في هذا الملــف:
عن «استقالة» الرئيس ومرحلة «ما بعد أبو مازن»
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
مفاتيح العودة ... بين الأندلس وفلسطين
بقلم: زياد الدريس عن الحياة اللندنية
ورقة «عرب الداخل»
بقلم: عماد عبد الرحمن عن الرأي الأردنية
محنة فلسطينيي الداخل تحت الاحتلال ومحن إخوانهم العرب في ظل حروبهم الأهلية!
بقلم: طلال سلمان عن السفير اللبنانية
مخيم الحسينية الفلسطيني يعود إلى الحياة
بقلم: علاء حلبي عن السفير اللبنانية
التفاف من الحلفاء وعزلة لـ «إخوان» الأردن
بقلم: سامح المحاريق عن الرأي الأردنية
عن «استقالة» الرئيس ومرحلة «ما بعد أبو مازن»
بقلم: عريب الرنتاوي عن الدستور الأردنية
التسريبات حول استقالة الرئيس محمود عباس، أشعلت الجدل في الساحة الفلسطينية حول مدى جدية هذه التسريبات، وأسبابها وسياقاتها، وما قد يترتب عليها من خطوات وإجراءات وتحضيرات، تبدأ بعقد المجلس الوطني الفلسطيني الذي شُكّلت لجنة خاصة لمتابعة تشكيله وانعقاده “مصغرة جداً ومن لون واحد”، ولا تنتهي بتسريع انعقاد المؤتمر السابع لحركة فتح، فيما يشبه “ورشة العمل” التي أعدت على عجل لتأهيل البدائل وتجديد الشرعيات المنتهية صلاحياتها، على مختلف مؤسسات القيادة وصنع القرار في السلطة والمنظمة على حد سواء.
والمؤسف أن هذه الخطوات والإجراءات تأتي متأخرة جداً عن مواعيدها “الدستورية” والسياسية المقررة، وكنّا نود لو أن إجراءات نقل السلطة قد بدأت قبل بضع سنوات، حتى لا يتسبب خروج الرئيس عباس من المسرح السياسي الفلسطيني، بكثير من الإرباك والفراغات، سيما وأن الوضع الداخلي لحركة فتح، الفصيل القائد للسلطة والمنظمة، ليس على ما يرام، في ظل غياب قيادات كارزمية قادرة على توحيد الحركة، واشتداد المنافسة بين “متساويين” على خلافة الرئيس.
والمؤسف أيضاً، أن هذه الخطوات والإجراءات، لم تأت كثمرة لمراجعات سياسية حقيقة للحقبة الفائتة، والتي تميزت بفشل خيار “المفاوضات حياة” وانسداد أفق العملية السياسية، وتآكل مشروع “حل الدولتين”، فضلاً عن تفشي حالة الانقسام الداخلي واتخاذه منحى جديداً أشد خطورة، في ضوء ما يشاع عن قرب توصل حماس وإسرائيل لاتفاق “تهدئة طويلة الأمد”، تكرس مشرع فضل قطاع غزة عن الضفة الغربية، الذي لم تدخر إسرائيل وسعاً في سبيل إخراجه إلى حيز الوجود.
الأنباء والمعلومات التي يجري تداولها بخصوص المجلس الوطني الجديد والسيناريوهات التي يجري تداولها لمرحلة ما بعد الرئيس عباس، لا تدفع على الاعتقاد بأن الحركة الوطنية الفلسطينية ستكون على موعد جديد مع انعطافة (اقرأ انطلاقة) مهمة في مسيرتها ومسارها ... فغالبية أعضاء المجلس سيجري اختيارهم بالتعيين وليس بالانتخاب، في ظل غياب أي جهد تحضيري لإجراء الانتخابات في ساحات عديدة، لا يبدو أن إجراء الانتخابات فيها متعذراً ... كما أن اعتماد “المحاصصة الفصائلية” في تشكيل المجلس، انسجاماً مع “تقاليد متوارثة في تشكيل المجالس السابقة”، يبدو اليوم أشد ضرراً من أي مرحلة مضت، فالفصائل لم تعد على حالها، وكثير منها، حتى لا نقول جميعها، تحوّلت من ذخر للشعب الفلسطيني إلى عبء عليه، وبعضها لا تتعدى عضويته حمولة “الباص” الواحد، تستولي على قيادتها، رموز شاخت ولم يعد لديها ما تضيفه أو تقدمه.
لقد نشأ جيل بكامله (والجيل الآخر قيد النشوء والتشكل) من أبناء وبنات الشعب الفلسطيني في الداخل والمنافي، منذ أن تشكل المجلس الوطني والأطر القيادة وقيادات بعض الفصائل، ونحن لا نرى تمثيلاً حقيقياً لهذا الجيل في أطر المنظمة والقيادة الفلسطينية، وثمة طاقات فلسطينية هائلة، مهدورة خارج أطر العمل الوطني الفلسطيني، لأنها ببساطة، لا تجد لنفسها مطرحاً في الأطر الوطنية والفصائلية، وما لم يجر استيعاب هذه الطاقات في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، ما لم تجر أوسع عمليات “إعادة التأهيل” لهذه الأطر والمؤسسات، فإن الفجوة بين “الممثل الشرعي الوحيد” والشعب الفلسطيني في مناطق انتشاره واغترابه ستتسع وتتعمق، كما أننا سنشهد على “إعادة تدوير” الطبقة السياسية” الفلسطينية ذاتها، وهي المسؤولة في كليتها، عن المأزق البنيوي الذي يعتصر المشروع الوطني الفلسطيني.
