اقلام عربي 14/06/2014
في هــــــــــــذا الملف:
المصالحة الفلسطينية .. هل تعيد القضية المركزية إلى الواجهة؟
كلمة اليوم السعودية
المصالحة الفلسطينية: أبعاد إقليمية وآثار دولية
فادي الحسيني- القدس العربي
"إسرائيل" والمصالحة الفلسطينية
د . ناجي صادق شراب-الخليج الإماراتية
خوف إسرائيلي من الانعكاسات الاستراتيجية لسيطرة "داعش"
رندة حيدر-النهار اللبنانية
مرّة أخرى.. «داعش» هي ليست «داعش»!
طارق مصاروة-الرأي الأردنية
«داعش» في العراق: حرب أوكرانيا الثانية
نائل حريري- السفير اللبنانية
أمريكا وداعش والتتار
أكرم القصاص- اليوم السابع
العراق.. مرحبا بكم في جهنم
عبد الرحمن الراشد-الشرق الاوسط
تركيا والإنفتاح الإيراني المتجدد
د. صالح عبد الرحمن المانع-الشرق الأوسط
المصالحة الفلسطينية .. هل تعيد القضية المركزية إلى الواجهة؟
كلمة اليوم السعودية
أدت المقاطعة الطويلة بين فتح وحماس إلى إضعاف الموقف الفلسطيني، وتفرد إسرائيل في فرض سياسات الأمر الواقع، وزيادة جرعات الاستيطان، وقضم الأراضي الفلسطينية بشكل ممنهج، إلى جانب تضاؤل حضور القضية الأم على خارطة الهم السياسي القومي، وبقائها في حيز الخبر الثالث أو حتى الأخير في تقارير وكالات الأنباء ونشرات الأخبار.
بالتأكيد كان هنالك تأثير كبير للأحداث الدرامية التي نجمت عن ثورات ما يسمى بالربيع العربي، وتفاعلات القضية السورية الدامية في تحييد القضية المركزية بعض الشيء .. غير أن من المؤكد أن تمزق الصف الفلسطيني، ووجود حكومتين في وقت واحد، إحداهما في رام الله، والأخرى في غزة، وبأجندتين مختلفتين هو الأمر الذي ساهم في إضعاف الموقف الفلسطيني والعربي، وتنمر إسرائيل لفرض برامج حكومة التطرف بقيادة نتنياهو للحد من حضور هذه القضية، رغم كل الممارسات الاعتسافية التي تمارسها قوى الاحتلال.
الآن وبعد أن تم التوصل إلى اتفاق بين ذراعي السلطة فتح وحماس، ونرجو أن يكون الفصل الأخير في خلاف إخوة السلاح، وبعد وصول التفاهم بين الطرفين إلى تشكيل حكومة التكنوقراط التي باركها الجميع، هل يستوعب الأشقاء الفلسطينيون حجم الخسارات الكبرى التي تسبب بها خلافهم الطويل على صلب القضية، وفي المقابل حجم المكاسب التي حققتها إسرائيل من وراء تفرق الكلمة، ليعززوا حمايتهم لهذه الحكومة الناشئة إلى أن تتم استحقاقها الرئيس في تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، على أمل التوصل إلى ميثاق وطني يقطع الطريق أمام أي مقاطعة، ويضع الخلاف السياسي في إطاره الطبيعي للإبقاء على هذه القضية العادلة في الموقع الذي تستحقه، وإعادة الوهج لها كأبرز قضية عادلة في التاريخ الحديث، لا سيما وهي تجد الكثير من التعاطف الدولي بعد كل هذا الشتات الطويل، والصراع الدامي والمرير مع القوى الغاصبة التي استثمرت لعبة الوقت، مثلما استثمرت المفارقات بين الفصائل التي سمحت لبعض المتاجرين بهذه القضية من دول الإقليم وسواها لتمزيق الصف الفلسطيني، لإطالة أمدها لتظل على الدوام الورقة التي تجري المساومات حولها لتمرير الأجندات والاتفاقات المختلفة.
