 مرسي بين التحديات والمؤامرات

بقلم: عبد الباري عطوان – عن جريدة القدس العربي

 مؤتمر جنيف السوري مهدد بالفشل

بقلم: رأي القدس العربي – عن جريدة القدس العربي

 مصر: الثورة التي حررت المواطن من الخوف يهددها القلق

بقلم: محمد عبد الحكم دياب – عن جريدة الشرق الاوسط

 الثوار يقرعون بوابة القصر الجمهوري

بقلم: ياسر الزعاترة – عن جريدة الدستور الاردنية

 «الصفقة الدولية» حول سوريا .. الفرص والعوائق

بقلم: عريب الرنتاوي – عن جريدة الدستور الاردنية

 تعويض ضحايا الثورات العربية!!

بقلم: عبدالحسين شعبان – عن جريدة المستقبل

 إسرائيل الغيتو

بقلم: سليمان الشيخ – عن جريدة المستقبل

مرسي بين التحديات والمؤامرات

بقلم: عبد الباري عطوان – عن جريدة القدس العربي

نادرة هي المرات التي تابع فيها المواطنون العرب في كل مكان خطاب رئيس عربي، فهذا التقليد اندثر منذ اربعين عاما تؤرخ لانقراض الزعماء العظام. ولكن خطاب الرئيس المنتخب محمد مرسي الذي القاه الجمعة في ميدان التحرير وسط مئات الآلاف من انصار الثورة، جاء استثناء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

خطاب الدكتور مرسي خطاب رجل دولة، خطاب رئيس جاء من رحم الشعب والى الشعب، خطاب ينضح كرامة وعزة نفس، ويطفح بمعاني التحدي والكبرياء، وهي مفردات اختفت من خطابات ومواقف من سبقوه من القادة المصريين.

لم نتعود ان يأتي رئيس يحذر اي احد كائنا من كان، من ان ينال من كرامة مصر، او كبريائها، او يفكر في ان ينال من كرامة شعبها او رئيسها، بغض النظر عن شخصه، ولم نسمع ان رئيسا مصريا انتصر لكرامة شعبه، وثار ضد اهدارها، وتعهد بالوقوف الى جانب كل ابناء مصر في الوطن والمهجر، ولا يتردد لحظة في ذكر الشيخ عمر عبد الرحمن الاسير في احد السجون الامريكية، وهو الاسير الذي تخلى عنه الرئيس السابق مثلما تخلى عن الكثيرين غيره، تعرضوا لظلم واضطهاد تحت اسباب وذرائع متعددة.

خطاب الرئيس مرسي لم يأت قويا متحديا فقط، وانما جاء مليئا بالرسائل لجهات عدة، نختصرها في النقاط التالية:

' الرسالة الاولى: لاسرائيل التي لم يسمها وقال فيها انه سيرد بل سيمنع اي عدوان على مصر اعتمادا على الشعب المصري.

' الرسالة الثانية: الى امريكا تفيد مفرداتها بحذف اي معنى للتبعية لأي دولة كانت، فمصر باتت حرة مستقلة على ارضها.

' الرسالة الثالثة: الى المجلس العسكري عندما قال ان الشعب مصدر السلطة والشرعية، التي لا تعلو عليها اي شرعية اخرى، وان لا سلطة فوق سلطة الشعب.

يريدونه رئيسا منزوع الدسم، لا يتمتع بأي صلاحيات حقيقية، بالأحرى 'خيال مآتة'،او بمعنى آخر 'خيخة'، ولكنه تعهد بان لا يكون كذلك، وقال انه مصر على رفض اي محاولة لانتزاع سلطة الشعب، كما انه لن يتهاون ولن يفرّط بأي صلاحية من صلاحيات الرئيس او مهامه التي اوكلها له الشعب.

' ' '

نحن امام لحظة تحوّل تاريخية، ليس في تاريخ مصر فقط وانما المنطقة العربية بأسرها، فمثل هذه اللغة الواضحة المحددة المعبرة، اللغة التي ترتقي الى مكانة مصر ودورها وريادتها، اختفت كليا من ادبيات معظم الزعماء العرب، وليس المصريين فقط.

قد يجادل البعض بأننا نبالغ في حماسنا لهذا الرجل وخطابه، فما زلنا في بداية الطريق، والكلام سهل والاختبار الحقيقي يأتي عندما تبدأ مرحلة ترجمة الأقوال الى افعال، في ظل ظروف مصرية واقليمية صعبة بل متفجرة، وهذا كله صحيح دون ادنى شك، ولكن الرجل جاء عبر صناديق اقتراع في انتخابات حرة نزيهة، والحركة التي ينتمي اليها تملك تراثا عريقا في المعارضة الوطنية، وتحمل اكثر انواع المعاناة شدة وألماً في مسيرتها الطويلة نحو الاصلاح والتغيير.

كنا نتمنى لو ان الرئيس مرسي تحدث في خطابه عن موقفه من اتفاقات كامب ديفيد والحصار على قطاع غزة، وان يعرج على الاحتلال الاسرائيلي، ولكنه لم يفعل، لعلها خطوة تكتيكية 'لدرء المخاطر' وتجنب الصدام مع المجلس العسكري والقوى الخارجية، لأن الآمال المعلقة عليه في التصدي للعربدة الاسرائيلية كبيرة جدا في اوساط المصريين ومعظم العرب.

الايام المقبلة ستكون صعبة بالنسبة الى الدكتور مرسي، لأن عملية وضع العصي في دواليب عربته ستبدأ اعتبارا من اليوم، واولها انهم يريدون تسليمه سلطة وهمية، سلطة بلا سلطة، ويحولونه الى رئيس تشريفات فقط، يستقبل ويودع، ويكثر من الابتسام امام عدسات التلفزة.

هناك ثلاثة تحديات خطــــيرة ستحدد عملـــية التعـــــاطي معها، ليس مستقبله كرئيـــس وانما مستقبل الثورة والعملية الديمقراطية في مصر:

' التحدي الاول: كيفية اخضاع المؤسسة العسكرية لسلطة الرئاسة مثلما كان عليه الحال في زمن جميع الرئاسات السابقة، فالمجلس العسكري يريد ان يكون الدولة، وفي احسن الحالات دولة عظمى داخل دولة صغرى، وبتعبير اخر فوق الدولة، صغيرة كانت او كبيرة.

' التحدي الثاني: ترويض ومن ثم تطهير المؤسسة الامنية التي ما زالت تعيش بعقلية النظام السابق، ويعشش فيها خبراء البلطجة الذين يتعمدون تعميق حالة الانهيار الامني لإفشال الثورة وتكريه المصريين بها.

' التحدي الثالث: انقاذ الاقتصاد من عثراته، وايجاد ملايين الوظائف للعاطلين، وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين، بمن في ذلك 40 مليونا يعيشون تحت خط الفقر.