والأخطر من كل ما ذكر، هو أن تجري عملية إعادة بناء المؤسسات وتجديد “الشرعيات” بصورة تكرس الانقسام وتمأسسه، بدل أن تكون خطوة لتجديد الحوار واستعادة الوحدة وتكريس المصالحة... وليس ثمة ما يشير إلى أن التحضير للمجلس الوطني الجديد الذي ستنبثق عنه مؤسسات المنظمة، يجري بالتنسيق والتشاور مع مختلف المكونات الفلسطينية، حتى أن بعض فصائل المنظمة الأساسية التي تتخذ من رام الله مقراً لها، تبدو خارج هذه العملية، فما بالك حين يتصل الأمر بحماس والجهاد الإسلامي.
لقد كان حريٌ بالقيادة الفلسطينية، ألا تدير أمر “الاستقالة” و”البدائل” و”إعادة تشكيل المؤسسات” و”تجديد الشرعيات”، بطريقة “التسريبات” أو خلف الأبواب المغلقة أو عبر الصفقات والمقايضات بين أجنحة وتيارات وفصائل العمل الوطني... مثل هذه العملية، يجب أن تُدار بكل الشفافية، ومن خلال أوسع أشكال الحوار الوطني، وبمشاركة أوسع الفئات الشعبية، داخل فلسطين وخارجها، وأن تبدأ بمراجعة المرحلة السابقة، وتقيم الأداء وتحديد المسؤوليات، وبصورة تعيد الاعتبار لمنهجية “النقد والنقد الذاتي”، لتأتي “التشكيلات” و”الإجراءات” الجديدة، منسجمة مع خلاصة ورشة العمل الوطني هذه واستنتاجاتها، خصوصاً لجهة بناء توافق وطني عريض حول استراتيجية المرحلة المقبلة، وليشعر الفلسطينيون في مختلف أماكن تواجدهم، بأنهم شركاء فعليون، في تقرير وجهة واتجاه حركتهم الوطنية وإنتاج مؤسسات ممثلهم الشرعي الوحيد التمثيلية والقيادية.
مفاتيح العودة ... بين الأندلس وفلسطين
بقلم: زياد الدريس عن الحياة اللندنية
تكامل انهيار الأندلس بسقوط غرناطة في العام ١٤٩٢، وكان المحظوظ من أهلها من استطاع الهرب بحياته وأهله ومفتاح بيته إلى الضفة الجنوبية من البحر المتوسط.
في مدينة شفشاون الصغيرة (كما أشرت في المقالة السابقة) وفي مدن مغاربية أخرى ما زال بعض فلول الأندلسيين الهاربين يحتفظ حتى اليوم، بعد مرور أكثر من ٥٠٠ سنة، بمفاتيح بيوتهم الأندلسية التي هُجّروا منها حينذاك.
في شفشاون وفي أصيلة وطنجة وفاس وغيرها من المدن، ستجد بيوتاً مجاورة لبيوت يهود هُجّروا مع العرب والمسلمين من الأندلس. لكن اليهود الذين هُجّروا عنوةً من بيوتهم في الأندلس هَجَروا برغبتهم بيوتهم المغاربية هذه في ما بعد العام ١٩٤٨ إلى فلسطين كي يقيموا دولة إسرائيل، ويقوموا هم، المهجَّرون من قبل، بتهجير الفلسطينيين عنوةً من بيوتهم إلى الشتات ومعهم مفاتيح بيوتهم المقدسية بأمل العودة!
كيف استطاع اليهود/ الصهاينة نسيان، أو نكران، تلك المرحلة الاستقرارية الفريدة لهم في الأندلس، من بين تاريخ حياتهم المشتت بين البلدان طوال قرون من التهجير؟
كيف ذابت من مهجتهم أو انزوت نعمة التعايش الأندلسي التي لم يحظوا بمثيلها من قبل، ومن بعد. تلك النعمة التي وصفها الكثير من الكتّاب الغربيين قبل كتّاب العرب بأن حقبة الأندلس تُعد تاريخياً، وبلا منازع، أبرز تجارب التعايش بين المسلم والمسيحي واليهودي، حتى الآن.
كيف استطاع اليهود أن ينسوا أو يتناسوا آلام التهجير التي اكتووا بها برفقة جيرانهم من عرب ومسلمي الأندلس الذين ناصروهم ضد صليبيي إسبانيا، فيعمدوا قبل سبعين عاماً إلى احتلال بيوت العرب المقدسية وتهجير أهلها منها؟ ألم تكن الـ ٥٠٠ عام من (الشتات) الجماعي للمسلمين واليهود معاً كافية لتهذيب النفس البشرية وتحسّس آلام الآخرين؟!
