في هــــــــــــذا الملف:
الوجه الجديد القديم لنتنياهو
بقلم: عبدالله السويجي عن الخليج الاماراتية
بعد فوز يمين نتنياهو
بقلم: فاطمة ياسين عن العربي الجديد
قاتل رابين ما زال يحكم إسرائيل
بقلم: خير الله خير الله عن العرب اللندنية
المعنى الفلسطيني في فوز نتانياهو
بقلم: علي بدوان عن الوطن القطرية
الوجه الجديد القديم لنتنياهو
بقلم: عبدالله السويجي عن الخليج الاماراتية
لا ندري إن كانت الاستراتيجية الفلسطينية أو العربية، لا تزال تراهن على ظهور زعيم "إسرائيلي" معتدل، يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، ويوافق على إقامة دولة مستقلة لهم، تكون حدودها كما حددتها القمة العربية التي عقدت في بيروت، هي حدود الأراضي التي احتلت في العام 1967 .
ولا ندري إن كان الفلسطينيون أو العرب، قد راهنوا على سقوط بنيامين نتنياهو في الانتخابات، لأن سقوطه يعني فوز حزب المعسكر الصهيوني .
لكننا ندري ونعلم علم اليقين أن هذا الزعيم (المخلّص) للفلسطينيين، والذي سيخرج العرب والمعتدلين الفلسطينيين، من دائرة الحرج السياسي، لن يظهر، لا في المستقبل القريب ولا البعيد، لأنه لم يظهر على مدى العشرين عاماً الماضية، ولن يظهر على مدى العشرين عاماً المقبلة، والأسباب معروفة وبسيطة:
* أولاً: السياسية "الإسرائيلية" مبنية على مبدأ عدم الاعتراف بدولة فلسطينية ذات سيادة، لأنها تشكل خطراً من كل النواحي، على مستقبل الكيان الصهيوني، لأن الدولة ذات السيادة في القانون الدولي هي دولة ذات حدود واضحة، تتمتع بسيادة على حدودها البرية والبحرية والجوية، وعلى اقتصادها ونظامها المالي والأمني والإداري، فضلاً عن أنها ستصبح عضواً كاملاً في المجتمع الدولي ومنظماته ومؤسساته .
* ثانياً: الواقع الفلسطيني الضعيف المنقسم يساعد على التعنت "الإسرائيلي"، ولن يشجع أي زعيم "إسرائيلي" على تقديم تنازلات.
* ثالثاً: الدعم الأمريكي اللامحدود للكيان الصهيوني، يشجع أي زعيم "إسرائيلي"، مهما بلغ من الضعف، على مواصلة رفض إقامة دولة مستقلة .
* رابعاً: إن اتفاقيات أوسلو وملاحقها السرية والعلنية لا تدعم إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف .
* خامساً: التشرذم العربي، والانقسام غير المسبوق، منذ أربع سنوات على وجه الدقة، ومنذ إنشاء الجامعة العربية على وجه العموم، يعطي فرصة للسياسيين "الإسرائيليين" لمواصلة المناورة والكذب والتراجع عن التعهدات .
* سادساً: إن ما يعيشه عدد من الدول العربية، والتحالفات الجديدة، ولاسيما المحيطة بالكيان الصهيوني، لن يدفع الكيان الصهيوني على خوض مغامرة وجودية، يعرف مسبقاً نتائجها، حتى وإن لعب هذا الكيان على تأجيج الواقع الحالي في دول الجوار .
* سابعاً وأخيراً: لو فاز حزب المعسكر الصهيوني، ستكون المواجهة أصعب، لأن اسمه يدل عليه .