' ' '

المجلس العسكري كان يخطط لإعلان الفريق احمد شفيق رئيسا، ووضع جميع السيناريوهات المتوقعة وكيفية مواجهتها، لكن التدخل الامريكي هو الذي حال دون ذلك، وهو تدخل ليس من اجل الانتصار للديمقراطية، وانما لتجنب كارثة في الدولة الاهم في التحالف الاستراتيجي الامريكي في المنطقة، في وقت تتفاقم فيه الأزمة السورية، وتتحول فيه ليبيا الى دولة فاشلة، ويعمق تنظيم 'القاعدة' جذوره في اليمن والعراق وشمال افريقيا والصومال.

رئاسة الدكتور مرسي ستكون شاقة ومليئة بالمطبات وحافلة بالمؤامرات من مختلف الاتجاهات، والعربية منها على وجه الخصوص، وجاءت الطلقة الاولى من الخليج عندما قال الفريق ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي انه غير مرحب به وعليه ان يأتي زاحفا الى دولة الامارات. والثانية من المملكة العربية السعودية عندما جاءت برقية التهنئة فاترة ومتأخرة. والثالثة من الثورة المضادة التي اعلنت الحداد وفتحت سرادق العزاء وبدأت رموزها تهرب الى الخارج بأموالها.

قوة الرئيس مرسي تأتي من اعتماده على الشعب، واطمئنانه الى دعمه ومساندته، ولهذا لم يأت الى ميدان التحرير وسط هيصة ابواق مواكب عربات الشرطة، ومرتديا سترة واقية من الرصاص. فالرجل يملأ الايمان قلبه، وجيوبه نظيفـــة، ونواياه حسنة، انه باختصار مشروع شهادة، شهادة من اجل كرامة مصر وعزتها، ومعها الأمتان العربية والاسلامية، ولهذا يستحق الدعم ومن ثم النجاح في مهمته السامية.

مؤتمر جنيف السوري مهدد بالفشل

بقلم: رأي القدس العربي – عن جريدة القدس العربي

سقوط ما يقرب من المئتي قتيل في مختلف انحاء سورية يوم امس، معظمهم برصاص قوات الامن والجيش السوري يحتم بذل كل الجهود الممكنة من قبل المشاركين في مؤتمر جنيف الذي سيبدأ اعماله اليوم لوقف المجازر وسفك الدماء في هذا البلد المنكوب.

يصعب علينا ان نغرق في التفاؤل بامكانية حدوث ذلك، اي وقف اعمال العنف، ليس لان لقاءات مماثلة، سواء داخل اروقة الجامعة العربية او مجلس الامن الدولي فشلت في تحقيق هذا الهدف بل ايضا لان كوفي انان المبعوث الدولي قدم صورة متشائمة في الاطار نفسه.

ففي مقال في صحيفة 'الواشنطن بوست' الامريكية نشرته امس قال المبعوث الدولي ان هناك العديد من القوى الخارجية تسعى بشدة لتقويض مهمته لارساء السلام في سورية، واتهمها 'بتشجيع الحكومة السورية وقسم من المعارضة، عمدا او دون قصد، باللجوء الى استخدام القوة باعتبارها الخيار الوحيد'.

السيد انان لم يحدد هذه الدول بالاسم، ولكن من الواضح انه يشير الى دول عربية تدعم المعارضة السورية وتزودها بالمال والسلاح مثل المملكة العربية السعودية وقطر، ودول اخرى مثل ايران وروسيا والصين تدعم النظام السوري سواء في الامم المتحدة باستخدام حق النقض 'الفيتو' من اي قرار بفرض عقوبات اقتصادية ضده، او بارسال الاسلحة الحديثة والمتطورة من بينها طائرات عمودية وصواريخ مضادة للطائرات.

فرص نجاح مؤتمر جنيف تبدو محدودة لان طرفي الصراع، الحكومة والمعارضة، يرفضان مبدأ الحوار مع بعضهما البعض اولا، ويختلفان على صيغة التسوية المقترحة وابرز بنودها تشكيل حكومة وحدة وطنية تدير الامور في المرحلة الانتقالية وتضم شخصيات من الجانبين.

المعارضة السورية تقول انها لن تقبل بأي خطة لا تنص صراحة على رحيل الرئيس بشار الاسد، بينما تعارض السلطات السورية اي حل يتم فرضه من قبل قوى خارجية.

المهمة الرئيسية للسيد انان تتمثل في حتمية وقف اعمال العنف اولا كشرط اساسي للبدء في بحث او تطبيق اي حل سلمي للازمة، لانه من اللافت ان هذه الاحداث تفاقمت في الفترة الاخيرة وتضاعفت اعداد الضحايا عدة مرات.

التقارير الميدانية تشير الى ان النظام السوري بدأ يفقد سيطرته على مناطق كثيرة داخل سورية، وان هجمات الجيش السوري الحر وصلت الى قلب العاصمة السورية دمشق، من بينها مهاجمة قاعدة للحرس الجمهوري، وتدمير مؤسسة عدلية، واختطاف لواء طيار من بيته.

روبرت فيسك الصحافي البريطاني الشهير كتب مقالا يوم امس في صحيفة 'اندبندنت' قال فيه ان عمليات الجيش السوري الحر باتت اكثر فاعلية بعد تزويد الجيش بأسلحة حديثة ومتطورة لضرب الدروع، واشار الى ان حوالي 6000 جندي سوري قتلوا بسبب هذه العمليات.

مؤتمر جنيف، ورغم الصعوبات التي يواجهها، قد يكون فرصة اخيرة لايجاد مخرج سلمي من الازمة السورية بعد انهيار مبادرة انان الاولى وتجميد اعمال فريق المراقبين الدوليين بسبب تفاقم احداث العنف وتعرض عناصره لاطلاق نار.

تشكيل حكومة انقاذ وطني تضم عناصر من الجانبين ومقبولة شعبيا قد يمثل طوق نجاة للجميع، شريطة ان يأتي ذلك في اطار خطة طريق واضحة نحو التغيير الديمقراطي المأمول، والا فان البديل ليس حربا اهلية طائفية، وانما حرب اقليمية او حتى دولية بسبب حالة الاستقطاب الطائفي والاممي حول هذه الازمة.

مصر: الثورة التي حررت المواطن من الخوف يهددها القلق

بقلم: محمد عبد الحكم دياب – عن جريدة الشرق الاوسط

أدمن كثير من أبناء مصر الخوف من هول ما كان يجري من قمع طوال سنوات ما قبل الثورة، لمجرد إبداء رأي، أو المطالبة بحق، أو بسبب ممارسة قدر ولو يسير من الكبرياء، فقد كان ثمن الجرأة وقول الحق مكلفا، وهذا إن دل فإنما يدل على طبيعة من بيدهم الحل والربط، فقد كانوا جبناء، والجبان يسعى لأن يكون الآخر على شاكلته، فيقمع الناس، ويكمم الأفواه، ويقطع الألسنة، ويحول بين الناس والحياة الكريمة، ويصادر على أرزاقهم. وبعد تحمل طال مداه تحرر المصريون من إدمان الخوف، ونفضوا عن كاهلهم غبار السلبية فاستقامت أحوالهم، وتغيروا نوعيا، وكأنهم ولدوا من جديد، وهذا هو الفارق بين ما كان قبل 25 يناير 2011 وبعده.