يحظى أدب العودة، الشعري والروائي، بمخزون إنساني ثري ومشوق، يرتكز في شكل أساسي في ثلاثية مآسي الأندلس وفلسطين وجنوب أفريقيا. لكن هذا الأدب لم يلتفت في شكل كافٍ إلى مفارقة تحول المشاعر اليهودية من الحلم بأرض العودة (الأندلس) إلى أرض الميعاد (فلسطين)، وذلك إثر نجاح الحملة التسويقية الكبيرة التي نظمتها جمعيات صهيونية متنفذة ومنتفعة في أحياء اليهود المغاربية مطلع القرن الماضي، حيث نجحت في إقناع يهود المغرب، وإن لم يكن كلهم، بترك مفاتيح بيوتهم الأندلسية المعلقة بأمل العودة، والمجيء إلى «أرض الميعاد» لمنحهم عوضاً عن مفاتيح بيوتهم الأندلسية مفاتيح البيوت الفلسطينية التي هُجّر أهلها!
هل يمكن للعزف على هذا الوتر التراجيدي، من المأساة اليهودية من قبل والمأساة الفلسطينية من بعد، أن يخدم ما يسمى أدب القضية؟
أم أن هذا سيكون تعاطفاً أدبياً مفرّغاً من محتواه العملي، باعتبار أن صيرورة التحرك والتنقّل البشري في هذه الحياة قائم منذ القدم على تبادل، أو تناهب، مفاتيح البيوت والمدن بين القوى المتعاقبة، باسم الدين حيناً وباسم القومية حيناً أو بخلطة من هذا وذاك أحياناً أخرى؟!
ورقة «عرب الداخل»
بقلم: عماد عبد الرحمن عن الرأي الأردنية
عدا عما يواجهه اهالي القدس ومقدساتها الاسلامية والمسيحية، من تهويد وتشريد واضطهاد، لا تقل معاناة الاهل في فلسطين المحتلة (عرب الداخل) من محاولات صهيونية ممنهجة للضغط على ما يقارب من 1,3 مليون عربي، لجهة التهجير والتهميش لتحقيق ما يسمى «يهودية الدولة» الذي تتبناه الحكومة الاسرائيلية الحالية.
العرب في الداخل يستحقون من اشقائهم العرب كل دعم وانفتاح وتوجيه، كونهم صمدوا على مدى أكثر من ستين عاما امام المواجهات والضغوط اليومية، من خلال ما يقارب 40 قانون تمييز مباشر او غير مباشر بين العربي واليهودي، مثلهم مثل فلسطينيي الضفة وغزة، وفلسطينيي الشتات، ومطالبهم ليست تعجيزية، فهم لا يطموحون الا الى تعزيز التواصل والانفتاح وتمكينهم من بناء اول جامعة عربية في الداخل، وتحقيق حقهم الطبيعي في بناء مدن جديدة في فلسطين، وهو حق محرومون منه، بعد ان سيطرت اسرائيل على 97 بالمئة من الاراضي في الداخل، ولم يتبق لهم سوى 3 بالمئة فقط من الارض.
هؤلاء الصامدون المرابطون يشكلون 20 بالمئة من السكان داخل الكيان المحتل، استطاعوا اخيرا من توحيد قواهم السياسية في انتخابات «الكنيست» وتمكنوا من تحقيق 13 مقعدا، رغم انه كان بامكانهم تحقيق 15 مقعدا، لو اكتملت وحدتهم مع احزاب الاسلامية، او المقاطعيين لمبدأ المشاركة في الانتخابات على اسس عقائدية او «اللامباليين».
الاردن كان المبادر لفتح جسوره مع عرب الداخل، فاستقبل الطلبة بالالاف، وقدم الخدمات لهم في الحج والعمرة والسياحة بمختلف اشكالها، فتجد مئات العائلات تقضي عطلة نهاية الاسبوع على شواطئ العقبة والبحر الميت، دون كلف عالية وفي أجواء مناسبة، وقد تبعنا الكثيرون في هذا الانفتاح من الاشقاء العرب والمسلمين، بعد الادراك لاهمية التواصل والانفتاح مع اشقاء تعرضوا للظلم والتهميش العنصري منذ عام 1948 وحتى اليوم.
اليوم يحظى خريجو الجامعات الاردنية من عرب الداخل بمكانة علمية ومهنية متميزة، فحققوا اعلى درجات التميز في مجال العمل بعد العودة، خصوصا في المجالات الطبية والهندسية، هذا ما اثبتته نتائج دراسات وزارة العمل الاسرائيلية في تحليل منهجي لخريجي الجامعات الاجنبية، تلاهم خريجو الجامعات الهنجارية، وهو ما اعلنه رئيس القائمة العربية المشتركة في «الكنيست» الدكتور احمد الطيبي خلال محاضرة له الاثنين الماضي في مركز «الرأي» للدراسات.
الكيان المحتل الذي يتباهى بديمقراطيته الاثنية المزعومة ويسوقها امام الغرب، يمنحها لليهود فقط، ويحرم العرب منها، من خلال حرمانهم من التعيين في المؤسسات الحكومية إذ يعمل 8 بالمئة فقط منهم بالمؤسسات العامة، ولا يسمح لهم بالوصول الى المواقع القيادية او تبوأ مناصب هامة، حتى ساعات التدريس في المدارس العربية اقل من ساعات التدريس في المدارس اليهودية، ومستحقات «الحليب» للطالب العربي اقل من نظيره اليهودي.
امام هذا الواقع التهميشي العنصري لم ييأس فلسطينيو الداخل من مواصلة الكفاح والنضال لنيل حقوقهم وتحقيق المساواة، فواصلوا النضال السياسي والاعلامي والمدني والشعبي والبرلماني، ففرضوا انفسهم وفضحوا ممارسات المحتل، فهم اهل الارض واصحابها وهم الاقوى امام الجميع بما فيهم المستعمر الغاصب، هؤلاء يستحقون الدعم والتواصل، فهم من يستطيعون الوصول الى الاقصى في اوقات الاغلاقات الحرمان، وهم يمثلون قوى الحشد الشعبي عندما تمنع اسرائيل عرب الضفة وغزة من الصلاة يوم الجمعة، وهم الاقدر على الاحتجاج والتظاهر في قلب القدس وتل ابيب والطيبة الناصرة في حال تغول الكيان المحتل على مقدساتنا وحرماتنا.
لندعم ونتواصل مع اهلنا في الداخل، ولنكسر حاجز العزلة الاسرائيلي، ولنعزز التنسيق معهم فهم لم يتخلوا عن عروبتهم وأمتهم، وهو «اصل الاصل» للمقاومة الشعبية والمدنية السلمية، وصولا الى الحق العربي الفلسطيني العادل.
محنة فلسطينيي الداخل تحت الاحتلال ومحن إخوانهم العرب في ظل حروبهم الأهلية!
بقلم: طلال سلمان عن السفير اللبنانية
لن يكون الطفل الرضيع علي سعد الدوابشة الذي قضى اختناقاً في منزله الفقير في قرية دوما بقضاء نابلس آخر الأطفال الشهداء، فالاحتلال قام على القتل، جماعياً وفردياً، وعلى هدم القرى وبعض المدن وتشريد أهلها لبناء مستوطنات جديدة لسفاحين مستقدَمين من أربع رياح الأرض ليكونوا مواطني دولة يهود العالم: إسرائيل.
وليس "خبراً" بالنسبة للسفاحين الإسرائيليين الذين أقدموا على إحراق بيوت القرية تاركين لأهلها الذين كانوا على امتداد التاريخ أهلها أن يطلبوا النجاة بأرواحهم، لاجئين مجدداً إلى أية قرية أو مدينة أخرى ليعيشوا فيها مؤقتاً في قلب اللجوء الثاني أو الثالث أو العاشر، لا تهمّ الأعداد. كذلك ليس خبراً بالنسبة لهؤلاء السفاحين أن يقضي سعد الدوابشة والد الطفل علي الدوابشة نحبه قهراً بعد أيام على استشهاد ابنه الرضيع. فالمذبحة الإسرائيلية ستظلّ مفتوحة تلتهم الرجال والنساء والأطفال في القرى والمدن الفلسطينية التي لمّا تزل فلسطينية،
بل إن هذه المذبحة تطاول البيوت وتزيل قرى بكاملها بالجرافات، كما أنها تجتاح مناطق في القدس الشريف، طاردة أهلها، ممهدة للاستيلاء على كامل المدينة المقدسة، مع تركيز مكشوف على المواطنين المسيحيين لدفعهم إلى مغادرة الأرض التي كانت أرضهم وأهلها الذين ظلوا أهلها بامتداد التاريخ.
لم يتوقف جهد العدو الإسرائيلي يوماً في الضغط على الفلسطينيين لمغادرة بلادهم إلى دولة تقبلهم فتمنحهم جنسيتها، ويصبحون رعايا دول أخرى في معادلة مهينة: يخسرون هويتهم ليمكنهم أن يعيشوا وأن يوفروا الأمن لأبنائهم الذين سوف يأتون إلى عالم جديد، خارج فلسطين إلا كذكرى وحكاية يرويها الآباء وهم يغالبون دموعهم بينما الأمهات يعجزن عن ضبط عواطفهن فيشهقن باكيات وطناً قد لا يستطيع أي فرد من العائلة أن يزوره إلا كأجنبي، مخفياً هويته في طيات الادعاء أنه مجرد سائح جاء للصلاة في الأرض المقدسة.
يترافق ذلك كله مع تفاقم عجز "السلطة" التي تفقد يوماً بعد يوم مبررات وجودها، إذ يتحول هذا الوجود من حالة اضطرارية مؤقتة إلى وضع دائم تتآكل قدراته ويفقد رمزيته النضالية على إكمال المسيرة نحو التحرير، خصوصاً مع تفاقم الضعف والاهتراء وتزايد الإحساس بالخطر على سقوطه دون أهدافه، وفي غياب القدرة عن استيلاد البديل بالثورة التي تبدو مستحيلة، أقله حتى إشعار آخر.
إن فضائح بعض أركان السلطة تزكم الأنوف، خصوصاً وأن بعضها مالي والبعض الآخر "أخلاقي"، وهي بمجملها سياسية تأكل من رصيد القضية المقدسة.
وأخطر ما تعيشه القضية أن يجري تقزيمها وتفريغها من دلالاتها ليصير عنوانها هذه "السلطة" التي يتفاقم عجزها واهتراؤها بقدر ما تتزايد صور أركانها في مناسبات وفي زيارات رسمية توفر لها الشكل الفخم بالألقاب ذات الرنين والكرسي في الصف الأول إلى جانب الملوك والرؤساء وأمراء النفط وكأن رئيسها رئيس دولة حقاً، له الامتيازات جميعاً من اللقب المبجَّل إلى الموقع المميز بين أقرانه الملوك والرؤساء... وهو الذي لا يستطيع الخروج من حدود سلطته المقامة بالقرار الدولي على بعض بعض الأرض من وطنه إلا بتأشيرة من عدوّه تجيز له المغادرة والعودة في كل مرة تضطره المناسبات إلى الخروج لكي يثبت "شرعية" تسنّمه موقع "السيد الرئيس".
يفاقم من خطورة هذا الوضع أن الدول العربية ذات القدرة والتأثير مشغولة بمشكلاتها الداخلية التي تكاد أن تكون حروباً أهلية بما ينسيها "القضية المقدسة". فالحرب في سوريا وعليها قد أضافت أعداداً جديدة وبعشرات الآلاف للاجئين للمرة الثالثة من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون فيها وقد توفرت لهم ظروف حياة مقبولة، نسبياً... وهم الآن ينزلون "ضيوفاً" على إخوانهم اللاجئين في لبنان أساساً، وبالذات أولئك الذين شردتهم نيران الحرب من مخيم اليرموك في ضواحي دمشق. كما أن أعداداً من فلسطينيي المخيمات الأخرى في سوريا تمكّنوا من العبور في قلب الصعوبة إلى الأردن، ولعل أعداداً أخرى قد ركبت البحر إلى بعض دول أوروبا طالبة اللجوء إلى دول توازن بين المشاعر الإنسانية وبين العنصرية ودائماً بين احتياج هؤلاء القادمين إليها هرباً من النار التي تلتهم البلاد التي كانوا يعيشون فيها آمنين وبين أكلاف "استضافتهم" في أراضيها، وتحمل مسؤولية إعالتهم... هذا إذا ما أسقطنا من الحساب احتمال استقبالهم بشيء من العنصرية، والتخوف من مخاطر تحولهم إلى "إرهابيين"، في زمن يكاد كل عربي يبدو مؤهلاً لتهمة التطرف وبالتالي ممارسة الإرهاب.
إن النكبة ولّادة نكبات إضافية..
وبين الوقائع الخطيرة التي لا بد من التوقف أمامها انكشاف عجز السلطة عن مواجهة موجة الهجرة إلى اية دولة يمكن أن تقبل الفلسطيني لاجئاً إليها... يتصل بذلك أن الشباب الجديد، عدّة المستقبل، بات مدفوعاً بيأسه إلى طلب جنسية الدولة التي تقبله طالباً، وهكذا تخسر فلسطين بعض النخبة من أجيالها الجديدة التي كانت ـ بالافتراض ـ مصدراً للأمل بجيل فلسطيني مؤهل للمساهمة في تحرير "بعض" وطنه، وفي إعادة بنائه إذا ما توفرت الفرصة ذات يوم لتحقق حلم التحرير.
الآن وبعد "الهجرات" الجديدة لألوف الفلسطينيين من سوريا إلى أي مكان يقبلهم، فضلاً عن هجرة كل من أمكنه الحصول على تأشيرة مذهّبة من شباب الفلسطينيين في لبنان (وقبلهم في العراق) يمكن القول إن نسبة مؤثرة من نخبة الجيل الفلسطيني الجديد قد استقرت في بلاد الغرب البعيدة (كندا وأميركا فضلاً عن دول أوروبية محددة بينها ألمانيا وبعض المعسكر الاشتراكي السابق)، وليس مؤكداً أن هؤلاء سيعودون إلى حيث نشأوا في ظروف تعيسة.. فضلاً عن أنه من الصعب أن يتمكن هؤلاء من الدخول إلى الجنة المفقودة: فلسطين.
هل يمكن القفز من فوق حقائق مؤلمة تعيشها بلاد عربية كثيرة، تكاد تدفع بها إلى حروب أهلية مفتوحة بما يشغلها لدهر عن فلسطين والفلسطينيين وشعبها مهدد بمصير مشابه لمصير الفلسطينيين. فأعداد السوريين المهجرين من وطنهم قسراً إلى الخارج يزيد عن الثلاثة ملايين، بينما المهجرون داخل سوريا يصلون حسب بعض الإحصاءات إلى ستة ملايين على الأقل. كذلك فإن المهجرين العراقيين إلى خارج بلادهم يقاربون المليون، بينما المهجرون داخل العراق باتوا يزيدون عن ثلاثة ملايين.
إن بضعة عشر مليون لاجئ عربي يعيشون على هبات المنظمات الدولية، أو يتجرعون غصة ركوب البحر مع خطر الغرق في هجرة غير شرعية بمراكب غرق العديدُ منها بركابها من الرجال والنساء والأطفال في البحر، أو استقبلوا اضطراراً ويعيشون حياة مهينة في بعض دول اللجوء الأوروبية، لا سيما إيطاليا واليونان.
لم يعد اللجوء إلى بلد آخر، عربياً كان أو أجنبياً، "امتيازاً" للفلسطيني، بل صار إضافة مهينة إلى العديد من هويات الرعايا في دول عربية كثيرة.
لقد تضاعفت أعداد الهاربين من نيران الحروب الأهلية أو الصدامات الدموية التي تخوضها جيوش بعض الدول العربية مع المنظمات الإرهابية التي تعددت فصائلها بتعدد مموّليها ومسلحيها وإن ظل أشهرها إجراماً وأعظمها فتكاً بالرجال والنساء والأطفال تنظيم دولة الخلافة الإسلامية المشهور بمختصر اسمه ـ للدلع ـ "داعش".
تزايدت أعداد "الفلسطينات" في الوطن العربي بمشرقه ومغربه... وإضافة إلى سوريا والعراق لا بد الآن من إضافة ليبيا واليمن، وباب الاحتمالات ما زال مفتوحاً.
إن نصف العرب، تقريباً، يعيشون حالة لجوء داخل أوطانهم أو في مخيمات خارجها، يقاومون البؤس والجوع والحرمان من "دولتهم" التي كانوا "مواطنين" فيها.
أي أن نصف العرب، تقريباً، يعيشون "حالة فلسطينية"، على حافة اليأس من دولهم التي كانت، وربما من أوطانهم التي وفرت لهم حتى الأمس القريب الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، كمواطنين، ولو في أنظمة دكتاتورية عاتية.
أي خيار بائس ه
ذا الذي فرض على اليائس القبول بوطن يحكمه دكتاتور بالعسف والمعتقلات والمحاكم العسكرية أو في غياهب حرب أهلية طاحنة تدمر الوطن وأهله والدولة التي كانت فيه والتي صادرها الطغاة وحوّلوها إلى معتقل كبير لأهلها وبين الهجرة إلى حيث يقبل كلاجئ يعيش على فتات الحسنات أو الصدقات الدولية؟!
من سخرية الأقدار أن يقارن الفلسطينيون بين عدوهم، عدو أمتهم بتاريخها وأمجادها الغابرة، وبين بعض الأنظمة العربية فيترددون في الحكم أيهما الأظلم والأكثر عتواً وعداء لأهداف نضالهم، وأن يتهربوا من القرار حتى لا يهينوا أنفسهم في كرامة انتمائهم القومي.
وما يزيد في بؤس المقارنة أن تلك الأنظمة المعنية قد قفز أبطالها إلى السلطة تجللهم شعارات الزحف إلى فلسطين لتحريرها، وأن بعض شعبها قد عاش الكذبة قبل أن يستفيق إلى واقعه فيهرب من هويته نتيجة عجزه عن تغيير نظامه أو رفضه العيش في ظلاله الوارفة.
ولكن... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل،
وبالتأكيد فإن الأمة ولّادة، وهذه شهادات الألوف المؤلفة من شهدائها تؤكد بأنها أقوى من اليأس، وأنها قادرة ـ وبرغم كل الأهوال والمؤامرات وتواطؤ بعض حكامها على شعوبها، وعلى قضاياها المقدسة - على شق طريقها في قلب الصعب إلى غد خارج الحروب الأهلية وخارج الهيمنة الأجنبية بعنوان إسرائيل التي تستمد بعض أسطورة قوتها التي لا تُقهر من أنظمة العجز العربي القوية على شعوبها والهاربة من ميدان مواجهة عدوها القومي.
مخيم الحسينية الفلسطيني يعود إلى الحياة
بقلم: علاء حلبي عن السفير اللبنانية
بعد ثلاث سنوات على الشتات في الداخل السوري، وبعد أكثر من عام على عمل متواصل استعداداً لإعادة الحياة اليه، بدأ مخيم الحسينية للاجئين الفلسطينيين باستقبال سكانه الذين هجرتهم الحرب، وحولت منازلهم إلى ساحات للمعارك.
وتمكن الجيش السوري من استعادة السيطرة على المخيم الواقع في ريف دمشق خلال عملية عسكرية واسعة في كانون الأول العام 2013، إلا أن الدمار الكبير الذي خلفته الحرب تسبب بتأخير عودة سكانه الذين يبلغ عددهم حوالي 90 ألف نسمة طيلة العامين الماضيين.
مصدر فلسطيني، عمل كوسيط في عملية إعادة الأهالي إلى المخيم، أوضح، خلال حديثه إلى «السفير»، أنه كان من المفترض عودة المهجرين قبل نحو عام، إلا أن عوامل عدة تسببت بتأخر العودة، أبرزها حجم الدمار وعملية إعادة التأهيل التي تطلبت عمل ثلاث محافظات بشكل متواصل (القنيطرة، ريف دمشق، دمشق)، إضافة إلى بضع وزارات، بينها المصالحة الوطنية والكهرباء.
المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، والذي أعاد الفضل في عودة الأهالي إلى تضافر جهود وزارة المصالحة الوطنية وجهات حكومية أخرى، ذكر خلال حديثه أن «الدولة السورية لم تدخر أي جهد لإعادة الأهالي، حيث قامت في البداية بتأمين المخيم بشكل كامل حفاظاً على سلامة العائدين، عبر عملية عسكرية واسعة في محيطه، تبعتها عمليات إعادة تأهيل للبنى التحتية التي دمرتها الحرب»، موضحا أن لجنة المصالحة ووزارة المصالحة الوطنية وضعتا خطة لإعادة الأهالي تضمن العودة السلسة وإعادة إحياء المخيم.
بدوره، أوضح وزير المصالحة الوطنية علي حيدر أن خطة الوزارة تتضمن العودة على مراحل، حيث سيعود أهالي الشهداء في البداية ومن ثم يعود العسكريون والموظفون والعاملون، مشدداً على أنه «لن يتم منع أي شخص من العودة إلى منزله».
وخسر مخيم الحسينية، وفق إحصاءات لجان فلسطينية نحو 200 شخص جراء الحرب، كذلك سجلت نحو 70 عائلة ممن فقدت أبناءها الذين قاتلوا في صفوف الجيش السوري، الأمر الذي علق عليه مصدر فلسطيني بالقول: «يعرف عن أبناء المخيم موقفهم المؤيد للحكومة السورية. معظم شبان المخيم قاتلوا، أو يقاتلون إلى جانب الجيش، وهو ما تسبب بتهجير أهاليهم من المخيم إثر تقدم المسلحين نحو المخيم قبل نحو ثلاثة أعوام».
وبحسب وزارة المصالحة الوطنية فقد كلفت عملية إعادة تأهيل البنى التحتية في المخيم أكثر من 300 مليون ليرة سورية (نحو مليون دولار)، شملت عمليات تأهيل الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. وقال وزير الكهرباء السوري عماد خميس: «تمت إعادة تأهيل البنى التحتية، ومنها شبكة الكهرباء في بلدة الحسينية بنسبة 50 في المئة بتكلفة تزيد على 300 مليون ليرة سورية، في حين يقدر حجم الأضرار بنحو 700 مليون ليرة»، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن «وزارة الكهرباء قامت باستحداث مكتب طوارئ لتأمين الخدمات على مدار الساعة».
وتشكل عملية إعادة الأهالي إلى مخيم الحسينية أولى حالات إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى مناطق سكنهم في سوريا، وذلك في وقت تسببت فيه الحرب بخروج آلاف العائلات من الأراضي السورية نحو لبنان وتركيا، وبعض الدول الأوروبية. وفي هذا السياق، قال الوسيط الفلسطيني إن «قيام الحكومة بتأهيل المخيم يمثل رسالة للجميع بأن سوريا كانت، ولا تزال، تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها المركزية»، مشدداً على أن «سوريا دائماً كانت تعامل اللاجئين الفلسطينيين من دون تفرقة عن مواطنيها، بل وتمنحهم في بعض المواقع ميزات تفوق ميزات المواطنين السوريين».
وتضررت معظم المخيمات الفلسطينية في سوريا جراء الحرب المندلعة منذ خمس سنوات، إلا أن مخيم اليرموك في دمشق يعتبر الأكثر تضرراً، إلى جانب مخيم حندرات في ريف حلب الشمالي. وفي وقت ارتفعت فيه بعض الأصوات مطالبة بتحويل مخيم الحسينية إلى مركز لعائلات مهجرة من مخيمات أخرى، ذكر الوسيط الفلسطيني أن مخيم الحسينية لا يمكن أن يستوعب أكثر من سكانه، فهو مخيم صغير لا يتسع للجميع، موضحاً أن الحكومة السورية تولي المخيمات أهمية خاصة، حيث سيتم تأهيل المخيمات المتضررة لإعادة الحياة إليها.
وإلى جانب عمليات تأهيل المخيم، الذي فتح أبوابه لآلاف العائلات منذ يومين، ذكر الوسيط أن أبناء المخيم اتفقوا على تشكيل قوة لحمايته، رديفة للجيش السوري ستعمل تحت مظلة «لواء القدس» الذي يقاتل في مدينة حلب، والذي يشكل مخيم النيرب مركزاً له، موضحا أن «عدداً من أبناء المخيم يقاتلون فعلاً في الوقت الحالي في صفوف لواء القدس، إلا أن عودة الأهالي إلى المخيم تتطلب تشكيل قوة لحمايته، رغم بعده النسبي عن المواقع الساخنة، وتأمين الجيش السوري لمحيطه».
التفاف من الحلفاء وعزلة لـ «إخوان» الأردن
بقلم: سامح المحاريق عن الرأي الأردنية
غيرت حركة حماس بوصلتها السياسية لمرات عدة في السنوات الأخيرة، وبعد أن كان خالد مشعل يعترف لايران بالدور الكبير في التسليح والتمويل للحركة في غزة، وبعد أن كان يرتل مدائحه للإمام الخميني والثورة الإسلامية في ايران، أصبحت مسألة زيارته لطهران محلاً للجدل والأخبار المتناقضة، وكان واضحاً أن توجه مشعل للرياض يعبر عن يأسه من طهران بعد سنوات من توقف المساعدات المالية للحركة، ولكن الزيارة عبرت أكثر عن تغير في سياسة السعودية تجاه الوضع القائم في المنطقة ككل، ويمكن الحديث عن إعادة تمركز في جميع الجبهات وتسويات متسارعة يبدو أنها بدأت في اليمن مع التحول الجذري في الواقع الميداني باليمن لمصلحة المقاومة الشعبية في مواجهة الحوثيين.
بعد فترة وجيزة من زيارة الرياض بدأت تركيا تتحدث عن اتفاق تهدئة شامل بين حماس واسرائيل، وبطبيعة الحال، سيشتمل ذلك على رفع الحصار عن قطاع غزة، ولأن هذه مسألة لا تكتمل بغير التدخل المصري فإن وفداً من الحركة سيتوجه إلى القاهرة للقاء مدير المخابرات المصرية وربما تتحول حماس من وضعية (الشيطنة) التي لصقت بها بعد حكم الإخوان في مصر إلى منزلة (الحليف) أمام التحديات الأمنية في سيناء.
يبدو الإخوان المسلمين في الأردن غير قادرين على متابعة الأوضاع الإقليمية، واليوم يشهدون مجموعة من التسويات والتحركات التي تفوق قدرتهم على الفعل السياسي البناء، وهذه المرحلة تكاد توصف بالحصاد المر لمجموعة من القرارات السياسية التي أخذت تتعمق منذ 2007 وحتى اليوم، وبالطبع وصلت إلى ذروتها مع مشروع الخليفة (محمد مرسي)، ووصلت الأمور ببعض أعضاء إلى التطاول على الدولة الأردنية التي عايشت حصتها من مأزق الربيع العربي في ظروف صعبة ومعقدة، وكانت تتلقى من الضغوط الخارجية ما يكفيها مؤملة أن يكون تماسك الجبهة الداخلية سنداً لها في مواجهة هذه التحديات الكبرى، وبالفعل شهدت الساحة الداخلية على مختلف مستوياتها مرحلة من الأداء المشهود الذي قدم الأردن بوصفه نموذجاً في منطقة مضطربة، باستثناء الإخوان الذي استمروا في المناكفة والمماحكة.
لا يعني ذلك أن الأبواب مغلقة كلية أمام الإخوان، ولكن يجب في البداية الاعتراف بأخطاء المرحلة الفائتة، والاحتكام إلى آليات فرز عقلانية وبناء أسس جديدة للعلاقة، فالإخوان شريك في الحياة السياسية في الأردن، وتقع عليهم مسؤوليات وواجبات ولهم في المقابل حقوق ومكتسبات، ومشكلة الدولة ومعظم الأردنيين مع التنظيم أنه لم يتمكن داخلياً من تحكيم العقل وترجيح المصلحة الوطنية وبقيت ثلة من قياداته تسيطر عليه لدرجة دفعت بالانقسام في الجماعة بصورة غير مسبوقة، ألحقته عملية تسجيل جماعة جديدة في عملية انقاذية.
يجب على الإخوان مراجعة أوراقهم من جديد والبحث في خياراتهم، والأهم من ذلك تحديد استراتيجية بعيدة المدى يمكن عرضها على جميع الأطراف التي تسعى لعدم تمدد الأزمة، فمراجعة تجربة الإسلام السياسي أصبحت ضرورية، ويبدو أن حتى الحركات التي استفادت تاريخياً من تصنيفها ضمن الإسلام السياسي أصبحت تبحث عن حلول جديدة وتحالفات نوعية مختلفة، والإخوان في الأردن كانوا في علاقة ايجابية مع الدولة في الوقت الذي كانت جميع التيارات الأخرى في الدول العربية تعاني من صدامات مع السلطة، واليوم تنقلب الآية، والكل يبحث عن مخرج أو طريق للتواصل، ويستمر الإخوان في الأردن في قطيعتهم، فهل تحين لحظة الاستفاقة أم أن قيادة الإخوان الحالية ستواصل رحلة المكابرة والعناد.


رد مع اقتباس