اقلام عربي 657
27/3/2014
في هذا الملف:
افتتاحية الخليج: كامب ديفيد بعد 35 عاماً
بقلم: أسرة التحرير عن الخليج الاماراتية
كيري في عمان ... الأسـرى وتمديد المفاوضات
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
غرام التفاوض
بقلم: حسين قاسم(كاتب وباحث فلسطيني) عن الأخبار البيروتية
مهرجان الوحدة متى يا حركة حماس؟
بقلم: د. أشرف المبيض عن القدس العربي
عيون وآذان (القرضاوي والعقل الفاضي)
بقلم: جهاد الخازن عن الحياة اللندنية
صراعاتُ الوعي العربي تاريخياّ
بقلم: عبدالله خليفة عن الخليج البحرينية
قمة عربية.. لازال في العروق دم
بقلم: صالح عوض عن الشروق الجزائرية
هل ينجح عبدالفتاح السيسى؟
بقلم: عبد اللطيف المناوي عن المصري اليوم
فوضى عربية غير مسبوقة
بقلم: بكر عويضة عن الشرق الأوسط
افتتاحية الخليج: كامب ديفيد بعد 35 عاماً
بقلم: أسرة التحرير عن الخليج الاماراتية
في الذكرى ال35 لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني برعاية أمريكية، نتأمل المشهد العربي المأساوي الراهن لنجد آثار ما تركته تلك الاتفاقية من تداعيات كارثية على مجمل الساحة العربية عموماً وعلى القضية الفلسطينية خصوصاً .
لقد ألقى خروج مصر من الصراع العربي الصهيوني، والتخلي عن دورها المركزي بظلال سلبية على مجمل العمل العربي المشترك، وتركه رهينة الصراعات الإقليمية والدولية، لأنه كان يمثل الثقل الموازن القادر على ملء أي فراغ، والتصدي لأي تهديد، إضافة إلى أنه كان العامل الموحد القادر على الجمع، بدل أن يتحول إلى عامل طرح وقسمة .
أدى خروج مصر من معادلة الصراع بكل ثقلها ووزنها إلى فقدان المناعة القومية، وطغيان كل النوازع القطرية الضيقة، ومعها الطائفية والمذهبية، وأخطرها الأفكار الارهابية التكفيرية التي تحولت إلى ألغام متفجرة في الوطن العربي تهدد وجود دوله ومجتمعاته .
كل ذلك وفر للعدو الصهيوني فرصة ذهبية كي يستفرد بالقضية الفلسطينية ويحاصرها، ويطلق العنان لنهجة العدواني العنصري في التوسع والتهويد، ويمارس العدوان على الدول العربية بعدما وجد أنه لم يعد مقيداً بحسابات الردع المصري، لأن اتفاقية كامب ديفيد حررته من كل قيد، وأخرجت القضية الفلسطينية من حضنها العربي الطبيعي، ونزعت عنها المرجعيات الدولية ووضعتها في يد الراعي الأمريكي "النزيه" الحليف الطبيعي للكيان الصهيوني .
ثم إن اتفاقية كامب ديفيد فتحت أبواب إفريقيا وآسيا أمام العدو بعد أن ظلت مغلقة في وجهه، وتحولت بعض الدول التي أعادت علاقاتها معه إلى مواقع تهديد للأمن القومي العربي، وخصوصاً أمن مصر .
فرضت الاتفاقية أيضاً قيوداً على سيادة مصر على أراضيها في سيناء، وعدم قدرتها على بسط سلطتها بما يمكن من وسائل أمنية وعسكرية في حال تعرض سيناء للخطر، وما نراه الآن من تداعيات تنامي الإرهاب هناك هو من جراء هذه القيود .
تحاول الثورة المصرية التي أطاحت نظام الإخوان يوم 30 يونيو/ حزيران الماضي، إخراج مصر من الارتهان للخارج، واستعادة دورها القومي الطبيعي، وإعادة تشكيل حالة من التضامن العربي لمواجهة مخاطر المرحلة، والتقليل من مخاطر الكوارث التي تسببها كامب ديفيد .
كيري في عمان ... الأسـرى وتمديد المفاوضات
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
لن نعرف قبل أن يصبح هذا المقال بين يدي القراء الأعزاء، ما الذي جاء بالسيد جون كيري على عجل، وما الذي حدا به لاقتطاع وقت ثمن من أجندته المزدحمة بالاستحقاقات الروسية والأوكرانية والكورية والإيرانية والسورية، للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومهاتفة نتنياهو عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، حول آخر المستجدات المتصلة بمهمته وبـ “اتفاق الإطار” الذي يسعى في “استنباطه” من بين خطوط التماس صعبة ومعقدة، التي تفصل ما بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
نعرف أن المهلة الزمنية لمهمة الرجل شارفت على الانتهاء، من دون أن يتوصل إلى “اتفاق صلب” لتمديدها، مع أن تمديد المهمة، بات أمراً مرجحاً، حيث البحث يدور حول الشروط والشروط المقابلة لهذا التمديد، وليس حول فكرة التمديد ذاتها، بخلاف ما كان يُقال ويُزعم، وأن الرجل يريد أن ينتزع هذه الورقة من الجانبين قبل أن يفوت الأوان، ويشرعا في تنفيذ إجراءاتهما “أحادية الجانب”، مع إن إسرائيل لم تتوقف عن ممارساتها العدوانية والاستيطانية، أحادية الجانب بطبعها وطبيعتها، ولو للحظة واحدة، قبل المفاوضات وبعدها.
ونعرف أيضاً، أن الرجل أخفق حتى الآن على الأقل، في تجسير الفجوات الواسعة التي تباعد ما بين الفريقين، وتقريباً حول جميع ملفات الحل النهائي، من الحدود والترتيبات الأمنية، إلى القدس والاستيطان، وليس انتهاء باللاجئين و”يهودية الدولة” والمياه والسيادة إلى غير ما هنالك من عناوين.
ونعرف فوق هذا وذاك، أن مناخات التصعيد في العلاقات بين الطرفين المصطرعين، تصاعدت في الآونة الأخيرة، ميدانياً وسياسياً، فمهمة الوزير كيري لم توقف الشهية التوسعية الاستيطانية لإسرائيل، ولم تمنع الدولة العبرية من مواصلة عمليات التهويد الزاحف في القدس والمقدسات، كما أنها لو توقف آلة القتل الإسرائيلية عن استهداف المدنيين الأبرياء، ودائماً بنفس الحجج والذرائع، وفي الضفة الغربية المحتلة كما في قطاع غزة المحاصر.