وما أن تركهم الخوف وابتعد حتى جاءهم القلق ليحل محله، ويدمنه كثيرون، فأختفت البسمة التي كانت قد عادت إلى شفاهم، وعم الانقباض وزاد العبوس، في جو من الارتباك الذاتي، بجانب ما هو متوفر من صنوف الانفلات العام، وأصبحت الصحة النفسية للمواطنين مهددة، بعد سبعة عشر شهرا من لحظة انفجار الثورة، التي استردت فيها مصر لياقتها النفسية والروحية ووصلت إلى منتهاها، فأقبل الثوار على الاستشهاد وتبارى المواطنون في التضحية، وتسابق الناس إلى التكافل، وسرعان ما توحدوا حول هدف 'الشعب يريد إسقاط النظام'، وأسقطوه بالفعل في ثمانية عشر يوما، وقد تكون المدة الأقصر في تاريخ الثورات الشعبية والمدنية، رغم الثمن المدفوع، وكثرة عدد الشهداء والمصابين وضحايا المحاكم العسكرية.

وكان إدمان القلق واحدا من أهم أسباب نزول الناس للشوارع فرحا بالرئيس الجديد عقب إعلان اللجنة العليا للانتخابات فوز محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة الإخواني، وكان المشهد ملفتا لأنه جمع أنصار الفائز والمصوتين لمنافسه، وضم المقاطعين للإنتخابات ومن أبطلوا أصواتهم.

وهنا نعود إلى استقطاب غير مسبوق انتهى بتعادل المرشحَين المتنافسَين في عدد الأصوات التي حصلا عليها تقريبا، ومن وجهة نظري فإن ذلك التعادل عبر عن إنقسام حدي في المجتمع، وعكس حالة نفسية أفرزتها تلك الحدة، طلبا للتوقف ولو قليلا طمعا في كبح زمام المعارك والمشاحنات والحروب الدائرة بين الجماعت والقوى السياسية والفرق الدينية. وكأنه ترجمة للمثل الشعبي الذي يقول :'وقوع البلاء ولا انتظاره'.

وقد كنت ضمن تيار المقاطعة، وكسرتها في الجولة الأولى لأسباب شرحتها وقتها على هذه الصفحة، وتمسكت هذه المرة بموقفي، على العكس من صديقي الأستاذ الجامعي يحيى القزاز أحد مؤسسي حركتي 'كفاية' و'9 مارس لاستقلال الجامعات'، فقد كان من دعاة المقاطعة، وقاطع الجولة الأولى، لكنه تراجع في الجولة الثانية، والسبب - حسب ما صرح لي - أنه لا يقدر على استيعاب وصول أحمد شفيق إلى مقعد الرئاسة، وهذا من وجهة نظره يحول الثوار إلى بلطجية، ويجعل من الشهداء والمصابين مجرمين وخارجين على القانون..

وتعددت أسباب نزول المصريين إلى الشوارع، وكان إدمان القلق أهمها، فخروج الإخوان وحزب الحرية والعدالة وباقي فصائل وفرق الإسلام السياسي وأنصارهم كان شيئا طبيعيا، خرجوا لتأييد حقيقي ولدعم مرشحهم، وهو نوع من الالتزام الذي يدوم بدوام أسبابه ومبرراته، وكان أقصى ما حصده الإخوان بماكينتهم الانتخابية الجبارة وذات الكفاءة العالية هي التي حصل عليها محمد مرسي في الجولة الأولى وأهلته للحصول على المركز الأول ودخول الإعادة مع الحاصل على المركز الثاني أحمد شفيق، وإذا ما أضيفت الأصوات الاحتجاجية، ورفض كثيرين لأحمد شفيق، فكان أقصى ما يحصل عليه مرسي هو ثمانية ملايين صوت، ولم يكن شفيق ليتجاوز ستة ملايين بحال من الأحوال، وستبقى الأرقام لغزا يبحث عن من يحله. فشفيق دخل الانتخابات مستقلا، على الأقل نظريا، ولم يكن منتميا لتنظيم بحجم جماعة الإخوان المسلمين، ولا يملك مواردها، ولم يكن منخرطا في حزب منضبط كانضباط حزب الحرية والعدالة رغم حداثة نشأته. فكيف له أن يحصل على أكثر من 12 مليون صوت؟، وهل فلول الحكم السابق والبلطجية ومافيا المال والأعمال والفاسدين والمفسدين بذاك الحجم؟! وهل معناه أن منظومة الاستبداد والفساد والتبعية في المجتمع المصري تملك كل هذه القوة والوزن والعدد؟، وكيف إذن سقط مبارك في ثمانية عشر يوما إذا كان له كل هذا التأييد وذلك النفوذ بين المصريين؟.

وخروج الناس فرحا بدا أكبر من إمكانيات وتأثيرات الجماعات والقوى السياسية والحزبية التي تملأ المشهد، والأرجح أنه حدث لرغبة في إزاحة لكابوس القلق الذي جثم على الصدور بعد نتائج الجولة الأولى، ووقوف الناخب أمام خيارين كلاهما مر، وإن كانت إزاحة مؤقتة من وجهة نظري، وجدت ترجمتها في المنتظرين والمتسمرين أمام الشاشات، حين شعروا بالارتياح انطلقوا إلى الشوارع، فأولئك الذين تمكن منهم القلق كانوا في حاجة إلى فرح ينسيهم ما هم فيه، حتى لو كان فرحا عابرا، يسمح بالتقاط الأنفاس، والتوقف ولو لبرهة عن اللهاث والدوران في حلقات العراك والمشاحنات والحروب المفرغة، وكان وضعهم أشبه برجل وجد نفسه في صحراء جرداء، لا ماء فيها ولا نبات، وتعلقت آماله على شربة ماء تبقيه على قيد الحياة. وجاءته جرعة ماء، صحيح أنها أبقته على الحياة، لكنها لم ترد له عافيته ولا حيويته أو نشاطه. وما بالنا وأن إدمان القلق سببه مخاطر تتهدد مصر ومصيرها، بل وجودها ذاته.

