اقلام عربي 547
14/11/2013
في هذا الملــــف:
إقتحام الأقصى: محاولة بناء وخلق مدينة يهودية مقدسة تثبًت ‘الاحقية اليهودية’ في القدس الشرقية
بقلم: رياض ياسين عن القدس العربي
دولة تخشى زوال الخطر!
بقلم: د. صبري صيدم عن القدس العربي
إسقاط «حماس»: من يريد؟ من يستطيع؟
بقلم: ماجد عزام عن الحياة اللندنية
فرصة اخيرة أمام حل الدولتين
بقلم: علي بدوان عن الحياة اللندنية
رأي الدستور: مـنــاورة اســرائيـليـــة مكشوفة!
بقلم: أسرة التحرير عن الدستور الأردنية
المحادثات الفلسطينيّة ـ الإسرائيليّة... طريق بلا خريطة
بقلم: كلوفيس مقصود عن السفير اللبنانية
عرفات والمادة المشعة التي حسمت حقيقة استشهاده
بقلم: أمينة أبو شهاب عن الخليج الاماراتية
مأساة سوريا أسوأ من كارثة فلسطين!
بقلم: هدى الحسيني عن الشرق الأوسط
عقدة الإخوان!
بقلم: محمد سلماوي عن المصري اليوم
إقتحام الأقصى: محاولة بناء وخلق مدينة يهودية مقدسة تثبًت ‘الاحقية اليهودية’ في القدس الشرقية
بقلم: رياض ياسين عن القدس العربي
تتزاحم الاخبار والتحذيرات عن قيام المتطرفين بالاعتداء مباشرة على المسجد الاقصى واقتحام حرمته في هذه الايام، فاقتحام الاقصى بين الفينة والاخرى أكثر من مجرد اعتداء عرضي لمتطرفين يتم تحت اعين سلطة الاحتلال الاسرائيلي التي هي بموجب الاتفاقات والقرارات الدولية بمثابة الامينة على هذه الممتلكات الثقافية، فاسرائيل وفقا لأحكام القانون الدولي تعتبر قوة محتلة، قامت بإحتلال القدس وباقي الأراضي العربية المحتلة بالإستناد للقوة، والإحتلال معرف تعريفاً واضحاً في المادة 42 من اتفاقية لاهاي لعام 1907.
هل سيكفي فقط تجريم اسرائيل واستصدار قرارات جديدة ضدها في حال كررت الاعتداء على الاماكن المقدسة، باعتبار أن الاعتداء على الاملاك الثقافية من أماكن دينية واثــــــرية وتاريخية في أكثر من موضع وأكثر مــن قرار يعد بمثابة جرائم حرب، فقد أعتبـــــرت أحكام المادة (147) من اتفاقية جنيف الرابعة تدميــــر واغتصاب الممتلكات الدينية والثقافية والتاريخية بصورة لا تقتضيها الضــــرورات الحربية الأكيدة من قبيل المخالفات الجسيمة، التي كيفت بنص المادة (85) من البروتوكول الإضافي الأول بأنها جرائم حرب. وهذا ما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار رقم 36/147 بتاريخ 16/ ديسمبر /1981 فقرة (6) بأن الاعتداء على الأماكن التاريخية والثقــــافية والدينية هي من قبيل جــــرائم الحرب، حيث نصــت على أن حالات الخـــرق الخطــــيرة من قبل إسرائيل لأحكام اتفاقية جنيف هي جرائم حرب وإهانة للإنسانية.
الاهم من ذلك يبدو على المستوى السياسي لهذه الاقتحامات المتكررة التي يبدو انها تصب في مجرى مشروع بناء ما يسميه الاسرائيليون ‘المدينة اليهودية المقدسة’ بحيث يهدفون الى تقسيم المسجد الاقصى وتثبيت ‘الاحقية اليهودية’ فيه كأمر واقع، مستثمرين بعض الرؤى السياسية الدولية لمستقبل مدينة القدس بحيث هناك فكرة رائجة الآن خاصة في الاوساط الامريكية تقوم على رؤية المدينة المتعددة او العاصمة الدينية المفتوحة لجميع الاديان. نقول ذلك لأن ثمة فكرة الان لدى حكومة نتنياهو تتعلق بان دولة يهودية الطابع تحتاج الى عاصمة يهودية الطابع تماما ومن هنا فكرة خلق ‘مدينة يهودية مقدسة’ خاصة داخل القدس العربية والبلدة القديمة بهذا الطابع ينسجم مع توجهات حكومة نتنياهو الحالية، بحيث يغدو مستقبل ما يسمى القدس العربية في الشطر الشرقي من المدينة من المشتركات السياسية بين اليهود والعرب وتغدو الأحقية التاريخية لليهود امرا واقعا فيما طرحت المدينة للتداول في سوق التفاوض.
يبدو ان اقتحامات المسجد الاقصى تأتي بعد ان فشلت الادعاءات المؤدلجة صهيونيا من إثبات وجود الهيكل تحت المسجد الاقصى بعد ما يزيد على مئة وخمسين سنة من الحفريات تحت وحول المسجد ومحيطه، فالبعثات العلمية أثبتت فشل كل محاولات البحث عن اثار تمت لما يسمونه الهيكل بصلة، لذلك فهم الان في مرحلة بناء وخلق ما يسمونه ‘اورشليم المقدسة’ من خلال مسارين: الاول تثبيت حق اليهود بالصلاة في جبل الهيكل كما يسمونه، والثاني خلق اثار لاورشليم المقدسة على هذا الجبل، ومن هنا نقرا الاقتحامات والتغولات غير المأذونة الا من سلطات الاحتلال المتواطئة تماما، فهؤلاء المقتحمون هم طليعة تنفيذ المشروع السياسي البغيض بمحاولاتهم الاستفزازية تعميق الكراهية من خلال وضع اقدام لهم هناك لعلهم يفلحون في خلق نظير لمحاولتهم في الحرم الابراهيمي الشريف الذي على ما يبدو لاتتوقف فكرة إعلان ضمه للتراث اليهودي فحسب بل على تسجيله على لائحة التراث العالمي ضمن المواقع التابعة للدولة العبرية في اليونسكو، وأكثر من ذلك فإن الاجواء باتت مهيئة لإشعال الحرب الدينية في المنطقة، فالسياق العام للصراع يؤكد ذلك خاصة بعد إكمال ما يسمونه كنيس الخراب في القدس الشرقية.
دولة تخشى زوال الخطر!
بقلم: د. صبري صيدم عن القدس العربي
عجيبة هي الحياة التي باتت تجمع في طياتها غرائب الأمور التي لم يعد عقــــلنا البشري قادراً على تفسيرها أو حتى فهمــــــها أحياناً.
فأصدقاء الأمس من الدول والأحزاب، وفي خضم الربيع العربي باتوا خصوم اليوم، فتداخلت خريطـــــة التحـــالفات بصورة باتت غاية في التعقيد حتى بت لا تعرف من مع من؟
والقتل بات مبرراً ومشروعاً ومستسهلاً ومرخصاً للجميع. بينما حرب الفضائيات والفضاء الإلكتروني باتت كلها مستعرة ومزدحمة بفوضى الارتباك والتيه والضياع.
نعم اختلط الحابل بالـــنابل بصورة بتنا لا نعرف لمن نصغي ولمن نصفق ولمن نتطلع، في عالم لم يعد الجنون فيه طفرة، وإنما حالة مستدامة وبديهية.