السياسيون الفلسطينيون والعرب، وعلى الرغم من الحيثيات المذكورة آنفاً، كانوا يراهنون على ما يبدو، على فوز المعسكر الصهيوني! لكن فلسطينيي الداخل، أي الذين يطلقون عليهم (عرب إسرائيل)، هم الذين لعبوا الورقة بذكاء شديد، بعد أن يئسوا من الوعود العربية والفلسطينية، وتعاملوا مع الحالة كأمر واقع، فوحدوا صفوفهم، وخاضوا الانتخابات، وحصلوا على 14 مقعداً في البرلمان "الإسرائيلي" (الكنيست)، وبذلك، تحولوا إلى قوة لا يستهان بها .
وعودة إلى واقع ما بعد الانتخابات "الإسرائيلية"، التي أتت بنتنياهو، هذا الذي قال قبل الانتخابات: (كل من يتحرك لإقامة دولة فلسطينية أو ينوي الانسحاب من الأراضي فهو ببساطة يستسلم للهجمات الإرهابية التي يشنها إسلاميون متطرفون ضد "إسرائيل") . وهذا ما رفع شعبيته وساعد في فوزه .
بعضهم يحلل هذه التصريحات على أنها دعاية انتخابية، لكنها لم تكن كذلك، إذ أكد نتنياهو بعد فوزه للإذاعة العامة الأمريكية (ان بي آر) أنه لم يغير موقفه من إقامة دولة فلسطينية لكنه أكد أن الشروط لم تجتمع بعد لتحقيق ذلك، وقال: "لا أريد دولة واحدة . وعندما أتحدث عن دولتين فهذا يعني دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بالدولة اليهودية وأصر على ذلك . لم أغير موقفي"، والسبب الذي يكمن وراء عدم تغيير موقفه هو: "قرار قادة السلطة الفلسطينية توقيع اتفاق مع حماس العام الماضي، والتغييرات الجذرية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة بوجود تيار إسلامي عسكري في الأراضي التي تم التخلي عنها"، أما بالنسبة للمستوطنات فقال: "لا اعتقد أن المستوطنات تشكل عقبة أمام اتفاق سلام، ولا اعتقد أن الأمر كان كذلك يوماً . لو تابعتم الانتخابات لرأيتم أن الطبقة السياسية بالكاد تطرقت الى هذه المسألة" .
من الطبيعي أن يقول نتنياهو هذا الكلام، لأن نتنياهو ظل هو نفسه نتنياهو، وغير الطبيعي أن يقول خلافاً لذلك، على الرغم من محاولة زعماء حزبه (الليكود) التبشير بتغيير السياسة، حيث يقول "تساحي هنغبي"، العضو البارز في حزب الليكود، الذي ترأسه نتنياهو، ونائب وزير الخارجية في الحكومة السابقة، أن حزب الليكود لا يزال ملتزماً بالمفاوضات مع الفلسطينيين وقال: "أعتقد أن الإدارة الجديدة سوف تبذل جهداً لتجديد المفاوضات .
سوف نكون سعداء جداً بتجديد المفاوضات، ونحن نعتقد أن من مصلحة الشعبين "الإسرائيلي" والفلسطيني هي إجراء حوار، ومحاولة إيجاد القاسم المشترك في القضايا الحاسمة جداً لكلا الشعبين" . إلا أن أحمد الطيبي، عضو البرلمان عن القائمة المشتركة، قال إن نصر نتنياهو يعني عدم حدوث تغيير كبير في المستقبل القريب "يبدو أن "الإسرائيليين" اليهود لا يريدون تغيير الواقع . كنا نريد أن تغير "إسرائيل" واقعها وتتعاون مع العملية الديمقراطية" . ويرى صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين خلال الجولة الأخيرة من المحادثات، أن فوز نتنياهو جعل حاجة الفلسطينيين لاتباع نهج دولي نحو تحقيق الاستقلال أكثر أهمية: "الآن، أكثر من أي وقت مضى، ينبغي على المجتمع الدولي أن يتصرف . ويجب أن يحتشد وراء الجهود الفلسطينية لتدويل نضالنا من أجل الكرامة والحرية من خلال المحكمة الجنائية الدولية، وعبر كل الوسائل السلمية الأخرى".