وقد لا يصدق أحد ممن يتابعون المأزق المصري، أو ممن استعملوا حقهم في نقد واجب وصحيح للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. إن ذلك أستخدم للتغطية على قصور ذاتي وأخطاء فادحة وقاتلة، وتكالب على المناصب والغنائم بين لصوص الثورة!!، وتحول النقد المشروع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى هجمة شرسة غير بريئة عليها، لكسر الجيش، وإسقاط مكانته، ودوره الوطني بن أعين الشعب، وحفلت هذه الحملة بالبذاءات والشتائم والإهانات، خرجت من أفواه خليط ألمستفيدين من الهبات النفطية، وأنصار التطبيع وقوى الثورة المضادة، حتى أن أستاذا جامعيا وصف المنتمين إلى الجيش على مدى ستين عاما بـ'الأوساخ' علنا وعلى رؤوس الأشهاد، وفي المقابل انبرى ضباط اتصلوا بالفضائيات دفاعا عن مؤسستهم واحتجاجا على ما يوجه إليها من بذاءات وشتائم وإهانات.

والمتابع لهذه الحملة ضد القوات المسلحة، يتأكد بأن جيش مصر مستهدف مثله مثل أي شيء في مصر والمنطقة العربية، وعلت أصوات بعد نجاح محمد مرسي علت على فضائيات 'لقيطة' تحرض ضد الجيش وتدعو الجيش للتمرد، وتحثه للإنقلاب على نفسه، بدعوى أن محمد مرسي وصل إلى مقعد الرئاسة بصفقة، عقدها الإخوان مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فضلا عن إصرار غريب من عناصر محسوبة على الثورة، بينهم إسلاميون وشيوعيون وتروتسكيون، وأخرى يمينية في حزب الوطنيين الأحرار، ومن بين شباب الوفد، يحرضون على الصدام مع القوات المسلحة، بحجة إخراجها من العملية السياسية، والخروج من العملية السياسية شيء وإسقاطها من الحساب الوطني شيء آخر، وهي جريمة ترقى إلى مستوى الخيانة. ويعملون على هزيمة الجيش كما هزمت الشرطة، وهذا سمعته بأذني في قلب 'ميدان التحرير' في مثل هذا الشهر من العام الماضي!!. وبعدها تتخلص المنطقة العربية من آخر قوة عسكرية متماسكة كي يُستأنف مخطط إعادة التقسيم الجديد، وتتغطى المنطقة بظلام دامس يبقى لعشرات السنين القادمة!!. ولا يكتفي هؤلاء بذلك بل إنهم يحرضون على هدم السلطة القضائية، ملاذ العدالة الأخير في البلاد.

ولا أريد أن أكون متشائما تشاؤم الزميل العزيز فهد الريماوي ورأيه في أن ما يجري في مصر ليس مخاض الميلاد الذي يمهد لانتاج الحياة إنما نزع الاحتضار الذي يسبق لحظات الوفاة. وأنقل له رأي سائق تاكسي قاهري من مدمني القلق. قال: نحن نعيش من عام ونصف العام بلا حكومة، وبلا شرطة، ومن غير قانون، ودون ضوابط، ولو أن هذا جرى في بلد آخر ما كان ممكنا له أن يستمر، وفي مصر يواصل أهلها تدبير شؤونهم ويتغلبون على مصاعبها، ولا يتوقفون عن ممارسة الحياة والإقبال عليها. وأنا أصدقه القول، ودليلي هو إدمان القلق يعبر في جانب منه عن حالة رفض للواقع المعاش، وما شرحه السائق يكشف أن الإصرار على الحياة، ومواجهة تحدياتها هو الطريق الأقصر للانفراج، ولا ننسى أن روح ثورة 25 يناير ما زالت حاضرة بين الناس، وتغلغل ما أحاط بها من إعجاز تغلغل في الوجدان الشعبي، وصار مصدرا لحكاوي الفروسية ومواويل البطولة في المدن والقرى والنجوع.

وإدمان القلق حصيلة كم من الشحن النفسي والضغط العصبي والتحريض الفردي والجماعي، وبتأثير الشائعات في بيئة ملائمة، تعج بالخصومات السياسية والعداوات الطائفية، التي لم تكن تعرفها الحياة المصرية من قبل، ومن كان مؤيدا لمحمد مرسي أو رافضا له اعتبر لحظة إعلان النتيجة استراحة، من الواجب استغلالها للتهدئة وتمكين الرئيس الجديد من العمل، وإتاحة الفرصة أمام الشعب لاختبار وعوده والتعرف على أدائه.

وقد تكون عودة جماعة الإخوان المسلمين لميدان التحرير وميادين مصر تكفيرا عن خطاياها في حق الثورة، أو بداية لتغيير الموازين داخلها، فتخف وطأة تشدد المتطرفين القابضين على عنقها.

وعلى كل حال هناك فرصة للمراجعة والمصالحة، لا يجب أن تكون على حساب الثورة، أو فتح أبواب العودة للحكم السابق بدعوى تقول 'كلنا مصريون دون تخوين'. مع أن كل الجماعات البشرية تضم السوي وغير السوي، وفيها الخائن والوطني. فكيف لا يوصف الخائن بما فيه؟ وكيف لا يُنعت المجرم بإجرامه؟ وكيف لا يُعرف اللص بلصوصيته؟ البشر ليسوا معقمين، والشعب لا يُكوّنه الملائكة!.

إدمان القلق يساعد على خلط الأوراق، ويشوه السياسات، ولا يفرق بين الحابل والنابل، وقد يتحول إلى مرض عضال، يجب علاجه وتحصين المواطنين ضده، وقد كان استفحال الخوف حافزا على المقاومة ثم الثورة، وذلك غير القلق الذي يسحق الشخصية ويجعلها مسخا يؤثر على القدرات العقلية والملكات الخاصة، ونتمنى أن ينحسر. فالثورة في حاجة إلى أصحاء من الناحية النفسية والروحية، وإلى عقول راجحة وسواعد قادرة، لا يشلها هذا الصنف من الإدمان.!!

الثوار يقرعون بوابة القصر الجمهوري

بقلم: ياسر الزعاترة – عن جريدة الدستور الاردنية

لم يكن بشار الأسد في حاجة لأن يقول لمستمعيه من الحضور وأعضاء الحكومة الجديدة إن “بلاده” تواجه حربا حقيقية. نقول ذلك لأن أصوات الرصاص والمتفجرات كانت تقرع آذانهم جميعا في حفل تأدية “اليمين الدستورية” للحكومة التي ستخرج “الزير من البير” وتقنع الناس بنهج رئيسهم الإصلاحي!!

لا نعرف بالضبط كيف كانت مشاعر السادة الوزراء في تلك اللحظة، وفي مقدمتهم المعارضين العتيدين (قدري جميل وعلي حيدر)، لاسيما الأول الذي بشرنا بعض “يساريي المقاومة والممانعة” بأن تعيينه نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية إنما يعكس إرادة النظام السوري القطيعة مع النظام الرأسمالي والعودة للنهج الاشتراكي (على اعتبار أن صاحبهم ماركسي عريق)، من دون أن يخبرونا كيف سينجح في استعادة أموال الخصخصة التي سرقها آل الأسد وابن خاله رامي مخلوف؟!