الطريف في الأمر أن ينضم إلى قاطــــرة المواقف موقف واضحٌ ومعلن لرئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يحتج فيه على تقــــــاطر وزراء خارجية الدول الكبار على جنيف الأسبوع الماضي للقاء وزير خارجية إيران، منبهاً ومحذراً من التصالح مع إيران.
إذاً الطريقة السلمية للحد من قنبلة إيران النووية، التي حمل رسمها نتنياهو أمام الجمعية العامة العام الماضي، متسلحاً بقلمه الأحمر ومشيراً إلى حدود التخصيب فيها، مرفوضة من قبل إمبراطور تل أبيب؟ أي أن العالم إذا ما قصّر بحق إسرائيل فإسرائيل تعنفه، وإذا ما جنح نحو الحل السلمي فإسرائيل أيضاً تعنفه، على أرضية اتهام الخصم بالمراوغة والمناورة. إذاً ما الذي تريده إسرائيل؟
المطلوب فزاعة دائمة ترهب إسرائيل فيها رعاياها وحلفاءها، فتقنع مواطنيها بأن أمنها مهدد، وأن الالتفات للمشاكل الداخلية سيحط من فرص الاهتمام بالأمن وحماية الدولة وبقائها. وترهب إسرائيل بالمقابل حلفاءها بأن خطراً داهماً يواجهها، بحيث تضمن تدفق المساعدات المالية والعسكرية مدعومة بمواقف واضحة وعلنية تتطلب لأمن المحتل.
هذه الرؤية هي ذاتها التي صارح فيها أرييل شارون ذات يوم أحد المؤرخين، مؤكداً على أن غياب التهديد والخصوم عن الدولة العبرية سيعني تفككها، جراء استشراء الفوارق الاجتماعية والتفات رعايا الدولة إلى عالمهم المليء بالمصائب.
وفي التاريخ شاهد واضح تولّد مع ولادة ربيع تل أبيب قبل عامين، عندما هب الشباب الإسرائيلي للاعتصام في خيامهم وسط عاصمة الاحتلال، احتجاجاً على وضعهم المعيشي، فبدأ معها تصاعدٌ واضحٌ لتلك الاحتجاجات حتى استفادت إسرائيل من حرب غزة آنذاك لفض الاعتصام وإنهائه على أرضية البعد الأمني الذي يتهدد الدولة وأركانها.
إذاً فزاعة الخوف واستناداً إلى موقف نتنياهو الأخير هي ما تحتاجها إسرائيل لتماسكها وترابطها. فكيف لوزير الخارجية الأمريكية جون كيري وإدارة رئيسه أن يقدما على خطوة تصالحية مع إيران؟ وكيف لكيري أيضاً أن يخرج على الفضائية الفلسطينية ليحذر إسرائيل من العزلة ويدعوها للتفكير في مستقبلها؟
الرد على ما اعتبره نتنياهو ‘وقاحة’ أمريكية جاء بالإعلان عن المزيد من المستوطنات وعن دعوة ليبرمان المأزوم للعودة إلى كرسي الخارجية في حكومة المستوطنين التي يقودها نتنياهو… حالٌ يذكرنا بالرجل الذي أراد أن ينتقم من أبنائه فقتل نفسه! مرحباً بعالم صار جنون العظمة فيه زينة.
إسقاط «حماس»: من يريد؟ من يستطيع؟
بقلم: ماجد عزام عن الحياة اللندنية
بدأ الجيش المصري حربه ضد الجماعات السلفية الجهادية في سيناء في آب (أغسطس) 2012 إثر المجزرة التي تعرض لها جنوده الصائمون في رمضان قبل الماضي، من دون أن يضع أي أجندات سياسية تجاه «حماس» أو قطاع غزة. غير أنه فهم أن من المستحيل تحقيق الانتصار أو إضعاف تلك الجماعات من دون قطع صلتهم الفكرية واللوجستية مع نظرائهم في القطاع، وأعتقد أن الأنفاق تمثل قناة التواصل بين الجانبين، وأن هدمها كفيل ليس فقط بإغلاقها، وإنما بوقف تسونامي السلاح المتدفق على شبه الجزيرة من الحدود الجنوبية الشاسعة والمترامية الأطراف لمصر، والتي يصعب السيطرة عليها، بينما إغلاق الأنفاق سيجعل من هذا التدفق عديم الجدوى اقتصادياً وأمنياً أيضاً.
تم حتى الآن هدم أكثر من تسعين في المئة من الأنفاق الواصلة وجاءت النتيجة كارثية بكل المقايس، وعلى «حماس» في شكل خاص، وغزة في شكل عام، حيث فقدت الحركة الإسلامية ثلثي موازنتها السنوية تقريباً والبالغة نحو 700 مليون دولار، بينما انضم العاملون في الأنفاق والقطاعات المرتبطة بها، مثل قطاع البناء والبالغ عددهم نحو 70000 عامل إلى طابور العاطلين الطويل أصلاً، ما ضاعف معدلات الفقر والبطالة وفاقم الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية المتردية أصلاً.
شجع مأزق «حماس» السياسي الاقتصادي والاجتماعي أطرافاً فلسطينية وإقليمية على التفكير في إسقاطها، ضمن مخطط عام يهدف إلى إضعاف وحتى اقصاء حركات الإسلام السياسي. وفي هذا الصدد كثر الحديث عن إعطاء دور رئيسي للقيادي الفتحاوي السابق محمد دحلان، الذي ما زال يتمتع بنفوذ وثقل واضحين في الوسط الفتحاوي الغزاوي، وهنا تمكن الإشارة إلى ما نشرته صحيفة «الحياة» (الأحد 6/10) عن عودة التواصل والتنسيق بين دحلان والأجهزة الأمنية المصرية في أمور وملفات عدة تتعلق بغزة والحرب ضد الجهاديين في سيناء. و «الحياة» نقلت أيضاً عن مصادر مقربة من دحلان قولها إنه لا يكاد يمر شهر من دون أن تعرض شخصيات سياسية عربية نافذة وساطتها لإجراء مصالحة بين الرئيس عباس ودحلان، كون الأخير وحده قادراً على مواجهة «حماس» وهزيمتها.
سواء كان هذا المخطط حقيقياً أو سياسياً إعلامياً لتحويله إلى مخطط واقعي وجدي، فهو لم يلق قبول الأطراف الرئيسة الثلاث القادرة نظرياً على تمريره وإنجاحه، وهي مصر المستنزفة في حربها بل حروبها الداخلية، والسلطة الفلسطينية المنخرطة في المفاوضات وتفاصيلها والرافضة للمصالحة مع دحلان حتى مقابل استعادة غزة. غير أن الرفض غير المتوقع ربما، لغير المتابعين، جاء من إسرائيل التي عبرت صراحة وفي شكل رسمي عن رفضها تغيير الوضع القائم حالياً، بخاصة بعد التهدئة غير المسبوقة السائدة منذ عام تقريباً.
بتفصيل أكثر يمكن القول إن مصر لم تضع أجندة سياسية فلسطينية لحربها في سيناء، وهي لا تفكر في شن حرب ضد «حماس» أو المشاركة في مخطط إقليمي لإسقاطها، ليس فقط لأن هذا المخطط محفوف بالمخاطر، وقد تسيل دماء كثيرة بين الشعبين المصري والفلسطيني، وإنما لأنها منشغلة بقضايا وملفاتها الداخلية الصعبة الشائكة ولا تريد استنزاف جهودها في حرب زائدة لا جدوى منها، وهي اكتفت بإغلاق الأنفاق مع ربط شريان غزة إلى ما يشبه المحلول الغذائي (السيروم) كي لا تنفجر الأوضاع فيها، مع استعادة الخطاب السياسي من زمن نظام الرئيس حسني مبارك والقائل بضرورة المصالحة الفلسطينية، وتولي السلطة الفلسطينية الشرعية، من وجهة نظرها، أي الرئيس عباس والأجهزة الخاضعة لإمرته، الإشراف على معبر رفح والحدود في شكل عام.
أما السلطة الفلسطينية في رام الله، فلا تنفي رغبتها في الاستفادة من المتغيرات الإقليمية لإجبار «حماس» على القبول بشروطها لإنهاء الانقسام واختزالها المصالحة بالانتخابات للمجلس التشريعي ورئاسة السلطة فقط، مع تجاهل البعد المجتمعي وتكريس الحريات، ناهيك عن ملف منظمة التحرير والشراكة فيها إلى حين إصلاحها في شكل جدي وديموقراطي. غير أن هذا لا يصل إلى حد العودة إلى غزة على ظهور الدبابات المصرية، كما أنها لا تبدو مستعجلة لاستعادتها، أقلّه حتى اتضاح آفاق ومآلات المفاوصات الجارية الآن مع الحكومة الإسرائلية، وتحديد الخطوات التالية في حالتي الفشل أو النجاح. وفي كل الأحوال فالرئيس عباس وقيادة فتح الحالية لا يفكرون أبداً في المصالحة مع دحلان بأي شكل، وهو ما تبدى بوضوح في قرار فصل المسؤول الفتحاوي في لبنان، اللينو، ومسؤولين حركيين آخرين، فقط لأنهم تجرأوا على فتح قنوات اتصال مع القائد الفتحاوي المغضوب عليه إلى أجل غير مسمى.
جاء الموقف الإسرائيلي الذي بدا مفاجئاً، عبر تصريح لافت للجنرال سامي ترجمان قائد الجبهة الجنوبية لجيش الاحتلال في لقاء مع القناة الثانية العبرية (الخميس 26 أيلول/سبتمبر) عبّر فيه بصراحة ووضوح عن الموقف المعروف ضمناً في السنوات السابقة، مشيراً إلى قيام تل أبيب بإيصال رسائل للجانب المصري لتخفيف إجراءاته الصارمة على الحدود كي لا تنفجر غزة مرة اخرى في وجهها، مشدداً على رفض فكرة إسقاط «حماس»، التي لم تتحول حليفة أو صديقة للدولة العبرية، الا انها القوة الوحيدة القادرة على ضبط الأمور والحفاظ على التهدئة.
ترجمان لم يشر إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل في الحفاظ على الانقسام والفصل التام بين غزة والضفة الغربية، لتعويم الحل الاقليمي التاريخي لليمين ولتكريس أمر واقع يحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة ضمن حدود حزيران (يونيو) 1967.
وباختصار، حتى لو تقاطعت رغبات ومصالح الأطراف الرئيسة الثلاثة، فإسقاط «حماس» أمر غير مفروغ منه ودونه عقبات وأثمان باهظة معنوية وسياسية وعسكرية وأمنية. وفي الحقيقة فالشعب الفلسطيني وحده القادر على إبعادها عن السلطة، ولكن ليس ضمن مخطط إقصائي إقليمي أو غير إقليمي، وإنما ضمن حالة تمرد وطنية شاملة في الضفة، قبل غزة، لفرض إنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وحدة من شخصيات وطنية مستقلة.
فرصة اخيرة أمام حل الدولتين
بقلم: علي بدوان عن الحياة اللندنية
لم تكن استقالة كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات من موقعه سوى صرخة عالية في معمعة أزمات مستعصية في مسار العملية التفاوضية على مسارها الفلسطيني - الإسرائيلي.
استقالة عريقات وبغض النظر عن تفسيرات البعض لخلفياتها، وإعلان الرئيس محمود عباس عن رفضها، تعبر في جوهرها عن المدى الذي وصلت إليه العملية السياسية بعد انطلاقتها الجديدة أواخر تموز (يوليو) الماضي، وتَحمِلُ في طياتها الكثير من المعاني والدلالات، وتؤشر على المنحى الخطير الذي باتت تسير عليه سكة المفاوضات بعد استفحال المواقف الإسرائيلية لجهة الاستمرار في الإعلان عن عطاءات جديدة للاستيطان والتهويد في مناطق القدس وبعض مناطق الضفة الغربية، في محاولة لمقايضة ما تم بعد إطلاق دفعة ثانية محدودة العدد من الأسرى بإطلاق المزيد من المشاريع التهويدية.
حضور القضية الفلسطينية يتراجع على رغم الحديث عن العملية التفاوضية التي أَقلَعَ قطارُها نهاية تموز الماضي، حيث لم يكن استئناف المفاوضات بالسهولة المُيسّرة، بل سبقتها سلسلة طويلة معقدة من اللقاءات الفلسطينية الأميركية، بدأت في رام الله يوم 7/4/2013 وتواصلت حتى يوم 19/7/2013، حين أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري من عمان عن موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على استئناف المفاوضات، وقد انتهت أعمال جلستها الثامنة الأخيرة من دون تقدم محسوس أو ملموس بالمطلق. فكُل الجلسات الماضية لم تكن سوى إعادة تكرار للمُكرر واستنساخ سمج، في ظل دعوات إسرائيلية ما زالت تطلّ بنفسها عبر محاولة فرض المزيد من الإملاءات والاشتراطات على الطرف الفلسطيني، وعلى رأس تلك الاشتراطات الاعتراف الفلسطيني بما يسمى «يهودية الدولة» وهو الشرط الذي عاد وكرره قبل أيام بنيامين نتانياهو معتبراً أنه «الشرط اللازم وغير الكافي للسير بالعملية السياسية مع الطرف الفلسطيني». ومن المضحك أنه تم تحديد السقف الزمني لانتهاء المفاوضات من 6 إلى 9 أشهر، وقد مضى الآن على انطلاقها أكثر من شهرين وما زالت الأمور تراوح مكانها من دون جدول أعمال محدّد وملموس، مع تناول العموميات فقط، ومع تركيز الجانب الإسرائيلي على «الأمن أولاً» ليتم سحب نتائج الاتفاق الأمني على خريطة الحدود بما يستجيب لدعوات ورغبات حكومة نتانياهو اليمينية المتطرفة، فيما لسان حال الفلسطينيين يقول وفق المثل الشعبي «تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي».
في هذا السياق، يَلحَظ المتابع لتحولات الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل، بروز مواقف متتالية ترى أن ما يسمى بحل الدولتين على مسار التسوية أصبح عملياً «في خبر كان». وقد عبّر عن ذلك مؤخراً، وبوضوح صارخ، أحد أقطاب اليمين الإسرائيلي، الوزير السابق موشيه أرينز، الذي شغل مواقع عدة، منها سفير إسرائيل في واشنطن والأمم المتحدة، ووزير للدفاع أثناء اجتياح لبنان عام 1982 في حكومة مناحيم بيغن زعيم حزب «الليكود» آنذاك، حيث بات موشيه أرينز يرفع من وتيرة تنظيراته السياسية التي تتحدث عن دولة يهودية الطابع على كامل أرض فلسطين التاريخية عدا قطاع غزة، والتي يُمكن لها أن تستوعب فلسطينيي الضفة الغربية.
والمعروف أن موشيه أرينز في الثامنة والثمانين من العمر، ويحمل آراءه بخصوص الدولة الواحدة منذ عقدين. وهو أحد القادة التاريخيين لمعسكر اليمين، شارك في قيادة «الليكود» سوية مع المؤسس مناحيم بيغن، ويعتبر أرينز الأب الروحي لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتانياهو، إذ أنه جاء به إلى عالم السياسة، وزرع فيه روح التعصب للفكرة والنزعة الفاشية والعنصرية الصهيونية.
موشيه أرينز دعا مؤخراً إلى ما أسماه «إحداث انعطاف في المفاوضات مع الفلسطينيين وهدم الجدار العازل» والخروج من منطق «حل الدولتين، والتفاوض على دولة واحدة للشعبين» بحسب تعبيره، وقد لقيت دعوة أرينز دعماً من بعض أطراف اليمين الإسرائيلي الذين يرون ضرورة الاحتفاظ بكامل أرض الضفة الغربية في أي تسوية قادمة.
وكان موشيه أرينز يتكلم في محاضرة في تل أبيب، ونشرت مقاطع من كلمته على صفحات بعض الجرائد العبرية، وركز على رفض حل الدولتين والقول بحل دولة واحدة، حيث كرر القول: «أنا لا أريد أن يتحول الجدار مع الأيام إلى خط حدود سياسي، وأنا مستعد لأن تكون هناك دولة واحدة للفلسطينيين والإسرائيليين، شرط أن لا تشمل قطاع غزة». وأضاف أنه «مستعد لأن يشارك الفلسطينيون في التصويت للكنيست، إذا كانوا يقبلون بأن تكون إسرائيل دولة الشعب اليهودي». وتحظى مواقف أرينز بدعم من عدة شخصيات يمينية متطرفة، لدوافع مماثلة أو مختلفة، مثل عضو الكنيست يوني شطبون من حزب «البيت اليهودي»، وشخصيات معروفة من عتاة الحركة الصهيونية.
وبالمقابل، فإن حل الدولة الديموقراطية على أرض فلسطين هو البديل من وجهة نظر البعض الآخر، من الذين ما زالوا يُشكلون إلى الآن حضوراً محدوداً داخل إسرائيل، منطلقين من أن حل الدولة الواحدة سيفرض نفسه تلقائياً مع مرور الزمن على أرض الواقع وهو في جوهره من وجهة نظرهم «حل دولة ثنائية القومية، رعاياها متساوون، وستلغى عندها هوية الدولة اليهودية» (على رغم التحفظ على كلمة شعبين، حيث لا تنطبق على اليهود في فلسطين كلمة شعب وإلا فنحن نخالف منطق الأشياء).
فهناك تأييد، وإن يكن ما زال محدوداً، لفكرة الدولة الواحدة في أوساط صهيونية على أساس أن ذلك هو الفرصة الوحيدة لحل سياسي حقيقي في الشرق الأوسط حتى لو كان ذلك على حساب ما يسمونه زوراً بـ «الوطن اليهودي».
من هنا ضرورة التأكيد أن حل الدولتين الذي يدعو له النظام الرسمي العربي ويتبناه العالم الغربي والولايات المتحدة عموماً، يكاد يبدو مستحيلاً الآن وفي الأفق المنظور بالشروط الأميركية الإسرائيلية، إذ لا تريد كل من واشنطن وتل أبيب إعطاء الفلسطينيين القدس، ولا الرجوع إلى حدود عام 1967 ولا تفكيك المستوطنات، بل يتحدثون عن دولة اسمية للشعب الفلسطيني بدل الحقوق، وليس دولة بحقوق (أكثر من حكم ذاتي بقليل وأقل من دولة بكثير) مع شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهو الحق الذي يُشكّل لب القضية الفلسطينية وعنوانها الأساس.
ففكرة حل الدولتين، وبغض النظر عمن أطلقها، وعن عدالتها من عدمه، تقف على مفترق طرق في إطار الفرصة الأخيرة، وهو ما كان قد أشار إليه أحد من يطلق عليهم حمائم حزب العمل الوزير السابق يوسي بيلين الذي مثل حزب العمل في الكنيست مرة، وحركة «ميريتس» اليسارية مرة ثانية، وكان من صانعي اتفاق أوسلو عام 1993، وقد اعتبر بيلين أن «إعلان أوسلو أصبح وسيلة أتاحت للطرفين إحباط حل الدولتين، بدلاً من أن يكون الطريق نحو حل الدولتين كما أراد صانعوه» على حد تعبيره، مشيراً إلى أن «اتفاقية أوسلو كانت نصراً عظيماً لمعسكري السلام في الجانبين، وقد تم إحباطها من جانب أعدائها الذين لا يريدون تعزيز حل الدولتين».
وفي المسار ذاته، فإن أحمد قريع، رئيس الوزراء الفلسطيني السابق الذي كان أحد المفاوضين الرئيسيين في عملية صناعة اتفاق أوسلو، اعتبر بدوره «أن حل الدولتين أصبح ميتاً، وأن خيار الدولة الواحدة الديموقراطية على أرض فلسطين التاريخية من نهرها لبحرها، يجب التفكير به حالياً».
وبعيداً عن جدية أو عدم جدية أقوال كل من يوسي بيلين وأحمد قريع وهما رمزان أساسيان من رموز مسيرة تسوية أوسلو، إلا أنهما يعكسان في حقيقة الأمر وجهة نظر باتت محل جدل ونقاش حتى داخل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية وداخل صفوف قطاعات متزايدة من الأنتلجنسيا اليهودية، وبات يتبناها أيضاً الكثير من المراقبين لعملية التسوية المتوقفة في المنطقة والغارقة في أوحال التعقيدات الهائلة، مع انغلاق نافذة الفرصة لإقامة الدولة الفلسطينية كما يرى البعض، أو قرب انغلاقها.
رأي الدستور: مـنــاورة اســرائيـليـــة مكشوفة!
بقلم: أسرة التحرير عن الدستور الأردنية
تصريحات نتنياهو بتجميد بناء 20 الف وحدة سكنية ليست جادة، وانما هي تصريحات تستهدف امتصاص غضب الفلسطينيين.. ومن هنا لا تعدو ان تكون مناورة وجزءا من حملة دعائية لاستيعاب حملة الانتقادات العربية والاميركية والاوروبية التي وجهت لاسرائيل، وكان ابرزها دعوة وزير خارجية اميركا جون كيري حلفاءه بضرورة الالتزام بشروط واشتراطات السلام، محذرا من انتفاضة ثالثة في حالة اصرار نتنياهو وحكومته على المضي قدما في الاستيطان والتهويد، وتدنيس المسجد الاقصى، والعمل على فرض سياسة الامر الواقع باقتسامه زمانياً ومكانياً بعد قرار الكنيست السماح لليهود الدخول الى المسجد متى يشاؤون.
ومن هنا استبعدت السلطة الفلسطينية ان يكون قرار نتنياهو قرارا نهائيا لا رجعة عنه, بدليل ان وزير الاسكان ممثل المستوطنين في الحكومة الاسرائيلية لم يحتج على هذا القرار, وهو المعني بالاستيطان واعتبره موجهاً الى الخارج، ويستهدف امتصاص نقمة المجتمع الدولي.
ومن ناحية اخرى فصدور مثل هذا القرار يشكل استدارة تامة في الموقف الاسرائيلي، وهو لا يتفق مع تركيبة الحكومة الاسرائيلية، ولا مع برنامجها وخططها المعلنة القائمة على الاستيطان والتهويد وعدم الموافقة على الانسحاب الكامل من كافة الاراضي المحتلة، وفي مقدمتها القدس وعلى حق العودة..
يضاف الى ذلك ان مثل هذا القرار يستدعي الاعلان صراحة عن وقف كافة المشاريع الاستيطانية وكافة الاجراءات التي تشكل انتهاكا للقانون الدولي وفي مقدمتها عمليات التطهير العرقي المتمثلة بهدم المنازل، وسحب الهويات, ووقف الاعتداءات الممنهجة على المسجد الاقصى المبارك، والتي بلغت اوجها في قرار الكنيست الاخير، والذي يترجم الآن في ساحات الاقصى، بوفود اليهود الحاقدين الذين يدنسون الاقصى يوميا وممارسة أحط انواع العهر والشذوذ والانهيار الاخلاقي.
نتنياهو ليس صادقا ولن يكون، وهو يلجأ كلما أحس بالضغوط الدولية الى المناورة والمراوغة للتملص من هذه الضغوط، دون ان يلتزم فعليا بتغيير سياسته العنصرية الفاشية القائمة على الاستيطان والتهويد وتحويل الضفة الغربية الى مجرد جزر معزولة يستحيل معها اقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا.
تصريحات نتنياهو هذه، تذكرنا بتصريحات من سبقه من قادة اسرائيل القائمة على التسويف والمماطلة وكسب الوقت، فشامير اعلن وهو يحضر مؤتمر مدريد 1991 بأنه مستعد ان يماطل في المفاوضات لخمسة عشر عاما، وها هي المفاوضات تتجاوز العشرين سنة منذ مدريد والى اليوم، فيما اعلن اسحق رابين وهو يسأل عن موعد اقامة دولة فلسطينية كما حددتها “اوسلو” بخمس سنوات “بان لا مواعيد مقدسة في اسرائيل”.
الصهاينة تعودوا المناورة واحترفوا الدهاء والخبث والمكر واعتبروه سلاحهم الفاعل لتحقيق مطالبهم، في ظل الدعم الاميركي والنفاق الاوروبي..
مجمل القول: تصريحات نتنياهو ب وقف اقامة “20” الف وحدة سكنية ليست بجدية، وانما هي مجرد مناورة لامتصاص الغضب الفلسطيني بعد استقالة طاقم المفاوضات وامتصاص الانتقادات الدولية التي حملت اسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات.
المحادثات الفلسطينيّة ـ الإسرائيليّة... طريق بلا خريطة
بقلم: كلوفيس مقصود عن السفير اللبنانية
بات من الضروريّ تحديد المصطلحات المرتبطة بالأزمة الحاليّة القائمة ما بين السلطة الفلسطينيّة والحكومة الإسرائيليّة.
بدايةً، لا بدّ من توضيح الدلالات المرتبطة بهذه العمليّة في ضوء الدور الحصري الذي تلعبه الولايات المتحدة في إدارة المحادثات منذ أكثر من 20 عاماً. وبعدما زار جون كيري هذه المنطقة المأزومة سبع مرّات منذ توليه منصب وزير الخارجيّة الأميركيّة، بات توضيح المسائل القانونيّة مطلباً ملحاً.
وقد تعمّدتُ عدم استخدام مصطلح «مفاوضات» لأنني مقتنع تماماً بأن ما يحصل يمكن اعتباره مناقشات في أحسن الأحوال، لكنه بالتأكيد ليس مفاوضات. فمصطلح «مفاوضات» يشير إلى اتفاق متبادل حول النتائج ـ وهو أمر غير متوفّر اليوم - وعندئذٍ تتحوّل المفاوضات إلى الوسيلة المناسبة لتحقيق النتائج المرجوّة.
فمن الواضح ومن دون أي شك أنه لم تظهر قط أي إشارة واضحة في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني تدلّ على حصول مفاوضات جديّة. ففي أحسن الأحوال، أثبتت المناقشات والحوارات وبحسب اعتراف الجميع، أنها بلا جدوى.
ويكمن سبب هذه المعضلة الرئيسي في أن إسرائيل لا تعترف ولم تعترف وعلى ما يبدو لن تعترف بأن الأراضي التي تسطير عليها هي أراض «محتلة» بحسب التعريف المحدّد في اتفاقيّة جنيف الرابعة. ومن الواضح أن إسرائيل لا تلتزم بأحكام هذه الاتفاقيّة، وذلك في ما يتعلق بالضفة الغربيّة والقدس الشرقيّة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الوضع القانوني لإسرائيل في الضفة الغربيّة والقدس الشرقيّة وقطاع غزّة؟
لقد تبين من خلال «عمليّة السلام» أن إسرائيل هي الجهة المدّعية المطالبة بالحقوق. ويتمّ تحقيق مطالبها بشكل تدريجي من خلال استمرار توسّع الاستيطان والمطالبة بالأراضي في غور الأردن بذريعة الضرورات الأمنيّة. وتُعتبر هذه المطالب قضيّة حقّ، ما يحوّل الأراضي الفلسطينيّة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيليّة إلى أراض مهزومة لا محتلّة.
وقد حوّل غياب التعريفات الواضحة ما يسمّى بـ«خريطة الطريق» إلى طريق من دون خريطة.
إلى ذلك، في كلّ مرة كان كيري يزور فيها القدس في خلال الأشهر القليلة الأخيرة، كانت تسبق زيارته قرارات تقضي بإقامة مستوطنات إسرائيليّة إضافيّة وادعاءات بأن القدس لطالما كانت واحدة وعاصمة لإسرائيل.
وفي حال لم تعترف إسرائيل بأن الضفة الغربيّة هي أرض محتلة، فإن الاستيطان المستمرّ والزاحف يدلّ على أن إسرائيل تعتبر الضفة الغربيّة أرضاً مهزومة. ويشكّل هذا الأمر تحدياً خطيراً للمجتمع الدولي، وبالتالي لا بدّ للولايات المتحدة من أن تعكس عمليّة الاستعمار الواضحة هذه في الضفة الغربيّة وبقيّة الأراضي الفلسطينيّة.
أما في ما يخصّ غزّة، فإسرائيل تعتبرها «كياناً شرساً»، فريداً من نوعه. لذا، يصبح لزاماً على السلطة الفلسطينيّة أن تضمّ غزّة إلى أي محادثات ومناقشات تحصل أو إلى المفاوضات عندما يُصبح ذلك ممكناً. ويبدو أنّ إسرائيل حريصة على إبقاء غزّة كياناً مستقلاً في أي محادثات أو مفاوضات بشأن مستقبل فلسطين. لكن من الضروري ألا يتحقّق ذلك.
إنّ اتهام رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الفلسطينيّين بـ«الاستمرار في خلق أزمات مصطنعة، والاستمرار في التهرّب من القرار التاريخي الذي يجب أن يُتّخذ لتحقيق سلام حقيقي»، أمر يطرح أسئلة جديّة. ممّا تتشكّل «الأزمات المصطنعة»؟ هل يُعتبر الاعتراض على سياسة الاستيطان الزاحف في الأراضي الفلسطينيّة «أزمة مصطنعة»؟ هل الإصرار على أن تكون القدس الشرقيّة المحتلة عاصمة الدولة الفلسطينيّة المنتظرة «أزمة مصطنعة»؟ هل المطالبة بمنح اللاجئين الفلسطينيّين حقّ العودة «أزمة مصطنعة»؟ هل صحيح ما يدّعيه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بأنّ الفلسطينيين «يتهرّبون من القرارات التاريخيّة التي يجب أن تُتّخذ لإرساء سلام حقيقي»؟ ما هي «القرارات التاريخيّة» التي يعتبرها نتنياهو «ضروريّة لتحقيق سلام حقيقي»؟
للإجابة، إشارة إلى تذمّر رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عباس الذي قال في إطار حديثه إلى كيري في بيت لحم إن «المفاوضات لم تعطِ نتائج بعد». حسناً سيّدي الرئيس عباس، ما من نتائج لأنّ هذه ليست مفاوضات. منذ اتفاقيّة أوسلو تبيّن أنّها مجرّد مناقشات ومحادثات عديمة الجدوى!
إلى صديقي الرئيس عباس:
لا يمكن أن تبقى القضيّة الفلسطينيّة «في البرزخ» عالقة كما كانت. مع الصعود المحتمل لأفيغدور ليبرمان الذي أعلن القضاء الإسرائيلي براءته واحتمال عودته وزيراً للخارجيّة، يجب على السلطة الفلسطينيّة التي ترأسُها تفعيل القرار الذي اتخذته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 والذي اعترف بشكل واضح لا لبس فيه بأن فلسطين «دولة تحت الاحتلال». هذا القرار الذي تتجنّب تنفيذه، هو القرار الذي يمكّنك والقيادة الفلسطينيّة من الحصول على حكومة قادرة على التفاوض، بدلاً من سلطة فلسطينيّة لا تنفكّ تناقش. عندها تصبح المفاوضات جادة. من دون ذلك، ما يجري هو ضرب من العبث غير المجدي.
هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستخوّل الفلسطينيّين تحرير «عمليّة السلام» من المناقشات الجارية غير المثمرة والتي استمرّت لعقود عديدة، ما يجعل عدم التوصّل إلى نتيجة عادلة أمراً مستحيلاً.
إن العمليّة الأحاديّة الجانب التي تتولاها حصراً الولايات المتحدة، لا بدّ أن تستبدل بانضمام الولايات المتحدة إلى المجتمع الدولي لمساعدة الفلسطينيّين على تحقيق ما تمّ الإعلان عنه مراراً وتكراراً، أي التزامهم بحلّ الدولتين الذي يكرّس القدس الشرقيّة عاصمة للدولة الفلسطينيّة والسعي لاكتشاف السبب في عدم تحقّق ذلك منذ اتفاقيّة أوسلو وحتى يومنا.
ويبقى أنه ما زال من غير الممكن تفسير عدم تشديد المستشارين القانونيّين في وزارة الخارجيّة الأميركيّة على وجوب اعتراف إسرائيل بأنها قوّة احتلال وفقاً لما تنصّ عليه اتفاقية جنيف الرابعة، بحيث يصبح مصطلح «مفاوضات» تعريفاً واضحاً لعمليّة تتّجه نحو بلوغ النتائج.
عرفات والمادة المشعة التي حسمت حقيقة استشهاده
بقلم: أمينة أبو شهاب عن الخليج الاماراتية
قال إنه سيموت شهيداً وها هم لا يستطيعون انتزاع هذه الشهادة منه بعد تمويهها بالمرض الذي كان عارضاً خارجياً باسم المادة السمية المشعة التي تم دسها له بإحدى طريقتين وهما الحقن أو الطعام، كما يؤكد التقرير الصادر عن مركز لوزان الجامعي للطب القانوني . لم يكن ذلك قتلاً بشعاً وبطيئاً، كان آخر ما انهار فيه من جسد عرفات هو دماغه، وذلك إمعاناً في تعذيبه، بل لقد روجت الجهة القاتلة، وهي “إسرائيل”، عبر إعلامها أن الأعراض المرضية الغامضة التي أصابت عرفات هي لمرض جنسي، ولا يزال هذا الترويج مستمراً إلى اليوم . حقيقة استشهاد عرفات باكتشاف المادة المشعة في عظامه ستتلألأ منتصرة لشخصه ولقضيته ونضال شعبه .
ملف مقتل القائد الفلسطيني ياسر عرفات ليس هو ذا طبيعة جنائية، بل ملف سياسي كبير يبدو الفلسطينيون والعالم العربي كله في حالة عجز عن التعامل معه على أنه كذلك، وعلى أنه يحتوي جريمة مرتبطة في نسق متصل مع جرائم قتل سياسية أخرى وتصفيات جسدية موجهة ضد قيادات عربية كانت تمارس أدواراً خارج حدود حمراء، أصبحت الآن راسخة وفاعلة بعد مفاعيل التصفيات تلك منذ عبد الناصر والملك فيصل وليس انتهاء بعرفات بالطبع .
لقد تم قتل ياسر عرفات علناً وضمن ملابسات سياسية واضحة، وفي وقت تطورات أحداث سياسية كانت تقول إن لحظة اغتياله قد اقتربت، وإنه حان موعد قتله بكيفية معينة، لا شك أنه كان مدركاً لها وواعياً بموعد حدوثها بعد أن عزل واغتيل سياسياً، ولذلك فقد كان يعلن بلسانه “شهادته” الحتمية مفنداً إياها عن موت مشبوه الأسباب يتم التنكيل المعنوي به والتشويه لصورته النضالية ورمزيته للقضية الفلسطينية، وهو ما حدث .
هكذا، ولأن الفلسطينيين والعرب غير قادرين على أن يكونوا بمستوى التعاطي مع ما يتطلبه ملف الاغتيال وحيثياته والمشاركات الداخلية والخارجية فيه، فإن الصيغة الجنائية لقتل عرفات هي التي ستفرض نفسها وأسئلتها التي ستبقى رغم أهميتها البالغة في الكشف عن الجريمة البشعة محدودة وشبه منفصلة عن الإطار الأصلي، وهو البعد السياسي .
ولذلك، ولأن القضية تأخذ الشكل الجنائي وتحصر فيه، فإنها تطرح إعلامياً في كثير من التقارير والمقالات في الإعلام العربي بصيغة “النتائج غير القاطعة” عن “البولونيوم 210” المشع وكونه السبب الأكيد في وفاة عرفات . الأخذ والرد وتناول موضوع الاغتيال في إطار نتائج تحقيق المختبر السويسري التي “تدعم بشكل معتدل نظرية أن تكون الوفاة نتيجة البولونيوم المشع 210” ونتائج التقرير الروسي بأن مستوى المادة في رفاته لا يعطي دلائل كافية عن سبب الوفاة .
وهكذا إذن حتى وإن كانت النتائج مؤكدة مختبرياً وكيميائياً بوجود مادة التسميم النووية المشعة، إلا أن القاتل ينجو من الإدانة ويتملص من تحديده، والإشارة إليه بشكل مباشر من خلال لغة التقارير العلمية غير الجازمة بطبيعتها أو ما وراء عدم الجزم والتمويه من أسباب سياسية .
لقد سبق وأن أفلتت “إسرائيل” من التجريم والإدانة في الوقت المناسب والحاسم حين وفاته بعد الأعراض الغامضة وإنهيار جسده وأجهزته الرئيسية خلال شهر واحد، وكانت الواسطة في هذا الافلات الذي استمر لسنوات هو المستشفى العسكري الفرنسي والسلطات الطبية والعلمية . كان التقرير الطبي الفرنسي قد تحدث عن سبب وفاة عرفات على أنه سكتة دماغية ونقص في الصفائح الدموية، مشيراً بذلك إلى صفة المرض والأعراض وليس إلى سببها الذي تمت التعمية عليه، وقتل الأسئلة من حوله من خلال محتوى التقرير الذي تعمد التجهيل والتسليم به بدل إعمال العقل والأسئلة ذات البعد السياسي .
غريب اليوم بعد تسع سنين من استشهاد عرفات وبعد إعلان نتائج المختبرين الروسي والسويسري أن يكون قد مضى كل هذا الزمن ورفات عرفات المسمومة بالاشعاع ترقد مواراة في التراب، كما كانت الأسئلة حول اغتياله مدفونة كذلك في كثبان من الرمال من دون أن يكون تحليل العينات خياراً بديهياً يفرض نفسه منذ الساعات الأولى لوفاته .
للمواد المشعة مثل “البلونيوم 210” عمر افتراضي قصير أو نصف عمر، ولا شك أن من قتلوا عرفات قد راهنوا على عامل الزمن وأثره ليس بخصوص البولونيوم ونقصانه وتلاشيه في رفات الشهيد فحسب، وإنما أيضاً على بعد المسافة الزمنية سياسياً وتغير وقع خبر الاغتيال، خاصة أن الغموض مازال يحيط به وسيظل يفعل مادام أن سلطة العلم والطب هي سلطة خاضعة في الغالب لقوة السياسة .
لقد كان يمكن ألا تنفذ “إسرائيل” بجلدها بكل هذه السهولة من الجريمة وأن تدان، وإن معنوياً، هي وشركاؤها في اللحظة المناسبة وهي اللحظة الظرفية للاستشهاد . ولكن الحقيقة أن ما يحدث بعد التخلص الإجرامي من قائد بحجم عرفات يؤكد أسباب القتل ومبرراته لدى القاتل الذي أخذ كنتيجة لذلك فسحة زمن طويلة من دون إدانة واحدة جادة تشير إليه . لقد كان ملف قتل عرفات يستحق تعاطياً سياسياً مختلفاً، لا أن يكون قضية جنائية، ولكن ألا تشير هذه الحقيقة أيضاً إلى أنه كان شهيداً جديراً بشكل موته في هذا الزمن العربي المختلف؟
مأساة سوريا أسوأ من كارثة فلسطين!
بقلم: هدى الحسيني عن الشرق الأوسط
مع بداية الثورة الإيرانية، وتماما مثل كل الثورات في القرن العشرين، كان الطموح لتصديرها. اعتقد الإيرانيون أنه يمكن تصويرها من منطلق ثقافي بقصد التشبه بإيران، وكانت البروباغندا الإيرانية تهدف إلى نشر النفوذ الإيراني في العالم الإسلامي بشكل عام، والشرق الأوسط بشكل خاص، لكن بعد ثماني سنوات من الحرب مع العراق وصلت إيران إلى نتيجة أن تصدير الثورة ليس مكلفا اقتصاديا وسياسيا فقط ويعزل إيران، إنما أيضا يهدد استمرارية النظام.
يقول البروفسور الإيراني منصور فارهنغ، إنه منذ البداية عندما تحدثت إيران عن تصدير الثورة كانت تعني البعد الشيعي للإسلام رغم أنها كانت باسم الإسلام.
ويجري فارهنغ مقارنة بأن الشاه محمد رضا بهلوي أراد أيضا أن يكون القوة الأساسية في المنطقة، وقرر أن يحقق ذلك بالتحالف مع الولايات المتحدة، لم يشر إلى الدين أو المذهب الشيعي، إنما إلى الوطنية الإيرانية المتحالفة مع أميركا. الجمهورية الإسلامية تعيش الطموح نفسه، إنما مع بعد آيديولوجي وهو المذهب الشيعي.
منذ 1983 يدرس البروفسور فارهنغ العلاقات الدولية وسياسة الشرق الأوسط في كلية «بننغتون» في مدينة فيرمونت، وعمل سابقا مستشارا لوزارة الخارجية الإيرانية، وسفيرا لبلاده في الأمم المتحدة. استقال من منصبه عندما فشلت جهوده لإطلاق سراح موظفي السفارة الأميركية في طهران، وفي بداية الحرب العراقية - الإيرانية عمل مع الوسطاء الدوليين لإنهاء الحرب، وخلال تلك الفترة كتب وتكلم عن أخطار التطرف الديني الذي أصبح يسيطر على مسار الثورة الإيرانية. أسأله عن سبب تمسك إيران بسوريا؟
يقول: «منذ بداية الثورة فإن سوريا هي الدولة الوحيدة التي تجانست معها، وبعد سقوط صدام حسين توفرت فرصة جديدة لإيران».
يضيف: «ما يثير السخرية أن جورج دبليو بوش عندما قال إن الله أوحى له بغزو العراق والإطاحة بصدام حسين، فإن الدولة الوحيدة التي أكدت صحة (هذا الوحي) كانت إيران، وأذكر أن خطيب صلاة يوم الجمعة في إحدى المرات قال إن الله يصرف الأمور بطريقة عجيبة، فهو دفع بوش للإطاحة بصدام».
يقول فارهنغ: «إن الغزو بنظر إيران كان مقصودا من الله من أجل خدمة الطموحات الإيرانية».
بعد العراق ووصول الشيعة إلى الحكم صارت سوريا أكثر أهمية. صارت هناك أرض كاملة مفتوحة ممتدة من إيران إلى العراق فسوريا حتى حزب الله في لبنان. بعد غزو العراق صارت إيران «العجل المسمن» بالنسبة إلى سوريا، وحتى 2010، أي قبل الثورة في سوريا، كان هناك 500 ألف إيراني يصلون إلى سوريا لزيارة مقام السيدة زينب، وهذا دعم الاقتصاد السوري.
يقول البروفسور فارهنغ: «إن الحكومة السورية تستغل إيران كي تبقى في السلطة. تعرفين أن نظام بشار الأسد هو النظام الديكتاتوري الأكثر علمانية في الشرق الأوسط، ولو سارت زوجته في شوارع طهران لألقي القبض عليها وجلدت». إن دعم إيران لسوريا، حسب النظام الإيراني، ينطلق من أنه ينظر إليها كدولة ضد السنة، وليس لأنها دولة دينية ثيوقراطية تماما كعلاقة إيران بكوريا الشمالية.
عندما بدأت الحرب الأهلية في سوريا كانت لإيران معها اتفاقية بقيمة 10 مليارات دولار لبناء خط نفط عبر العراق وسوريا ولبنان لتصدير الغاز الإيراني. هذا تبخر. وكانت لإيران مشاريع مشتركة في المصارف السورية انتهت مع فرض العقوبات على سوريا. وصل الدعم الإيراني اقتصاديا وعسكريا لسوريا حتى 10 مليارات دولار منذ عام 2004. يقول فارهنغ: «إن الملف السوري هو بيد آية الله علي خامنئي، وما أريد قوله إنه لا علاقة لحكومة الرئيس حسن روحاني به، لكن سوريا أصبحت مكلفة جدا لإيران، وخصوصا أن الحل السياسي بعيد جدا، هذا على الرغم من أنها جزء أساسي من سياسة إيران كي تكون القوة المسيطرة في المنطقة».
أسأل: هل يمكن القول إن سوريا أصبحت فيتنام إيران؟ يوافق، إنما ليس لإيران ذلك الوجود العسكري المباشر. لا أحد يعرف الحجم الحقيقي للوجود العسكري الإيراني في سوريا. هناك مستشارون ومدربون وقسم من التدريب يجري في إيران، لهذا تستطيع دائما أن تنفي. إنما أصبحت سوريا مشكلة مكلفة جدا. لكن هل إيران تدعم سوريا أم أن بشار الأسد هو المهم؟ يقول البروفسور فارهنغ: «يعرف الإيرانيون أن الوضع في سوريا ليس كما في مصر وحال الرئيس الأسبق حسني مبارك. في سوريا هناك مجموعة تحكم البلاد، وإبعاد بشار يعني إبعاد هذه النخبة. لا وجود لمؤسسة عسكرية أو أمنية مستقلة عن الرئيس في سوريا. الدولة هناك (شأن عائلي) وإذا رحل بشار فالبقية لن تجلس حول طاولة وتتحاور. هذا غير وارد. قتل حتى الآن 120 ألفا، وتشرد 5 ملايين. لا يوجد حل سياسي لهذه المأساة؛ طرف من الطرفين عليه أن يخسر، وفكرة تشكيل حكومة يكون العلويون جزءا منها أمر غير وارد، والإيرانيون يعرفون كل ذلك، لهذا يصبون كل جهودهم لدعم بشار وعائلته ومن يحيط به».
لكن هل يعتقد البروفسور فارهنغ أننا نشهد مأساة فلسطين أخرى في الشرق الأوسط؟ يقول: «الوضع مأساوي جدا. أمس (الأحد 10 نوفمبر/ تشرين الثاني) في برنامج (60 دقيقة) كان لقاء مع مصور أميركي اعتقل وعذب لمدة 230 يوما لدى (جبهة النصرة)، وكان ما شاهدناه مؤلما جدا. اكتشفنا أن الناس الذين يقاتلون النظام من أسوأ الأنواع بالنسبة إلى حقوق الإنسان والحقوق المدنية والحريات». يضيف: «إن مأساة سوريا أسوأ من كارثة فلسطين، 120 ألف قتيل، وثلث السكان تهجر».
لكن لماذا لا تفتح إيران أبوابها للاجئين السوريين؟ أسأل، ويأتي الجواب: لأنه لا اهتمامات إنسانية لإيران في سوريا. عندما يتعلق الأمر بالبحرين تتحدث إيران عن حقوق الشيعة هناك، وعندما يكون عن أفغانستان تتحدث عن حقوق «الهزارة». تستعمل إيران لغة حقوق الإنسان والحرية المدنية فيما يتعلق بشيعة البحرين وأفغانستان مثلا، لكن عندما تصل الأمور إلى سوريا تصبح غافلة عن الوضع الإنساني. إنها لم تتبرع بفلس واحد للاجئين السوريين.
أصبحت سوريا «الرجل المريض» في المنطقة، فهل سيؤثر سقوطها كدولة على وضع إيران؟ يرى البروفسور فارهنغ، أنه إذا انهار النظام السوري فيبقى العراق وتبقى الحكومة الشيعية هناك، كما يبقى لديها القدرة على تحريك الشيعة الآخرين في المنطقة. ويقول: «من المؤكد أن المواجهة السنية - الشيعية هي قوة تدميرية، ومن المستحيل أن يستفيد أي طرف من الصراع المذهبي، وتتخوف إيران من امتداد الحرب المذهبية إليها لأنها لا تسمح للسنة فيها ببناء مساجد لهم، وخطباء الجمعة لا يقصرون في عملية التحريض». إن السياسة الإيرانية مليئة بالتناقضات، وكما فشلت روسيا والصين وفرنسا وكوبا في تصدير ثوراتهم وأدركوا أن الثورة ليست سلعة للتصدير، فإن إيران ستصل من دون شك، إلى النتيجة نفسها. يقول البروفسور فارهنغ: «بمجرد أن بدأت إيران تتقرب من الغرب وتريد تسوية المسألة النووية يعني أنها بدأت تشعر بالخطر. في بداية الثورة كان الطرح دينيا، وكانت الحكومة قادرة على تسويق قضيتها، لكن بعد 34 سنة ما النتيجة؟ إيران لن تكون استثناء».
ونصل إلى دور حزب الله الذي تريده إيران أن يكون خط دفاعها الأول ضد إسرائيل، بمعنى أنها لا تبالي بمصير لبنان كدولة ووطن، لأن الرد الإسرائيلي، إذا ما أطلق الحزب صواريخه عليها، سيكون تدمير لبنان. يقول البروفسور فارهنغ: «يعرف قادة حزب الله هذا. وما إذا كانوا سيحققون توقعات إيران بالنسبة إلى دورهم، يبقى سؤالا مطروحا».
بعد حرب 2006 قال أمينه العام السيد حسن نصر الله: «لو كنت أعرف ما كنت فعلت. لست متأكدا من أن شيعة جنوب لبنان المؤيدين لحزب الله سيدعمون توقعات إيران بالنسبة إلى التلاعب بمصيرهم!».
عقدة الإخوان!
بقلم: محمد سلماوي عن المصري اليوم
يتأكد لى يوماً بعد يوم أن الإخوان لا يستطيعون العيش إلا فى ظل الاضطهاد، وأنهم كالممثل الفاشل الذى لا يجيد تمثيل إلا دور واحد، لا يستطيعون أداء أى دور آخر.
لقد أجاد الإخوان على مدى تاريخهم لعب دور المضطهد، فحصلوا به على تعاطف الجماهير التى صدقتهم، ووقفت إلى جانبهم فى أول مرة يتقدمون فيها للحكم، وهنا بدأت المتاعب، فمع وصول الإخوان للسلطة توقعت منهم الجماهير أن يقوموا بدور جديد، وهو دور الحاكم المؤمن الذى يخشى الله، والذى سيقضى على الاستبداد والفساد، وينشر العدل والحق فى ربوع البلاد.
لكن لم تمض شهور حتى اكتشف الجمهور أن الدور الذى من أجله انتخب الإخوان ليس دورهم، وأنهم لا يجيدونه، حيث تحولوا من المضطهدين المظلومين إلى المستبدين الظالمين، فأسقطهم الشعب الذى كان قد انتخبهم قبلها بعام واحد فقط.
وتتوالى فصول الرواية، فيجد الإخوان أنفسهم بعد السقوط غير قادرين على العمل السياسى وفق قواعده المتفق عليها، فيرفضون الحوار، ويختارون العنف بديلاً عنه، وفى هذا الاختيار تعبير عن رغبة دفينة للعودة إلى الدور الوحيد الذى يجيدونه، وهو دور المضطهد، فهم يعلمون تمام العلم أن العنف الذى يمارسونه سيؤدى بهم فى النهاية إلى السجون مرة أخرى، بعد أن قتلوا وفجَّروا وأحرقوا.
واليوم وقد أوشكت حالة الطوارئ على الانتهاء، ما يعنى أن التعامل الأمنى معهم سيلتزم بقواعد القانون العادى، فقد أدركوا أن دور المضطهد قد بعد عنهم ولو قليلاً، لذلك أعلنوا، أمس الأول، أنهم سيكثفون من مظاهراتهم ابتداء من منتصف الليلة التى ينتهى فيها حظر التجول، فماذا يعنى هذا؟ إنه لا يعنى إلا أنهم إنما يستفزون السلطات حتى تلقى القبض عليهم أو تعود عن قرارها وتمد فترة الطوارئ.
إنها عقدة الاضطهاد، وهى حالة مرضية معروفة يقول فيها أبو علم النفس، «سيجموند فرويد»، إن المصاب بها يعمل، بوعى وبغير وعى، لدفع الآخرين لاضطهاده، وإلا اضطربت حالته، وفقد اتزانه، ولم يعرف من يكون، لأنه خرج عن الدور الذى تعود عليه، والذى لا يجيد التعامل مع الحياة من حوله إلا من خلاله.


رد مع اقتباس