هل هناك خيارات فلسطينية أخرى؟ سؤال حاول الإجابة عنه كاتب من فلسطين (غازي مرتجى) في صحيفة "دنيا الوطن"، حيث وضع ثلاثة خيارات، الأول: الرضوخ لمجتمع "إسرائيلي" أصبح يمينياً بشكل لا يُطاق وانتهى زمن المؤمنين بحل الدولتين . والخيار الثاني: الرضوخ لفكرة أحمد عبدالرحمن، وهو أحد قيادات حركة فتح التاريخية ولازم الرئيس الشهيد أبو عمار لسنوات عدة، ويقضي الخيار بخروج مئات الآلاف في الضفة أمام نقاط التماس دون أي مواجهات إنما للاعتصام حتى الحصول على الحقوق الفلسطينية . والخيار الثالث: الاستسلام للواقع كما استسلمنا على مدار عشرين عاماً وانتظار القرارات "الإسرائيلية" بتخفيف الضغط على السلطة أو بالتشديد عليها، والإبقاء على الاحتلال دون تكلفة .
على مدى أربع سنوات مقبلة، سيبقى نتنياهو يلعب على عامل الزمن، ولن يقدم أي شيء للفلسطينيين، وما على الفلسطينيين إلا اللجوء إلى أضعف الإيمان، وهو تطبيق فكرة أحمد عبدالرحمن، والبدء في النضال المدني، للوصول إلى عصيان مدني شامل، وتسبق هذا مصالحة وطنية حقيقية .
ليس أمام الفلسطينيين سوى خيار واحد في ظل الظروف العربية والعالمية الراهنة، وهو المواجهة على الأرض، وليس حول طاولة المفاوضات .
بعد فوز يمين نتنياهو
بقلم: فاطمة ياسين عن العربي الجديد
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image006.gif[/IMG]
ظن بنيامين نتنياهو أن منظر عتاة السياسة الأميركيين في الكونغرس، وهم يقومون ويقعدون مصفقين له، بينما كان يثير هلعهم من نتائج الاتفاق النووي الإيراني الأميركي، سيحفّز شهيّة الناخب الإسرائيلي فيصوّت له بكثافة. لكن استطلاعات الرأي أفرزت نتائج مختلفة، عندما توقعت صعود التيار اليساري المشكّل بتحالف يساريي حزب العمل مع وريثة أرييل شارون، سليلة اليمين المتطرف صاحبة الاعترافات المثيرة، تسيبي ليفني، التي تقدم نفسها بثوب يساري جديد إلى جوار هيرتزوغ، فظل نتنياهو، طوال الأسبوع الماضي، يقضم أظافره، وهو يشاهد شعبيته وحلمه السياسي الذي بناه عشرين عاماً، يذوي أمام ما يظهر أنه تَغَيُّرٌ في المزاج السياسي، يمكن أن يزيحه، واليمينَ كله عن قمة السياسة الإسرائيلية، مفسحاً المجال، وبعد طول انتظار، ليسار يثير شهية الرئيس الفلسطيني على جولة جديدة من المفاوضات.
بطريقة سينمائية، تشبه عودة بطل "باب الحارة"، أبو عصام، سالماً غانماً إلى حارته، قرر عرب إسرائيل الوحدة تحت راية قائمة انتخابية واحدة، وتحت اسم له شكل بيروقراطي هو "القائمة المشتركة"، لا تحمل هذه التسمية ضغائن قومية، ولا تحتوي على كنايات سياسية أو دينية، وليس فيها ما يثير يمينيي إسرائيل أو يسارييهم. جمعت "القائمة" تحتها شيوعيين وإسلاميين.. لم يكن تجمع الأحزاب العربية رداً "قومياً" على تطرف نتنياهو، ولا رداً سياسياً على الغزوات المتكررة على غزة، لكنه جاء نتيجة خوف من قانون ليبرمان الذي أقره الكنيست، ويقضي برفع نسبة الأصوات اللازمة لدخول الكنيست، ما يهدّد الأحزاب الصغيرة، فوجد الإسلاميون والقوميون العرب أنفسَهم مصطفين برتل أحادي، خلف شيوعي شاب، اسمه أيمن عودة.
بقليل من الرياضيات، وبحسب نسب الحسم التي اقترحها ليبرمان، لن يدخل الكنيست حزبٌ يقل عدد أعضائه عن أربعة، وبالعودة إلى نتائج الأحزاب العربية السابقة، قلما تجاوز حزبٌ عربي بمفرده العدد أربعة، وفي حالات كثيرة، اقتصر الوجود الحزبي العربي على عضو واحد، كانت ردة فعل أقرب إلى الانتفاضة، لتعيد الحياة إلى ما يشبه الموات السياسي الذي اقتصر على مناكفات أحمد الطيبي وطلب الصانع لمتطرفي أعضاء الكنيست اليهود، فكان لعرب إسرائيل ما أرادوا، فتجاوزوا المرحلة الأولى بنجاح باهر، بإيصال أربعة عشر عضواً إلى الكنيست، وكان عددهم في الكنيست السابق أحد عشر عضواً.
أحدثت ردة الفعل العربية ارتكاساً إسرائيلياً على مستوى الشارع، فارتفعت نسبة المشاركة بشكل جنوني، وذهبت الأصوات بكثافة إلى اليمين، ويمين اليمين، فتحطمت استطلاعات الرأي كلها، ووجد نتنياهو نفسه، مرة أخرى، على رأس الهرم السياسي، مفاخراً بأنه سيشكل حكومة في ظرف أسبوعين فقط، وهو تصريح واقعي في ظل الاكتساح اليميني للكنيست.
يُظهر هذا الهلع الاسرائيلي نظرة موحدة إلى العرب، وخوفاً من تراصهم الحزبي الذي أنتج حزباً واحداً، على الرغم من أن هذا التراص جاء رد فعل، وليس فعلاً أصيلاً أو سلوكاً سياسياً رصيناً. لم يكن الخوف من إيران، ولا من تحذيرات نتنياهو المتكررة من خسارته مقعده في رئاسة الحكومة، بل كان الخوف، وبدلالة الانعطاف في نتائج استطلاعات الشارع، من الحزب العربي الموحد.
لن يفكر نتنياهو بحكومة "وطنية"، يجمع إلى جانبه فيها اليساريين، ولديه وفرة يمينية، لكنه سيحرم، في الوقت نفسه، التكتل العربي الموحد من رئاسة المعارضة، لأنها ستذهب حكماً إلى المعسكر الصهيوني الذي يملك شكلاً يسارياً يمثله هيرتزوغ، وقلباً يمينياً تمثله تسيبي ليفني، وقد يجد التكتل العربي نفسه وسط هذا الضياع عائداً إلى مناكفات جديدة، مع متطرفي الكنيست اليهود.
قاتل رابين ما زال يحكم إسرائيل
بقلم: خير الله خير الله عن العرب اللندنية
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.gif[/IMG]
لماذا اللفّ والدوران. إسرائيل لا تريد السلام. هناك فرصة سنحت بعد توقيع اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض قبل ثلاثة وعشرين عاما حين كانت المصافحة الأولى بين ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، واسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك.
يبدو أن هذه الفرصة لن تتكرّر، على الرغم من كلّ الثغرات التي كانت في اتفاق أوسلو. يصعب أن تتكرّر الفرصة في ظلّ التحولات التي يمرّ بها المجتمع الإسرائيلي، والتي يعتبر فوز بنيامين نتانياهو، أو بيبي، تتويجا لها.
فاز بيبي في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي كان محورها شخصه. كانت هذه الانتخابات التي فاجأت نتائجها كثيرين بمثابة استفتاء على السياسي الإسرائيلي الذي وضع نصب عينيه القضاء على عملية السلام مع الجانب الفلسطيني. لدى بيبي، الذي سيعود رئيسا للوزراء للمرّة الرابعة، مشروع واضح يقوم على ضم القدس الشرقية نهائيا ومتابعة الاستيطان بغية تكريس الاحتلال لأكبر قسم من الضفة الغربية التي استولت عليها إسرائيل في العام 1967.
لماذا صوّت الإسرائيليون لزعيم تكتل ليكود؟ هل زادت شعبيته، بما مكّنه من الحصول على ثلاثين مقعدا في الكنيست لأنّه ذهب إلى واشنطن لتحدي الرئيس باراك أوباما في عقر داره عن طريق إلقاء خطاب في الكونغرس تضمّن حملة على السياسة الأميركية تجاه إيران؟
هل زادت شعبيته لأنّه أعلن رفضه قيام دولة فلسطينية خلافا لما كان تعهدّ به في العام 2009، أي قبل أقلّ من ست سنوات؟
هل زادت شعبيته بعد تخويفه الإسرائيليين من اللائحة العربية التي أوصلت أربعة عشر عضوا إلى الكنيست؟ هل زادت شعبيته، فجأة، بعد اعتماده خطابا عنصريا بكلّ معنى الكلمة يقوم على ازدراء العرب عموما، والفلسطينيين على وجه التحديد؟
متى جمعنا كلّ هذه الأسئلة، لا يعود من مجال للحيرة. هناك بكلّ بساطة مجتمع إسرائيلي جديد مختلف يرفض السلام، أو على الأصحّ غير مهتمّ بالسلام. أولويات هذا المجتمع مختلفة عن الأولويات الفلسطينية، حيث قيادة شاخت ترفض تجديد نفسها بأيّ شكل.
ما جعل المجتمع الإسرائيلي يتغيّر ويدعم شخصية سطحية مثل بيبي نتنياهو هو سلسلة من التطورات جاءت بعد توقيع اتفاق أوسلو. ترافقت هذه التطوّرات مع هجرة الروس إلى إسرائيل منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي. وقد شكّل هؤلاء المهاجرون الجدد كتلة يمينية يعتبر السلام آخر همومها. جاء هؤلاء من بلدان ذات أنظمة توتاليتارية. لا يهمّهم ما إذا كان المرشّح في الانتخابات يكذب عليهم أم لا. كلّ ما يهمّهم هو الشعارات البراقة التي تستجيب لأهوائهم.
لا شأن لهذه الكتلة التي تضم مئات آلاف الإسرائيليين بالمنطقة التي تقع فيها إسرائيل، أي المنطقة العربية ولا بثقافتها. هناك روس هاجروا إلى إسرائيل وهم ليسوا حتّى يهودا. كلّ ما كانوا يريدونه هو الخروج من الاتحاد السوفيتي في مرحلة ما قبل انهياره في العام 1991.
لكنّ أهمّ تطوريْن جعلا المجتمع الإسرائيلي يتغيّر كلّيا، وهو مجتمع يعيش في ظلّ الخوف والشعور بعدم وجود شرعية أخرى غير شرعية القوّة، هما اغتيال اسحق رابين في العام 1995 والعمليات الانتحارية التي شجعتها قوى إقليمية من أجل إفشال عملية السلام.
كانت هذه القوى الإقليمية منزعجة أشدّ الانزعاج من اتفاق أوسلو الذي جسّد وجود القرار الفلسطيني المستقلّ.
كان القرار الفلسطيني المستقلّ، الذي وصفه الراحل حافظ الأسد بأنّه “بدعة”، الطريق الأقصر لوقف المتاجرة بالفلسطينيين وقضيّتهم.
من يحكم إسرائيل حاليا، عبر بيبي نتنياهو، هو قاتل اسحق رابين. اسم القاتل ييغال عمير ولا يزال في السجن منذ ارتكابه جريمته في الرابع من نوفمبر 1995. ليس سرّا أن ليا رابين، أرملة رئيس الوزراء الإسرائيلي، سارعت إلى اتهام بيبي بأنّه خلق “أجواء الكراهية” التي مهدّت لاغتيال زوجها و“حرّضت” على الجريمة.
بغياب رابين، لم تعد هناك أي شخصية إسرائيلية قادرة على اتخاذ قرارات تاريخية. في مرحلة ما قبل اغتيال رابين، كان الملك حسين، رحمه الله، بين الزعماء القلائل الذين فهموا معنى الاستعجال واستغلال الفرصة المتوافرة. ليس صدفة أن اتفاق السلام الأردني – الإسرائيلي، الذي ضمن للأردن حقوقه في الأرض والمياه، وُقّع في خريف العام 1994، قبل سنة من اغتيال رابين؟
ساهمت العمليات الانتحارية التي تولّتها “حماس” في إيصال بيبي إلى رئاسة الوزراء في ربيع العام 1996.
لم يستوعب شمعون بيريس الذي خلف رابين في موقع رئيس الوزراء تمهيدا لانتخابات عامة، أنّه كان عليه الدعوة فورا إلى هذه الانتخابات بدل التفرّج على لعبة تقوم على التصعيد المتبادل بين طرفين لا يريدان السلام، ولا أي شيء يمتّ له من قريب أو بعيد.
بين اغتيال ييغال عمير لرابين وموعد الانتخابات، مرّت ستة أشهر. كانت المدة كافية كي يتغيّر الجو في إسرائيل على نحو جذري. كان تفجير باصات في تل أبيب والقدس وفتح جبهة جنوب لبنان أكثر من كاف ليفوز بيبي في الانتخابات، ويباشر سلسلة من الخطوات صبّت كلها في تعطيل عملية السلام والانقلاب على أوسلو. المؤسف في الأمر أنّه كان هناك في الجانب الفلسطيني من يمارس اللعبة نفسها التي تشجّع المجتمع الإسرائيلي على الذهاب إلى التطرّف.
إلى الآن، لا يزال قاتل رابين يحكم إسرائيل، عبر بيبي نتنياهو الذي يراهن بدوره على العجز الأميركي، وعلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية في الإقليم.
شئنا أم أبينا، هناك حاليا ما هو أهمّ بكثير من القضية الفلسطينية، خصوصا في ظلّ انبعاث الغرائز المذهبية وما نشهده في سوريا، حيث نظام أقلّوي يذبح شعبه، والعراق واليمن وليبيا، وأخيرا تونس حيث دم السياح الذين قتلتهم “داعش” لم يجفّ بعد.
إلى متى سيظل قاتل رابين يحكم إسرائيل؟ الجواب أن الوضع القائم غير طبيعي. لا لشيء، سوى لأن لا ييغال عمير ولا بيبي نتنياهو يستطيع وقف حركة التاريخ. في النهاية، لا يستطيع أحد إلغاء الشعب الفلسطيني. هذا الشعب موجود على الخريطة السياسية للمنطقة.
صحيح أنّ هناك من يسعى دائما إلى المتاجرة به وبقضيته. لكنّ الصحيح أيضا أنّ لكلّ شيء نهاية، خصوصا أنّه ليس بعيدا اليوم الذي يعيد فيه الشعب الفلسطيني إنتاج قيادة أكثر شبابا، من الداخل، قادرة على أن تكون في مستوى الحدث، وأن تتصدّى لاستحقاقات الولاية الرابعة لبيبي نتنياهو… الذي سيواجه، من دون شكّ، صعوبات على الصعيد الدولي في ظلّ إصراره على إلغاء شعب من الوجود.
المعنى الفلسطيني في فوز نتانياهو
بقلم: علي بدوان عن الوطن القطرية
[IMG]file:///C:/Users/ADMINI~1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image008.gif[/IMG]
بعد النتائج الأخيرة التي أفضت اليها انتخابات الكنيست العشرين في «إسرائيل»، يُدرِكُ كُلُ ذي بصيرة، وكل صاحب إرادة شجاعة في ساحة العمل الفلسطيني، أن مسار العمل السياسي الفلسطيني التفاوضي مع الطرف «الإسرائيلي» يجب أن يَتَغَيّر، تَغَيُّراً ملموساً ومحسوساً، يضمن الخروج من التكتيكات والسياسات التي تقادمت.
ومن منطق المراهنات العقيمة لصالح سياسة جديدة، رشيدة، ومُبادرة وشجاعة، تقطع مع منطق التفاوض الماضي، وتفتح الطريق أمام استثمار وتثمير كل أوراق ومفاعيل القوة باليد الفلسطينية في مسار مواجهة الاحتلال وسياساته، ومواجهة مُجتمعٍ «إسرائيلي» صهيوني، بات التطرف عنوانه الرئيسي.
إن المعنى الفلسطيني في فوز نتانياهو، يَتحدد بعبارات واضحة كما أجمعت كل القوى الفلسطينية من أقصاها الى أقصاها، تلك العبارات التي تقول إن المجتمع «الإسرائيلي» غارق في تطرفه كل يوم أكثر من اليوم الذي سَبقه، والسبب الرئيسي وراء ذلك يَتَمَثّل في حالة التردي العربي والفلسطيني، التي تُزيد من اندلاق شهية المجتمع «الإسرائيلي» نحو انتهاج المزيد من تلك السياسات المتطرفة، وترفع عنده من منسوب منطق العنجهية والتطرف والتغني بلغة القوة والغطرسة والبطش.
هنا نقول، إن القطع الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي مع الماضي القريب، الماضي التفاوضي المأزوم، بسلبياته التي فاقت كُلِ تَصَوّر، ومع سياسات المراهنات والتعويل والمناشدات، لا يتم بالحديث اللفظي الكلامي الإنشائي، ولا يتم بالتصريحات اللجوجة، ومنطق التأتأة السياسية، بل بإحداث خطوات ملموسة على الأرض تبدأ من تطبيق القرارات الأخيرة التي صدرت عن أعمال المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية أوائل مارس 2015 الجاري. وهي القرارات التي دعت لوقف التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال، والانطلاق نحو المجتمع الدولي وهيئاته المعنية، والانضمام اليها. وقبل كل ذلك بالعودة للبيت الداخلي الفلسطيني من أجل إسدال الستار على الانقسام الداخلي، ووقف عمليات التطاحن والتآكل الداخلي في الساحة الفلسطينية، والتي استفاد منهم الطرف «الإسرائيلي» أيما فائدة.
إن الرد الفلسطيني المُنتظر على التحول اليومي في المجتمع «الإسرائيلي» الصهيوني، وشهيته المندلقة نحو سياسات التطرف، كما أشارت الانتخابات التشريعية للكنيست، يفترض به أن يكون رداً عملياً يتجاوز منطق الضغوط التي قد تقع على الفلسطينيين لثنيهم من اتخاذ أي مواقف في مسار مواجهة حكومة نتانياهو القادمة، ويدفع باتجاه كسب التعاطف الدولي، عبر التحرك الفعّال في ميدان العمل السياسي الدبلوماسي المُبادر إلى جانب المجموعة العربية، ومجموعة الدول الصديقة في العالم، المؤيدة للكفاح الوطني التحرري العادل للشعب العربي الفلسطيني، بما في ذلك بعض دول الاتحاد الأوروبي التي باتت في مواقفها أقرب بكثير للفلسطينيين من الطرف «الإسرائيلي».
إن المرحلة القادمة، حبلى بالمعارك السياسية المُتوقعة بين الفلسطينيين والاحتلال. حيث يتوقع لعملية التسوية المأزومة أصلاً أن تموت في ثلاجة الموتى بعد سباتها العميق المُمتد منذ سنوات.


رد مع اقتباس