آخر فصول التصعيد في الموقف الإسرائيلي، جاءت على ألسنة كبار المسؤولين الإسرائيليين، الذين ذهب كثيرون منهم إلى إعلان رفضهم إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، بعضهم وضع شروطاً مسبقة لفعل ذلك، لكأنه يريد أن يبيع الفلسطينيين البضاعة ذاتها مرتين، مع كل الاحترام والتقدير للأسرى والمعتقلين، وهذا دائب إسرائيل على أية حال ... تنتزع التنازلات من الجانب الفلسطيني، مقابل وعود واستحقاقات لا تلتزم بها ولا تفي بتعهدات تنفيذها، وحين تجد نفسها مرغمة على الوفاء ببعضها، تطالب بأثمان إضافية، لكأن ما سبق دفعه من أثمان بات في باب تحصيل الحاصل، و”يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد”.
هذا التصعيد السياسي الإسرائيلي، الذي جاء مباشرة بعد قمة أوباما – نتنياهو في واشنطن قبل عدة أسابيع، تزامن مع تصعيد ميداني على الأرض، تمثل في اجتياح مخيمي جنين وعايدة، وتشديد القبضة الأمنية على القدس والضفة، وتصعيد العمليات العسكرية في قطاع غزة، وإحكام الحصار والإغلاقات.
في مثل هذه المناخات المشحونة، والباعثة على انعدام الثقة بفرص مهمة كيري في النجاح، وعلى وقع عقارب الساعة التي تكاد تلامس اليوم الأخير لمهمة الوزير الأمريكي، يأتي جون كيري في مسعى لإنقاذ مهمته، والأهم في مسعى لتمديد المهل الزمنية الممنوحة له، فليس من الجائز لا أمريكياً ولا دولياً وإقليمياً، ولا فلسطينياً وإسرائيلياً، إعلان فشل الوزير الأمريكي، فإعلان كهذا سيطرح وبقوة سؤال: ماذا عن سيناريو اليوم التالي؟
نحن إذاّ، بإزاء مهمة طوارئ، أو زيارة عاجلة يقوم بها كيري لإنقاذ مهمته، في ربع الساعة الأخير ... فإذا كانت قمتا أوباما – نتنياهو، وأوباما عباس في واشنطن، لم تنجحا في التوصل إلى “اتفاق الإطار” المنشود، فهل ستنجح زيارة خاطفة إلى عمان، محشورة بين جداول أعمال مزدحمة، في إحراز الاختراق المطلوب؟ ... وعن أي اختراق نتحدث، وهل يتصل الأمر بتمديد المفاوضات أم بصوغ خلاصاتها الختامية؟
أغلب الظن، أن المسألة تتصل بتمديد المفاوضات، وتيسير إطلاق سراح آخر دفعة من المعتقلين المقررة يوم بعد غدٍ السبت أو الأحد الذي سيليه، فيما لم يتبق من مهمة كيري سوى أسابيع أربعة، يعرف القاصي والداني، أنها أضيق من أن تكفي لجسر الفجوات وتحقيق الاختراق.
وسوف نرى قريباً، على أي أساس سوف يتم التمديد للمفاوضات، وما الذي سيحصل عليه الفلسطينيون في المقابل، وفي ظني أن الأمر لن يتعدى مرة أخرى، إطلاق سراح دفعة جديدة من الأسرى، أما الاستيطان، فلم تنفع كل الضغوط الفلسطينية والإقليمية والدولية حتى في وقفه، بل رأينا كيف تسارعت وتيرته في أشهر المفاوضات الثمانية الفائتة، وإن غداً لناظره قريب.
غرام التفاوض
بقلم: حسين قاسم(كاتب وباحث فلسطيني) عن الأخبار البيروتية
تفاوض القيادة الفلسطينية من دون كللٍ ولا ملل. وإن هي خرجت منها لفترة فإنها تعود إليها بلهفة أكبر. هي كالسمك الذي وإن قفز خارج الماء أحياناً فسرعان ما يعود إليه ليغوص فيه نحو الأعمق. إنه غرامها منذ أكثر من عشرين عاماً.
يمتنعون عن المفاوضات أحياناً، أو بالأحرى يتمنَّعون فينطبق عليهم قول «يتمنّعن وهن راغبات». ولأن الطرف الآخر على دراية بحالتهم النفسية هذه فإنه يزداد تطرفاً ويرفع سقف مطالبه. ولِمَ لا، فعودة الشريك إلى بيت الطاعة مضمونة.
عندما يجري الاعتراض على النهج التفاوضي يردّ أصحابه بسؤال استنكاري: ما البديل؟ ويشرحون: إننا في وضع صعب وليس لدينا بديل عن المفاوضات. ومن مبرراتهم أن إدارة شؤون السلطة وبقاءها يرتبطان، حُكماً، باستمرار المفاوضات.
في الواقع هذا صحيح، إذ إن السلطة تعيش بقلب اصطناعي، نصفه بيد إسرائيل والنصف الآخر بيد الغرب، والأخير بمثابة رب عملها لأنه يدفع رواتب كل موظفي هذه السلطة. لكن من المسؤول عن ذلك؟ أليس أنتم من ولجتم النفق المظلم حتى من دون توفير «الإضاءة» الضرورية والمستلزمات الأخرى للخروج منه. دخلتم النفق الحالي من أوسلو، وكانت هناك قبل ذلك أنفاق أخرى نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر. إلا أن الحديث في هذا الأمر ما عاد بتلك الأهمية كما في السابق، ولم يعد لتكرار الانتقادات والاتهامات أية فائدة. لقد حصل ما حصل. والموضوعية تفرض علينا التحلّي بالصمت، لا قبولاً بما تفرضونه علينا، بل لأن صوتنا لن يكون مجدياً ما دامت القوى المعارضة لكم منقسمة الى قسمين واحد مدجّن يعتاش على فتاتكم، والآخر سلطوي مثلكم. أما البديل، الذي كان يمكن ان يمثّل خشبة الخلاص، فإنه ما زال في علم الغيب.
ما يهمّنا اليوم هو أن تقولوا الحقيقة، كل الحقيقة لا نصفها. وفي هذا الصدد، لا يسعنا إلا أن نسجل لعباس أنه قال الحقيقة في خيار المفاوضات الاستراتيجي، وأعلن طلاقه بالثلاث من الكفاح المسلح وثبّته في المحكمة الشرعية لمزيد من التأكيد. للقيادة الفلسطينية مصداقية في التنازلات لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى التمسك «بالثوابت الوطنية» التي تردّدها ليل نهار. المشكلة مع القيادة الفلسطينية أنها تفصح عن نواياها فقط بعد أن تكرّسها واقعاً في حياة الشعب الفلسطيني. هذا ما حصل في أوسلو، وقبله، وفي معظم الاتفاقيات والمشاريع التي أقرتها القيادة.
فاوضوا، فاوضوا ثم فاوضوا. تنازلوا، تنازلوا ثم تنازلوا. أصبحتم خاليي الوفاض، سيسجل التاريخ لكم أطول مفاوضات في العالم وستدخلون موسوعة جينيس مرفوعي الرأس مزهوّين بالرقم القياسي غير القابل للكسر. مفاوضاتكم فريدة من نوعها، إذ لم نشهد في التاريخ مفاوضات بين أعداء تخلق صداقات وروابط حميمية بين المتفاوضين. معانقات حارة وابتسامات من القلب، ليس لها مثيل بين فريقين متحاربين متناحرين متناقضين كما هي الحال بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هذا ما تدل عليه المشاهد التي تبثها المحطات التلفزيونية عن اللقاءات.
في أول لقاء بين رابين وعرفات أثناء توقيع اتفاق غزة أريحا، أولاً في حديقة البيت الأبيض شهدنا الأخير يمد يده مبتسماً فرحاً لمصافحة رابين الذي قابله بوجه عابس وتمنّع لثوانٍ عن مد يده. وبعد أن اطمأن الطرف الإسرئيلي للمفاوض الفلسطيني صار يبادله الابتسامات والمجاملات فكان مشهد المجاملة المفرطة بين عرفات وباراك في كامب ديفيد، كلٌ منهما يدعو الآخر للدخول أولاً. وكرّت السبحة، واحدة منها كانت المصافحة بين عريقات وليفني على طريقة الشباب المراهقين المتلهفين للقاء الجديد مع بداية مفاوضات التسعة أشهر.
قد يكون من الصدف (أو عن سابق تصوّر) تحديد مدة المفاوضات بتسعة أشهر. إنها مدة الحمل الطبيعية ليخرج المولود. سنعد الأيام يوماً بيوم على أمل أن يكون المولود صحيحاً معافى قابلاً للحياة، رغم يقيننا من أنه ثمرة زواج غير شرعي. سنستقبل مولود الأمر الواقع لأننا ضقنا ذرعاً بمسلسل المفاوضات، أكثر مما ضقتم ذرعاً بالنضال الحقيقي. سنستقبله بصمت ومن دون أي احتفالات، والأرجح أن ترتسم علامات الغضب على وجوهنا ولكننا سنكظم الغيظ. أرأيتم كم نحن واقعيون ولا نريد أن ننغص عليكم متعة ممارسة هواية المفاوضات؟
في المقابل نطلب منكم تعهداً واضحاً وصريحاً يلتزم بما تدّعون أنه هدفكم من المفاوضات. تعهد بألا توقعوا على اتفاق يتضمن تنازلاً عن شبر من الأراضي المحتلة عام 67، أو يمثّل إجهاضاً لحق عودة اللاجئين إلى ديارهم (لاحظوا الواقعية. لم نقل تحقيق حق العودة)، أن تكون الدولة الفلسطينيية المتفق عيها سيدة وحرة بحسب المفهوم الذي تقرّه القوانين الدولية لسيادة الدول في جميع المجالات.
نعرف أنكم أدمنتم المفاوضات، ونعرف أن شفاءكم منها بعيد المنال. إذاً، فاوضوا كما شئتم لكن ارحمونا لمرة واحدة وتحلوا بصورة المفاوض الحقيقي، وكونوا نداً فعلياً يحسب العدو لكم الحساب وتجعلون بيريز يندم على شعوره بأنه يفاوض نفسه، فيخاف الصهيوني من غضبكم ومن جرأتكم ومن نواياكم الحقيقية في ابتداع أساليب نضالية جديدة، اذا لم يجرِ التجاوب مع مطالبكم. أما إذا انقضت مدة التفاوض واكتشفتم أن الحمل كان كاذباً ولم يولد الاتفاق المنشود، نقترح عليكم أن تعلنوا فشل نهج المفاوضات وفشل السلطة الذاتية، وتيمُّناً بالعيساوي، أن تعلنوا صوماً متواصلاً الى أن تتحقق مطالبكم في الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس. حوّلوا ساحة المقاطعة في رام الله الى خيمة كبيرة يعتصم فيها كل موظفي السلطة، بدءاً من الرئيس إلى أصغر عامل فيها (لاحظوا واقعيتنا، لم نطلب منكم لا حمل السلاح ولا حتى الحجارة). ونعاهدكم نحن أبناء الشعب الفلسطيني في كل مكان، أننا سنقيم خيمنا الاعتصامية حيثما وجدنا ونصوم معكم، ولتكن معركة الأمعاء الخاوية معركة كل الشعب ولنضع المجتمع الدولي الذي تؤمنون به على المحك وأمام مسؤولية الإبادة الجماعية لشعب بأكمله. وإذا رأيتم أنكم غير قادرين على هذه المهمة فإن هذا يعني أنكم بلغتم سن التقاعد. بيوتكم واسعة وفيها كل وسائل الراحة لتقضوا بقية العمر مع عائلاتكم.
مهرجان الوحدة متى يا حركة حماس؟
بقلم: د. أشرف المبيض عن القدس العربي
لم تدخر حركة حماس جهداً في أي وسيلة إعلامية على مدار أيام لحشد أكبر عدد ممكن لمهرجان تكريم شهدائها من القادة والأوائل، حتى المساجد في كل مدن وأحياء ومخيمات قطاع غزة، أطلق فيها جهاز العمل الجماهيري للحركة دعواته للناس بالمشاركة، ليكون هذا المهرجان مناسبة مهمة لدعمها ومساندتها في مواجهة الإغلاقات والتهديدات الإسرائيلية والهجوم السياسي والاعلامي المصري عليها.
لكن هذه الجهود لن تحقق أهدافها مهما بلغت من حيث العدد والعدة، بمعنى أن هذا المهرجان كان عبارة عن محاولة يائسة في ظل خيارات شبه معدومة أمام حركة حماس للخروج من وضعها الراهن الذي لم يسبق له مثيل، لا تجدي مسألة التوقيت ولا الرسائل السياسية نفعاً لأي جهة، فحتى العدد لو تضاعف عشرات المرات ماذا ستستفيد حركة حماس منه؟ لقد فات الأوان، فمن جهة فإن المشروع الأمريكي بمصطلحه ‘الشرق الوسط الجديد’ لتقسيم المنطقة العربية باستخدام الجماعات الاسلامية، قد تبخر وولى بعد ثورة يونيو بمصر، وتأزم في سوريا، كذلك تونس وليبيا، ومن جهة ثانية فإن السد العالي المصري الجديد قلص إلى أبعد الحدود التدفق المادي والمعنوي من قبل قطر وتركيا وإيران.
ومن جهة ثالثة فإن السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة لا ينتظر أن تكون رحيمة بالطبع فهي تعمل على قدم وساق لإبقائه بؤرة إرهابية أمام حلفائها الغربيين لضربها في حال تجرأت فصائل المقاومة على أي عملية تصعيد، ولن تكافئ إسرائيل من يحافظ على جبهتها الجنوبية سواء بالتهدئة أو بغيرها، أما من جهة حركة فتح وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية فهناك الحل واليد الوحيدة الممدودة، واتفاقات المصالحة الموقعة التي تشكل بمجملها فرصة كبرى لحركة حماس قد تفقدها مع تقادم الزمن.
وهنا دعونا نقتبس ما قال محمود الزق القيادي في جبهة النضال الشعبي ‘شاركنا اليوم الإخوة حماس في مهرجان تكريم الشهداء …. واستمعنا لخطاب الأخ إسماعيل هنية …. للأسف انتصرت شعارات الحسم والقطع والتأكيد على مفردات الواقع بتداعياته البائسة … الحصار كسرناه والنصر حققناه …. لكن الحياة تستمر ووقائع اللحظة تصفعنا جميعاً …. الانقسام واستعادة الوحدة …. شعبنا ينتظر إجابات مباشرة لأسئلة ملحة تعبر عن همومه الحقيقية .. وابداً لم تعد تستوقفه لغة الشعار مهما كان كبيراً وجهوراً’
ونختم أنه كان من الأجدى أن يقوم داعي الناس عبر المساجد إلى السيطرة على غزة عام 2007 والداعي للحشد الجماهيري لمهرجان تكريم الشهداء أن يبذل جهوداً أخرى يدعو فيها الناس للوحدة والتآلف بين الأخوة، ويطلق مبادراته العاجلة لتنفيذ المصالحة لإنهاء وسحق فترة مريرة عانى منها الشعب الفلسطيني، لأنه بذلك فقط وفقط يتحقق الانتصار.
عيون وآذان (القرضاوي والعقل الفاضي)
بقلم: جهاد الخازن عن الحياة اللندنية
لا يزال للإخوان المسلمين أنصار ينكرون التحريض والإرهاب، فيصبح ما أكتب «كلام فاضي». وهو لو انتَصَر للإخوان ولقتل ستة من رجال الشرطة لأصبح «مليان» أو «في المليان» بلغة الإرهابيين. الكلام الفاضي أهوَن من العَقل الفاضي الذي يؤيد قتل المسلمين، أو أي ناس غيرهم.
بالنسبة إلى يوسف القرضاوي لا أحتاج إلى تقديم دليل، فهو نفسه الدليل على التطرف وتجاوز اعتدال الإسلام وعدله وروح السلام فيه.
أرجو أن يكون واضحاً تماماً أنني لم أهاجم قطر أو أي مسؤول فيها، وإنما اقتصر هجومي على تلفزيون «الجزيرة» وأنصار الإخوان فيه والقرضاوي، وهؤلاء جميعاً تقريباً غير قطريين. مع ذلك، فكل دفاعي عن قطر، وعن الشيخة موزا المسند، لم ينفع فقام منهم مَنْ هاجمني دفاعاً عن جماعة إرهابية تدّعي الإسلام وتحرّض على قتل المسلمين. أتحدى أي عضو في العصابة أن يقاضيني أمام محكمة إنكليزية لنرى مَنْ الصحيح ومَنْ المخطئ.
قدمت قصة سحب السفراء معتمداً على كلام مسؤولين حضروا كل اجتماع، وأعترف هنا بأن أهم ما سمعت محفوظ عندي لأنني لا أريد أن أزيد شقة الخلاف بين طرفيه. بما أنني ديموقراطي، بعكس أنصار الإخوان، فقد شاورت في الجزء الأول من الموضوع الزميل جورج سمعان، رئيس التحرير السابق، لأن أخانا غسّان شربل، رئيس التحرير، كان في الطائرة، وعدّلت فقرة، وحذفت اسماً. وفي الجزء الثاني تشاورت مع الزميل محمد علي فرحات في بيروت، ومرة أخرى قبلت النصح، وعدّلت فقرة، وحذفت اسماً آخر.
التفاصيل الأخرى عندي، ولا بد أن يأتي يوم يصبح نشرها ممكناً.
بعضهم أزعجه أن أذهب لحضور مؤتمر موضوعه «تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية» مع وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد الذي كان المؤتمر برعايته. وهو لم يرَ في المقال غير فقرة تقول أنني في سيارة مع وزير وتجاوز قولي إن سيارة صدمتنا من خلف فلم يتوقف الوزير حتى لا يتأخر عن المؤتمر. وأهم من ذلك أن القارئ «الإخونجي» عمِيَ عن تسع فقرات تالية تتحدث عن السلام والخير والتسامح والمحبة في الإسلام.
هي ليست مشكلتي وحدي وإنما مشكلة الأمة كلها مع «العقل الفاضي».
على هامش ما سبق هناك نقطة مهمة، أرجو أن تكون مفيدة. أنا أقيم في لندن، وقد درست القانون الإنكليزي في قضايا القدح والذم، لذلك لا أنشر معلومات إلا إذا كان عندي دليل عليها تقبل به محكمة، وقد دخلت محاكم لندن ولم أخسر مرة واحدة. في السنوات الأخيرة جعلت نفسي محامي الدفاع عن الدين الإسلامي في وجه أعدائه، فإذا قرأت أي هجوم ليكودي عليه أرد بعنف وأهاجم الدين اليهودي. ولم يستطع أي طرف ليكودي أخذي إلى المحاكم لأنني أنشر نقلاً عن التوراة وما فيها من إبادة جنس ومومسات، ولو أنني اخترعت شيئاً لكنت في الصباح التالي أمام المحكمة.
لا سبب لليأس فالقراء المعتدلون طلاب السلام أكثرية واضحة ورسائلهم في بريد القراء وفي الرسائل التي أتلقاها مباشرة وأرد عليها ما استطعت.
العقل الفاضي ليس وقفاً على أنصار الإخوان، فهو موجود في سورية بكثرة. وأزعم أنني كتبت أكثر المقالات انتصاراً للشعب السوري، فأسمع مَنْ يتحدث عن «المدافعين القدامى عن النظام السوري». أتحدى القارئ أن يأتي لي بسطر واحد منذ 1994 أدافع فيه عن النظام السوري، أو يعتذر. أنا أجري مقابلات مع صانعي الأخبار وأنشر ما أسمع صحيحاً دقيقاً.
أملي أن تجد دولنا مخرجاً من خلافاتها وأرضاً مشتركة للتعاون. وسأبقى مؤيداً للبرنامج النووي الإيراني ومطالباً الدول العربية ببرامج نووية عسكرية. كذلك أصرّ على أن يكون الإخوان المسلمون، لما لهم من شعبية بين الناس، جزءاً من الديموقراطية المقبلة في مصر لتستحق اسمها ديموقراطية. أعتقد أن هذه أيضاً مواقف الغالبية العربية العاقلة.
صراعاتُ الوعي العربي تاريخياّ
بقلم: عبدالله خليفة عن الخليج البحرينية
إن عمليات التغيير العربية تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة، وسواء بسببِ من اهتراءِ القديم، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها.
ومن هنا فالسببيةُ سوف تتزايدُ عملياتها في الوعي، وتصبح الظواهرُ المشتتةُ في الوعي التنويري الأولي أكثرَ ترابطاً، فلم تعدْ العمليةُ هي استلالُ عنصرٍ وحيدٍ من التراث، أو من الغربِ، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي، تتشكلُ في العقل النهضوي الجديد، وأصبح العالمُ العربي الإسلامي بتطوراتهِ الكبرى مرئياً في هذا العقل، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكلُ فيها.
يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرضِ الاجتماعي, لكن الوعي يظل مستقلاً, وبه سببياته الداخلية المترابطة الأعمق, والمنفصلة عن البُنى الاجتماعية.
ومن هنا تبدأ أشكال الفلسفة المثاليةُ الموضوعيةُ في الظهورِ والتشكل, واقفةً فوق قاعدتها الدينية للمنطقة, القاعدة الإسلامية – المسيحية, فيستمر العالمُ مخلوقاً من قبل الصورِ الإلهية التي يصنعها الوعي الديني – الفلسفي الحديث, بتنويعاتٍ مغايرةٍ عن الصورِ القديمة, أي أن المثاليةَ الموضوعيةَ الرشديةَ هنا تعودُ ولكن بغنى ثقافي أتاحته القراءاتُ المعاصرةُ الواسعة, فلم تعد النجومُ والكواكبُ روحيةً مهيمنة على الوجود الأرضي إلا في بعضِ أنماطِ الوعي الشعبي السحرية, وغدا الاحتكاكُ بالأعمالِ الفلسفية الأوروبية مغذياً للاختزال في زمنيةِ البحثِ والتشكيل الفكري.
لكن الاستيرادَ من جهةٍ أخرى يؤدي أحياناً إلى القفز إلى مستوياتٍ جديدة واختزالية, للمدارس, وخاصةً في النزعات الحديثة كالوضعية المنطقية, والمادية الجدلية, نظراً لبطءِ المثالية الموضوعية في التشكلِ وتوقفها أحياناً لأسبابٍ خاصة, مما يؤدي إلى عودة المثالية الذاتية بشكلٍ فلسفي وصوفي.
إن تشكلَ المثاليةِ الموضوعية سيظهرُ لدى بعض الدارسين والمتخصصين في الجامعات أو الحوزات الدينية كما في النموذجين وهما يوسف كرم ومحمد باقر الصدر, وقد اتسمت نصوصهما الفلسفية بحالةِ مواجهةٍ مع الفلسفاتِ التجريبية الذاتية أو مع المادية الجدلية.
فهما يرفضان التصورية أو المثالية الذاتية حين ترفضُ هذه المثاليةُ الاعترافَ بأساسياتِ الوجودِ العامةِ فتقومُ بحصرِ مركز الوعي في الذاتِ المفصولة عن الوجود الموضوعي, ويقوم المفكران المسيحي والمسلم, كلٌ من جهته, بربطِ الوعي بالوجود والاعتراف بموضوعية المعرفة, وهذا يفتحُ البابَ لقراءة المجتمع ونقده والمطالبة بإصلاحهِ بهذا الشكل أو ذاك.
وإذا كان يوسف كرم لا يدخل في عملية التحليل والنقد الاجتماعية, أي لا يربط بين هذه المثالية الموضوعية وقوانين الوجود الطبيعية والاجتماعية, فإن محمد باقر الصدر يتوسع في هذه العملية ويبحث عن سببياتِ الوجودِ الطبيعية والاجتماعية, دون تحديد مدى قانونية المثالية الموضوعية هذه.
علينا أن نرى في ظهور المثالية الموضوعية لدى يوسف كرم المسيحي, ومحمد باقر الصدر (الأثناء عشري), ليس فقط تجلياً شخصياً للفلسفة الدينية, المشرقية القديمة وهي تستعيدُ نشاطها في المشرق العربي – الإسلامي – المسيحي مرة أخرى, بل هي تجلٍ عام كذلك, لكنها الآن فقدت الوسائط النجومية الكوكبية التي كانت ترافق فكرة الإله أو صورته في عملية صنع الوجود.
ولهذا فإن عملية الفقه النقدي لدى محمد باقر الصدر مهمة في تدشين حفر تحليلي للواقع يترابط والمنظومة المثالية, لكن من موقعِ الخصام العنيف مع المادية الجدلية والاشتراكية والرأسمالية, وهو أمر قاد إلى عدم تطوير لحظته الفلسفية المهمة فيما بعد اغتياله.
فهو هنا يواجهُ فلسفةَ المادية الجدلية في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حيث تتقابلُ على أرض العراق هذه المعسكرات المتضادة بشكلٍ حاد, وتقودهُ عمليةُ (تفنيدِ) المادية الجدلية إلى الاعتراف بموضوعية الوجود وسببياته, لكن قانونية الوجود الاجتماعي تصيرُ مرفوضةً لديه, فالبُنى الاجتماعية بقوانينها الموضوعية تتحولُ إلى سببيات جزئية مثالية, أي أن تغيرات المجتمع تعود لديه إلى أسبابٍ تربوية وفكرية ذات أساسٍ غيبي في نهاية المطاف.
وبهذا فإن قانونية الوجود راحت تتكسر, وأخذتْ المثاليةُ الموضوعيةُ عموماً تتوقف أو تتراجع إلى أشكال فلسفية مثالية ذاتية أو تعود للتصوف, وهو شكلٌ مثالي ذاتي كذلك. لكن نمو المثالية الموضوعية من منطلق ديني, لن يتوقف فسنجد اتساعاً فيها عبر المذاهب السنية هذه المرة, وبشكلٍ موسوعي, خاصة في أعمال محمد الجابري وحسن حنفي.
لكن بعد أعمال يوسف كرم نجد ظهور واتساع البرجماتية والتجريبية المنطقية والوجودية, خلافاً للبواكير المشجعة لنهوض المثالية الموضوعية, ويعود ذلك لعدم قدرة المثاليات الموضوعية على التطور, فالشكل الديني المحافظ سياسياً حبسها عن النمو, فيوسف كرم عبر مسيحيته ومحمد باقر عبر (أثنا عشريته), كانا يجعلان المثالية الموضوعية تابعةً للوعي الديني المهيمن والشمولي, وإذا كان الاعترافُ بقانونيةِ الوجود الموضوعة تحت عدة أقواس, مهماً في الوجود الطبيعي فإنه في الوجود الاجتماعي أكثر أهمية ولكن أكثر صعوبة وخطورة.
ولكن هنا لا تظهر عمليةٌ نقديةٌ جذرية للمجتمع عبر المثالية الموضوعية, فهي سوف تعيدُ سببيات الحياة الاجتماعية إلى التربية والوعي, وليس إلى بنية المجتمع الطبقية الحاسمة. رغم اتفاق مثالية محمد باقر الصدر مع المادية الجدلية على أهمية وجود قطاع عام في إسناد الطبقات الفقيرة وعلى دوره في عملية التنمية والقبول بالإصلاح الزراعي في حدود.
وهكذا فإن المثاليةَ الموضوعيةَ بأساسها الديني سوف تقدمُ أساساً فكرياً للعلوم الطبيعية, في المادة الصماء عادةً, ولكن في المادة الحية أي في الأجسام البشرية وفي تطور البيولوجيا فإنها سوف تعود إلى أفكارها الدينية النصوصية دون القدرة على التأويل الهام في هذا الجانب.
فنظريةُ التطور في البيولوجيا تغدو مرفوضةً باعتقاد أنها تناقض التصور الإلهي بنزول الإنسان كاملاً من السماء, وهكذا فإن أساسيات التاريخ تبقى مشكوكاً فيها, رغم أن محمد باقر الصدر لا ينفي تعاقب التشكيلات المشاعية والعبودية والإقطاع والرأسمالية لكنه يرى أن أسبابها تعود لوعي الأفراد والخصائص الروحية.
لكن المثالية الموضوعية كما قلنا ستأخذ دفعةً قويةً عبر أعمال الجابري وحسن حنفي, وعبر الجذور المذهبية السنية, التي كانت ذروة التطور الفلسفي المحافظ للمسلمين في العصر السابق, وهي هنا تربط نفسها بالمناهج الظاهراتية والبنيوية, مؤكدةً على الصنع الإلهي للعالم, وهو بدايةُ الاعتراف بإسلامية المجتمع, لكن هذا الصنع يتوقف عند أبواب الطبيعة والمجتمع والوعي, حيث تظهرُ بعدَ الأبواب القوانينُ الموضوعية لهذه الظاهرات.
لكن لدى الجابري وحنفي يحدثُ تعثرٌ في العثور على هذه القوانين وخاصة في مجالي المجتمع والوعي, فالمناهج الظاهراتية والبنيوية تفكك الظاهرات الفكرية عن قواعدها الاقتصادية – الاجتماعية, ثم تقطعها وتفتتها, وتستلُ خيوطاً مجردة منها, فتصل إلى استنتاجات فكرية وسياسية كبيرة خاطئة.
لدى حسن حنفي كانت المدارس الفكرية والفلسفات بلا جذور طبقية, لكي يصل في خاتمة المطاف إلى ضرورة بقاء النظام السياسي – الديني القديم مع ملئه بمادة معاصرة. لكن الأمر يعود الآن إلى تغيير هذا النظام نفسه. أي أنه يرى بقاء النظام الإقطاعي المذهبي المستمر خلال ألف عام, وليس في تشكيل نظام ديمقراطي علماني لا ديني.
قمة عربية.. لازال في العروق دم
بقلم: صالح عوض عن الشروق الجزائرية
أجل.. لازال في العروق بقية من دم.. فالبيان الختامي لمؤتمر القمة المنعقد بالكويت حافظ على ابقاء القضية الفلسطينية قضية مركزية للأمة العربية وندد بمحاولات اسرائيل لتهويد المقدسات بالقدس الشريف وأدان السياسة الإسرائيلية المحمومة بخصوص الاستيطان، رافضا الاعتراف بيهودية الدولة، ومطالبا بتقديم العون المادي والمعنوي الكافي للمؤسسات الفلسطينية لتمكينها من تأدية مهامها.
صحيح أن هذا لا يرقى إلى الطموح والأمل الحقيقي بتأدية الواجب تجاه شعب محاصر ومشتت ومضيق عليه أمام عصابات مسلحة بكل انواع الجريمة.. لكن لا بأس، فإن هذا الموقف الكلامي خير من عدمه، فالخوف كبير هذه الأيام ان تفتح جامعة الدول العربية أبوابها للمندوب الاسرائيلي بعد ان فقدت الإحساس تجاه ما يجري من تدمير منهجي للحياة في فلسطين.. إن الموقف من الموضوع الفلسطيني يعني ان بقية من الدم لازالت تسري في العروق.
ولكن غاب عن قمة الجامعة العربية خطوات كان من السهل انجازها وفورا، أولها مصالحات ضرورية في فلسطين وسوريا ومصر واليمن وليبيا والبحرين، فكان من الواجب ولايزال ان تقوم لجان عليا برئاسة من قبل حكام عرب للنشاط على صعيد إصلاح ذات البين، فلا يجوز ان تقف الأمة متفرجة على ما يجري في سوريا او مصر او اليمن.. صحيح ان بعض العرب تورط في تصعيد الأزمات داخل البلدان العربية وهذا ما ينبغي ان لا يكون ابدا..
فعلى صعيد المصالحة العربية للشأن الفلسطيني كان يمكن ان تتخذ الدول العربية موقفا تفصيليا واحدا وتنتهي به الانقسام الفلسطيني وتتابع الجامعة العربية تنفيذه، وتكون الدول العربية ضامنة لذلك وحاميته.. الأمر نفسه بخصوص الشأن السوري.. فلعلنا كأمة وقيادات نرتكب من البشاعة في الخلق والموقف ما يخرجنا من دائرة الإحساس بالانتماء عندما نتردد في التقدم لحل الأزمة السورية.. لقد وصل الأمر إلى واقع كارثي، وستسألنا الأجيال القادمة، وسنقف امام الله بلا حجة ولا مدافع ونحن تركنا سورية تتذابح وتصبح المفسدة أعظم من ان نحمل المسئولية الا الينا جميعا.. لقد كان مطلوبا حلا عربيا شاملا للأزمة يسهم في فض الاشتباك بين المتقاتلبن من جهة، والشروع في إعمار ما خرب وإيواء السوريين المشتتين.
كان على جامعة الدول العربية بمؤتمر قمتها ان تضع حدا بين الفرقاء في العراق.. فلقد تواصلت الحرب الداخلية بعد القضاء على الاستعمار الأمريكي سنوات طويلة، وارتكب الساسة العراقيون الجدد حماقات مدوية أوقعت البلاد في مذبحة مجنونة.. فكان ينبغي الالتفات للعراق، والكلام نفسه ينسحب على ليبيا.
أول الخطوات هو الامتناع عن تزويد عناصر الشقاق بمواد القتل والتدمير.. فإذا كانت جامعة الدول العربية ومؤتمر قمتها لم تفكر ولا تريد ان تفكر بتحرير فلسطين والمقدسات، فهل يمكننا على الأقل ان نوقف تذابحنا المجنون.. تولانا الله برحمته.
هل ينجح عبدالفتاح السيسى؟
بقلم: عبد اللطيف المناوي عن المصري اليوم
هذا سؤال متعدد الاحتمالات متعدد الإجابات، يحمل العديد من المعانى وكذلك العديد من احتمالات الإجابة، فإذا بدأنا بسؤال: هل ينجح عبدالفتاح السيسى فى الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ فإن الإجابة ستكون محسومة فى أغلب الأحوال، ليس لشىء إلا لأن هناك حالة من الإجماع الشعبى على المرشح الرئاسى عبدالفتاح السيسى، والتى تجلت فى الحملات الداعمة له، والدعوات الجماهيرية له بالترشح للرئاسة.
والسؤال التالى هو: هل ينجح عبدالفتاح السيسى فى جمع المصريين حوله؟ أعتقد أنه لا يوجد مرشح يحظى بهذه الحالة من الإجماع الشعبى مثل عبدالفتاح السيسى، حتى الذين قرروا أن يختاروا مرشحاً غيره، فالأمر ليس عداء له بل هو اختيار لمرشح بعينه، وبالتالى فعبدالفتاح السيسى سيكون هو الرئيس الذى يجمع ولا يفرق، ويقود المصريين جميعاً تحت راية واحدة.
إن أسئلة من نوعية هل ينجح عبدالفتاح السيسى فى الانتخابات، وهل ينجح فى تحقيق برنامجه الانتخابى، وهل ينجح فى خلق حالة جديدة من التقدم والتطور، وقيادة البلاد إلى الأفضل، وتحقيق ما يصبو إليه المصريون، ستكون معظم إجاباتها بنعم، لكن سؤال: هل ينجح عبدالفتاح السيسى فى تحقيق الحلم المصرى الذى نحلم به جميعاً، بأن تكون مصر فى مصاف الدول المتقدمة والمتطورة، وأن تستعيد مكانتها التاريخية، وهل يستطيع أن يقود المصريين إلى خلق حالة جديدة من العمل لأجل البناء والنهوض بمصر، إجابته ليست عند السيسى وحده، بل عند المصريين الذين يجب أن يمدوا أياديهم لإنقاذ مصر، وإعادتها إلى مكانتها الطبيعية.
شعار المرحلة المقبلة يجب أن يكون «إنقاذ مصر»، وهو الشعار الذى يجب أن يعمل على تحقيقه السيسى، وأن يجمع المصريين حوله، وأن يعملوا من أجله، ومن أجل تحقيقه، فمسؤولية النهوض بمصر ليست فى يد السيسى وحده، بل فى يد كل مصرى يتوجب عليه أن يمد يده للعمل، والمساعدة فى إعادة بناء الدولة.
المشروع القومى لنا، والذى يجب أن يتبناه السيسى، هو «إنقاذ مصر»، بعد ثلاث سنوات ظلت مصر تُستنزف فيها سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتم تجريف كل ما كانت تملكه، لكن هذا لن يتم بمعجزة تهبط من السماء، بل بسواعد المصريين وأفكارهم وقدراتهم.
إن سؤال: هل ينجح السيسى فى قيادة مصر للأفضل؟ لن تكون له إجابة كاملة ما لم تتكاتف سواعد جميع المصريين لتحقيق هذا الأمل الذى نصبو إليه جميعاً، وهو الأمر الذى لمحناه فى خطابات سابقة للمشير عبدالفتاح السيسى، من دعوته للمصريين للعمل جميعاً، وأنه سيكون أول من يعمل، لكن شيئاً لن يتم ما لم تتحد الأيدى، وتتفق الأفكار، وتشحذ الهمم من أجل مستقبل أفضل لمصر.
وهنا السؤال لن يكون: هل ينجح السيسى فى الانتخابات، أو قيادة مصر، وإنما سيكون هل سينجح الشعب المصرى بقيادة عبدالفتاح السيسى فى خلق واقع جديد لمصر؟
فوضى عربية غير مسبوقة
بقلم: بكر عويضة عن الشرق الأوسط
تصرخ الجموع بصوت واحد، فيصفق الجميع مجمعين على أن تلك هي صيحة الحق. في الواقع، وسط ضجيج ذلك الصراخ الجمعي يختلط الأبيض بالأسود فيصعب تبين الخيط الفارق بينهما. مساء الاثنين الماضي، بينما كنت أتابع «نيوزنايت»، البرنامج الإخباري لقناة «بي بي سي 2»، لاحظت كيف تداخلت أصوات ثلاث شخصيات من وجوه الجالية المسلمة في بريطانيا، عندما راحوا يتصارخون معا في وقت واحد أمام جيرمي باكسمان، مقدم الحلقة وأحد نجوم التلفزيون البريطاني المعروفين بتميز الأداء. راح جيرمي يحاول المتابعة مبتسما، وبدا لي مندهشا، إذ إن ضيوفه هم من جيل الشباب الذي يفترض أنه تعلم في هذا البلد أدب الحوار وأصوله. لو أن جاري شاهد الحلقة ذاتها وسألني صباح اليوم التالي: ما الذي كان أولئك الأشخاص يريدون قوله؟ لأجبت: إن كنت لم أفهم فكيف لي أن أشرح لك؟!
بدا ذلك المشهد صورة كاريكاتيرية مصغرة لما يجري في معظم أنحاء العالم العربي، مع فارق جوهري مهم خلاصته أنه في الأغلب الأعم، قليلا ما يعترف أغلب المتعاطين مع تحليل توجهات الرأي العام بأنهم يعرفون على وجه التحديد ماذا تريد الجموع الهادرة بأصوات متداخلة في الميادين والساحات، ذلك أن المهم، أيضا في أغلب الحالات، حتى نتجنب التعميم، هو انسجام مضمون التحليل مع صراخ الصارخين، بصرف النظر عن الصواب والخطأ.
الواقع أن العالم العربي يمر بمرحلة فوضى غير مسبوقة. ولست أقصد هنا خلافات المواقف وتباين السياسات بين حكومات وعواصم، فتلك حالات عاشتها الشعوب العربية وتعايشت معها عبر قرون عدة، قبل وجود الدول ذاتها، بل يمكن القول إن من نواميس الحياة أن تحصل خصومات بين الناس، فيختلف أب مع أبنائه، وشقيق مع أشقائه، بل يحدث أن يجر بعضهم بعضا إلى المحاكم لأتفه الأسباب، لكن إن تغلبت الحكمة وساد العقل، أمكن حصر الخلاف داخل البيت، ومن ثم إطفاء النار قبل أن يشتعل الحريق. أما إن علا صراخ المختلفين بعضهم ضد بعض في وقت واحد، وحكم كل منهم الهوى فقدم مصلحته على غيره، من دون أي اكتراث بحق أو باطل، فقد «ضاعت الطاسة»، كما يقول عوام الناس، ودبت الفوضى. تلك على وجه التحديد هي مرحلة الفوضى غير المسبوقة التي يمر بها العالم العربي.
تحدث وكتب كثيرون عن خطورة فوضى الفتاوى، مثلا، وجرى اتخاذ قرارات بشأنها وتحذير من الأخذ بأية فتوى ليست صادرة عن مرجعية موثوقة، لكن ذلك لم يحُل دون استمرار الظاهرة. فوضى الإعلام ليست تقل خطورة. ومع سطوة الإنترنت لم يعد ممكنا التحكم في موثوقية ما ينشر. لكن الأخطر من فوضى النشر «أونلاين»، سواء على مواقع رصينة تسعى للدقة، أو أخرى أقل أهمية، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي وما صار يعرف بـ«نيوميديا»، الأخطر من ذلك هو انتشار فوضى تحكيم الهوى الشخصي على شاشات بعض الفضائيات، وما بدأ مثيرا للعجب قبل بضع سنوات، من ضرب بالكراسي وتبادل اللكمات بين الضيوف، صار عاديا، ثم إن بعض مقدمي البرامج، مستندا إلى أن نجوميته أهم من فضائيته، راح يغرف من الصحن نفسه، فإذا بالبعض يجترئ على أبسط أصول الموضوعية القائلة بترك الموقف الشخصي جانبا عند التحدث من منبر عام، ومن ثم وضع المصلحة العامة قبل الهوى الذاتي.
صدمني قبل أيام ما سمعت منسوبا إلى قيادي فلسطيني في غزة. كنا في جلسة عشاء عندما نقل أحد الحاضرين عن ذلك القيادي (أقصد عدم ذكر الاسم) قوله، إن منظمته لديها خمسون ألف مقاتل وخمسة آلاف انتحاري، وإنهم يستطيعون احتلال مصر خلال ثلاث ساعات. لاحظت أن أحدا لم يبدِ دهشته، فقلت: لكن ذلك كلام هراء، ومن المستحيل أن يصدر عن سياسي يعقل ما يقول. لكن الراوي، وهو ذو مكانة علمية، أصر على روايته. صباح اليوم التالي رحت أقلب بين دهاليز «غوغل»، أريد التأكد مما سمعت، فتبين أن الكلام مجرد شائعة نقلت عن «أوساط مقربة» من ذلك القيادي، لكنه نفى أنه قاله.
ثم تبين لي أن عدد المقاتلين في الكلام «الشائعة» هو 25 ألفا، أي أن ناقل الكلام وصله مضاعفا، ولو شئت أنا نقله من دون تأكد، يمكنني أيضا أن أضيف إليه أو أضاعفه. الأسوأ أنني في سياق البحث لتبين حقيقة ذلك الهراء، طلع عليَّ ما ليس يقل شرا، إذ نقل غير موقع عن مذيع (أقصد عدم ذكر الاسم أيضا) بإحدى الفضائيات المصرية، أنه تمنى أمام الملأ كلهم ما خلاصته دمار قطاع غزة بأكمله. ما نسب للمذيع، وقد يكون هو أيضا تعرض للمبالغة أو لمونتاج الفوتوشوب، وغيرهما من وسائل تزوير هذا الزمان، جرّ سيلا من التعليقات الموبوءة بروائح فتنة كريهة، واضح أنه يراد للعالم العربي أن يغرق فيها حتى «يسيل الدم للركب»، أيضا كما يقول عوام الناس. هل ثمة فوضى قبل هذه الفوضى؟ كلا، أما بعدها.. فربما الآتي أسوأ.
خلال نصف الساعة السابقة لبرنامج جيرمي باكسمان، تابعت على شاشة «بي بي سي 2» تمثيلية بطلها قسيس مدينة في شمال إنجلترا. يقترح القسيس على إمام مسجد المدينة ذاتها الحصول على قطعة أرض وجمع التبرعات لتحويلها إلى ساحة لعب، يلتقي فيها أطفال مسلمون ومسيحيون. يوافق إمام المسجد بلا تردد، وينطلق الاثنان يعملان لأجل تحقيق الفكرة على أرض الواقع، وينجحان. كم هو الفرق شاسع بين جمع أطفال ديانتين للعب بريء، وبين الذين يلعبون بواقع ومصائر شعوب بأكملها، والأخطر بين أولئك، هم من أدمنوا اللعب باسم أي من الأديان أو الأوطان، أو بهما معا.


رد مع اقتباس