اقلام عربي 10/06/2014
في هــــــــــــــــــــــذا الملف:
بانتظار الردّ الفلسطيني غير المسبوق
بقلم: ماجد كيالي عن الحياة اللندنية
رأي القدس: الخط الأحمر الفلسطيني
بقلم: أسرة التحرير عن القدس العربي
الهوية الفلسطينية والمكان
بقلم: صقر أبو فخر عن العربي الجديد
ذكرى الخامس من حزيران
بقلم: فايز رشيد عن الخليج الاماراتية
الفلسطينيون: نهاية "الربيع" وأزمة الرواتب
بقلم: أحمد جميل العزم عن الغد الأردني
رأي الوطن: دعوة فيها تشويه لقيم السلام!
بقلم: أسرة التحرير عن الوطن العمانية
مصر: الخطوة التالية!
بقلم: حسين شبكشي عن الشرق الأوسط
السيسي وجمهورية مصر الثالثة!
بقلم: راجح الخوري عن النهار البيروتية
الدولة والوطن
بقلم: فتحي التريكي عن العرب اللندنية
أميركا الصغيرة.. و قطر العظمى..!!
بقلم: أســــــــــعد عبـــــــــود عن الثورة السورية
الديمقراطية على الطريقة الأمريكية
بقلم: محمد بغدادي عن المصري اليوم
بانتظار الردّ الفلسطيني غير المسبوق
بقلم: ماجد كيالي عن الحياة اللندنية
في موقف لافت، وفريد من نوعه، هدّد المتحدّث باسم الرئاسة الفلسطينية بالرد «بشكل غير مسبوق» على إعلان إسرائيل اعتزامها بناء 1500 وحدة سكنية استيطانية جديدة، تعبيراً عن ممانعتها تشكيل حكومة توافقية بين حركتي «فتح» و»حماس».
بيد أن إسرائيل، كما نعلم، لا تحتاج لأي مبرّر أو تغطية لتعزيز أنشطتها الاستيطانية إذ أنها لم تتوقف عن ذلك يوماً، لا سيما منذ توقيعها اتفاق أوسلو مع القيادة الفلسطينية، قبل عقدين، وفي ظل حكومات العمل أو «ليكود»، وإبان الهدوء أو المواجهات، مع المفاوضات أو من دونها. ذلك أن الدولة العبرية تتصرّف إزاء الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، باعتبارها جزءاً من إسرائيل، وأنها «تتكرّم» على الفلسطينيين بالسماح لهم بإقامة كيان سياسي لهم فيها. والحقيقة أن المسؤولية في ذلك تقع على القيادة الفلسطينية التي وقّعت على اتفاق أوسلو على رغم أنه لم يعرّف إسرائيل كدولة احتلال، ولا الضفة والقطاع كأراض محتلة، كما أنه لم يبتّ بمسألة الاستيطان، إضافة إلى مسائل جوهرية أخرى. وباختصار فقد تم التعاطي مع الأمر، حينها، كأن الأراضي المحتلة هي بمثابة أراض متنازع عليها بين طرفين، وحقّين. وربما أن هذا يفسّر اعتبار أوري ارييل وزير الإسكان الإسرائيلي (من حزب «البيت اليهودي» القومي ـ الديني) أن «من حق إسرائيل وواجبها أن تبني مستوطنات في كل أرجاء البلاد».
معلوم أن إسرائيل لم تبد طوال عقدين من عمر مسيرة التسوية ما يفيد باحتمال تخليها عن الاحتلال، إذ ظلت تشتغل على تعزيز وجودها العسكري والاستيطاني، في الضفة، مختصرة قضية التسوية بالتحرّر من عبء السيطرة المباشرة على الفلسطينيين، والتخلص من أكلافها الأمنية والاقتصادية ومن تبعاتها السياسية والأخلاقية، مع الاحتفاظ بالأرض والموارد والهيمنة الأمنية والاقتصادية. الأخطر من ذلك أن إسرائيل تتصرّف في هذه الأراضي براحة وحرية، كأن السلطة غير موجودة، أو كأنها مجرد خيال «مآتة».
ففي الشهر الماضي وحده، مثلاً، وبحسب تقرير نشرته الوكالة الفلسطينية للأنباء («فا») فإن القوات الإسرائيلية نفّذت حوالى 100 عملية إطلاق نار واعتداء على الفلسطينيين داخل مدنهم وبلداتهم، و239 عملية اعتقال، و41 حالة اعتداء ودهس واقتلاع أشجار وإتلاف مزروعات نفذها مستوطنون، و110 حالات مصادرة لممتلكات وتسليم إخطارات بهدم منازل أو منشآت. أما بالنسبة إلى الأعمال الاستيطانية ففي الشهر الماضي طرح مخطط لإنشاء «حديقة وطنية» على أراضي شرق القدس المحتلة على أرض مساحتها حوالى 700 دونم، وتم الترخيص لبناء 50 وحدة استيطانية في مستوطنة جبل أبو غنيم المقامة على أراضي بيت لحم (إبان زيارة البابا!)، كما أن ثمة حديثاً عن اعتزام إسرائيل بناء كنيس «جوهرة إسرائيل» في قلب القدس القديمة، وعلى بعد 200 متر غرب المسجد الأقصى.
القصد أن الوضع الذي تأسست عليه السلطة كان خاطئاً، وقد فاقم من مخاطره اضطرار السلطة إلى الاعتماد على الدول المانحة، لتغطية موازناتها ومرتبات موظفيها، الذين بات عددهم يناهز على 200 ألف (بعد استيعاب 40 ألف من موظفي حكومة «حماس» في غزة)، وهذا الأمر لا يهدد فقط استقلالية القرار الفلسطيني، وإنما يهدد سلامته أيضاً.
ولعل هذا كله ما يثير الاستغراب من مضمون التصريح الفلسطيني المذكور في شأن «الرد غير المسبوق»، لا سيما أن السلطة لا تملك أوراق قوة، وهي لم تعمل شيئاً يذكر لتهيئة ذاتها وشعبها، لخيارات وطنية بديلة، بل إنها في مواقفها وشكل إدارتها لأحوالها لا تبدو راغبة في ذلك أصلاً.
وهذا يعني أن القيادة الفلسطينية تستطيع أن تغيّر من المعادلات القائمة، في علاقتها الخاسرة والمهينة مع إسرائيل، لكن ذلك يتطلب منها هي بالذات القيام بخطوات غير مسبوقة، ربما يكمن أولها بوضع حد للعبة التفاوضية، التي باتت بمثابة مهزلة، ومجرد ستار يحجب واقع إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية. كما يتطلب الأمر تغيير واقع السلطة، من كونها سلطة تتعايش مع الاحتلال إلى سلطة تدير أحوال شعبها، وتنظم كفاحه من أجل استعادة حقوقه. وبالتأكيد فإن هذا يشتمل على إنهاء التنسيق الأمني مع إسرائيل، لأنه مشين أولاً، إذ لم يسبق أن قامت حركة وطنية بالتنسيق الأمني مع المستعمر. وثانياً، لأنه مكلف جداً، ويفضّل تحويل الموارد المخصصة له إلى مجالات أخرى تخصّ تنمية المجتمع. وثالثاً، لأنه تنسيق من طرف واحد، إذ أن إسرائيل، كما ذكرنا، لا تأخذ إذناً من أحد في مداهماتها لبيوت الفلسطينيين أو مدنهم وقيامها بعمليات إطلاق نار واعتقالات وهدم بيوت. ورابعاً، لأن أجهزة الأمن الفلسطينية مفروض أن تتركز مهمتها في الحفاظ على حياة الفلسطينيين، وعلى الاستقرار الأمني في مناطقهم.
وباختصار فإن القيادة الفلسطينية مطالبة بالمبادرة لوضع حد، ومرة واحدة، لواقع الاحتلال الإسرائيلي المريح والمربح، وغير المسبوق، وهو ما لا تفعله بالنظر إلى ارتهانها للعبة التفاوضية، وتكلّس أحوالها، واعتمادها في مواردها على الخارج.
أيضاً لا يوجد ما يوحي بوجود هكذا مبادرة لأن الثقافة السياسية، التي تدير هذه القيادة الصراع على أساسها، هي امتداد للثقافة التي أسست لاتفاق أوسلو، والتي تنطوي على إثبات حسن السلوك إزاء المحتل، وتأكيد التماثل، وربما التعايش، معه.
في هذا السياق، مثلاً، يمكن فهم حديث الرئيس أبو مازن، أمام 200 من نشطاء السلام الإسرائيليين (في مقره في رام الله في 29 أيار/ مايو الماضي)، الذي تضمّن اعتبار التنسيق الأمني مع إسرائيل أمراً مقدساً! وتأكيد أبو مازن أن لا تنازل عن ذلك، كأنه يصدّق أن أجهزة أمن السلطة هي التي تحمي إسرائيل، أو كأن هذه تقبض اللعبة حقاً! وتضمن حديثه أيضاً، تشجيع «التطبيع»، ومعارضة حل الدولة الواحدة، بديلاً لحل الدولتين، ومخاطبته الإسرائيليين قائلاً: «الجانبان عانيا الكثير ودفعا أثماناً غالية... عانيت كثيراً في المنفى، وأعرف أنه مثل ما عانيت، أنتم عانيتم أيضاً». وهي تصريحات تنطوي على إيحاءات بقبول الرواية الإسرائيلية للنكبة، وتصوير الصراع الجاري كأنه بين حقين أو طرفين متساويين، وهو أمر مستغرب، ولا يفيد، بل إنه يسهم في خلق ثقافة سياسية مشوّهة، تتعايش مع الاحتلال والظلم وضياع الحقوق، فضلاً عن أنها تثير مشاعر الإحباط والضياع عند الفلسطينيين، بدلاً من وضعهم في صورة التحديات التي تواجههم.
ما يثير الاهتمام هنا، أيضاً، هو تحول مركز القيادة الفلسطينية إلى مقر لإلقاء المحاضرات، على هذه المجموعة أو تلك من الإسرائيليين، ذلك أن هذه ليست مهمة الرئيس، ولا مقر القيادة هو المكان المناسب لذلك.
وإذا كان من المفهوم والمشروع العمل في أوساط الإسرائيليين بغرض جلب تعاطفهم مع حقوق الفلسطينيين وفك ارتباطهم بالصهيونية، وبناء قواسم مشتركة معهم، على هذا الأساس، فإن هذا لا يستقيم مع الدعوة إلى التطبيع مع إسرائيل، وفتح علاقات اقتصادية معها، بدلاً من معاقبتها وعزلها ونزع شرعيتها. كما أن هذا الأمر لا يفترض التنازل عن الرواية الفلسطينية، وتقويض قيمتي الحقيقة والعدالة فيها، والخضوع لمنطقة الغلبة. وفوق هذا فإن السلام بين دولة وأخرى لا يشترط إقامة علاقات قائمة على التعاون الاقتصادي أو على الحب والوداد، فهذا شأن آخر. وأخيراً فإن الإسرائيليين بحاجة ليعرفوا عن معاناة الفلسطينيين جراء النكبة، وعن معنى التشرد واللجوء والحرمان من الوطن والهوية، وعن مظالم الاحتلال وهدم البيوت وجرف المزروعات وسياسة الاعتقال والقتل، أكثر من حاجتهم إلى دروس عن اضطهاد أجدادهم في أوروبا، أو عن ظروف «المحرقة»، فهذه يعرفونها ويحفظونها عن ظهر قلب.
وكما ذكرت، فإن مشكلة القيادة الفلسطينية أنها فقدت المبادرة، وأنها لا تعمل على تغيير الواقع، فبينما ينشغل الرئيس الفلسطيني بإلقاء المحاضرات، أو باللقاء مع هذه المجموعة أو تلك من الإسرائيليين، فإن بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية يمهد الاجواء لخلق امر واقع، يتمثلّ بفرض حل احادي الجانب، بتحويل الضفة إلى غزة أخرى.
واضح أن إسرائيل تشتغل على الفصل الأحادي، وترك الفلسطينيين يتدبرون أمرهم في مدنهم، بعد تنفيذ انسحابات محدودة، أو إعادات انتشار، بحسب التعبير المتداول في نص اتفاق أوسلو، وتالياً جعل الضفة وغزة بمثابة كانتونين منعزلين، و»مستقلين»، لكن في ظل التحكم والحصار والهيمنة الإسرائيلية. أي باختصار نحن أمام كيان محاصر، إزاء الخارج، وحكم ذاتي محدود إزاء الداخل.
قصارى القول، الفلسطينيون حقاً بحاجة إلى رد غير مسبوق.
رأي القدس: الخط الأحمر الفلسطيني
بقلم: أسرة التحرير عن القدس العربي
تشكيل حكومة التوافق الفلسطينية كان، دائماً، خطّاً اسرائيلياً أحمر، وعبور حركتي «حماس» و»فتح» هذا الخط هو بالتالي عمل وطني كبير.
فالحركتان لم تكونا الجسمين الفلسطينيين الأكبرين المختلفين سياسياً فحسب، بل تحوّلتا أيضاً الى انفصال جغرافيّ بدأ عام 2007، وكانت تبعاته، على المدى الطويل، ستكون خطيرة على الشعب الفلسطيني، فإضافة الى فلسطينيي النكبة المقيمين في الداخل الفلسطيني تحت ظل دولة إسرائيل، والشتات الفلسطيني في البلدان العربية والذي طبع كل قسم من هذا الشعب بطابع البلد المقيم فيه، صار هناك فلسطينيو غزة» و«فلسطينيو الضفة»، بقيادتين بتوجهين سياسيين متناقضين تتبادلان الاتهامات والاعتقالات والتنكيل فيما يفرك الإسرائيليون أياديهم فرحاً.
إضافة لإجراءات كثيرة أخرى مالية وإدارية وسياسية وإعلامية للضغط على الحكومة الفلسطينية، ردّت إسرائيل باستئناف تكثيفها للاستيطان وبمنع وزراء غزة من السفر الى رام الله لأداء القسم الحكومي أمام الرئيس محمود عباس، وهذان الردّان العاجلان يعكسان قلقاً اسرائيلياً عميقاً من هذه الحكومة الفلسطينية المنتظرة.
بالمقابل استقبل الفلسطينيون الحدث باحتفالات تعبّر عن توقهم الى الوحدة الفلسطينية وإن كان ممزوجاً بخوف من انتكاسة مفاجئة لهذه الحكومة.
في أثناء ذلك يتابع أسرى الاعتقال الإداري نضالهم المستميت (بالمعنى الدقيق للكلمة) لليوم الثامن والأربعين (وبعضهم، مثل أيمن اطبيش بلغ طول اضرابه البطولي 103 أيام) ضد اعتقالهم، وهو مثال آخر على قوّة إرادة الشعب الفلسطيني وخبرته الطويلة باستخدام أساليب النضال السلميّ التي تفكّك وحشيّة اسرائيل وتكشف بذاءة ادعاءاتها عن احترام الحريات المدنية والتي لا تكفّ عن ترديدها في وسائل إعلام العالم.
كما يأتي ذلك بعد الزيارة المهمة التي قام بها فرانسيس بابا الفاتيكان الى فلسطين والتي حرّكت أسئلة عميقة حول العلاقات الملتبسة بين السياسات المتصارعة في المنطقة والأديان التوحيدية الثلاثة، الإسلام والمسيحية واليهودية، حيث تستخدم الأطراف المنخرطة في الصراع العربي الإسرائيلي سرديّاتها الدينية لدعم أحقيتها فيما تفعله، فيما يدفع الفلسطينيون والعرب، مسلمين ومسيحيين، الثمن الأكبر في هذا الصراع.
وتشكّل صلاة الرئيسين الفلسطيني عباس والإسرائيلي شمعون بيريس أمس في الفاتيكان بادرة حسن نيّة من قبل الفلسطينيين بقصد الخروج من الصراع الطاحن للسرديّات الدينية ولفتة الى أن مصلحة العالم تقوم على إنجاز تسوية عادلة للفلسطينيين طال انتظارها.
تأتي حكومة الوحدة الفلسطينية بعد أربع سنوات من بدء الربيع العربي والذي غيّر الخريطة السياسية في المنطقة وكشف العلاقة الراسخة بين الاستبداد العربي والمشروع الصهيوني، لكنّه، للأسف، لم يغيّر كثيراً من العقلية الانتظارية لدى القيادتين الفلسطينيتين، كما أن كثيراً من الفلسطينيين، الذين ذاقوا الأمرّين من انتقامات الأنظمة منهم كلّما حصلت تغيرات سياسية كبيرة، فضّلوا بدورهم انتظار تبلور نتائج المعارك الطاحنة التي تدور حواليهم بدل اكتشاف إمكانيات المشاركة في الربيع العربيّ على طريقتهم الخاصة.
والحقيقة تقال إن الربيع العربيّ هو استكمال، بالأحرى، للنضال الفلسطيني المديد ضد إسرائيل، وفيه أيضاً تكرار لفضائل هذا النضال وعثراته، ومن ذلك استرجاع خبرات النضال المدني السلميّ، وآلام النضال العسكريّ، ثم الانخراط في استقطابات سياسية وعسكرية عنيفة تقسم الثائرين على الظلم إلى جناحين رئيسين وتجذّر الجناح السلفيّ المسلّح على حساب الجناح المدنيّ وغير السلفي.
تأتي تجربة حكومة التوافق الوطني الفلسطيني بعد تجربة الحكومة التونسية برهاناً على إمكان تصالح الجناحين الرئيسين في السياسة العربية، وتفتح الأمل مجدداً، بصعود السياسة بدل القهر والغلبة والبطش.
فلسطين كلها تحت الأسر، وتوافق مكوّناتها السياسية بالتضامن مع نضال أسراها وشعبها الجبّار، هو ربيعها المرتقب.
الهوية الفلسطينية والمكان
بقلم: صقر أبو فخر عن العربي الجديد
في ذروة نضال الفلسطينيين في سبيل العودة وتحرير وطنهم، قاتل الفدائيون بجميع الوسائل ومن جميع الأمكنة: اجتازوا الحدود من الأردن وسورية ولبنان، وعبروا الأنهار، كنهر الأردن، ونزلوا شواطئ فلسطين بحراً (مثل عمليتي كمال عدوان سنة 1978 واقتحام وزارة الدفاع الإسرائيلية سنة 1985)، وصعدوا إلى السماء، للاستيلاء على الطائرات، وهبطوا من الجو (مثل عملية الطائرة الشراعية التي نفذها الحلبي خالد أكر في 1987)، ولم يتركوا طريقة إلا استعملوها، وسقط على هذا الدرب كثيرون.
واليوم، بعد نحو خمسين سنة على انطلاق المقاومة المسلحة، ما برح الفلسطينيون يحاولون اجتياز الحدود وعبور البحار، وها هم أبناؤهم يتساقطون في اللجج المالحة، أو على دروب الهجرة، سعياً وراء الكرامة والخبز والأمان. ومع ذلك، ثمة حملة هاذية، وعنصرية أحياناً، تطارد الفلسطينيين في أكثر من مكان: في مصر، لأن حمقى امتشقوا السلاح نصرة للإخوان المسلمين. وفي سورية، لأن شباناً انضموا إلى مقاتلي المعارضة. وفي لبنان، لأن اثنين من الفلسطينيين تورطا في أعمال إرهابية. وهناك مَيْلٌ لتحميل الفلسطينيين المسؤولية المباشرة عما حل بهم من مصاعب ومصائب في سورية ومصر ولبنان.
وفي لبنان بالتحديد، راحت المخيلة السياسية الجمعية تنسج أوهاماً عن أن كل نازح فلسطيني جديد هو لاجئ دائم، ولم تتورع عن إقامة مندبة صاخبة، في شأن الخطر الفلسطيني الجديد، مع أن عدد النازحين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان لم يتجاوز السبعين ألفاً، بقي منهم في لبنان 43 ألفاً فقط. وهؤلاء لم يضعوا أثقالهم على أكتاف اللبنانيين، بل على كواهل أقاربهم في المخيمات، وعلى عاتق وكالة غوث اللاجئين "أونروا" بالدرجة الأولى.
في هذا الميدان، لا أبالغُ في الاستنتاج إذا قلتُ إن الهويةَ الفلسطينية معرضةٌ للاندثار، جراء هجرة الفلسطينيين المتمادية، من سورية ولبنان إلى أقاصي الأرض؛ فالهوية مرتبطة عضوياً بالمكان، ولا هويةَ تاريخية لأي شعب بلا مكانٍ محدد. والمخيم هو مكان الفلسطينيين، فيه تعلموا كيف يحافظون على روابطهم العائلية القديمة، وعلى لهجة آبائهم وميراثهم الإنساني، وحتى على انقساماتهم القروية التقليدية. ومن هذه العناصر الأولى المتفاعلة، صاغ الفلسطينيون هويتهم في المنفى، وزيّنوا المكان الجديد بالصور القديمة، واحتفظوا بأوراق الطابو ومفاتيح البيوت المهجورة. ثم تحول المخيم في زمن الكفاح في سبيل التحرر الوطني إلى فضاء للتمرد، وبات مكاناً لاختبار عوالم جديدة من الحرية.
كان المخيم، في زمن الأحلام الكبيرة، وطناً موقتاً، ومحطة في طريق العودة. أما اليوم، فها هو يتحول إلى منفى، أو إلى استراحة على دروب الرحيل، وصار مكاناً للسأم والاجتماع عند نواصي الأزقة، والاسترخاء في مقاهي الشوارع، واكتساب مسلك التشاجر واجترار الكلام على البؤس والخيبة، وذم الزمان وصنع النقمة والانجراف نحو التدين والتعصب، والولع بالتفتيش عن سبل للهجرة للخلاص من هذه الحال المهينة. وبهذا المعنى، راح المكان يفقد حميميته، ويهاجر أبناؤه، ويختفي منه ذلك الميراث الإنساني الذي كان ناراً مقدسة سنين كثيرة، فصار رماداً إلى حد كبير.
* * *
في لبنان نحو 480 ألف فلسطيني مسجلين في السجلات الرسمية. هاجر منهم منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في 1975 أكثر من مائة ألف، ونال أكثر من مائة ألف، كعدد تراكمي، الجنسية اللبنانية. وكان يعيش في سورية نحو 650 ألف فلسطيني (قرابة 500 ألف مسجلين لاجئين، ونحو مائة وخمسين ألفاً يقطنون سورية منذ سنوات طويلة لأسباب مختلفة، وبعضهم لا يملك حتى أوراقاً ثبوتية). إذاً، الكتلة البشرية الفلسطينية في البلدين التوأمين تزيد على مليون ومئة ألف لاجئ، وهؤلاء مهددون، الآن، بالاقتلاع من مكانهم والتناثر في بقاع العالم البعيدة. وسيخضع هؤلاء جميعاً، بالتدريج، لقانون تصادم الثقافات وصدمة الغربة، وتشوه الهويات؛ فمنهم مَن سيندمج بسرعة، ومنهم مَن سيجهد للمحافظة على هويته، وسترتدي النساء في هذه الحال الأزياء الفلسطينية المطرزة بالألوان الجميلة (جنة ونار مثلاً)، وسيتزوج الفلسطيني فلسطينية على الأغلب، وسيواصل كثيرون تنمية روابطهم من خلال تأسيس الجمعيات وتنظيم الاحتفالات وإقامة الولائم، احتفاء بالمسخّن والمقلوبة والطاجن، وسماع أغاني الحنين، مثل "وين عَ رام الله" و"علّي الكوفية" وغيرها، ثم سيعود كل واحد من هؤلاء إلى منزله وعمله ومصالحه، وقد تفرّجت همومه في ذلك المرجل الكبير الذي يُسمى "المهجر".
هل إن هوية الفلسطيني في المهاجر الجديدة ستبقى نفسها هويته الموروثة التي كانت متوهجة في بلدان الشتات العربي، مثل سورية ولبنان؟ لا ريب في أن الهوية الجديدة التي تطورت في المهاجر الغريبة، في خضم جدل التحدي والاضمحلال، ستبقى ذات صلة بجذورها الأولى، لكنها ستلوح، في ما بعد، كباقي الوشم في ظاهر اليدِ. وأسمح لنفسي بالقول إنّ لا معنى حقيقياً وفاعلاً لهوية الفلسطيني، خارج نطاق لغته العربية وبيئته العربية. والذاكرة الفلسطينية في البلدان العربية التي وُشمت بالنار، مرات كثيرة، لم تتغير في جوهرها ولم تتضرر. أما ذاكرة الفلسطيني في المهاجر البعيدة فستذوي رويداً رويدا، وستسحق، في نهاية المطاف، وتبتلعها المجتمعات الجديدة. وبهذا المعنى، أخشى أن تتحول قضية فلسطين لدى هؤلاء المهاجرين إلى ما يشبه أحوال الجماعات الأرمنية المهاجرة: يقاطعون البضائع التركية، ويأكلون البسطرما والسجق والأطعمة القومية، ويثابرون على سماع الأغاني الفلكلورية الأرمنية، ويتبرعون لجمعياتهم الأهلية، ثم ينصرفون إلى أسرَّتهم وأعمالهم وشؤون حياتهم اليومية وقد أدوا ما عليهم من القسط القومي.
* * *
أمام هذا الهول الإنساني الذي يعصف بالفلسطينيين في سورية، وبالسوريين أيضاً، وأمام كارثة الهجرة المتمادية من سورية ولبنان إلى "ديار الله الواسعة"، ثمة خطر داهم، لا على حق العودة فحسب، بل على الهوية التاريخية للاجئين الفلسطينيين أيضاً.
ذكرى الخامس من حزيران
بقلم: فايز رشيد عن الخليج الاماراتية
نعيش هذه الأيام ذكرى الخامس من يونيو/حزيران عام 1967 . 47 عاماً تفصلنا عن ذلك اليوم المشؤوم، يوم أراد العدو الصهيوني كسر أحلام الجماهير العربية في تحرير فلسطين، هذا الشعار الذي حملته الأمة العربية من المحيط إلى الخليج .أعوام طوال تفصلنا عن يوم الهزيمة، حين استطاعت "إسرائيل" احتلال الضفة الغربية، وسيناء وهضبة الجولان العربية السورية . جاءت بعدها استقالة الرئيس الخالد جمال عبد الناصر لتزيد من طعم مرارة النكسة . عدوله عن استقالته أحيا أملاً جديداً في الأمة العربية بإمكانية تجاوز النكسة على طريق الانتصار . رغم الهزيمة انطلقت الثورة الفلسطينية لتعلن بداية المقاومة الفعلية للعدو الصهيوني ولمشاريعه في المنطقة وتؤسس لمقاومة عربية ظهرت فيما بعد .
رغم الهزيمة أطلق عبدالناصر لاءاته الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، ولا مفاوضات مع الكيان الصهيوني .كان الشعار من أبلغ الردود على الهزيمة . "إسرائيل" أرادت من هذه الحرب تطويع إرادة الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، لكن رد أمتنا تبلور في كلمات قليلة: مقاومة "إسرائيل" والإصرار على عروبة فلسطين من النهر الى البحر . نعم، انتظرت الجماهير العربية لحظة بلحظة تلك الساعة التي نتمكن فيها من هزيمة "إسرائيل" . جاءت اللحظة في معركة الكرامة في 21 مارس/آذار عام ،1968 وجاءت في حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية . وتوج الانتصار عام 1973 حين أثبت الجندي العربي قدرته على تجاوز المحنة والوصول إلى النصر . للأسف لم يُمهل القدر عبد الناصر الذي خاض حرب الاستنزاف وكان قد توفاه الله في عام ،1970 ولم يشهد عبور الجيش المصري لقناة السويس وتدمير خط بارليف "الإسرائيلي"، الذي صوروه بأنه أعظم من خط ماجينو .
للأسف أيضا، لم يكتمل الانتصار في حرب عام 1973 التي أرادها الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، أن تكون حرب تحريك لا حرب تحرير . جاءت بعدها المباحثات المصرية مع (العزيز) هنري كيسنجر، وكانت اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة التي أبعدت الدولة الأقوى عربياً عن دورها في التصدي للكيان الصهيوني، ثم جاءت اتفاقية أوسلو المشؤومة وبعدها اتفاقية وادي عربة . تصور "الإسرائيليون" بعدها بأن وجود دولتهم المغتصبة أصبح أمراً واقعاً، وأنهم بانتظار العرب كي يخروا على ركبهم راكعين وصاغرين وطائعين أمام الإرادة الصهيونية، مثلما انتظر وزير الحرب الصهيوني الأسبق موشيه دايان في عام ،1967 حين انتظر مكالمة الاستسلام من الرئيس عبد الناصر، لكن التوقعات "الإسرائيلية" فشلت وأصر الفلسطينيون والعرب على رفع شعارات فلسطين كل فلسطين .
في ذكرى يونيو/حزيران انذهل العدو الصهيوني قبل نحو ثلاثة أعوام وفوجئ بالمسيرات الفلسطينية-العربية باتجاه حدود فلسطين، وفوجئ تماماً إلى الحد الذي مارس فيه فلسطينيان حقهما في العودة على طريقتهما الخاصة واخترقا الحدود السورية-الفلسطينية، أحدهما وصل إلى يافا (مسقط رأس والده وعائلته وأجداده) وأعلن عن نفسه .ثانيهما لم يعلن عن نفسه ولم يتمكن الكيان من القبض عليه سوى بعد أسبوع . رد الفعل الصهيوني على المسيرات الحدودية عبّر عن نفسه بمذابح (كعادة "إسرائيل") ارتكبتها ضد الذين ساروا في المسيرات، ما أدى إلى استشهاد العشرات على الحدود اللبنانية والسورية مع فلسطين التاريخية . المسيرات الفلسطينية العربية ذلك العام عكست طموحات وأهداف شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية في رؤية الكيان كمشروع دخيل في المنطقة، وعكست إصراراً كبيراً على حتمية عروبة فلسطين وحتمية العودة .
كل الذي تغير في الكيان الصهيوني بعد مرور 66 عاماً على إنشائه: أنه أصبح أكثر عدوانية وعنصرية وإرهاباً . والمتغيرات الداخلية فيه تشي بتطور التطرف والفاشية في شارعه بشكل متسارع، وهذا إن ينم عن طبيعة تآمر "إسرائيل" ليس على فلسطين والفلسطينيين فحسب إنما على العرب والعروبة والمشروع الوطني القومي العربي برمته، وقد ثبت ذلك بالملموس عندما اعتدت "إسرائيل" على أكثر من دولة عربية بطرق مختلفة .
لكل هذا لا يجوز التصور للحظة من اللحظات أن الصراع مع الكيان الصهيوني هو صراع فلسطيني فقط وإنما هو صراع عربي . إن الحلم الصهيوني بإنشاء دولة "إسرائيل" الكبرى لم يغادر الذهنية لدى معظم الصهاينة غير أنهم سيحيوا هذا الشعار في الوقت المناسب عندما تحين الظروف . إن "إسرائيل" والسلام خطان متوازيان لا يلتقيا والدليل على ذلك: عشرون عاماً من المفاوضات الفلسطينية مع الكيان وفوقهما تسعة أشهر لم تسفر إلا عن ازدياد شهية "إسرائيل" للأرض العربية وتطويع العرب . دليل آخر هو، رفض "إسرائيل" لما يسمى "مبادرة السلام العربية" إنها من وجهة نظر شارون، لا تستحق الحبر الذي كتبت به . أثبتت التجارب أن الكيان الصهيوني لا يستجيب إلا للغة القوة والمقاومة . نعم رغم الظروف الصعبة الحالية لا مستقبل لهذا المشروع إلا الزوال فلا تعايش مع هذا الكيان .
الفلسطينيون: نهاية "الربيع" وأزمة الرواتب
بقلم: أحمد جميل العزم عن الغد الأردني
بغض النظر عمّن يرى أنّ الثورات ما تزال موجودة، ومن يرى أن الرئيس المصري الجديد عبدالفتاح السيسي، هو رئيس ثوري أو على الأقل إصلاحي، فإنّ المؤكد أن كل أعداء "الربيع العربي"، أو المشككين فيه أو الخائفين منه، يتنفسون الصعداء بارتياح الآن، إلا من يعتقد أنّ ما يجري هو جزء من المؤامرة ذاتها.
لقد انتهى "الربيع العربي". فمن صنعوا ثورة "25 يناير" في مصر، أصبحوا خارج المشهد؛ ثوار يناير العلمانيون فريقٌ منهم في السجن، وتحديداً من رفض أو عارض النظام الجديد، وفريقٌ آخر خسر رصيده الجماهيري، وأبرزهم حمدين صبّاحي الذي كان "حصانا أسود" في الانتخابات الرئاسية السابقة، العام 2012. ولكن الأهم بالتأكيد، أنّ الإخوان المسلمين الآن في المعتقلات أو ملاحقون، وبلا مؤسسات تنظيمية علنية أو فاعلة؛ وهم بالتأكيد خارج السلطة. ووضع "الإخوان" هو سبب الارتياح الأول لدى الأنظمة التي لم تطلها الثورات والانتفاضات.
فلسطينيّا، فإنّ مشهد الموظفين الذين عينتهم حكومة حركة "حماس" السابقة، مدعومين بالشرطة التي تأسست زمن الحكومة نفسها، وإقفالهم البنوك في قطاع غزة لأيام منعاً للموظفين الآخرين، وغيرهم من المراجعين والمودعين، من الحصول على رواتبهم وأموالهم من البنوك، هو مشهد محزن إنسانيّا ووطنيا، يكشف طبيعة المعاناة البشرية في قطاع غزة، كما يكشف "تقزّم" وتقهقر الأجندات الوطنية، والانشغال برغيف الخبز اليومي. لكن هذه التحركات تكشف وتبرهن سياسيّاً، طبيعة الأجندة والمبررات التي قادت بشكل مباشر إلى المصالحة. فبقدر ما تكشف هذه الأزمة عن مشهد محزن وطنيا وإنسانيا، فإنها تُظهر أنّ مشكلات سياسية وأمنية كبيرة باتت تُختَصَر بأزمة الراتب.
ويكشف هذا، من وجهة نظر أمنية وسياسية قصيرة المدى، أنّ الأزمة "سهلة"، وأنّ مفتاح السيطرة على كثير من عوامل الاستقرار هو الراتب. لكن على المدى الاستراتيجي، فإن هذه كارثة وطنية.
لم يعد مطلوبا من السياسيين تقديم برامج مقاومة ونضال وحل سياسي، لكي يضمنوا التأييد الشعبي، ويقوموا بتهدئة الرأي العام؛ بل عليهم تقديم الرواتب، وهذا بحد ذاته يجعل المهمة للسياسي، أو بكلمات أدق لمسؤولي الأمن وكبار المسؤولين، سهلة، مفتاحها منحة تأتي من هنا أو هناك لسداد الرواتب. لكن وطنيا هذه كارثة، تعكس ما الذي بات يشغل الرأي العام ويرسم أجندته. وهذا الأمر ليس حكراً على قطاع غزة، أو على حركة "حماس". ففي غزة من ضمن المحتجين موظفون وعناصر داخل حركة "فتح"، قُطعت رواتبهم منذ سنوات. وفي الضفة الغربية، شهدت الأشهر الأخيرة لحكومة رئيس الوزراء السابق سلام فياض احتجاجات كان سببها ارتفاع الأسعار وأزمات مالية، ترافقت مع وقف المنح والمساعدات حينها، وهدأت مع عودة المساعدات.
على صعد سياسية عدة، يبدو الوضع مُريحاً. فقد استعيدت الوحدة المؤسسية السياسية بين الضفة والقطاع (عدا الأجهزة الأمنية). وقد كان تنصيب الرئيس المصري الجديد عبدالفتاح السيسي، مناسبة مهمة لفهم وضع التمثيل الفلسطيني، فلم يعد مطروحاً أبدا منافسة أي طرف فلسطيني للرئاسة على موضوع التمثيل، كما كان يجري في مناسبات عربية وإسلامية سابقة، قد تجرى في قطر أو إيران أو مصر زمن حكم الإخوان المسلمين. وأزمة الرواتب في غزة تكشف أنّ الأجهزة المعنية تحولت، في جزء منها، إلى أجهزة نظامية، ينظر لها منتسبوها، جزئيا على الأقل، بأنّها فرصة للعمل وللعيش. وهذا لا يقلل أبدا من وطنية وانتماء هؤلاء، أو يعني أنّهم في لحظة المواجهة مع الاحتلال لن يتحولوا إلى مناضلين، ولكنه يكشف، في الوقت نفسه، الأزمة الراهنة، وطبيعة الأمور ومساراتها، عندما تتأسس سلطة ودولة في ظل الاحتلال والحصار والمقاومة.
كان موقف كل من "فتح" و"حماس" في سياق "الربيع العربي" انتظار كل منهما لما سيجري، وكيف سيُحسم الصراع الداخلي في الدول العربية، وانعكاس ذلك عليهما. والآن، انتهى الانتظار، وحلت محله مرحلة عنوانها انشغال بالقضايا الحياتية والمعيشية من دون استراتيجية وطنية عليا.
لا يعني ذلك أنّ هذه الوضعية ستستمر بالضرورة، ولن تبرز قوى ترفض ذلك وتعيد توجيه البوصلة.
رأي الوطن: دعوة فيها تشويه لقيم السلام!
بقلم: أسرة التحرير عن الوطن العمانية
هل اخطأ البابا فرنسيس اثناء زيارته إلى فلسطين المحتلة بدعوته الجزار الاسرائيلي شيمون بيريز للذهاب الى الفاتيكان للصلاة من أجل السلام مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. يقينا ان البابا لا ينسى التاريخ الاسود للصهيونية، وهذا البابا بالذات، محتضن الفقراء والمحتاجين، بل اصحاب القضايا الكبرى كالفلسطينيين .. فهو عليم بمن يكون بيريز وما هو تاريخه وكيف تلونت حياته بدم الفلسطينيين واللبنانيين وبقية العرب.
تلك الأيام التي يعرفها البابا وقرأ عنها الكثير كما عرفنا في الآونة الاخيرة، الأيام السوداء التي اطاحت بفلسطين لتقيم كيانا سرطانيا من اخطر ما عرفته البشرية وما تم تدوينه في كتب التاريخ عن ذلك النوع من الكيانات التي عرفت بالبربرية .. كما اننا نتأكد مما يعرفه البابا عن شخص بيريز صاحب اطول تاريخ في من تلوثت يداه بالدم العربي وهو الذي تشهد له مجزرة قانا التاريخية حين اعطى أوامر صريحة بقصف تجمع مدني لجأ إلى حماية الامم المتحدة. وكيف انه اكثر قادة اسرائيل تعديا على الحياة الانسانية الفلسطينية والعربية، بل هو الذي ما زال يفلسف حقوق الشعب الفلسطيني على انها غير موجودة.
إن دعوة هذا الرجل الى الفاتيكان مشروع تلويث ذلك الموقع الديني المميز بكل تاريخيته ومسؤوليته الروحية عن عالم كبير .. فأينما حل بيريز سيكون هنالك خطأ في حسابات اصحاب المكان، واينما وقف بيريز فسيكون موقع وقوفه مشكوكا به، فمثل بيريز يجب ان يتوارى عن الانظار بل يطرد من ملكوت الارض لا ان يدعى إلى اكبر محفل يشع انسانية وجل اهدافه ان يكون لكل امرئ على هذه البسيطة وطن بكل مكوناته الرحبة، بل المزيد من سعادة البشر.
إن دعوة مجرم حرب للصلاة من أجل السلام، فيها مغالطة وفيها تشويه لقيم السلام، وهي محاولة لتلميع صورة رجل مهما تلمعت فهي ستبقى من انجس اهل الأرض واشدهم كفرا بالانسان وبالإنسانية. اننا نربأ بالبابا دعوته لرجل افنى عمره من اجل ان لا يظل هنالك ولو فلسطيني واحد على وجه الارض، بل عربي ايضا.
ومع اليقين في حسن نية البابا فرنسيس فإننا على نفس الدرجة من اليقين أن هذه الدعوة لن تغير من صفة بيريز باعتباره رئيس دولة عصابات وبالتالي لن تغير من المعادلة القائمة والمرتكزة على تاريخ اسود .. وليسمح لنا البابا باسم آلاف الشهداء الفلسطينيين والعرب وباسم التاريخ الانساني الذي لوثته أفعال هذا الرجل وجرائمه وزملائه من قادة هذا الكيان المغتصب بالقول ان هذه الدعوة كانت لغير مستحق وغير مؤهل لهدفها، ومن غير اللائق بموقع له كل هذا الارث الروحاني ان يضرب مواعيد او ان يقيم دعوات لهذا النوع من البشر .. عظمة الفاتيكان بكل قيمها اكبر من ان تتوسل قتلة كانوا وما زالوا اسرى عقلية مريضة تعتبر ان الشعب الفلطسني غير موجود مثلما قالت ذات مرة جولدا مائير وكانت ناطقة بلسان قادة اسرائيل الذين لم يشبعوا حتى الآن من الجرائم المتكررة التي ارتكبوها.
مصر: الخطوة التالية!
بقلم: حسين شبكشي عن الشرق الأوسط
الصورة تساوي ألف كلمة، هكذا يقول المثل القديم المشهور، و«كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة» كما تقول المقولة المشهورة للنفري. والمتابع لمراسم التنصيب بالرئاسة المصرية التي احتفلت بتسلم الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي المنصب من الرئيس المؤقت عدلي منصور، سيرى أن هناك شيئا جديدا في المشهد الحكومي المصري.. هذا «الشيء» مبعثه ثقة في النفس ورغبة جامحة وجامعة لاستعادة موقع مصر الريادي والحضاري الذي تآكل مع الوقت.
كان هناك حرص شديد على «الإبهار» ومفاجأة كل من يتابع الحدث بتفاصيله، والتركيز على البعد المؤسساتي للدولة المصرية القديمة، والبعد عن التركيز على الأشخاص بعينهم.. كان هناك تركيز واضح على مؤسسات الدولة القديمة، مثل المحكمة الدستورية وجمعيتها العمومية وقضاتها المخضرمين وإبراز دورهم، وكذلك المراسم الجمهورية والحرس الجمهوري ورجالات الدولة والتكريم المستحق، ورموز البلاد كلها كانت لأجل إعادة إبراز دور مصر السياسي والثقافي، والثقل الحضاري المميز لها.
مصر عادت لتدرك بشكل عملي أهمية القوى الناعمة التي لديها، وتعدها ميزة تنافسية لا يستهان بها في عالم صعب ومعقد جدا. هناك إحساس لكل من تابع أحداث يوم الاحتفال بتنصيب الرئيس السيسي، أن هناك جهدا لإبراز الوجه المدني لجمهورية مصر، وإبراز الإرث التاريخي لهذه الحضارة من قصور ومن تقاليد ومن عادات، وهي جميعها مبعث فخر واعتزاز للمصري، ولكن الأهم أنه جرى إحياؤها بعد أن فقدت لمدة غير بسيطة من الزمن.
التاريخ المصري مغرم بالإبهار وكل ما عليك عمله ليس سوى التمعن بالإرث المهول لقدماء المصريين من أهرامات وتماثيل ومدن، وحتى في العصر الحديث، هناك الإرث «العملاق» للشخصيات المصرية المهمة مثل أم كلثوم، وعبد الناصر، وطه حسين، وطلعت حرب، وغيرهم بطبيعة الحال.
كان لافتا في كلمة الرئيس السيسي تركيزه على العمل، وعلى الإنتاج، وعلى أهمية البعد العربي والأمن الخليجي بالنسبة للأولويات في السياسة المصرية. مصر تنفست الصعداء وخارطة الطريق التي جرى إطلاقها بعد ثورة الثلاثين من يونيو، وسارت بشكل في مجمله جيد جدا، هناك قبول متزايد عالميا لما حصل في مصر، وإدراك أن مؤيدي الحراك والنظام الجديد في مصر هم الأغلبية الساحقة من الشعب المصري، وبالتالي لا بد من «احترام» هذه الرغبة، و«القبول» بها، و«التعامل» معها بشكل حقيقي، والبعد عن التخوين والتشكيك.
مصر محملة بالتحديات والهموم والمشكلات والمصاعب، ولكن الإيمان «بالقدرة» على مواجهة ذلك هو أول تحدٍ. حدثني صديقي وهو يتابع المشاهد الاحتفالية، وقال في تعليق لطيف يصف المشهد: «مصر بتستحمى وتغتسل». وأضاف أن مصر لو واجهت وأدارت تحدياتها بنفس الدقة والمهارة التي أشرفت وأدارت بها حفل التنصيب ستكون بخير كبير. مصر تمرض ولكنها لا تموت، ومن المهم أن تقوم من أزمتها أقوى، فقوتها لصالح المنطقة ككل وليست لها وحدها.
وفي الختام قد يكون أهم سلاح يواجه به عبد الفتاح السيسي المستقبل الذي يستعد له هو دعاء الملايين له بالتوفيق، هو بحاجة ماسة له. مصر دولة مؤسسات وقد تكون المؤسسات طالها الوهن والضعف، ولكن من الممكن إصلاحها والبناء عليها، وهذه وحدها مسألة تستحق العمل لأجلها.
السيسي وجمهورية مصر الثالثة!
بقلم: راجح الخوري عن النهار البيروتية
كان الحفل مهيباً في مراحله الثلاث، قسَم اليمين في بيت الدستور، وتسلّم الحكم في مجلس الشعب، وخطاب العهد في قصر القبة، لكن المسؤوليات الثقيلة رست للتو على عبد الفتاح السيسي، الذي يواجه تحديات كبيرة، فإما ان ينجح في ضبط الامن وإطلاق ورشة حقيقية للتنمية تصنع مصر الجديدة، وإما ان تسحقه صخرة سيزيف الرغيف و"الاخوان"، فليس سراً ان الأمن والاقتصاد هما المدخل الوحيد لنهوض الدولة المصرية.
ما يتوافر للسيسي من العناصر الضرورية للنجاح لم ولن يتوافر لغيره. حسني مبارك أدار دولة الفساد الهرمة والمتكاسلة، محمد مرسي أدار دولة الاستئثار والحصرية الاخوانية، رحلة السيسي تبدو مختلفة، ففي الشكل كان المهم ان يعبر الى السلطة من بوابة الدستور وفي حضور هيبة القضاء وهو المؤسسة الأعرق في مصر، وفي الجوهر كان من الأهم ان يتم التسليم والتسلّم في اطار من احترام الديموقراطية بينه وبين عدلي منصور وللمرة الأولى في تاريخ مصر!
لكن العبرة ستكون بعد تسلم السلطة، فهل سينجح السيسي في ارساء قواعد الجمهورية الثالثة في مصر؟
كل العناصر اللازمة والضرورية للنجاح متوافرة تقريباً، فعلى الصعيد الداخلي وصل السيسي بتفويض من 23 مليون مصري وهو مجموع ما حصل عليه مرسي واحمد شفيق معاً، ثم انه يحظى بدعم صلب من مؤسسة الجيش ومن القضاء وإدارات الدولة ومن كل شرائح المجتمع باستثناء "الاخوان المسلمين" الذين اسقطتهم ثورة 30 يونيو.
وعلى الصعيد الخارجي يحظى السياسي بدعم غير محدود من السعودية ودولة الامارات والكويت والاردن والبحرين والسلطة الفلسطينية، يشي بذلك مستوى الوفود التي حرصت على حضور حفل التسليم والتسلم، وفي هذا السياق يشكل بيان خادم الحرمين الشريفين، الذي دعا الى مؤتمر اقتصادي لدعم مصر وانتشال اقتصادها من الانهيار، سنداً اساسياً لنجاح السيسي تشارك فيه دولة الامارات بقوة، فقد شكّل حضور ولي عهدها الشيخ محمد بن زايد وتأكيده الدعم المطلق للسيسي، إضافة طبعاً الى حضور امير الكويت الشيخ صباح، تأكيداً للاتجاه الى ما يشبه مشروع مارشال خليجياً لمصر!
خطاب القسم كان سياقاً طويلاً من الوعود التي تركزت على ثلاثة أمور اساسية: الامن والاقتصاد والمصالحة الداخلية. في الامن لا قيام لقيادة موازية تنازع الدولة صلاحياتها، في الاقتصاد التركيز على التنمية في كل مستوياتها، اما الرسائل الخارجية فقد كانت صريحة وواضحة "الأمن القومي العربي خط احمر... أمن دول الخليج من امن مصر"، وهذا كلام له وقعه العميق في طهران، التمسك بقيام الدولة الفلسطينية وبالتزامات مصر، والقول "مضى زمن التبعيّة"، وهذا كلام تفهمه واشنطن جيداً.
مسيرة السيسي على خطين: الامن والرغيف ويجب ان ينجح!
الدولة والوطن
بقلم: فتحي التريكي عن العرب اللندنية
كثر النقاش في المدة الأخيرة حول مدى وطنية حكومة التكنوقراطيين الذين يحكمون تونس اليوم بعد التوجهات الجديدة المتمثلة في التخلي عن بعض الشركات الوطنية لفائدة الخواص وبعض المواقع التراثية لأصحاب الأموال. كما تعهدت بعض الأحزاب أنها في حالة فوزها في الانتخابات المقبلة ستعمل على إقامة تحالف واسع من أجل تكوين حكومة وطنية.
لابد هنا من التعمق في الظاهرة الجديدة للدولة التي لم تعد تتأسس فقط على معطيات وطنية سنشرحها في ما بعد، بل وأيضا على ركائز العولمة التي تقلل من المعطى الوطني في اتجاه نظام اقتصادي معولم قد يمهد الطريق لاستعمار من نوع جديد. لا محالة، لنا دولة، ودولتنا هذه تستمد مشروعيتها من بقايا البناءات المتعدّدة عبر التاريخ المعاصر لتونس، حتى وإن حاولت بعض المجموعات المختلفة سواء كانت دينية أو اجتماعية أو قبلية أو جهوية أن تسيطر على مكتسباتها أو تطيح بما بقي منها قائما. وعلى سبيل التذكير نؤكد هنا على أن الدولة في صبغتها العامة تقوم على نمطين من المؤسسات:
نوع أول نسمّيه على منوال الفيلسوف الإيطالي غرامشي بالمؤسسات العنيفة للدولة، وهي التي تضم كل المصالح الأمنية كالبوليس والجيش، وهناك من يضيف أيضا المحاكم والقضاء بصفة عامة باعتباره قد يؤدي إلى سلب الحريات، ومهمة هذه المؤسسات العنيفة هي احتواء العنف المجتمعي داخل منظومات قانونية بحيث سيكون المجتمع مجتمعا تسالميا غير عنيف، بما أن العنف قد تمّ احتكاره في هذه المؤسسات.
أما النوع الثاني، فهو ما يسمّيه الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير بالمؤسسات الإيديولوجية للدولة والتي تعتمد التعليم والتربية والثقافة والدّين، بحيث أنها تقدّم للمواطن إمكانات تكوينه وتعليمه حتى يصبح حرّا في اختيار دينه واعتناق مذهبه وتطوير فلسفته ونظرته للحياة لا محالة، ولكنه يخضع في الأخير إلى النمط الذي يريده استراتيجيو الدولة.
فالحياة الديمقراطية تنشأ من خلال تواجد هذين العنصرين في الدولة تواجدا منسقا ومترابطا ومتفاعلا، فلا يمكن لأي ديمقراطية أن تتطور في مجتمع عنيف، إلا أنها ستكون مجدية إذا ما قامت الدولة باحتكار العنف بصفة ديمقراطية مستعملة كل الوسائل التي تسمح بها القوانين. كذلك لا يمكن لديمقراطية معينة أن تبني دولة وطنية ومشاركة فاعلة للمواطن، إذا لم تكن هناك تربية فكرية تعليمية ثقافية حتى يتمكن المواطن من اختيار من يمثله عن وعي ودراية، فدولة القانون هي تلك التي استطاعت أن تضمن تسالما في المجتمع وتربية تحررية في الفرد.
هكذا تكون الدولة هي قبل كل شيء بناء محكم للسلطة بصفتها امتلاك القدرة والقوة على القرار والفعل والهيمنة بحد اللسان والسيف، تحكمه مجموعة من القواعد والقوانين تكونت بإرادة الشعب الذي سيخضع عن طريق تلك الإرادة لأجهزتها ودواليبها. أما إذا اقترنت الدولة بمفهوم الوطن فإنها ستتطلب تجسيدا لهذا البناء في مؤسسات قائمة، بعضها أيديولوجي ثقافي وتعليمي، وبعضها أمني وعسكري يقوم على العنف المقنن والمشروع. فللدولة الوطنية سلطة السيادة داخل حدود جغرافية معترف بها داخليا وخارجيا لا تقوم شرعيتها على ما هو غير دنيوي وإنساني. هذه الدولة الوطنية غير الدينية قد ارتكزت على فكرة المجتمع السياسي المستند بدوره إلى العقد الاجتماعي، الذي من المفروض أن يجعل من مهمة الدولة الأساسية حماية الفرد المواطن من العنف ومن كل مظاهر الغطرسة والاستبداد. هذا التوجه الليبرالي الذي يعتبر الحرية حسب تعبير عبدالله العروي “المبدأ والمنتهى والباعث والهدف والأصل والنتيجة” قد أضاف إلى الدولة صبغة جديدة بجانب صبغتها الوطنية، ونعني الصبغة العلمية التقنية التي تبني أسّا جديدا لها يتمثل في معرفة دقيقة لآليات تدبير شؤون الدولة في كل مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية وغيرها.
هذه التقنيات المتطورة قد بدأت في العالم الليبرالي الغربي تقوم بعملية تحويل الدولة من صبغتها الكلاسيكية المتمثلة في أجهزة العنف والحضور المكثف في المجتمع والاقتصاد، إلى إدارة تصريف لشؤون الناس بحضور غير مكثف يقترب من الدرجة الدنيا حتى يترك أكبر قدر للحرية في الاقتصاد والسياسة، وبما أن رأس المال لا يعترف بالحدود الجغرافية، ولا بالإحساس الوطني، ولا بأولية المصلحة المشتركة فإن دولة التكنوقراطيين لن تقرأ حسابا كبيرا للحس الوطني، باعتبار أنها ترى أن مصلحة الوطن والدولة تتطلب مصلحة الفرد والخاص، وأن المصلحة الخاصة إذا ما تطورت ستطور بالضرورة المصلحة الوطنية.
إن نظرية الدولة الدنيا التي تحاول الدولة التونسية الآن تطبيقها لا يمكن أن تكون فاعلة في مجتمعات لم تتأقلم بعد مع مستحدثات التقنية والعلوم والتفكير بصفة عامة. لأنها ستعرض المصلحة الوطنية إلى خطر الابتزاز والفساد لأن المجتمع لم يطور بعد منظومة التقييم والمراقبة اللازمة في الدولة الحديثة. وبذلك ستؤدي حتما إلى انتشار الفساد. نحن ما زلنا في حاجة إلى الحضور المكثف للدولة لكن حسب ما ينص عليه الدستور وما تضبطه القوانين. فلا يمكننا أن نعطي للدولة دورا سلبيا يتمثل في العنف المقنن والعقاب وإقامة التوازن بين فئات المجتمع والمصالح والتيارات فقط، بل للدولة دور فعال وإيجابي يتمثل في السهر على إعادة إنتاج رأس المال. فالدولة تكوّن الثروة وتخلقها كما تكون واقعا يناسبها وتحوله على أن لا ينتج عن هذا الدور ما سماه المفكر الألماني هوركايمر بـ”الدولة الكاملة” فتعرقل الحريات الفردية لتضفي ممارستها إلى نوع من الاستبداد.
هذه الوضعية الجديدة للدولة الدنيا هي المناسبة أكثر للعمل الديمقراطي الحقيقي بما أنها تقلص من دور الحكومة، وتعطي أهمية قصوى للحرية الاقتصادية والفردية والاجتماعية. والسؤال هل نحن في تونس وفي العالم العربي- لاسيما الذي عاش الثورة- مستعدون ثقافيا وسياسيا لممارسة الحكم الأدنى؟ أو بالأحرى هل اجتمعت الشروط الموضوعية مثل التقدم العلمي والتكنولوجي والازدهار الاقتصادي والتطور الثقافي لهذا النوع من الحكم في بلداننا حتى وإن اتجهت بعد الثورات العربية نحو المزيد من الديمقراطية؟
لذلك لا يمكن لدولة التكنوقراطيين أن تمارس النظريات السياسية للدولة الدنيا في وضع اقتصادي صعب، وفي أمن لم يتوفر بما فيه الكفاية وبثقافة التوكل على الدولة والخوف أن يؤدي هذا التسرع في الخوصصة إلى استفحال الفساد وتفكيك التآزر الاجتماعي.
أميركا الصغيرة.. و قطر العظمى..!!
بقلم: أســــــــــعد عبـــــــــود عن الثورة السورية
لم أتوقف بعد عن سلسلة مقالاتي: «كانت دمشق مدينة جميلة»، سأعود إليها... فما زالت دمشق المدينة الجميلة، لكنني أخرج عنها اليوم فقط من أجل بعض الكوميديا السوداء.
استعادت الولايات المتحدة الأميركية صبيها من أيدي طالبان الارهابية... وسمته نصراً !! ولاسيما أن رئيسها استمر يؤكد أن قطر تضمن له الأمن القومي الأميركي..!!؟؟؟ واستعادت طالبان ارهابييها الخمسة من معتقل غونتنامو الأميركي وسمته نصراً... وتسكت قطر عن نصرها المشؤوم ؟! ربما كي يكتمل.. وربما يكون اكتماله حين يتيسر لها أن توصل الارهابيين الأربعة إلى سورية ؟! ربما...
هل يحتاج ذلك لأي تعليق... أليست كوميديا حقيقية وبكل ألوان الطيف ؟
يتشدق الرئيس الأميركي بأن الولايات المتحدة لا تتخلى عن مواطنيها، ويتجنب كلياً الإشارة عن إمكانية الصفح عن الارهاب والتعاقد مع الارهابيين !!. تشدقه ذاك لايحسب حساباً لتماثل هذه الأخلاقية الفريدة مع أخلاق الارهابيين الطالبانيين ؟! هم أيضاً لم يتركوا ارهابييهم في الأيدي الأميركية! أترونهم يتناسبون شرفاً، والعالم يبكي أسامهم ؟!
للسياسة الأميركية الراهنة والارهاب منطلق واحد يقول: ألألم هو وحده ذاك الذي يمس جلدي... فأنا الحق.. وماعداي كله باطل !!!
الكوميديا الحقيقية ليست هنا... وليست في أن لقطر كل هذه الدالة على طالبان، وتحظى منها بكل هذه الثقة، فحكايتها وأموالها والارهاب أصبحت معروفة... لا بل ومفضوحة... في ليبيا في مصر في تونس في اليمن، الذي صرخ أول ما صرخ: لا أريد قطر، وفي سورية.. هنا للحكاية طعم آخر سيتذوقه كثيرون بعد أن يبرأ منه الشعب السوري.
الكوميديا الحقيقة ليست في ذلك كله.. بل في هتاف الرئيس الأميركي مراراً و تكراراً أن قطر ستكفل له الأمن القومي الأميركي..؟!
كيف...؟!
إلى أي حد تصل سلطة قطر على طالبان والارهاب بشكل عام...؟! وإلى أي مدى تثق الولايات المتحدة بهذه السلطة...؟! هل يعني ذلك أن أميركا تتعامل مع قطر من خلال معرفتها بسلطتها على الارهاب..؟ هل هي شراكة ارهابية..؟ بالنسبة لنا في سورية.. لدينا كل المبررات لنصدق أن هذه الشراكة قائمة خصوصاً فيما يتعلق بالأزمة السورية !!.
إلى أين ستصل قطر في اسلوبها وسلوكها...؟ هل تصدق فعلاً أنها ستشتري موقع دولة عظمى بأموال النفط والغاز، كما اشترت تنظيم كأس العالم لكرة القدم... هل في ذلك أحد أسرار الخلاف السعودي القطري المزمن...؟ البالون امتلأ وهو على حافة الانفجار.. وعند انفجاره لن ينفع نفط أو غاز أو كأس العالم في كرة القدم !! بالمناسبة التحقيقات مستمرة لتقدير حجم الرشوة التي دفعتها قطر ليكون لها حق تنظيم كأس العالم بكرة القدم لعام 2022.
مثل هذه الوجوه الكالحة وأيديها القذرة هي التي تجعلك تصرخ من القلب: مازالت دمشق مدينة جميلة.... وستبقى..
الديمقراطية على الطريقة الأمريكية
بقلم: محمد بغدادي عن المصري اليوم
تحاول أمريكا أن تتجمل ولكن المثل الشعبى العبقرى يقول «وإش تعمل الماشطة في الوش العكر» والماشطة هي (خبيرة التجميل) في الأدب الشعبى.. والإدارة الأمريكية مهما تجملت أو حاولت أن ترتدى أقنعة الحمل الوديع.. تبرز مخالبها وأنيابها الملطخة بدماء الشعوب على مر التاريخ من تحت هذا القناع المزيف.. وخبرات الشعوب تختزن في ذاكرتها كل المذابح الأمريكية.. منذ أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية مجرد عصابات من المجرمين والمرتزقة.. وقاموا بأقذر حرب إبادة عرقية عرفتها البشرية ضد السكان الأصليين (الهنود الحمر).. ومروراً باستخدام القنابل الذرية في هورشيما وناجازاكى في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية.. ونهاية بالمذابح وجرائم الحرب التي ارتكبتها في فيتنام ثم العراق.. ومازالت الحروب مستمرة في سوريا وليبيا وأفغانستان ونيجيريا تحت سمع وبصر ورعاية أمريكية شاملة، لتصريف صفقات السلاح الأمريكى لإقالة الاقتصاد الأمريكى المتعثر منذ أزمته عام 2008 وحتى الآن.. كل هذا والإدارة الأمريكية تعتقد أن ألاعيبها السياسية ستنطلى على شعوب المنطقة العربية والشعب المصرى على وجه الخصوص.
فقد أشار الرئيس الأمريكى باراك أوباما في خطاب له الأسبوع الماضى بحفل تخريج دفعة جديدة بالأكاديمية العسكرية «ويستبوينت» إلى أن الاستراتيجية الحاكمة للعلاقة مع مصر ترتكز على: «مصالح الأمن، ومكافحة التطرف ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وسلامة الملاحة في قناة السويس..» فيما جاء في نهاية أولويات هذه القائمة: «الضغط من أجل الإصلاح السياسى وحقوق الإنسان».. في إشارة واضحة للاعتراض على أحكام القضاء والمتعلقة بقيادات تنظيم الإخوان الإرهابى وغياب الديمقراطية التي تنشدها الإدارة الأمريكية في بلادنا (نحن فقط!!) دون النظر لما يحدث في تركيا من تزوير انتخابات المحليات والعنف الممنهج ضد أحزاب المعارضة.. أما الإصلاح السياسى عندنا فالإدارة الأمريكية تراه في المصالحة مع الجماعات التكفيرية والتنظيمات الإرهابية، فالإدارة الأمريكية منذ سقوط مرسى في 30 يونيو لا تعتبر أن إحراق الكنائس وترويع المواطنين والقتل المتعمد لرجال الأمن والتمثيل بالجثث في مركز شرطة كرداسة أعمال إرهابية.. وكل ذلك انصرفت عنه الولايات المتحدة الأمريكية.. وتوجهت إلى التنديد باستخدام العنف ضد الإخوان (على حد وصفها!!).. واعتراضها على قانون التظاهر ولديها قانون أكثر تشددا منه يطبق على المواطن الأمريكى إذا رغب في تنظيم مظاهرة بأمريكا.
وهذه المماحكات الأمريكية لم تعد مقبولة داخل مصر فحسب.. بل إن الباحثين الأمريكيين أنفسهم يرفضونها أيضا.. فالكاتب الأمريكى المتخصص في قضايا الشرق الأوسط «بولميرنجوف» يعتبر أن خطاب أوباما في جامعة القاهرة 2009 كان «تأسيساً لتوجه الإدارة الأمريكية الجديدة التي تهدف إلى مغازلة التيارات الإسلامية في مصر، والذى سرعان ما تُرجم إلى تخلٍ كامل عن نظام مبارك في 2011 ودعم كامل لنظام الإخوان المسلمين».... وتابع «ميرنجوف» في مقال آخر نشر قبل حوالى أسبوع في ملحق «باورلاين» الصادر عن مجلة «تايم الأمريكية» أن إدارة أوباما لم تستغل العام الماضى بشكل كافٍ لتصحيح مسار علاقاتها الخارجية مع مصر وأصرت على وصف ماحدث بالانقلاب العسكرى وهو ما ساهم في إثارة عموم المصريين بالكراهية ضد الولايات المتحدة، وهو ما أزعج أيضاً حلفاء الولايات المتحدة في دول الخليج.
إلى هذا الحد تضع الإدارة الأمريكية عصابة سوداء على عينيها لا ترى من خلالها سوى عصابات الإرهاب الأسود الجديرة بحكم مصر، رغم أنها تعلم علم اليقين أن هذه التنظيمات ستحول المنطقة بأكملها إلى بركان من الغضب ضد المصالح الأمريكية وأمن إسرائيل المدللة.. فالإدارة الأمريكية هي التي صنعت تلك الجماعات الإرهابية ودربتها على أيدى رجال المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلى.
ويسهم في قتامة العصابة السوداء لينعدم البصر والبصيرة تماماً لدى الإدارة الأمريكية جماعات (النشطاء) السياسيين في مصر الذين يسددون فواتير مستحقة عليهم للإدارة الأمريكية فهؤلاء المتأمريكيون مدعو الليبرالية الجدد لم يروا أي خطورة تذكر لتنظيم الإخوان الإرهابى حينما حكم مصر بفاشيته المتغطرسة.. بل إنهم يرون حتى الآن أن 30 يوليو هو انقلاب على الشرعية، ولذلك فهم يتنطعون بالمطالبة بتطبيق الديمقراطية.. ولكن على الطريقة الأمريكية.


رد مع اقتباس