حين يدخل برهان غليون إلى الداخل السوري، وقبله محمد سرميني وسواهم، ثم يخرجون، بينما يتدفق الناس بشكل يومي دخولا وخروجا دون أن يكون بوسع النظام منعهم، فهذا يعني أن سيطرة النظام المطلقة على الأرض السورية لم تعد تتجاوز حدود القصر الجمهوري وما تطاله يد الشبيحة خلال النهار، أولئك الذين يسرقون كل ما يقع تحت أيديهم من بيوت الفقراء، حتى تحدثت الوكالات الغربية عن سوق في مدينة حمص تسمى السوق السنية (نسبة إلى أهل السنة)، يبيع فيها الشبيحة بضائعهم المسروقة، بينما يصفها بعض المشترين من غلاة العلويين بغنائم الحرب.

من يتابع تقارير الصحفيين الأجانب الذي يدخلون، أو يتسللون إلى مختلف المناطق السورية يمكنه تكوين صورة أكثر وضوحا عما يجري، بعيدا عن كلام المعارضين وإعلام النظام في آن.

في تلك التقارير، لاسيما خلال الأيام الأخيرة حديث واضح عن مدى الجرأة التي بلغها الجيش الحر، فضلا عن مدى القوة التي بات يتمتع بها، ليس فقط بسبب تكاثر أعداد المنشقين والمنضمين لصفوفه، بل أيضا بسبب التحسن النوعي في مستوى التسليح والإعداد والتخطيط، مقابل تدهور معنويات جيش النظام والشكوك التي تساور قياداته (العلوية غالبا) في العناصر، باستثناء أبناء الطائفة، الأمر الذي ينتج فرزا واضحا في الجيش، ولا يبقي للنظام سوى طائفته التي يتشبث بها، مع أن الجدل داخل الأخيرة بدأ يتصاعد أيضا حول حرب عبثية سيكون من العسير، بل ربما من المستحيل كسبها في ظل الوضع الراهن. ولا شك أن قضية إسقاط الطائرة التركية قد جاءت هدية من السماء للثوار، هي التي دفعت وستدفع الأتراك إلى تقديم مزيد من الدعم لهم على كافة المستويات.

من المؤكد أن ميزان القوى الدولي لا يزال مختلا لصالح النظام، ليس بسبب الدعم الروسي والصيني والإيراني الهائل (سياسيا وعسكريا) فحسب، بل أيضا بسبب التردد الغربي والعربي في اتخاذ موقف حاسم فيما يخص تسليح الثوار، وبالطبع لأن الطرف الإسرائيلي الذي يوجه المواقف الغريبة لا يريد حسم الصراع سريعا طمعا في إطالة أمد المعركة وصولا إلى تدمير البلد، فيما يفضل السيناريو اليمني للحل بعد ذلك، وما زيارة بوتين للدولة العبرية سوى تأكيد على هذا البعد، ويبدو أن الأخير كان يريد ترويج الحل اليمني على الإسرائيليين الذين يمكنهم ترويجه على الأمريكان والغربيين، لاسيما بعد أن طمأنهم بأنه لن يسمح للمشروع النووي الإيراني بتهديدهم بأي حال.

عندما تصل المعارك إلى ضواحي دمشق القريبة والمهمة، بينما تُستهدف قناة الإخبارية التابعة للنظام ليس بعيدا عن وسط العاصمة، وإن صنف ضمن الضواحي، عندما يحدث ذلك فهذا يعني أن النظام قد أخذ يترنح، ويبدو أن هذه الحقيقة قد باتت واضحة عند الروس والإيرانيين أيضا، والكل هنا في سباق محموم من أجل توفير حل سياسي كي لا يقع البلد بالكامل بيد ثوار سيكون من الصعب السيطرة عليهم بعد ذلك.

تلك هي المعادلة بوضوح، إذ بينما يزداد إيمان الثوار بانتصارهم الحتمي، تتسع القناعة في أوساط النظام ومؤيديه في الداخل والخارج بحتمية سقوطه، لكن المكابرة، وقوة دفع الخارج أملا في توفير حل سياسي “معقول” هي التي تمنحه القابلية للبقاء مزيدا من الوقت.

وفي سياق هذا السباق المحموم بين الحل السياسي والحسم العسكري، فإن الأمل الذي يراود السوريين الذين ذاقوا الأمرين من هذا النظام الأمني الدموي الطائفي هو أن ينجح الثوار في حسم المعركة قبل أن يُفرض عليهم حل لا يريدونه، هم الذي يقتنعون تماما بأن السيناريو اليمني لا يصلح لبلادهم، لأن المشكلة تكمن في البنية الأمنية والعسكرية للنظام، وليس في الرئيس الذي نصبته تلك البنية ذاتها بعد وفاة أبيه.

بقي القول إن خطة أنان التي ستناقش اليوم في جنيف وعنوانها تشكيل حكومة انتقالية من المعارضة ومؤيدي الأسد هي محض مؤامرة على الثورة، وكان جيدا أن ترفضها المعارضة السياسية والعسكرية، مع أن رفضا كهذا لا يعني دفنا لمسلسل التآمر على الثورة تبعا لحسابات سياسية في مقدمتها الحسابات الإسرائيلية، وجميعها تتحرك تحت وطأة اليقين بقرب سقوط النظام.

«الصفقة الدولية» حول سوريا .. الفرص والعوائق

بقلم: عريب الرنتاوي – عن جريدة الدستور الاردنية

تلوح في الأفق ملامح “صفقة دولية” بخصوص سوريا، لم نعرف بعد سوى القليل عن عناصرها الرئيسة، منها أن هذه الصفقة تبني على “مبادئ كوفي عنان الستة”، ومنها أيضاً تأليف حكومة وحدة وطنية، من النظام والمعارضة، تتولى إدارة عملية الإنتقال السياسي بسوريا نحو الديمقراطية...لا نعرف بعد ماذا بشأن “النموذج اليمني”، ولا ماذا قرّر “الدوليون” بخصوص مستقبل الأسد.

لكن وبالاستناد إلى “روح التوافق” التي استثنت طهران والرياض من قائمة المدعوين لـ”وليمة جنيف”، وبالنظر لمكان انعقاد “مجموعة الاتصال” الخاصة بسوريا، نستطيع أن نستنتج أن الوجهة العامة للتوافق الدولي الآخذ في التشكل، تسعى الى تفادي المواجهة بين المعسكرين المُحتربين في سوريا وعليها، والبحث عن “حلول وسط”، لا ترضي النظام، ولا تحظى بقبول المعارضة (حتى الآن على الأقل)، بيد أنها تظل مع ذلك الأمل الوحيد لسوريا للخروج من عنق الزجاجة.

الرئيس السوري استبق اجتماعات جنيف بالإعلان أن أي حل لسوريا ينبغي أن يكون “سورياً”، في تلميح فُهمَ منه رد مُبكر على “التوافق الدولي” ومحاولة للانسحاب من التزاماته واستحقاقاته....في المقابل حرصت المعارضة، بعضها على الأقل (المجلس الوطني) على تأكيد موقفها الرافض للحوار مع النظام، أو النظر إليه كجزء من الحل بعد أن ظلت تتحدث عنه بوصفه أصل المشكلة ورأُس البلاء في طول البلاد وعرضها.

من بين المشاركين الذين يشكل حضورهم خروجاً عن “روح التوافق” الدولية التي مهّدت الطريق للقاء جنيف، نتوقف أمام دولتين اثنتين: الأولى، قطر، التي تتموضع في قلب جبهة “المتورطين” مالياً وتسليحياً وإعلامياً ودبلوماسياً في الحرب على النظام، لكن حضورها اجتماعات مجموعة الاتصال، جاء بحكم ترؤسها للجنة الوزارية العربية الخاصة بسوريا، وهي “الرئاسة” التي قاتلت قطر والسعودية للاحتفاظ بها، لضمان “تجيير” الموقف العربي لصالح برنامجهما الأكثر عدائية حيال النظام السوري...الدولة الثانية هي تركيا، التي لا نعرف لماذا تُدعى للاجتماعات في الوقت الذي يُستثنى فيه الأردن ولبنان وإيران، أللهم إلا إذا قبلنا بالفرضية التي تقول إن الكويت ستشارك بوصفها رئيسة المجلس الوزاري العربي، والعراق بوصفه رئيساً للقمة العربية.

كنّا نفضل أن تدعى للمؤتمر كل دول الجوار من دون استثناء، فضلاً عن السعودية ومصر وإيران، فلهذه الأطراف مكانة “وازنة” في سياسات المنطقة ومواقع لا يُستهان بها في محاورها وتحالفاتها...وكان من الأجدى إشراكها في اللقاءات، بدلاً من إقصائها.

على أية حال، نحن لا نعرف بعد ما الذي ستتمخض عنه اجتماعات مجموعة الاتصال...الأرجح أنها ستخرج بنتائج أفضل من تلك التي شهدتها اجتماعات تونس واسطنبول لـ”أصدقاء سوريا”...لكن خروج الاجتماعات بتوافق دولي حول “خريطة طرق” للخروج بسوريا من أزمتها، لا يعني أن حرب سوريا الأهلية، أو حروب الآخرين عليها، ستضع أوزارها وتعود مدافع المتحاربين لصمتها ومعسكراتها من جديد.

وعلى أهمية التوافق الدولي حول خطة الخروج من الأزمة السورية، إلا أن الشق الأهم من الحكاية إنما يتمثل برغبة الأطراف المجتمعة في جنيف اليوم، وقدرتها بعد توافر الرغبة والإرادة، على “فرض” الحل الدولي التوافقي بمختلف عناصره ومكوناته على فرقاء الصراع الدامي في سوريا من جهة، وعلى القوى الداعمة لها بالمال والسلاح والإعلام والدبلوماسية من جهة أخرى.

المؤشرات الأولى لا تبدو مثيرة للتفاؤل...فأطراف الصراع الرئيسة أبدت تحفظات جوهرية على مبادرة عنان واجتماعات جنيف...والدول الداعمة لها، خصوصاً تلك التي لم تتسلم رقاع الدعوة لاجتماعات جنيف، لن تلقي السلاح جانباُ، بل وقد يكون استثناؤها من قائمة المدعوين، سبباً إضافياً للحنق والغضب والتصعيد، فتعمد على رفع حدة التوتر وتزخيم المواجهة العسكرية بمزيد من المال والسلاح.

إن شرط نجاح مؤتمر جنيف، يتجلي بوعي المجموعة الدولية العميق لأهمية فرض وقف القتال على طرفيه، نظاماً ومعارضة...وفرض تجفيف منابع السلاح وقنوات تهريب المجاهدين، على بعض العواصم الإقليمية والعربية، سواء تلك التي تقف داعمة للنظام أو للمعارضة المسلحة سواء بسواء.

القصة باتت مكشوفة ومعروفة...بعض النظام “اللاديمقراطية” أو بالأحرى المناهضة إيديولوجياً وتكوينياً للحرية والديمقراطية، ستظل ماضية بحرب تصفية الحسابات مع “معسكر طهران”...القصة لا يعوزها كثير من البراهين، ولقد رأينا بعض الناطقين شبه الرسميين بأسماء هذه الدول، يعبرون عن “صدمتهم” من اجتماعات موسكو...ولا يخفون خيبة أملهم في عنان ومبادرته الأولى و”مجموعة اتصاله”...في المقابل، تقف إيران المسكونة بهاجس مكانتها ودورها الإقليميين على أهبة الاستعداد للإطاحة بأي حل للأزمة السورية لا يلحظ مصالحها ويحترم دورها...هؤلاء جميعاً، يجب أن توضع لأطماعهم واجنداتهم حدوداً قاطعة إن أريد لسوريا أن تخرج من أزمتها مكتفيةً بما دفعته من خسائر باهظة حتى الآن.

تعويض ضحايا الثورات العربية!!

بقلم: عبدالحسين شعبان – عن جريدة المستقبل

تواجه الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن مسألة تعويض الضحايا وإنصافهم بالسرعة اللازمة وذلك بعد إنجاز مرحلتها الأولى من التغيير وبداية مسار جديد انتقالي من طور إلى آخر. ولعل تأخير تعويض الضحايا يطرح على بساط البحث مشكلات جديدة، منها كيفية التعامل مع الأجهزة البيروقراطية من جهة، ومن جهة ثانية استحقاقات المرحلة الانتقالية، خصوصاً وأن مثل هذا الموضوع مستحدث في إطار ما يتعلق بفترة الانتقال من حال إلى حال، سواءً من نظام دكتاتوري إلى نظام ديموقراطي، أو من انهيار النظام القانوني والقضائي، إلى محاولة إرساء نظام جديد، أو من حرب أهلية ونزاع مسلح - وبعضه ليس بعيداً عن تدخلات خارجية- إلى حالة السلم مع وجود قلق لهشاشة الوضع الجديد، وهذه جميعها عوامل موضوعية وذاتية تواجهها التجارب العربية، سواءً ما هو منجز منها أو ما ينتظر الإنجاز.

ولأن العدالة في الفترة الانتقالية لها خصوصيات، فإنها تشتبك مع العدالة العادية وبالقدر نفسه تختلف عنها في بعض الجوانب، وإنْ كان هدفهما مشتركاً، فإن المبادئ الأساسية والقواعد المتعلقة بالحق في التعويض تندرج في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، إضافة إلى قواعد القانون الدولي العام، بما فيه القانون الدولي الجنائي، إن هذه القوانين جميعها، إضافة إلى القوانين الوطنية تؤكد على حق الضحايا في الحصول على تعويض مناسب وفعّال وسريع، الأمر الذي يستوجب اتخاذ إجراءات سريعة للتعويض عن الأضرار وإعادة التأهيل البنيوي والنفسي، فضلاً عن ردّ الاعتبار الشخصي، بما يكفل إرضاء الضحايا: مثل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإيقاف الانتهاكات والحيلولة دون تكرارها، وضمان إصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية على نحو مؤسسي.

لقد شهدت جميع الثورات تحدّيات من هذا القبيل فضلاً عن صعوبات كثيرة مثل عدد الضحايا وكيفية ردّ الاعتبار والتعويض وعلاج الانتهاكات للفرد أو للمجموعة، الأمر الذي يمكن أن يترك آثاراً بعيدة المدى على الأفراد وعلى المجتمع ككل، ناهيك عما قد يسببه من ردود فعل خطيرة.

لقد دأبت التجارب الدولية على انتهاج سبيل العدالة الانتقالية لتعويض الضحايا وذلك لاعتبار أن هذا هو عنصر أساس من عناصرها، سواءً بإعادة الحقوق أو بالتعويض عن الأضرار أو ردّ الاعتبار الشخصي جرّاء هدر الكرامة الإنسانية، على أن يعتبر التعويض حقاً من الحقوق وليس منّة أو هدية أو مكرمة أو حسنة، الأمر الذي يستوجب وضع برنامج لاعتبار الضحايا أصحاب حق وهو ما يتطلب دعمهم في الدفاع عن حقوقهم.

وإذا كانت التجربة الدولية تختزن نحو 40 طريقاً للعدالة الانتقالية لنحو ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، فإن لكل بلد في الوقت نفسه خصوصيته وسماته وتطوره وتاريخه وثقافته، الأمر الذي لا يعني تقليد أو استنساخ نموذج من النماذج بقدر الإفادة منه بما له وما عليه مع مراعاة خصوصية وحساسية بلداننا العربية وتاريخها وآفاقها ومشكلاتها السياسية والاجتماعية، من دون نسيان القواعد العامة التي تشكل مشتركاً إنسانياً لجميع التجارب.

إن الإقرار بحق التعويض يندرج في إطار القانون المدني الذي يقرّ بهذا الحق، وهو جزء من الاعتراف بالانتهاكات الماضية وبالمسؤولية إزاءها الفردية والجماعية، خصوصاً لتعويض الأضرار والالتزام العلني بالاستجابة لآثارها وعلاجها.

وغالباً ما ذهبت الدول وتجارب العدالة الانتقالية إلى اعتبار الاعتراف العلني أهم عنصر من عناصر التعويض وتزداد فاعليته بالكشف عن الحقيقة وإصلاح المؤسسات وتوفير آليات للمحاسبة وإحياء الذكرى، كما أن التعويض لا ينبغي أن ينصب على إسكات الضحايا أو إسدال الستار على الماضي، بقدر كون التعويض وسيلة من وسائل البناء، لا سيما لفترات ما بعد النزاع من إجل إعادة بناء السلام والإعمار سواء كان التعويض مادياً أو معنوياً.

ويمكن للقضاء أن يلعب دوراً حاسماً في وضع معايير للالتزامات القانونية على أساس استراتيجي، لكن هذه المعايير ليست وحدها كفيلة بمواجهة التحديات، ويتطلب الأمر من الضحايا أو عوائلهم تقديم أدلة تفصيلية عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها والأضرار التي لحقت بهم وعن هوية الأفراد الذين ارتكبوا. وإذا كان الإقرار بالتعويض يتطلب برامج إدارية فإن هدفه هو الحصول على منافع رمزية أو مادية أو كليهما، سواء تقديم اعتذارات أو إطلاق أسماء شوارع أو مدارس أو ساحات عامة لتكريم الضحايا أو نقل رفاتهم بعد كشف أماكن دفنهم وإعادة دفنهم في مقابر لائقة وفي ظل احتفالات عامة، وتقديم هبات مالية وتمويل مشاريع اجتماعية ودفع تعويضات نقدية ورواتب شهرية أو تقاعدية وهو ما حصل لبعض ضحايا ما سمّي بالمقابر الجماعية.

إن هدف التعويض هو إعادة الثقة وإدماج الضحايا في المجتمع من دون إهمال الجانب المادي. كما هناك التعويض الجماعي والفردي، أي للأفراد أو للجماعات أو لمناطق كاملة، مدن: أحياء سكنية، مجموعات بشرية إثنية أو دينية، أو لقطاعات شاملة، مثل حقوق المرأة، التطهير الإثني والعنصري والديني، أو عقوبات جماعية شاملة مثل التعذيب والقمع لأبناء منطقة بكاملها أو النزوح والتهجير والإجلاء لسكانها، الأمر الذي يحتاج إلى رد اعتبار جماعي كأن يتم تحويل مواقع الاعتقال السرية إلى مواقع لتخليد الذكرى والضحايا وإقامة مجمّعات ثقافية واجتماعية ومتاحف ونُصب تذكارية في المناطق التي تعرضت للعقوبات الجماعية.

وسواءً كان التعويض فردياً أو جماعياً لا بدّ من وضع أسس لمبادئ العدالة والمساواة وتجنّب المحاباة أو التمييز، ذلك لأن التعويضات ذات الطبيعة الرمزية للحق الذي يتمتع به كل فرد على حدة والاعتراف بقيمة كل فرد في المجتمع.

إن عدم حسم قضايا التعويض سريعاً والاستغراق في الروتين والبيروقراطية يؤدي أحياناً إلى إلحاق أضرار جديدة لدى الأشخاص الذين يطالبون بالتعويض، في ما يتعلق بالجرائم التي يصعب إثباتها بعد مرور سنوات عديدة، وذلك مثل حالات التعذيب والاغتصاب والانتهاكات الجنسية والمعاملات الحاطّة بالكرامة، وهناك عقبات كثيرة تقف أمام ذلك، سواءً كانت طبية أو الخوف من التحدث بتجارب مرّ الضحايا بها، وأحياناً حتى الفحوص النفسية لا تعطي النتائج المطلوبة، مما يؤدي إلى زيادة معاناة الضحايا وقد يتنازل الضحية عن حقه بدلاً من التعرّض مرّة ثانية للتجربة المريرة، خصوصاً إذا ما تعرضوا للإشهار بما حصل لهم أو لم يلقوا العلاج الكافي أو التقدير الكافي لحالتهم وكثيراً، ما يجعل الضحايا يفضلون عدم الحديث عن معاناتهم، في حين يرغب آخرون بعرضها.

وإذا كانت الدولة مسؤولة عمّا حصل للضحايا، فإن الميليشيات هي الأخرى مسؤولة سواءً سلّحتها الدولة أو لم تسلّحها، مثل البلطجية والشبيحة وغيرهما، ومن واجب الدولة تعويض الضحايا حتى عن ارتكابات لمتمردين أو جماعات مسلحة، وذلك بسبب التزاماتها بالصالح العام والعمل على إعادة دمج الضحايا أياً كان المسؤول عن ارتكاب الجرائم .

إن غياب عملية الكشف عن الحقيقة يستدعي أحياناً اتخاذ عدد من الخطوات الإضافية اللازمة لبرنامج التعويض ومنها مثلاً تحديد هوية الضحايا وتقدير الأضرار التي ينبغي معالجتها. وإذا أريد تعويض الضحايا فعلاً فلا بدّ من توفر إرادة سياسية، لأن التعويض أمر عاجل ولا يحتمل الانتظار وهذه مسألة حساسة ونفسية بالنسبة للضحايا، والأمر يحتاج إلى تشريعات مناسبة واستراتيجية طويلة المدى وإجراءات راسخة ذات أولويات عادلة ومنطقية بهدف إتمام إصلاح شامل لكل جوانب الحياة.

التعويض هو رد اعتبار للضحايا والإقرار الرسمي العلني بمعاناتهم وهو تقريب معاناتهم من الرأي العام، وبالتالي اقتراب فهمه لأحداث الماضي وتنمية اهتمامه بضرورة احترام حقوق الإنسان وتعزيز التضامن الوطني وخلق شروط للمصالحة وتغذية مساراتها وحفظ الذاكرة الجماعية، خصوصاً إذا صاحبه جلسات استماع.

إسرائيل الغيتو

بقلم: سليمان الشيخ – عن جريدة المستقبل

منذ البدء وعندما تم التفكير بإنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، أدركت بعض القيادات الصهيونية التي جاءت إلى فلسطين، واطلعت على المعطيات الديموغرافية فيها، أن أكذوبة كبيرة يتم الترويج لها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" إذ إنهم وجدوا شعبا يكدح ويعيش على أرضه، ويصنع حياة متنوعة غنية بالإبداع والعطاء، وموصولة بسلسلة طويلة من الإرث التاريخي الذي تظهر شواهده في كل مجالات الحياة وتجلياتها المتنوعة؛ لذا أطلقوا تحذيراتهم المبكرة، وطالبوا بتوفير وبناء الحصون والقلاع القادرة على حماية ما يتم احتلاله، طبعا بمساعدة قوى أجنبية، لردع وتخويف أصحاب البلاد، ومحاولة التغلب عليهم، وإن أمكن تشريدهم وطردهم من أراضيهم.

وما زال هذا التوجه مستمرا حتى بعد قيام الكيان، أي ما زالت القلاع والحصون والأسيجة تقام على جميع الحدود التي أمكن الوصول إليها، من سيناء وغزة في الجنوب، إلى أقصى الشمال على حدود لبنان، وعلى الحدود السورية والأردنية، إذ إن هناك ورشة كبيرة من البناء والتسييج على طول تلك الحدود، بل إن جدارا (جدار الفصل العنصري) ما زالت ورشته قائمة في الداخل الفلسطيني المحتل، للفصل بين ما تم احتلاله من أراض في العام 1948، وبين ما تم احتلاله في العام 1967، ويجري البناء فيه على أراض يمنع القانون الدولي البناء عليها، لأنها أراض محتلة. مع ذلك فإن الكيان الصهيوني المحمي والمدعم من قبل الغرب الأوروبي والأميركي، لا يأبه في الكثير من الأحيان لما يرتبه وينص عليه القانون الدولي، ولم يكتف هذا الكيان ببناء الحصون والقلاع والجدران والأسيجة التي تقام وتفصل بين بلدات وقرى ومدن وأراضي الفلسطينيين فقط، بل إنها تبني طرقا خاصة والتفافية، كي تمنع التقاء الصهاينة بغيرهم من الفلسطينيين، وهذا من الشواهد المهمة على العنصرية التي تدمغ تصرفات وخطط وتطبيقات هذا الكيان.. كأن واقع ووقائع "الغيتو" والعزل والإنعزال أصبحت من سمات الأفراد والمجتمع، بفعل عوامل وبواعث وأسباب عديدة، تدل عليها شواهد كثيرة.

من بواكير ما جاء على ألسنة بعض قادة الصهاينة في التأكيد على بناء القلاع والحصون والأسيجة، يمكن تسجيل التالي: في كتاب "الدولة اليهودية" لهرتزل الصادر في العام 1897 جاء ما يلي: "ونقيم هناك في فلسطين جزءا من حائط لحماية أوروبا في آسيا يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية، ويتوجب علينا كدولة "محايدة" أن نبقى على اتصال بأوروبا التي ستضمن وجودنا في المقابل". وذكر الزعيم الصهيوني جابوتنسكي في عام 1925 "إن الاستعمار الصهيوني حتى في أضيق نطاق، يجب إما إنهاؤه وإما تنفيذه على الرغم من إرادة السكان المحليين. لذا لا يمكن للاستعمار أن يستمر إلاّ في ظل حماية مستقلة عن السكان المحليين، أي داخل حائط حديدي لا يمكن للسكان المحليين اختراقه". وجاء في كتاب "موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية" للدكتور عبد الوهاب المسيري في ما يتعلق بالتفكير "الغيتوي" لدى الصهاينة ما يلي: " ويظهر أثر التفكير الغيتوي على الفكر الصهيوني في تقديمه لكل ما هو يهودي، وفي تصوره أن اليهود والدولة الصهيونية هما مركز الدنيا والتاريخ، وفي فصله الحاد بين اليهود والأغيار، ويظهر أثر الغيتو على فكرة الأمن الإسرائيلي المبنية على الشك العميق في الأغيار".

تطبيقا لهذه المقولات وغيرها، ما زال بناء القلاع والحصون والأسيجة والجدران مستمرا حتى يومنا هذا، لكن هل منع كل هذا وغيره عشاق الأرض من التواصل معها، والارتماء في أحضانها، وتجاوز كل المعوقات؟ أنها المعادلة العصية على أفهام بعض الصهاينة: شبان رضعوا حليب التواصل والحنين لأرض لم يروها إلا في الصور، لكنها عششت في تلافيف أدمغتهم وفي حنايا قلوبهم في الشتات والغربة، ما يدفعهم إلى تلبية نداء الواجب، كأنهم أجبروا بالقوة على سلوك درب النكبة في التو، ثم جاءوا لإحقاق الحق، وإعلاء كلمة العدل، واستعادة الأملاك والدور والأرض.


إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً