمساك بمقاليد الحكم. ومهما تكن مترتبات هذا السقوط على الواقع السياسي والاجتماعي المصري، فان المسألة الاساسية في كل ما حصل سترخي بظلالها اولا على العلاقة بين الاسلام والسلطة في اكثر من مكان. ذلك ان تجربة «الاخوان» في السلطة ستقفل الباب نهائيا امام عودة الاسلاميين اليها عبر صناديق الاقتراع، خاصة في بلاد الربيع العربي. ومع ان الاسلام السياسي بما هو تعاليم نظرية ليس هو المسؤول عن إخفاق أتباعه في الحكم، فان «ابداعات» هؤلاء التي اتحفوا بها الجماهير انتجت اعتقادا راسخا لدى شرائح واسعة من الناس بأن الحكم باسم الأرض، أكثر رحمة وأفضل بمرات من الحكم باسم السماء.
    وبعيدا عن نقض العهود والمواثيق التي شكلت سمة في أداء الاخوانيين في مصر، وبمعزل من تهافت افكارهم واقتصار برامجهم على شعارات ممجوجة مع فراغ في الرؤية وتخبط في الأداء، فإن الاخطر من كل ذلك هو استخفافهم بإرادة الناس وتموضعهم على طرف نقيض مع غالبية الشارع. واذا كان الشعب هو من يعطي الشرعية لأية سلطة وبالتالي يستطيع نزعها عنها، فان مبرر تمسك هؤلاء بالسلطة، في ظل اعتراض الغالبية العظمى من المصريين على بقائهم فيها، يعود الى «شرعية» دينية تتيح الحكم على قاعدة التكليف والحكم بما أنزل الله بمعزل عن أكثرية وأقلية. وهي «شرعية» غالبا ما يتمسك بها الاسلاميون عندما يفقدون تأييد الجماهير وفي كل مرة يتعرض فيها حكمهم للخطر.
    على هذا، فان ذهاب الامور في مصر لن يقف عند حد ما حصل. ليست المسألة مجرد خارطة طريق وضعها الجيش المصري لاطاحة الرئيس وملء الفراغ من بعده. ذلك ان إخراج «الاخوان» من السلطة وتعرض رموزهم للاعتقال، سيعيدهم الى صفوف المعارضة، والتحول من الاعتدال الى التطرف، وهم ما زالوا أكثرية منفردة، مع كونهم أقلية مقابل تحالف الخصوم. ما يعني ان وجود مرسي في السلطة أنتج مشكلة، في حين ان خلعه منها سينتج أزمة مفتوحة. الازمة هذه قد لا تقتصر تجلياتها على الانقسام السياسي والمجتمعي، بل من المرجح ان تفتح الساحة المصرية على اضطرابات وعدم استقرار وصولا الى مواجهات دامية على الطريقة الجزائرية في التسعينيات.
    هذا ومن المتوقع ان يرخي الحدث المصري بظلاله على المشهد الاقليمي بملفاته الساخنة. ماذا عن الانقسام الخليجي حول إطاحة الجيش السلطة؟ ماذا عن الدور التركي الذي أمسك منذ البداية بيد جماعة «الاخوان» ورسم لها خارطة طريق اقليمية؟ ثم ماذا عن علاقة مصر ما بعد «الاخوان» بايران و«حماس» والموقف من اسرائيل والقضية الفلسطينية؟ وهل سيكون لذلك كله تأثير على مسار الازمة السورية؟
    كل الامور قابلة للتبدل على ضوء المستجدات المصرية. الثابت الوحيد في خضم ما حصل، ان الاسلام السياسي ازداد تراجعا وتشوها. فما ابشع ان يضع جماعة «الاخوان» انفسهم خلال عام على الخط نفسه الذي تموضع فيه حسني مبارك على مدى ثلاثين سنة. وما اصعب ان يضع أصحاب اعرق حركة اسلامية، وهي تحمل ميراث قرن من الفكر والتجربة، وجودهم هدفا لثورة شعبية مستكملة بدأت بنظام فاسد ومستبد وانتهت بهم. وكم هو مؤلم ان يتخلى معظم الشعب عن خيارات الاسلاميين!
    يد الله مع الشعب... لا مع «الجماعة»!
    العلمانيون وسقوط الأقنعة
    مبارك فهد الدويله-القبس الكويتية
    رغم ان الاوضاع في مصر ما زالت قاتمة، والصورة فيها غير واضحة، فإن احداث الايام الثلاثة الماضية كانت كفيلة بتثبيت بعض الحقائق الدامغة، التي لا تحتاج الى مزيد من الاثبات ونوجزها بما يلي:
    - الجيش يقوم بخلع الرئيس المنتخب انتخابا حرا وفقا للدستور في انقلاب عسكري نتج عنه منعه من ممارسته لسلطاته الدستورية.
    - الجيش في بيانه الانقلابي يعين رئيس المحكمة الدستورية رئيسا مؤقتا للبلاد بدلا من الرئيس المنتخب، ثم يتبين ان المحكمة الدستورية ليس لها رئيس، فيتم تعيين نائب الرئيس الذي يقسم اولا كرئيس للمحكمة ثم يذهب ليقسم كرئيس للدولة!

    الغريب ان الرئيس الجديد قال في قسمه انه يحترم الدستور (..!!) ثم يتبين ان الدستور الذي اقسم تواً على احترامه دستور معطل بنص القرار، الذي عينه رئيساً للدولة! لذلك لم يتردد السيد أحمد السعدون من التصريح بان قسم هذا الرئيس باطل!

    - في بيان الانقلاب صرح وزير الدفاع، رئيس الانقلاب العسكري، انه لن يتم اقصاء احد من المشهد السياسي المقبل، وان الجميع مدعوون للمشاركة في الانتخابات المقبلة، بمن فيهم الاخوان المسلمون! ولكن ما الذي حدث بعد ذلك؟!

    بعد تلاوة البيان الانقلابي بدقيقة واحدة تدخل قوات الجيش والشرطة مبنى عدد من القنوات الفضائية المحسوبة على التيار الاسلامي وتغلقها، وتقبض على عدد من العاملين فيها! ثم ماذا؟! ثم يتم الاعلان عن القبض على عدد من القيادات الاسلامية ومطاردة آخرين! ويقوم النائب العام العائد للسلطة باصدار عدد من القرارات قبل مغادرته لمكتبه، معتذراً عن المنصب، واهم هذه القرارات احالة الرئيس محمد مرسي الى النيابة بتهمة اهانة القضاء، واحالة المرشد العام ونائبه الى النيابة بتهمة قتل المتظاهرين في المقطم، (طبعا يقصد الثوار الذين ذهبوا الى اطراف القاهرة، حيث المقر الرئيسي لجماعة الاخوان المسلمين، حاملين معهم المولوتوف والخرطوش، والذين أحرقوا المقر ونهبوا ما فيه بعد ان قتلوا ستة من الاخوان المتواجدين هناك لحراسته، لذلك النائب العام لم يوجه التهمة لقيادات جبهة الخراب لتحريض المتظاهرين على التدمير والحرق والنهب والقتل، بل ازعجه وقض مضجعه ان احد هؤلاء قد قُتل)!

    - اثناء حكم الرئيس مرسي لم تغلق أي صحيفة، وكان الرئيس يُشتم صباحا ومساء من سبع عشرة قناة فضائية من بعض القنوات الممولة من اموال بعض الخليجيين، ولم يحل احدا الى النيابة، وان تم ذلك، فانه يخرج مباشرة وبكفالة مالية من احد القضاة الذين تمتلئ بهم محاكم المحروسة!

    - اثناء حكم الرئيس مرسي لم يُسجن أي من خصومه السياسيين بسبب موقفه السياسي، بينما مع اول ساعة من الانقلاب العسكري يصبح عشرات القياديين في الحزب الذي فاز بالانتخابات مطلوبين للعدالة!بتهم ملفقة ومعلبة.

    - أغرب ما سمعت ان الرئيس مرسي يتهم بأنه فشل في حل مشاكل مصر في اول سنة، بينما يطالب البعض الآن باعطاء الحكومة الانتقالية فترة من سنتين الى ثلاث سنوات كي تتمكن من الاعداد لانتخابات برلمانية!

    - يتحجج المؤيدون للانقلاب العسكري بان خروج الشعب المصري بهذه الاعداد كاف لاعطاء شرعية للاطاحة به كما فعل مع نظام حسني مبارك! والحقيقة ان هذا الكلام صحيح لو كان مرسي قد جاء للحكم كما جاء مبارك، ولكن عندما يتم انتخاب رئيس للدولة انتخابا حرا ونزيها من قبل اغلبية الشعب، الذي ذهب للادلاء بصوته، فان اقالته لا تتم الا بالطريقة نفسها! وهنا نتذكر ما قاله الرئيس مرسي في خطابه ان المعارضين ما دام ان لديهم اغلبية شعبية، فلينتظروا حتى تتم انتخابات البرلمان، والمتوقع لها اكتوبر المقبل، وان حصلوا على ثلثي الاصوات فبامكانهم وفقا للدستور ان يخلعوا الرئيس فورا!

    - تم تعطيل الدستور الجديد! وهو الدستور الذي تم الاستفتاء عليه شعبياً وتمت اجازته باغلبية ساحقة ممن ادلى بصوته، ثم يأتي العسكر ليعطلوه بقرار انقلابي!

    الخلاصة.....
    المخجل ان التيار الليبرالي والعلماني في الكويت والخليج بارك الانقلاب! وأيده منذ اللحظة الاولى، وبارك تعطيل الدستور واغلاق الصحف وتقييد الحريات وملاحقة الخصوم السياسيين، ولقد اطلعت على كتابات كبارهم وتعليقاتهم، ولم استغرب فرحتهم وتهليلهم للانقلاب على مرسي، ولكن كنت أتمنى لو انني سمعت تحفظهم على تقييد الحريات الصحفية واقصاء الخصوم السياسيين، وهي المبادئ التي تقوم عليها فلسفة فكرهم وايديولوجيتهم، ان كان ما زالت لديهم بقية من الايديولوجية المعتبرة!

    اقول للرفقاء هؤلاء، لا تستعجلوا قطف الثمرة، فقد فقدتم مصداقيتكم عند اتباعكم وعند الناس، وهذه النتيجة الاهم من نجاح انقلابكم او فشله!
    نحو مصالحة وطنية جديدة في تونس
    توفيق المديني- الشرق القطرية
    في البلدان التي مرت بمرحلة الانتقال الديمقراطي، وتحقيق العدالة الانتقالية، عادة ما تتوج هذه المرحلة بمصالحة وطنية، تشكل التجاوز التاريخي لحجم الجرائم المرتكبة في هذا البلد العربي أو ذلك. أما في واقع تونس، فإن المصالحة الوطنية لا تزال مطروحة بقوة في ظروف الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد، والتي تستوجب الانتهاء من هذه المرحلة الانتقالية من البناء الديمقراطي المؤسساتي. بيد أن حجم الجرائم المرتكبة في ظل النظام السابق، وعدم إنجاز أهداف الثورة التونسية، لاسيَّما إنجاز دستور ديمقراطي توافقي، وتحقيق العدالة الانتقالية، باتا يشكلان تحديا كبيرا أمام المصالحة الكاملة مع الذات في تونس. من هنا نرى أن تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية في تونس تحتاج إلى توافر عدد من الشروط، أهمها:

    1- إن المصالحة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا بين طرفين أساسيين هما السلطة القائمة حالياً من جهة والمعارضة ومختلف مكونات المجتمع المدني، وبقايا النظام السابق، من جهة أخرى. وتقتضي تحقيق هذه المصالحة تشكيل لجنة البحث عن الحقيقة متكونة من رجال قانونيين مسؤولين يرشحهم مكونات المجتمع المدني في تونس، إضافة إلى شخصيات من الترويكا الحاكمة التي تتمتع بالنزاهة والاستقامة ومن أنصار بناء دولة الحق والقانون.وعندما يلجأ المجتمع التونسي إلى المصالحة الوطنية، فإنه يريد طي صفحة الماضي الذي أنتج مآسي للجميع من قبل النظام السابق، والتي تمثلت في الاغتيالات السياسية، وعمليات التعذيب للمناضلين السياسيين في مراكز الأجهزة الأمنية والسجون، وعمليات الخطف والتعدي على الكرامة الإنسانية، والانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان.

    فالبدء بصفحة جديدة في المجتمع التونسي يجب أن يشارك فيها الجميع في عمليّة البناء. فقد عرفت تونس خمسة عقود من الصراعات السياسية والاجتماعية العنيفة، ووقعت عدة انتفاضات شعبية، وشهد البلد أول ثورة سياسية واجتماعية في عصر العولمة الليبرالية، وآن الأوان طيّ صفحة الحروب الداخليّة، والبدء ببناء دولة الحق والقانون على أساس العيش المشترك، بعد أن أذعن الجميع إلى أن حركة الصراع، مهما تطوّرت، فإنّها لا تقبل إلغاء أيّ طرف لآخر، أو حذفه من الدائرة المشتركة. ثم إن مشكلة المصالحة الوطنية في تونس، لا تزال تصطدم بالخطاب السياسي، وغير السياسي، الذي لا يزال سلطويا قمعيا يغلّب مصلحة السلطة والطبقة الحاكمة على مصلحة البلد، وغرائزياً يسحق العقل لمصلحة الغريزة، ومصلحيّاً يغلّف النفعيّة الذاتيّة الحزبية الضيقة بغلاف القيم، ومتكاذباً بصيغ أكثر حضاريّة من الماضي..

    2-إن طي صفحة الماضي لا يعني إلغاءها من ذاكرة الشعب التونسي نهائيّاً وكأنّ شيئاً لم يكن، فيُصبح فيها أبطال القمع وانتهاك حقوق الإنسان وكأنّهم كانوا أبطال البناء، ومرتكبو الجرائم قضاةَ العدل، وناشرو الفساد مصلحي البلاد والعباد.. كلاَّ. إنّ طي صفحة الماضي لا بدّ أن يقوم على الاعتراف بكل حرفٍ ورد فيها، وتقويم كلّ ذلك على أساس القيم التي يُراد البناء عليها للمستقبل.

    وذلك يعني أن نعترف بالجرائم كما هي التي ارتكبها النظام السابق في حق الشعب التونسي، وكذلك الجرائم التي ارتكبت في ظل حكم النهضة، وبالأوصاف كما كانت، وبالأحداث كما حصلت، من أجل مواجهة الحقيقة، علما أن البحث عن الحقيقة هو السبيل المؤدي إلى العفو الشامل، الذي من المفترض أن ينص عليه دستور ديمقراطي جديد.ولعلّه عند هذه النقطة بالذات، تبرز مشكلة كتابة تاريخٍ موحّد لتونس؛إذ إنّ كتابة التاريخ تقتضي وصفاً لمجرياته، كوقائع حصلت،مما لا أظنّ أحداً يختلف عليها، وإنّما يقع الاختلاف عندما يدخل التقييم،أو التحليل وتحديد المسؤوليات، مما يجعل النظام التونسي يشعر بشيء أنه مستهدف في هذه المحطّة التاريخية أو تلك، الأمر الذي يستدعي من الحكومة التونسية أن تعترف بما كانت قد عملت به من جرائم القمع،وتقدم اعتذارا رسميا لشعبها، وتصرف تعويضات لضحايا ذلك القمع والإرهاب.

    3- إن المصالحة الوطنية الحقيقية هي التي تفسح في المجال للعيش المشترك بين السلطة الحاكمة والمعارضات السياسية،الذي يفترض التباين البنيويّ في الخيارات السياسية والأيديولوجية والاقتصادية والمجتمعية،بين النخب الحاكمة والقوى السياسية الطامحة إلى التغيير على قاعدة التداول السلمي للسلطة. وأنّ المطلوب هو المشاركة في الحياة السياسية في البلد، وهذه المشاركة تتطلب من السلطة السياسية القائمة إعادة هيكلة الحقل السياسي، الذي يعكس شعار المصالحة الوطنية.

    4- إن إعادة هيكلة المجال السياسي يقود إلى نشوء فاعلين سياسيين جدد يضعون حدا لممارسات الاحتكار السياسي، أي مهام التصور والتقدير والتقرير والتنفيذ التي تشكل جوهر السلطة في مسألتين مترابطتين. مسألة الاعتراف بالتعددية وما تتضمنه من صراع حول البرامج والتوجهات المجتمعية والثقافية، ومسألة التغيير أو مسألة التداول السلمي على السلطة، التي ترتبط بإخراج السياسة من مجال اللامفكر فيه إلى مجال التأمل والشفافية والمسؤولية.

    وهكذا يعكس مشروع المصالحة الوطنية ولادة حراك سياسي جديد يقود حتماً من خلال ديناميكية الصراع الثنائي بين الحاكم والمحكوم الذي أدرك معنى الحكم ومضمونه، إلى كسر السكون والأحادية القديمة والطويلة اللذين سمحا بإعادة إنتاج السلطة الاحتكارية والانفرادية دون تغيير لعقود طويلة بقدر ما مكنا الطبقة الحاكمة من الجمع في قبضة واحدة بين السلطة السياسية والاقتصادية والرمزية.فهذا الجمع هو الذي مكن النخب الحاكمة من احتكار التعامل بالشأن العمومي وتحويل المجتمع بأكمله إلى مجموعات مصالح اقتصادية ومهنية مستقلة يقف دورها عند الشأن الخاص. وبقدر ما حرمت المجتمع من تكوين رؤية شمولية أو وطنية تعنى بالمصير العام في ما وراء الانقسامات المهنية حكمت عليه بانعدام التأهيل السياسي وجعلت مصير الوحدة المجتمعية معلقاً بين يدي الطبقة- الدولة وحدها.

    5- إن المصالحة الوطنية تعني وضع حدٍ ّللاحتكار السياسي من جانب الطبقات الحاكمة، وتجسيد القطيعة مع الأنساق السياسية المغلقة التي أنتجتها الدولة البوليسية السابقة، وهي أنساق مولدة للعنف السياسي الرسمي بحكم طبيعتها ذاتها، إذ تمارس العنف على هذا المجتمع بعد أن أصبح جزءا أساسيا من بقاء النخب الحاكمة في تونس. والأنساق المغلقة لهذه الدولة البوليسية، مغلقة على ذات شمولية وحصرية انتهجت سياسة الحرب على المجتمع، وانتهكت مجاله السياسي، ونظرت إلى السياسة ذاتها على أنها حرب تحكمها قاعدة الولاء لهذا النظام أو ذاك، أو العداوة له، ونفت وطردت المعارضة الإسلامية والقومية والماركسية والليبرالية من دائرة رؤيتها، واعتبرت هذه المعارضة عدوا يجب الإجهاز عليه، وأخذه على حين غرة.

    والحال هذه لا تعتبر الطبقة التونسية الحاكمة نفسها فئة من بين فئات عديدة أخرى ذات مصالح معينة وإنما تتماهى كلياً مع المجتمع بقدر ما تطابق بين وجودها ووجود الدولة التي تمثل الكل الاجتماعي.فهي تعتبر نفسها ليست حتى الممثلة الشرعية الوحيدة للشعب ولكنها الشعب ذاته ممثلاً بما تجسده هي من القيم الوطنية والاجتماعية والدينية والثقافية. فهي الضامن لوجوده والمؤتمن على مستقبله. ولا يمكن أن تعترف بوجود فريق آخر يعبر عن الشعب أو عن جزء من مصالحه دون أن تضع هذا التماهي المطلق بين الطبقة الحاكمة والشعب والدولة موضع الشك. فوجودها كله نابع من تغييب مفهوم الشعب والطبقات والفئات والمصالح والتيارات المتباينة لصالح فرض هذا المفهوم التطابقي الوهمي للحكم والدولة والشعب وتعميمه.

    6- تفترض المصالحة الوطنية أن تفكر حركة النهضة الإسلامية بتسويات تفاوضية بينها وبين المعارضة لمواجهة التحديات والمشكلات الوطنية التي لا يمكن حلها دون اعتراف الأطراف المختلفة بوجود بعضها وبشرعية المطالب التي يرفعها.ويقتضي هذا الأمر من الترويكا الحاكمة أن تعرف السياسة بوصفها نفيا للحرب، والمعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجتمع والدولة، ووحدة الحكم والشعب، وحدة السلطة والمعارضة، والتعبير عما هو عام ومشترك بين جميع المواطنين.

    إن تعريف السياسة بهذا المعنى يحتم على حركة النهضة الإسلامية الاعتراف بإفرادية الواقع ومعقوليته، وانطواء كليته ووحدته الجدلية على التعدد والاختلاف التعارض. والسياسة بما هي مشاركة إيجابية في الشأن العام هي حق من حقوق الإنسان والمواطن. فلامشروعية لأي حزب معارض ولا مشروعية للسلطة القائمة، أو لأي سلطة محتملة إلا بتوافر هذه المواصفات في السياسة وتأسيسها.

    إن العلاقة بين السلطة والمعارضة في تونس مفهومة فهما جدليا سليما تقر أن قوة المعارضة هي قوة السلطة الفعلية، وأن حق المعارضة نابع من حق السلطة، كما أنها تتطلب وجود مجال سياسي مفتوح تتطابق حدوده مع حدود المجتمع المنفتح.وفي مثل هذا المجال السياسي المشترك الذي ينتجه المجتمع، والذي تتجابه وتتقاطع فيه تيارات واتجــاهات وأحزاب سياسية مختلفة ومتخالفة، تتحقق الوحدة الجدلية للسلطة والمـعارضة على قاعدة التعدد والاختلاف والتعارض، ويتحقق في الوقت عينه الاستقرار السياسي، والتداول السلمي للسلطة، باعتبارهما من أهم المداخل السياسية إلى بناء دولة ديمقراطية فعلية في تونس.

    7- إن المصالحة الوطنية تقتضي من حركة النهضة الإسلامية أن تكون لديها رؤية أشمل للديمقراطية تقوم على دمج المعارضة، وتقتضي أيضا تأمين حقوق الإنسان للجميع، أي بناء ديمقراطية شاملة تشترك فيها أحزاب متعددة لا تستبعد المعارضة في جوانب كثيرة من المشاركة السياسية في البرلمان، ومجلس الوزراء، والجيش، وعلى إقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة، الذي يقتضي وجود تعددية سياسية مؤسسة على قيم الحوار، والتنافس، والاعتراف المتبادل.

    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

المواضيع المتشابهه

  1. اقلام واراء عربي 400
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-05-27, 09:17 AM
  2. اقلام واراء عربي 281
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-07, 01:24 PM
  3. اقلام واراء عربي 280
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-07, 01:22 PM
  4. اقلام واراء عربي 279
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-07, 01:21 PM
  5. اقلام واراء عربي 278
    بواسطة Haneen في المنتدى أقلام وآراء عربي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2013-01-07, 01:15 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •