أقـــــلام وأراء عربي (167)

في هـــــذا الملف:

لجم العدوان الصهيوني على الأقصى

رأي الدستور الأردني

هنية ومضيفه الرئيس مرسي

رأي القدس العربي

طال انتظارنا للطبخة (المؤامرة)!

ياسر الزعاترة عن الدستور الاردني

غزو عسكري وشيك لسورية؟

بقلم: عبد الباري عطوان عن القدس العربي

سورية: تحريك «الكيماوي» إيذان باستخدامه ضد الشعب - العدو

بقلم : عبد الوهاب بدر خان عن دار الحياة

الحسابات الروسية الصينية في المسألة السورية

بقلم:د. عمر عبد العزيز عن البيان الامارتية

أجندة جديدة للرئاسة في مصر

بقلم: محمود معوض عن الاهرام

قد يعيقون مسيرتها لكنهم لن يئدوها

بقلم: د.أحمد الشوابكة عن السبيل الاردنية

لجم العدوان الصهيوني على الأقصى

رأي الدستور الأردني

فيما يستعد حاخامات العدو، ورعاع المستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى المبارك في ذكرى ما يسمى بخراب الهيكل في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، لم يعد أمام الأمتين العربية والإسلامية إلا اتخاذ الإجراءات الفعلية، الكفيلة بلجم هذا العدوان المرتقب، الذي يأتي بعد أن أعلنت حكومة العدو أن الأقصى جزء من الأراضي الإسرائيلية.

وفي هذا الصدد لا بد من التأكيد أن العدو ماض بتنفيذ هذا العدوان، ولن يتراجع إلا إذا شعر بجدية المواقف العربية والإسلامية وجدية الإجراءات الرادعة رداً على هذا العدوان الذي يستهدف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، مسرى الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ومولد السيد المسيح -عليه السلام- بعد أن استغل حالة الضعف والهوان التي تغرق فيها الأمة، لفرض الأمر الواقع من خلال الاستيطان، وجرائم التطهير العرقي لتهويد المدينة المقدسة، وإعلانها العاصمة اليهودية لإسرائيل.

إن دعوة خطيب المسجد الأقصى للمقدسيين والشعب الفلسطيني في الداخل لضرورة النفير الى الأقصى، والمرابطة في رحابه الطاهرة، لحمايته من رعاع المستوطنين، والمتدينين اليهود الحاقدين، الذين يعدون العدة لاقتحامه وتدنيسه، يفترض أن تحرك الشارع العربي والإسلامي، بخاصة في هذا الشهر الفضيل في مظاهرات حاشدة، للتنديد بالاحتلال الصهيوني واعتداءاته المتكررة على الأقصى، مطالبين الدول العربية والإسلامية بضرورة الانتصار لبيت المقدس، من خلال تجميد الاتفاقيات والمعاهدات، ووقف التطبيع وإحياء المقاطعة الاقتصادية، رداً على جرائم قتلة الأنبياء.

لم تجد لغة الاستنكار والشجب والتنديد التي دأبت عليها الدول الشقيقة والجامعة العربية، وأثبتت مع مرور الزمن أن العدو استغلها لتنفيذ مشروعه الصهيوني الاستئصالي، في ظل الدعم الأميركي اللامحدود للاحتلال، والنفاق الأوروبي.

إن قراءة موضوعية دقيقة للأوضاع في القدس المحتلة، تؤكد أن العدو استطاع ان يغير في الديمغرافيا، من خلال إجراءاته العنصرية القمعية، وعلى مدى أكثر من أربعين عاما، والقائمة على تفريغ المدينة من أهلها، وجلب المهاجرين الصهاينة للعيش فيها، حيث تؤكد الأرقام أن عدد اليهود في القدس الشرقية تجاوز عدد العرب، وانه آخذ بالازدياد، في ظل استمرار جرائم التطهير العرقي والمتمثلة بهدم المنازل، ومصادرة الهويات، وفصل التجمعات السكنية العربية عن بلدية القدس المحتلة...الخ.

مجمل القول: إن اصرار العدو الصهيوني على اقتحام الأقصى وتدنيسه، في ذكرى ما يسمى بخراب الهيكل يستدعي موقفاً حاسماً للجم هذا العدوان الذي يتزامن مع إعلان حكومة العدو بأن الأقصى جزء من الأراضي الإسرائيلية، يقوم على فتح ملف الصراع من جديد، والبادئ أظلم.

“ولينصرن الله من ينصره”... صدق الله العظيم.

هنية ومضيفه الرئيس مرسي

رأي القدس العربي

بدأ السيد اسماعيل هنية رئيس حكومة حركة 'حماس' في قطاع غزة زيارة رسمية الى القاهرة على رأس وفد مكون من 17 شخصا من كبار القيادات في حركته يضم وزراء ونوايا ورجال اعمال.

السيد هنية يقوم بهذه الزيارة تلبية لدعوة رسمية من الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي وللمرة الاولى منذ تولي حركته السلطة في القطاع.

لولا الثورة الشعبية المصرية التي اطاحت بالرئيس المخلوع حسني مبارك لما حظي السيد هنية ومن قبله السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة بمثل هذا الاستقبال في القصر الجمهوري.

في الماضي، وقبل نجاح الثورة المصرية، كان تعاطي مسؤولي حركة حماس مع الحكومة المصرية محصورا في دائرة المخابرات العامة ورئيسها اللواء عمر سليمان الذي كان يحمل هذا الملف ويديره، وكان محظورا على قيادات حركة حماس والفصائل الفلسطينية الاخرى المقاومة لقاء اي مسؤول سياسي مصري على الاطلاق، ناهيك عن الرئيس مبارك او رئيس وزرائه.

الموقف يتغير وبسرعة، فالسيد هنية يجد نفسه اليوم في بيته ووسط اصدقائه، فحركة 'حماس' التي يمثلها تعتبر الذراع العسكرية لحركة الاخوان المسلمين الام. وهي اول حركة اسلامية تصل الى الحكم في الوطن العربي وقبل انفجار ثورات الربيع العربي بسنوات.

السيد هنية لا يحمل ملفات عديدة في جعبته، ربما لانه لا يريد ان يثقل على مضيفه الذي تولى الرئاسة لتوه، وما زالت صلاحياته غير محددة المعالم لغياب الدستور وحل مجلس الشعب. ولكنه قطعا سيحمل الى الدكتور مرسي هموم مليونين من ابناء قطاع غزة يعانون مر المعاناة من كابوسين اساسيين:

' الاول: معبر رفح الحدودي الذي يعتبر المنفذ الوحيد لابناء القطاع على العالم الخارجي.

' الثاني: التيار الكهربائي وكيفية توفير الوقود بشكل منتظم الى محطة الكهرباء اليتيمة في القطاع حتى تعود الى العمل، واستئناف الامدادات الكهربائية المصرية التي كانت تغذي المناطق الجنوبية من القطاع المحاذية لمصر وخاصة مدينة رفح.

قبل الزيارة بايام ترددت انباء عن قرار مصري بفتح المعبر ساعات اطول امام العابرين في الاتجاهين، والغاء شروط تأشيرة الدخول الى الاراضي المصرية، سواء عبر الموانئ الجوية او البحرية او معبر رفح البري، عن جميع الفلسطينيين، وليس ابناء القطاع فقط، ولكن هذه الفرصة بمثل هذا القرار التاريخي لم تدم الا لمدة ساعات محدودة سرعان ما تراجعت السلطات عنها لاسباب ما زالت مجهولة.

الامر المؤكد ان الرئيس مرسي يتفهم معاناة ابناء قطاع غزة بشكل خاص والفلسطينيين بشكل عام، ويريد ان يضع حدا لمعاناتهم في المطارات والمعابر فهو قادم من رحم الشعب المصري الطيب، ويمثل الاغلبية الساحقة والمسحوقة، ولكن هناك جهات امنية ما زالت تتبع سياسات النظام السابق، وترفض الاعتراف بحدوث التغيير، هي التي تضع العقبات والحواجز بين مصر وشعبها وحكومتها من ناحية والشعب الفلسطيني امتدادها الطبيعي من ناحية اخرى.

المصالحة تظل موضوعا لا يقل اهمية عن المعابر بل يفوقه، ولكن من الصعب تعليق آمال عريضة على هذا الملف، لان الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية التي ما زالت مهتمة بالقضية الفلسطينية بالتالي، قد ملت من الحديث عن المصالحة واتفاقاتها بعد ان تعرضت لخيبات امل عديدة في هذا الشأن.

نتمنى زيارة موفقة للرئيس هنية في ضيافة صديقه وصديق حركته الرئيس محمد مرسي، والمأمول ان تتمخض هذه الزيارة 'التاريخية' عن نتائج ايجابية نرى انعكاساتها في تخفيف معاناة الفلسطينيين في معبر رفح ومطار القاهرة الدولي. بعد ان استعادت مصر سيادتها وكرامتها بفضل الثورة الشعبية المباركة ولم تعد ترضخ لاملاءات اسرائيل وامريكا او هكذا نعتقد.

طال انتظارنا للطبخة (المؤامرة)!

ياسر الزعاترة عن الدستور الاردني

قبل أكثر من أسبوعين، تحديدا خلال الثلث الأول من شهر تموز الماضي، سمعنا عن طبخة قيل إنها على النار هي في واقع الحال مؤامرة كبيرة، دعا أحد الكتاب للعمل على مواجهتها، وقد فضلنا الانتظار لبعض الوقت كي نراها تنضج وتتحرك على الأرض، لكن شيئا لم يحدث. ومع أننا نحمد الله على فشل خطط المخططين وتآمر المتآمرين، إلا أن نعيد الحديث عن تلك الطبخة/ المؤامرة لكي يكون الناس على بينة منها، مع العلم أن مصادر الأخبار عنها هي ذاتها التي حدثتنا عن الصفقة/ المؤامرة لتمرير التوطين والوطن البديل بين حكومة عون الخصاونة والإخوان من خلال قانون انتخاب متفق عليه بين الطرفين. أما خلاصة الطبخة فكانت:

ـ خطة ربيع قَطري (فوضى خلاّقة مدعومة إعلاميا وماليا) في الضفة الغربية، انطلاقا من دراما التحقيق في اغتيال الرئيس الراحل عرفات، تنتهي بسيطرة حماس على السلطة الفلسطينية.

ـ خطة مصالحة وتفاهم وتنسيق عميق بين حماس وعمان، تمكّن الحمساويين من التعامل مع الحدث غربي النهر، والإفادة، تاليا، من التسهيلات الأردنية.

ـ خطة انسحاب إسرائيلي من طرف واحد من حوالي 56 بالمائة من الضفة الغربية، تنشئ فيها حماس إمارة إسلامية ثانية بعد غزة تحفظ الأمن الإسرائيلي في سياق هدنة مفتوحة.

ولمزيد من توضيح الخطة، قالت المصادر التي كشفتها أيضا إن “هذه الصيغة تناسب حماس بالكامل. فهي، بدورها، لا تريد مفاوضات ولا اتفاقيات، ولكنها، كما هو الحال في غزة، مستعدة لإدارة المناطق “المحررة” من طرف واحد، وضبط أمنها بصورة صارمة، تحت شعارات “المقاومة”، وفي إطار الهدنة إياها.

تتطلب إدارة الإمارة الحمساوية في الضفة، بالضرورة، تسهيلات استثنائية في المجالات السكانية والاقتصادية واللوجستية الخ من قبل الأردن.

للقراء الكرام ممن يتابعون الشأن السياسي بدأب منذ التسعينات أن يستعيدوا الكثير من الخطط التي أتحفنا بها بعض مثقفي اليسار أو من يحسبون أنفسهم عليه، والتي كانت جاهزة للطبخ، أو كانت تحت النار عندما كشفوها أو اكتشفوها وأكدوا مرورها، ثم تبين أنها محض هراء، ليس فقط لأن بعضها كان كلاما لسياسيين متقاعدين أو مراكز أبحاث غربية، بل أيضا لأن هذه الأمة ليس كمَّا مهملا تنساب المؤامرات في جسدها مثل السكين في قطعة الزبدة.

لا نتحدث هنا دفاعا عن حماس التي تشكل عنوان المؤامرة، ولا عن قطر التي باتت أساس المصائب والمؤامرات في وعي نخب يسارية (تفاقمت عندهم الحالة بعد الثورة على نظامهم الحبيب في سوريا!)، بل نتحدث أولا دفاعا عن الأردنيين لأن الكلام المشار إليه يهينهم حين يفترض أنهم كم مهمل يمكن لأية مؤامرة أن تمر عليهم دون وعي، أكانت ضد الأردن أم ضد فلسطين، لأنهم أول وقبل كل شيء شرفاء لا يمكن أن يشاركوا في مؤامرة لتصفية قضية فلسطين، فضلا عن أن تنطوي على امتهان لحقوقهم.

أما ثانيا فيتمثل في كونها دفاعا عن شعب فلسطين الذي يمارس بعضهم الهجاء والشتائم بحقه بطريقة مهينة حين يفترضون دائما أنه قابل للبيع والشراء، أو أنه بلا قيمة ولا وعي ويمكن أن يمرر بسهولة مؤامرات تصفي قضيته.

كلاجئ فلسطيني ولد في مخيم وترعرع في آخر، ويعيش على إيقاع هذه القضية المقدسة، أجد من واجبي تسجيل رفضي وإدانتي لمثل هذا الازدراء والتحريض الذي يمر تحت لافتة حرية الرأي.

هذه عنصرية (لا نتحدث عن مقال واحد، بل عن نهج كامل يتعامل مع الفلسطيني كتاجر شنطة)، وهي إهانة من العيار الثقيل توجه لشعب عظيم قدم مئات الآلاف من الشهداء والأسرى والجرحى على مدى ما يقرب من قرن من الزمان دفاعا عن قضيته، ولم يكن يوما برسم البيع والشراء. وهو لن يقبل بتصفية قضيته لا على يد محمود عباس ولا على يد خالد مشعل ولا أي زعيم آخر. ولا نريد هنا أن نتحدث عن عبثية التشكيك بعشرات الآلاف من قواعد ورجال حماس الذين خرجوا طلبا لرضا الله دفاعا عن فلسطين، ولن ينهوا حياتهم بتصفية قضيتها بأيديهم، لاسيما أن القياس على قطاع غزة لا يمكن أن يصح، لأن القطاع في حالة أقرب إلى الانفصال عن ما تبقى من فلسطين، وثمة ظروف موضوعية هي التي أفضت إلى ما هو عليه الآن، بدليل أن التهدئة فيه ضمن الظروف الراهنة تشكل خيارا لكل الفصائل وليس حماس وحدها.

نعلم أن هناك تهدئة شاملة في الضفة الغربية دون الحصول على العرض الذي تضمنته الخطة إياها، ولو حصلت السلطة عليه لرأته إنجازا عظيما ما دام لا يتضمن اتفاقا نهائيا، لكن السكوت على ذلك من الشعب الفلسطيني لن يطول أيضا، ولولا الظروف التي لا شرحناها مرارا، ويعرفها المعنيون ولا تحتمل هذه السطور تكرارها لبدأت الانتفاضة الجديدة.

نكرر، وسنظل نكرر؛ لا الشعب الفلسطيني قابل للبيع والشراء، ولا الشعب الأردني هش إلى الحد الذي تمرر عليه خطط وبرامج تستهدف تهميشه، فضلا عن دفعه للمشاركة في تصفية قضية فلسطين التي تشكل عنوانا لوعيه، تماما كما هو حال أبناء الأمة الآخرين.

غزو عسكري وشيك لسورية؟

بقلم: عبد الباري عطوان عن القدس العربي

عندما يؤكد المعهد الملكي للدراسات الأمنية والدفاعية 'روسي' العقل المفكر والمخطط لوزارة الدفاع البريطانية، ان حربا بالوكالة تستعر حاليا بين ايران والمملكة العربية السعودية على الارض السورية، وان وحدات غربية خاصة تعمل على الارض حاليا لتقويض النظام السوري والتمهيد لتدخل عسكري مباشر، فإن علينا ان نأخذ خلاصة هذا التقرير بأهمية فائقة، فمعظم، ان لم تكن، كل الحروب الغربية في المنطقة، السابقة منها واللاحقة، تطبخ في بريطانيا.

التقرير الذي اصدره المركز يؤكد ان هذا التدخل العسكري الذي بات مرجحا، لن يتم من اجل انقاذ الشعب السوري، او وضع حد لأوضاعه المأساوية، وانما لاحتواء الأزمة في سورية والحرب الأهلية الطائفية التي تندلع فيها، والحيلولة دون امتدادها وتفتيت الدول المجاورة، وتوفير ملاذات آمنة للجماعات الاسلامية المتشددة، وخاصة تنظيم 'القاعدة'.

لم يكن من قبيل الصدفة ان تعلن السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية ان بلادها، وبعد استخدام روسيا والصين 'الفيتو' ضد مشروع قرار في مجلس الأمن لمنع فرض عقوبات على سورية، ستعمل خارج نطاق المنظمة الدولية في سورية، فالتقرير الذي يقع في 50 صفحة، ويضم تقديرات عسكرية وامنية للموقف لكبار المتخصصين الغربيين كشف ان عملاء المخابرات الامريكية والبريطانية والغربية الاخرى، يعملون على الارض السورية منذ اشهر لتحديد الأهداف وتجنيد العملاء، والاشراف على تسليح المعارضة من قبل المملكة العربية السعودية ودولة قطر.

الاستعدادات للتدخل بدأت فعلا، فمجموعة من السفن الحربية البريطانية، حسب ما جاء في التقرير، تتجه الى شرق البحر المتوسط، لتحقيق هدفين اساسيين: الاول هو المشاركة في الاعمال العسكرية، والثاني اجلاء الرعايا الاجانب من سورية، وربما من لبنان. في المقابل تتوجه الى السواحل السورية حاليا سفن حربية روسية.

وربما يجادل البعض بأن الدول الغربية التي اكتوت اصابعها، والامريكية منها خاصة، في حربين مدمرتين في العراق وافغانستان، قد تتردد في الدخول في حرب ثالثة، ربما تكون اكثر صعوبة، ولكن البروفسور مايكل كلارك المشرف على هذا التقرير يقول بالحرف الواحد 'ليس دائما نحن الذين نختار الحروب التي نخوضها، فأحيانا الحروب هي التي تختارنا'، والحرب في السورية تندرج في الخانة الاخيرة.

' ' '

الدخول في الحروب، ومثلما علّمتنا تجربتا العراق وافغانستان عملية سهلة، والانتصار فيها ربما اكثر سهولة، عندما يكون الخصم من دول العالم الثالث، ولكن المعضلة الاكبر تتمثل في الحفاظ على هذا النصر في مرحلة ما بعده.

الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية صرّح مؤخرا بقوله امن الممكن تدمير القدرات العسكرية السورية على الطريقة التي تم فيها تدمير نظيرتها العراقية، من خلال اسلوب الصدمة والرعب (shock and awe) ولكن امكانية السيطرة على الموقف بعد ذلك لا يمكن ضمانهاب.

الاراضي الأردنية مرشحة لكي تكون نقطة الانطلاق الرئيسية لأي تدخل عسكري غربي في سورية تحت ذريعة الاستيلاء على مخزونها من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية. وهناك انباء تشير الى ان قوات التحالف الغربي لن تكون في الواجهة، وسيتم اللجوء الى النموذج الكويتي، اي ان تقوم قوات سعودية واردنية وقطرية بدخول الاراضي السورية معززة بغارات جوية وخبراء غربيين، تماما مثلما دخلت القوات العربية ارض الكويت بعد تحريرها.

القوات الأردنية والقطرية الخاصة حاربت في ليبيا، وكان لها الدور الأبرز في اقتحام طرابلس وقاعدة باب العزيزية مقر قيادة العقيد معمر القذافي، ونحن هنا لا نتحدث ايضا عن المساعدات اللوجستية والعسكرية والمالية الاخرى لدعم القوات التابعة للمجلس الوطني الليبي المعارض، ولن نستبعد ان يعيد التاريخ القريب نفسه في سورية.

من المؤكد ان ليبيا ليست مثل سورية، فالمقارنة بين البلدين والنظامين في غير محلها، وان كانت الديكتاتورية والفساد والقمع القاسم المشترك بينهما، ولكن ما نتحدث عنه هنا هو الاختلافات الجوهرية. فالنظام الليبي كان معزولا وبلا اصدقاء، سواء من قبل دول الجوار او غيرها، لكن النظام السوري عكس ذلك تماما، فهو على تواصل جغرافي مع حليفه الايراني القديم، والعراقي الجديد في الشرق، وحزب الله في الغرب، علاوة على قوتين عظميين تساندانه وهما روسيا والصين.

الجنرال مسعود جزائري نائب رئيس الاركان العامة للقوات المسلحة الايرانية حذر يوم امس الاول من تسليح المعارضة السورية، ووجه تهديدا شديد اللهجة ضد الاطراف العربية المؤيدة للثوار في سورية، واصفا هذه الاطراف بـ'العرب المنبوذين'، واكد ان حلفاء النظام السوري لن يسمحوا بتغيير نظام الرئيس بشار الاسد، وانهم سيوجهون 'ضربات حاسمة' لأعداء دمشق' وخاصة 'العرب المنبوذين'.

صحيح ان النظام السوري لا يملك الا ست طائرات متقدمة من نوع (ميغ 29) وباقي سلاحه الجوي طائرات قديمة انتهى عمرها الافتراضي منذ عقود، ولكنه يملك منظومة دفاعية جوية متقدمة للغاية، حسب ما جاء في التقرير البريطاني المذكور، من بينها بطاريات صواريخ 'سام 17' الروسية المتطورة، يمكن ان توقع خسائر كبيرة في حال حدوث اي هجوم جوي، واذا صحّت الانباء التي تقول بأن روسيا زوّدت النظام السوري بصواريخ 'اس 300' المضادة للطائرات، ولا يوجد اي تأكيد رسمي لذلك، فإن الصورة ربما تكون مختلفة.

لا نعرف رد الفعل الروسي والصيني في حال حدوث مثل هذا التدخل العسكري لاطاحة حليفهما في دمشق، فالغرب تدخل عسكريا في كوسوفو وفي صربيا، منطقتي النفوذ الروسي، ولم تحرك موسكو ساكنا، ولكن تصريحات سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا توحي بعكس ذلك تماما، وتشير الى احتمالات التدخل لحماية النظام.

' ' '

الايام او الاسابيع المقبلة تبدو مرعبة بكل المقاييس، وتهديد النظام السوري باستخدام ترسانته من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية لمواجهة اي تدخل خارجي، لا تؤكد قرب حدوث هذا التدخل فقط، وانما إشعال المنطقة بأسرها في حرب قد تمتد لسنوات، وتحرق الأخضر واليابس.

لا احد يملك البلورة السحرية ليتنبأ بالنتائج، فمن كان يتوقع مقاومة شرسة في العراق تجبر الامريكان على الرحيل مهزومين، ومن توقع انهيار القوات المصرية في ساعات اثناء حرب حزيران (يونيو) عام 1967، ومن تنبأ بهزيمة اكثر اذلالا لأمريكا امام حركة طالبان في افغانستان، والاهم من ذلك من توقع ان تخرج ايران الفائز الاكبر في العراق بفضل الغزو الامريكي؟

ما يمكن التنبؤ به هو ان شرق اوسط جديدا تتبلور خريطته فوق الارض السورية، فإذا كانت الحرب العالمية الاولى التي وقعت قبل مئة عام تقريبا قد وضعت خطوط الخريطة الحالية، فإن الحرب المقبلة اذا ما اندلعت قد تنسفها توحيدا او تفتيتا، والعرب في جميع الحالات، مثلما حدث في الماضي، سيكونون الضحية الأبرز، بل الوحيدة، والأيام بيننا.

سورية: تحريك «الكيماوي» إيذان باستخدامه ضد الشعب - العدو

بقلم : عبد الوهاب بدر خان عن دار الحياة

إنها مرحلة كل الأخطار، كل العنف، كل الأخطاء والخطايا. لا شك في أن الشعب السوري يلامس أخيراً بداية تحقيق أهدافه، لكن النظام الذي أدرك أنه ماضٍ إلى الخسارة لا يزال قادراً على الأذى، أقصى الأذى، للشعب ولسورية نعرفها. إذا كانت الولايات المتحدة مسؤولة تاريخياً عن تخريب النسيج العراقي وتمزيقه بإقدامها على الغزو والاحتلال غير المتبصّرَين، فإن روسيا باتت وستستمر مسؤولة عما سيشوب النسيج السوري من تشرذم وتفتيت على رغم ادعائها أنها بمنعها التدخل الدولي إنما تحول دون نشوب حرب أهلية في سورية. إنها في الواقع تدير هذه الحرب إذ سعى النظام إليها وهي تدعمه بمشاركة إيران وتراهنان عليه.

لم يظهر السلاح الكيماوي في سياق الأزمة إلا عندما عمد النظام نفسه إلى «تحريكه» من مخازنه المعروفة. كان يطلق رسالة إلى من يهمه الأمر بأنه يتأهب لاستخدام هذا السلاح طالما أن الجميع يتكهن حالياً باقتراب نهايته.

حين ظهرت البنادق والرشاشات في أيدي المعرضين اعتلى النظام الموجة باللجوء إلى الأسلحة الثقيلة والقصف المدفعي والصاروخي، وحين دمّر الكثير من آلياته ودباباته دفع بسلاح الجو وكثّف استخدام الراجمات، ومع توقعه حصول «الجيش السوري الحرّ» على مضادات حديثة وصواريخ ها هو يلوّح بالسلاح الكيماوي. ليس صحيحاً أنه يريد نقله إلى «حزب الله» في لبنان - ليس الآن على الأقل - ولا صحيح أيضاً أنه قد يستخدمه فقط لردع تدخل خارجي يتمنّاه ويعلم أنه ليس وارداً.

هذا سلاح أعدّه النظام أساساً للفتك بالشعب الذي اعتبره دائماً أعدى أعدائه، ولديه سابقة صدام حسين في حلبجة. هذا التهديد بالكيماوي موجّه إلى الدول التي تسلّح «الجيش الحرّ»، ومن قبيل «أُعذِر من أَنذر»، فالجميع صار يعرف هذا النظام وتصميمه الدموي على البقاء أو نحر سورية وانتحارها قبل أن تنتحره.

كان أحد القادة الأمنيين في إدلب أطلق قبل فترة تهديداً موثقاً بـ «أننا سنضرب بالكيماوي ولا نهتم بمجلس الأمن». ويتداول السوريون على نحو واسع أن هشام بختيار (أو اختيار، رئيس الأمن القومي ورابع القتلى الكبار بتفجير مقره) قال في لقاء موسع «ولا بمليون قتيل يمكن أن يسقط النظام».

أما مندوب النظام في الأمم المتحدة فقدّم في طيّات كلامه السيناريو الأكثر ابتكاراً إذ لمّح إلى أن «جماعات متطرفة» قد تستولي على الكيماوي وتستخدمه «وبعدئذ ستقولون إنه النظام من استخدمه». وأخيراً نُقل عن الرئيس السوري نفسه قوله لأركان غرفة التجارة أنه إذا اضطر للانسحاب «فسيسلّم دمشق رماداً». هذه الشطحة مشابهة لما روي عن اللقاء المختصر والأخير بين رفيق الحريري وبشار الأسد حين أبلغه وقوفاً أن دمشق قررت تمديد رئاسة إميل لحود و «هذا غير قابل للنقاش» و «معك ثمانٍ وأربعون ساعة لتصدر حكومتك مشروع قانون للتمديد»، وأنهى المقابلة فاستدار الحريري منصرفاً لكن الآخر أضاف «إذا كنتَ وشيراك (الرئيس الفرنسي آنذاك) تعتقدان أنكما سترغمانني على الخروج من بيروت فإني سأكسّرها على رأسك ورأسه»...

هذا نظام لم تعد تعنيه سورية وبرهن أن خطوطه الحمر تقف عند العائلة التي صادرت طائفتها بذريعة حمايتها لكنها أمعنت في الإساءة إليها. هذا نظام عُهدت إليه جوهرة البلدان وواسطة العقد العربي ولا يأبه الآن بإعادتها إلى عهد الدويلات المتنافرة كما كانت إبان الحملة الصليبية، وإلى عقلية ذلك العهد الغابر وثقافته. وكما قيل في تبرير التشظي العراقي، يختصّ كتاب إسرائيليون بالقول اليوم إن سورية هي أيضاً «كيان مصطنع» لم يستطع مثله مثل العراقي أن يصمد مئة عام، فالتشرذم بالنسبة إليهم هو ما ستؤول إليه الأزمة. لا ينفك النظام يتحدث عن «مؤامرة» ويتجاهل أنه جزء منها بل أداتها. فهو قدّم نفسه رمزاً للعروبة والمقاومة والممانعة، وإذا به مجرد عنوان لـ «الشر المطلق» مع طاقة إجرامية غير مسبوقة تنافس أعتى الطغاة، حتى لم يعد ممكناً التعامل معه بأي منطق معروف، سياسياً كان أو أخلاقياً، عربياً أو دولياً. القادة المحاربون يقصفون عاصمة العدو لهزمه، وهو باسم المقاومة والممانعة يقصف دمشق التي يفترض أنها عاصمته. وحده نيرون أحرق عاصمته روما.

منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، الشهر السادس لهبّة الشعب السوري، أدرك النظام أن عليه أن يتنازل لإنهاء الأزمة، وقرر أن لا يتنازل بل أن يلوذ بموسكو فأرسل الرئيس إليها مستشارته وليس وزير خارجيته لأخذ الموافقة على الاستراتيجية التي وضعها النظام في ضوء قراءة عميقة للغضب الروسي بعد الاستعراض الأطلسي في ليبيا. لم يكن النظام باحثاً عن حل سياسي داخلي وإنما عن «حل عائلي» وعن دعم صلب يعينه على البقاء باعتباره منحة ربانية لا غنى لسورية والسوريين عنها. وكان له ما أراد، وما لبثت إيران أن مدّت أيضاً روسيا بأوراق إضافية مكّنتها من توسيع إطار المساومة الدولية. وهكذا جرى تكبيل تدويل الأزمة فيما دُفع تعريبها إلى الفشل، وعندما طلب العرب التدويل دُفع هذا بدوره إلى متاهة. ومع «الفيتو» الروسي - الصيني الثالث بدا المجتمع الدولي تائهاً ومضعضعاً. انتهت مهمة كوفي أنان عملياً، وانتهت مهمة المراقبين الدوليين، أي لن يكون هناك شهود في حال استخدم النظام السلاح الكيماوي في حمص أو دمشق أو حلب. لم يبقََ سوى البديل الذي طالبت به دول عربية، أي تسليح المعارضة السورية. كانت واشنطن وعواصم أخرى تتشكك وتجادل وتسوّف، لكنها باتت تقول أن لم يعد لديها سوى هذا الخيار «الاضطراري»، بعدما تحوّل الحل السياسي إلى سراب. فالأسد خادع أنان، وموسكو خادعت واشنطن والجميع بالنيابة عنه. بعض من هذه الأدوار سبق أن لُعب أمام العالم خلال الأزمة البوسنية وقبيل حرب كوسوفو.

نجحت روسيا في تعطيل مجلس الأمن ولم تنجح في بلورة «الحل» الذي يعطيها دوراً في تطبيع الوضع السوري، بما يمكن أن يحفظ مصالحها. تتظاهر بأنها محتاجة إلى النظام ومستغنية عنه في آن، وبأنها يمكن أن تُسقط الأسد لو أرادت والواقع أنها لا تستطيع، لكن الأكيد أنها قدّمت إليه ضمانات في حال اضطر للانكفاء إلى «دويلة الساحل» للتمتع بحماية قاعدتها في طرطوس. إذاً، إلى اللعب من خارج مجلس الأمن، وبلا تدخل مباشر، أقلّه الآن، أي عودة إلى «الحروب بالوكالة» بكامل كلاسيكيتها.

في مقابل انهيار التدويل كان من الطبيعي أن تهتز أيضاً استراتيجية الجامعة العربية في التعامل مع الأزمة، فهي بدورها تشهد انقساماً في المواقف بسبب العراق ولبنان تحديداً، ما عزز الميل إلى التعامل مع الأزمة خارج مظلتها. لكنها مع ذلك حافظت على خطّها التصاعدي بعرض «الخروج الآمن» للنظام متوقعة من رئيسه «خطوة شجاعة» لا يمكن أن تكون أقل من التنحي والرحيل. وفي العادة لا يُطرح عرض كهذا إلا عشية الانهيار الحتمي وتجنباً لكوارثه. لكن النظام لا يبحث عن خروج آمن بل يحلم بالانتصار على شعبه. سبقه كثيرون ولم يتعظ.

الحسابات الروسية الصينية في المسألة السورية

بقلم:د. عمر عبد العزيز عن البيان الامارتية

من الطبيعي أن يتساءل المرء حول السر الكامن وراء الموقفين الروسي والصيني تجاه المسألة السورية، التي تفاقمت وأصبحت تحتل مركز الصدارة في الموقفين الإقليمي والدولي، وذلك استتباعا للوضع الجيوبوليتيكي المعقد من جهة، والذي أفاد النظام السوري على مدى عقود من البراغماتية السياسية وإدارة الحروب بالوكالة، واستنفاد الخطاب الأيديولوجي المجير على القضية المركزية وملحقاتها.

من الطبيعي أن يتساءل المراقب عن الموقفين الروسي والصيني، على الرغم من الاختلاف التكتيكي بينهما، فالموقف الصيني ما زال مكتفيا برفع الفيتو، والإدلاء بتصريحات عامة تنطوي على آمال وأمانٍ، تدرك الصين أنها بعيدة كل البعد عن واقع السجال الدموي الذي يجري على الأرض في سوريا.

وفي المقابل، يتماهى الكرملين مع الحالة السورية تماهيا يرقى إلى مستوى التبني التام لنظام دمشق، فالفيتو الروسي ليس إلا رأس الحربة الدبلوماسية القاهرة لرغبات الدول الأعضاء في المجلس. لكن روسيا لا تكتفي بذلك، بل تدير آلة سياسية وعسكرية ودبلوماسية متعددة الحراب والآفاق، معتبرة أن هزيمة أعداء النظام البعثي في دمشق، بمثابة هزيمة مؤكدة للسياسة الأمريكية في المنطقة والعالم، وأن انتصار النظام السوري هو بمثابة نصر مؤزر للكرملين!

وهنا يجدر بنا أن نتوقف قليلا أمام الاعتبارات التي حدت بروسيا والصين لتسجيل هذين الموقفين، اللذين يعيداننا لذكريات الحرب الباردة من جهة، كما يبينان لنا حجم التحالف الاستراتيجي بين الصين وروسيا، تناسبا مع حجم المصالح بين العملاقين، واعتبارا لتشابه النظامين في أفق ما.

ونبدأ بالصين التي وجدت نفسها في اشتباك عسير مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، عطفا على الحرب التجارية المكشوفة، التي تنخرط فيها بكين باعتبارها الأداة الاختراقية الحاسمة التي تتمتع بها الصين. فلقد تمكنت الصين من إسقاط نظام "برايتن وودز" النقدي، واتفاقية التجارة والتعرفة الجمركية (الغات)، منذ أن ركلت بأقدامها مفاهيم حقوق الملكية الصناعية، وابتكرت نموذجها الخاص في نسخ التكنولوجيا وتحويرها، ثم تطويرها.

وقد أسست الصين مفهومها الخاص لنقل التكنولوجيا، من خلال احتسابها الذكي لجملة الأفضليات الاستثمارية التي تتمتع بها، بل إنها تجاوزت التخوم الصينية لتجتذب المصانع والاستثمارات الأوروبية والأميركية، وتعيد تصدير منتجاتها لبلدان المنشأ، حتى إن كبريات الشركات الصناعية العابرة للقارات.

وجدت نفسها أمام إغراء الإنتاج المنافس في الصين، ومن هنا بدأت الحرب التجارية المعلنة على التنين الصيني. ويضاف إلى ذلك، تمسك الصين المبدئي بعالم متعدد الأقطاب، وهو الشعار الذي تبنته الصين وروسيا وفرنسا على عهد الرئيس الأسبق (شيراك)، معتبرين القطبية الأحادية للولايات المتحدة أمرا غير ممكن ولا مقبول.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك، الحرب الإعلامية الأمريكية الدائمة ضد النموذج السياسي الصيني، يمكننا التعرف على سر الموقف الصيني المناوئ للمرئيات الأمريكية في المسألة السورية. لكنني اعتقد جازما أن الصين لن تمانع في تغيير موقفها، إذا استشعرت جديا أن هنالك تفهما أوروبيا أمريكيا لتحرير التجارة والاستثمار مع الصين، لأن رهان الصين الأكبر وأداتها الاختراقية الفاعلة، تكمن في أفضلياتها التجارية والاستثمارية.

تاليا، نتوقف مع حسابات الكرملين، وخاصة بعد عودة "القيصر" بوتين إلى واجهة الحكم وقد أثخنته أمريكا بجراحات لا تندمل، ابتداء من تأليب دول شرق أوروبا على نظامه الإصلاحي الرافض لنموذج البريسترويكا المتهالك وراء عقيدة "التحول بالصدمة".

ومرورا بدعم نظامي جورجيا وأوكرانيا اللذين عادا إلى حظيرة روسيا، بعد أن أيقنت النخب السياسية للبلدين أنه لا مفر من الاستجابة لروسيا المالكة للغاز والنفط والذهب والسوق الواسعة، لأنها مصدر الأمان من غوائل الزمان وجليد الشتاء القارس في تلك البلدان، وأخيرا إصرار الإدارة الأمريكية على مواصلة نهج "الفرصة السانحة"، التي روج لها اليمين الأمريكي منذ الانهيار الحر للاتحاد السوفييتي.

من سوء حظ السوريين المستباحين على الأرض، أن يكونوا في المحطة الأخيرة للموجة الأولى لما سمي الربيع العربي، وأن تترافق هبتهم الشعبية مع يقظة روسية تنظر للنفوذ الأمريكي المتصاعد نظرة مليئة بالريبة والقلق، خاصة وأن بعض المحللين المستقبليين لا يعتقدون أن جغرافية الربيع العربي ستظل عربية.

ويرون أن ما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، ليس إلا الموجة الممهدة لأخرى أكثر عتوا ودرامية، وأنها ستوقظ الكثير من الملفات النائمة في بلدان الشمول السياسي، وبالطبع لن تكون الصين وروسيا بمنأى عن هذه الاحتمالات.

قبل عام، شاركت في ندوة دولية نظمتها جامعة "ملليا إسلاميا" الهندية العتيدة في نيودلهي، وبمشاركة كوكبة من العلماء والمفكرين ورجال التاريخ والسياسة، وقد تبين لي يومها أن العالمين الآسيوي والأوروبي مخطوفان بظاهرة الربيع العربي، من حيث مقدماتها ومآلاتها. لكن الحالتين الروسية والصينية أكثر توجسا من النتائج (السلبية) المحتملة لهذه العاصفة التاريخية التي فاجأت الجميع، لتجعل المستحيل ممكنا، واللامعقول معقولا، ولتثبت أن للتاريخ زمنا خاصا، لا علاقة له بأزمنتنا الذهنية والبيولوجية.

تلك بعض الاعتبارات والمقاربات التي أقدمها اجتهادا، لنقترب من سر الموقفين الروسي والصيني مما يجري في سوريا.

أجندة جديدة للرئاسة في مصر

بقلم: محمود معوض عن الاهرام

بافتراض صحة الرواية التي يكاد يجمع عليها المراقبون في الداخل والخارج‏,‏ بأنه قد تم تفضيل مرسي علي شفيق بتوجيهات أمريكية‏,‏

فإن الحقيقة التي لا يستطيع أحد أن ينكرها أن الفضل الأول والأخير يرجع الي الرفض الشعبي الهادر والكاسح لعودة النظام القديم والذي وضع الأمن القومي علي المحك.

وكما يسجل للحكم الانتقالي بأنه أعطي الأولوية للأمن القومي, فإنه يسجل للشعب المصري أيضا, أنه انتخب الدكتور مرسي مرتين, مرة في الصناديق ومرة أخري في الكواليس, الشعب هو الذي أسقط سيناريوهات فوز شفيق, وهو الذي أسقط مبارك برغم أنف الأمريكان, الرئيس باراك حسين أوباما هو الذي طلب من شفيق رسميا عبر مكالمة هاتفية بعد الانتخابات, أن يعود الي مصر, بعد أن قام بتهنئته بالحصول علي نصف أصوات المصريين تقريبا, ما هو الشئ الذي يمكن أن يقدمه مرسي للأمريكان ولم يستطع مبارك أن يقدمه؟ مبارك لم يترك شيئا حتي الكرامة الوطنية باعها بثمن بخس, ولضمان أن يعيش شعبه من بعده مجروح الكرامة, نص علي البيع في اتفاقيات ومعاهدات لتظل سيفا مسلطا علي رقاب الشعب حتي تقوم دولة إسرائيل الكبري, ومن المضحكات المبكيات تظاهرات الليبراليين ضد زيارة هيلاري كلينتون للقاهرة التي استقبلت الاحتجاجات بابتسامة ساحرة تساوي ملايين الدولارات.. والمثير للدهشة أن الليبراليين هم الذين يطالبون بوقف التمويل الأمريكي للاخوان, واعتقد أننا نتذكر زيارة جون ماكين رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي لمصر خلال الحملة الانتخابية.. عندما قام بمقابلة عمرو موسي وحده.. وقلنا وقتها إن واشنطن تؤيد عمرو موسي.. وعندما سئل حول أسباب عدم مقابلة محمد مرسي مرشح جماعة الاخوان, قال إن جدوله ووقته لم يسمحا بإجراء هذه المقابلة..السموم الامريكية ضد الاخوان بلغت حد اتهامهم بأنهم سيهدمون الأهرامات في تقرير خطير نشر بالشرق الأوسط منقولا عن النيويورك تايمز.

القضية التي تفرض نفسها اليوم وبعد انقضاء3 أسابيع من فترة رئاسته.. ليست في كيفية وصول الرئيس مرسي الي كرسي الرئاسة.. ولكن ماذا يواجه من تحديات وكيف استحدث اختصاصات شعبية جديدة لنفسه في ظل اختصاصاته الدستورية المنقوصة؟ وكيف تعامل مع إعلام الفتنة الذي تجاوز مرحلة التضليل الي مرحلة التخريب والتدمير؟

خطورة الرئيس مرسي بصراحة تكمن في أنه يشكل تهديدا مزدوجا.. هو أول رئيس مدني, وأول رئيس اسلامي منتخب في تاريخ العالم العربي يطرح قضية مصداقية الرئيس مع ربه ومع نفسه ومع شعبه.. ولأول مرة تعود الي الوجود كلمة القدوة المهجورة منذ قرون.. صحيح أنه يخوض صراعا علي السلطة.. لكنه الصراع النبيل الذي يستهدف انتزاع السلطة لتسليمها الي أصحابها مصدر السلطات وهو الشعب.. فهو لا يستهدف التكويش والانفراد اعتمادا علي القوة.. رئيس يدوس علي كرامته الرئاسية من أجل إرساء دولة القانون.. يوجه كلمة بمناسبة شهر رمضان مثلما يوجه كلمة بمناسبة ثورة32 يوليو.. يفتح باب طائرة الرئيس لمواطنة مصرية بعد أن نجح في تحريرها من السجن في السودان.. رئيس وضع أجندة جديدة للرئاسة في مصر.. لا للمواكب الرئاسية إلا قليلا.. لا حواجز مع المواطنين, يؤم الناس في الصلاة ويخطب بعد صلاة التراويح.. اعتذر بأدب للمشير الذي دعاه بكل كرم الي وجبة غداء تصادف أنها كانت يوم الاثنين فقال الرئيس: اعتذر لأنني أصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع.. ابتكر وسيلة جديدة للتواصل مع الناس من خلال برنامج يومي في الإذاعة المصرية طوال شهر رمضان: الشعب يسأل والرئيس يجيب.. قضيته الأساسية هي أنه لابد أن يشعر المواطن بأن الدولة خادمة له.. هو الذي تكفل بالرعاية الحصرية للحملة القومية من أجل وطن نظيف خال من القمامة.. وهي أشق مهمة يواجهها الرئيس وأشك في أنه يمكن أن يجعلها حقيقة علي أرض الواقع.. هو ليس درويش فهو في الأصل عالم تخرج في الجامعات الأمريكية واستفادت من أبحاثه وكالة ناسا للفضاء, هو ليس في حاجة الي حماية من أحد.. لا من الاخوان.. ولا حتي من المشير.. فهو يمتلك رصيدا شعبيا من القلوب وليس من الحناجر وأري أنه أصبح من الصعب اقتلاعه من قلوب الناس برغم كل المزاعم والأكاذيب التي تتهم الرجل بأنه يمعن في الاقتراب من الناس لتغطية ضعفه السياسي.. البعض عقد مقارنة بينه وبين الرئيس السادات وهو الرئيس المؤمن لدولة العلم والإيمان.. والحقيقة أن هناك فرقا.. فالسادات مستفتي عليه.. ومرسي منتخب من الشعب, السادات كان داعية سياسيا يرتدي ثوب الإسلام, ومرسي داعية إسلامي يرتدي ثوب الديمقراطية.. آخر شيء كان يمكن توقعه من إعلام الفتنة.. وهو الاعلام الذي قدم دروسا ونصائح غالية في كيف لا تبني الأمم, أن يصل به الأمر ليحكي سيناريوهات التخريب والهدم للدولة المصرية.. يقول بعض الكتاب إن الرئيس مرسي وجماعة الاخوان سيقومون بالتصعيد بأكثر من حشد الأنصار والقيام بمغامرة لانتزاع السلطة من المجلس العسكري يمكن أن تصل الي حد إصدار الرئيس مرسي قرارا بعزل جميع أعضاء المجلس العسكري.. ويتساءل الكاتب الوطني قائلا: ماذا لو توجه المشير الي وزارة الدفاع هل لدي رئيس الجمهورية من القوات التي تمكنه من الحيلولة دون دخول المشير الي وزارة الدفاع, ويتساءل سيادته قائلا: هل الشرطة المدنية سوف تلتزم بأوامر رئيس الجمهورية.. وينتهي الي القول إن الشرطة أضعف من أن تدخل في مواجهة مع القوات المسلحة.. اعتقد جازما أن المشير طنطاوي سوف يسخر ويجب أن يعلن أنه يسخر من هذه السيناريوهات التخريبية التي لا ترعي الله في الوطن..

ملحوظة..

بناء علي طلب الرئيس, التقي الدكتور مرسي بالكاتب الصحفي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي قال للصنداي تايمز البريطانية, إن مشكلات العالم الحديث بلغت حدا من التعقيد بحيث لن يتسني حلها بتفكير ديني يري الأمر إما أسود أو أبيض, أو جنة أو نار.. وطلب هيكل منح الفرصة للرئيس مرسي برغم اعتقاده أن النجاح لن يكون حليفه هو وجماعته.. ووصف الرئيس مرسي بأنه رجل طيب.. طيب جدا علي المستوي الشخصي لكنه ليس متيقنا من مدي معرفته بالعالم العربي والسياسة المصرية.. أنا لا اختلف مع أستاذي لكنني أري أنه إن فشل الرئيس سيكون لسبب وحيد وهو أنه فقد شرط الصلاحية وهو أن يكون فاسدا.

قد يعيقون مسيرتها لكنهم لن يئدوها

بقلم: د.أحمد الشوابكة عن السبيل الاردنية

ما مِن متابعٍ للشأن المصريّ يشكّ في أنّ ما حدث فيها كان ثورة بكل المقاييس ومشتملة على كافة ما قامت على أساسه الثورات في تاريخ الامم والشعوب. فالشعب المحتقن نتيجة تراكمات عقود من الزمن صمّم أن ينفض عن نفسه ركام الذلّ والتهميش، وحالة انعدام الوزن وفقد الإرادة، فقام بثورته الشعبيّة والسلميّة والتلقائيّة، لكن دون رؤية واضحة وبرنامج معروف.

إلاّ أن الشعب الطيّب بقياداته الوطنيّة المخلصة أحسنوا الظنّ بمن لا يستحقونه، أكثر مما يجب وإلى درجة اقترابها من حالة “غفلة الصالحين”، أحسن الظنّ بقيادات العهد البائد على مختلف أشكالها ومسمّياتها عسكرياً وقانونياً وإعلامياً وأمنياً وإداريّاً، ونظراً لقلة الخبرة والغياب الطويل عن الممارسة، ظنّت أن إسقاط الرأس كفيل بإسقاط النظام، وتناست قول الشاعر: “إن كنت شهماً فاتبع رأسّها الذّنب”، وخلال انشغال قوى الثورة بفرحة الانتصار والآمال المعلّقة على هذا الانجاز، كان النظام السابق بكلّ أجهزته وأركان دولته العميقة يعاونه كلُّ ذو مصلحة في الداخل ومن الخارج يعمد إلى أن يكون التغيير عند حدود الشكل ولا ينفذ إلى المضمون. ولا بأس بالتضحية بالرأس مع بقاء الجسم بعقله وعصبه وبأسوأ ممارساته وأشكاله.

فكرّس المجلس العسكري لنفسه كافة أركان السلطة بإعلانات دستورية يعدّها له مأجورون قانونيون، ويستند في كل قراراته إلى محكمة دستورية أُعدت لهذا الظرف، لا تكتفي بمجرّد التغطية القانونيّة الزائفة على إعلاناته، بل تعمد إلى كل إنجاز شعبي ثوري فتستأصله بافتئات صارخ على الثورة والقانون. كما فعلت بمجلس الشعب المنتخب وما تنوي فعله بمجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور.

هذا الاستنفار لأركان النظام السابق والدولة العميقة وحزب الفلول وأصحاب المصالح في الداخل ومن الخارج، لأن روحاً إسلاميّة انبعثت في المرحلة الجديدة ونكهة دينية اصطبغت بها مؤسسات العهد الجديد، مما لم يعهده العهد السابق وحلفاؤه في الداخل والخارج ولا يطيقون مجرد رؤيته وسماع صوته، فضلاً عن أن يتقبّلوا سياسته وقراراته.

ونظراً لما يشكله العهد الجديد بسماته الجديدة من فرصة لانكشاف زيف العهد البائد بكل رجالاته ومؤسساته وتعريته، وكشف سياساته وممارساته ومظاهر فساده وإفساده وتهديد كافة امتيازاته ومكتسباته واحتمالات محاسبته وتقرير مصيره ونهاياته. فلا غرابة في أن يستبق أركان النظام السابق الأمر، والاستماتة في توفير الحصانة والأمن بغطاء مادي وقانوني لأنفسهم وأجهزتهم. وتخدير الثائرين بالوقوف عند حد التغني بالثورة والإشادة ببطولة مفجّريها، والسماح ببعض الرموز الشكلية لمنجزاتها.

وقد غاب عن هؤلاء أنهم إن استطاعوا إعاقة مسيرة الثورة، وفرملة السرعة في اكتمال نصابها وتحقيق أهدافها بكثرة ما يضعون من عراقيل وألغام موقوته في طريقها، فهي وإن توقّفت للحظات فهي بمثابة استراحة المحارب لأخذ العبرة واستخلاص الدروس وإعادة الترتيب وصنع الأولويات.

فالثورة قبل أن تكون فعلاً أو ممارسة يمكن التحكّم بها وتوجيهها، فهي روح تسري في العروق والشرايين لابدّ أن تمضي في طريقها وتبلغ أهدافها ولو بعد حين.


إضغط هنا لتحميل الملف المرفق كاملاً