لا أحد يشك بالتأكيد أن الأخوة الفلسطينيين يدركون كل هذا، ويدركون ما هو أكثر، لكن انغماس البعض في الأوراق الإقليمية وارتهانهم مقابل بعض المعونات، هو ما فتح هذه النافذة على مستنقع الخلاف، ما ينبغي معه الآن، وبعد هذه المصالحة المباركة أن يستجيب الأشقاء لدعوات المخلصين من أبناء الأمة وفي طليعتهم المملكة ومصر للحفاظ على وحدة الموقف، والنأي بالقضية المركزية عن العبث والمزايدات والاستعمال الوقتي من قبل أطراف كانت إلى وقت قريب تتعامل مع الغريم، وتتبادل معه المنافع والمصالح، قبل أن تجد ضالتها فيها مجددا لتستخدمها من أجل ملفات أخرى، هي بأمس الحاجة اليوم لتمريرها مع المجتمع الدولي الذي يريد أن يحول بينها وبين نواياها التوسعية.
وليس هنالك بالتأكيد ما هو أفضل من هذا التوقيت لاستعادة الوهج لهذه القضية، بعدما استردت مصر جزءا من عافيتها السياسية بانتخاب فخامة الرئيس السيسي، والتقائه سياسيا مع المملكة ودول الخليج التي وقفت إلى جانب مصر في محنتها، للحصول مجددا على المصل الذي يزيل ما علق بجسد هذه القضية من علل لتفرض ذاتها على كل المحافل باتجاه الطريق إلى الحل العادل.
المصالحة الفلسطينية: أبعاد إقليمية وآثار دولية
فادي الحسيني- القدس العربي
ما أن دشنت المصالحة الفلسطينية طريق اندمال جرح نازف منذ سنين، تمايزت الأصوات في الداخل الفلسطيني بين متفائل ومتشائم، بين واثق ومشكك، وبين مستفيد وغير مستفيد. ولكن، الأمر المؤكد هو أن المصالحة الفلسطينية، بمنتوجها المتثمل بحكومة الوفاق طوت صفحة أليمة من تاريخ الشعب الفلسطيني، ونحت جانباً عاملاً اعتبر من أكثر ما ألحق الأذى بقضية الشعب الفلسطيني ومصداقية نضاله التاريخي. وبعيداً عن أي أبعاد داخلية، شقت المصالحة الفلسطينية صحيفة الأمر الواقع، ليس فقط في الإقليم والمنطقة، بل على مستوى العالم أجمع.
جاءت المصالحة بعد سنوات من المحاولات، وتركت محاولة مصر- المسؤولة عن ملف المصالحة، ومحاولات كل من السعودية وقطر وتركيا وغيرها، بصمة، سهلت- ولو قليلاً- من المحاولات التالية، وصولاً لاتفاق الشاطئ الذي جاء كمحصلة لجميع المحاولات السابقة.
إسرائيل، أرادت وسهلت ودعمت الانقسام، بل ودفعت خلال السبع سنوات الماضية في سبيل تكريس انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية، سياسياً وجغرافياً. الرد الإسرائيلي لم يكن مفاجئاً، والإعلان عن بناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانية لم يتعد حدود التوقع، أما إن كان الحديث عن ضم أجزاء من الضفة الغربية (أراضي مناطق c) هو أقصى ما تستطيع إسرائيل فعله في سبيل التنفيس عن غضبها، فإن صاحب هذا القرار «إن اتخذ» يعلم كل العلم أن سياسة الضم هذه ولّى زمانها، ولن يتكرر ما حدث في السابق مطلقاً. إسرائيل راهنت بكل ثقلها على استمرار الانقسام، ورأت فيه مخرجاً مقنعاً عند الاقتراب من أي تسوية، فتذرعت بخضوع قطاع غزة لسيطرة حماس تارة، وبعدم القدرة على بسط السيطرة أو تطبيق أي مخرجات عن اتفاق مع القيادة الفلسطينية على كافة الأراضي الفلسطينية تارة أخرى، وكانت دوماً تدفع في اتجاه استقلال سياسي لقطاع غزة عن باقي الأرض الفلسطينية، ما كان سيعتبر صفعة قاســـية لأي جهود سياسية تتعلق بحل عادل موحد للقضية الفلسطينية.
صدمت المصالحة قادة إسرائيل، بعد أن ظنوا أن هذه الجهود الأخيرة لن تتعدى نتائجها الجهود السابقة، فلم تمانع مطلقاً بزيارة ممثلي فتح والقيادة الفلسطينية لقطاع غزة، حتى لا تظهر وكأنها المعطل، ولكن ما أن تم تدشين المصالحة، كشفت إسرائيل عن وجهها الحقيقي، فلم تمنع فقط تنقل وزراء قطاع غزة لحفل اليمين أمام الرئيس الفلسطيني في رام الله، بل شددت عقوباتها بإلغاء بطاقات التنقل الخاصة لجميع المسؤولين الفلسطينيين.
يمكن القول ان المصالحة وضعت حداً لأوهام قادة إسرائيل الذين ظنوا أن الانقسام سيدوم طويلاً، وسيبقى مخرجاً يمكن استغلاله عند الحاجة. صعوبة المصالحة هذه تحسسها البعض في إسرائيل، فكتب الكاتب الأمريكي الإسرائيلي ألون بن مائير، أن المصالحة هذه ستزيد من عزلة إسرائيل ونتيناهو دولياً، داعياً جميع الأحزاب الإسرائيلية للتحرك من أجل وقف عزلة إسرائيل بسبب سياسات نتنياهو ورفاقه.
وبالفعل، لم يجانب هذا الكاتب الصواب، فبعد أن كانت قرارات ومواقف إسرائيل تحظى بالدعم الدولي، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، باتت الأمور مختلفة كثيراً الآن، فباركت معظم دول العالم المصالحة الفلسطينية، وقررت التعامل مع حكومة الوفاق.
أوروبياً، شكل موقف الاتحاد الأوروبي، الذي تمثل في بيان باركت فيه كاثرين أشتون حكومة الوفاق الفلسطينية، استمراراً لاتساع الفجوة في المواقف الأوروبية الإسرائيلية، كما أن التعقيب الأوروبي على إعلان إسرائيل «العقابي» ببناء وحدات استيطانية بعقوبات أوروبية على منتجات المستوطنات، يُعتبر نصراً جديدا، يُسجل للدبلوماسية الفلسطينية، التي حققت نصراً تلو آخر في الفترة الأخيرة.
أما الموقف الأمريكي، فنقل آثار المصالحة الفلسطينية لتأخذ بعداً عالمياً، تعدى حدود الإقليم والداخل الفلسطيني، فكان الموقف الأمريكي الأكثر تقدماً، حيث بدت الهوة بين المواقف الأوروبية والأمريكية حيال القضية الفلسطينية أكثر قرباً مما مضى، فتشابه كثيراً التصريح الأمريكي مع البيان الأوروبي المرحب بالمصالحة، والمراقب للخطوات المقبلة لحكومة الوفاق الفلسطينية.
هذا التطور يعتبر نصراً، وخطوة مهمة يجب أن يُبنى عليها، خاصة أن كلا الطرفين (الأمريكي والأوروبي) انتقدا تصريحات إسرائيل المناوئة لحكومة الوفاق، وما تبعها من تهديد ووعيد. قد يعتقد البعض أن الموقف الأمريكي لم يتغير كثيراً، ولكن بنظرة خاطفة للمواقف الأمريكية السابقة، نرى أن مجرد القبول الأمريكي بفكرة حكومة وفاق بدعم وتأييد حركة حماس، كان ضربا من ضروب المستحيل. هذا التطور أخذ سنوات طويلة من العمل، وقد نحتاج لسنوات أخرى من أجل تحقيق اختراق مشابه يضع إسرائــيل في وحدة أكبر وأشد وطــــأة تجعلــها تحس بثمن عدم إنهاء هذا الصراع من الجانب الفلسطيني.
إقليمياً، يمكن القول ان عددا من الظروف الإقليمية سهلت هذه المصالحة، فتنحي القوة الإسلامية عن الحكم في تونس طوعاً، وفي مصر قسراً، إضافة لتطور الأحداث في سوريا، وما لحقها من تطورات في لبنان، دفعت الفرقاء الفلسطينيين لإعادة النظر في سياساتهم الداخلية. تعتبر هذه الظروف الجانب الإيجابي من أحداث الربيع العربي، التي دفعت الفلسطينيين لتوحيد جهودهم من أجل إعادة تماسك البنية الداخلية أمام هذه التحديات الكبيرة، بعد أن أصيبت القضية الفلسطينية بنكسة تلو نكبة منذ اندلاع أحداث الربيع العربي، حيث ضعفت القوى العربية الداعمة تاريخياً للقضية الفلسطينية، وتشتت انتباه العرب قبل الغرب بعيداً عن القضية وعن ممارسات إسرائيل تجاه البشر والحجر في فلسطين.
ما زال الأمل في أن تحمل السنوات المقبلة نتائج أكبر أثراً وأكثر أهمية للربيع العربي على القضية الفلسطينية، فالحراك الديمقراطي في الوطن العربي سينتج بلا شك قيادات أكثر نضجاً وانتماء لقضايا العرب، التي تأتي القضية الفلسطينية في مقدمتها، فما أن سهلت بريطانيا دخول اليهود لأرض فلسطين، باتت القضية الفلسطينية رمزاً للخيانة الغربية لجهود العرب التحررية المتمثلة في الثورة العربية الكبرى، التي لحقها تقسيم بلاد العرب بين الإنكليز والفرنسيين في اتفاق سايكس بيكو.
ومع كل هذا، تبقى المصالحة الفلسطينية غير منيعة بما يكفي أمام عواصف التحديات. يأتي ملفا الأمن والمال على رأس هذه التحديات، فبعد سبع سنوات من الانقسام، خُلق واقع أمني مختلف بكافة تفاصيله في بقعتي الوطن، ويظل منتفعون هنا وهناك من الانقسام قد يعملون على تخريب أي اتفاق أو بسط الأمن. أمًا سبل تأمين أموال لدفع أجور الموظفين المعينين من حركة حماس في قطاع غزة، فيعتبر تحديا آخر، كما أنه ومع استمرار اقتصاد يعتمد بشكل رئيس على الخارج، يضاف ارتفاع فاتورة النفقات العامة التي يأتي على رأسها الجسم الحكومي المتضخم، والعجز المتوقع في حال فرضت إسرائيل عقوبات اقتصادية أو في حال تخلف أي بلد داعم عن دفع التزاماته، إلى قائمة التحديات المالية.
ولكن يجب على جميع الفرقاء عند هذه اللحظات الدقيقة تحديد حجم المخاطرة والخسائر الجمة في حال أًفشلت هذه المصالحة مرة جديدة، فبعد أن حققنا اختراقات كبيرة على مستوى الإقليم والعالم، وبعد أن خطونا خطوة مهمة للأمام، بات خيار التراجع غير مقبول، بل ومرفوضا.
"إسرائيل" والمصالحة الفلسطينية
د . ناجي صادق شراب-الخليج الإماراتية
لم تفاجأ "إسرائيل" بالمصالحة الفلسطينية، لأنها تدرك أن المصالحة هي الخيار الفلسطيني الحتمي، وأن الفلسطينيين مهما اختلفوا وتنازعوا على الحكم والسلطة، ومهما اختلفت خياراتهم وتفضيلاتهم السياسية، إلا أنهم كلهم موحدون حول هدف واحد ونهائي، وهو إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" بكل الوسائل المشروعة التي أقرتها القوانين الدولية التي تعطي الحق لكل الشعوب المحتلة في أن تناضل بالمقاومة والمفاوضات وبالمقاطعة السياسية والاقتصادية للتحرر من أبغض شكل من أشكال انتهاك الحقوق الإنسانية وهو الاحتلال .
وتدرك "إسرائيل" أن المصالحة هي أقرب الطرق وأقصرها لإنهاء الاحتلال، ولكشف حقيقة الموقف "الإسرائيلي" من السلام والمفاوضات، ومن قضايا الديمقراطية . ومعادلة العلاقات بين "إسرائيل" والفلسطينيين بسيطة وواضحة، ف"إسرائيل" تريد أن تصوّر الحالة الفلسطينية أنها ليست حالة نضال وتحرر إنساني، وأن الفلسطينيين ليسوا شعباً، ولكنهم مجرد رقم سكاني، وتريد أن تلصق بهم صفة الإرهاب والعنف، واللاديمقراطية، وأنهم شعب غير متحضر، لا يستحقون دولة . وعندما قبل الفلسطينيون خيار التفاوض والسلام، وجدت "إسرائيل" نفسها في مأزق، فهي لا تريد السلام لأن له سقفاً محدداً، وهو قيام الدولة الفلسطينية، ويعني إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، وعليها أن تبحث عن صيغة جديدة للتعامل معهم .
الفلسطينيون ورغم خسارتهم من المفاوضات، لكنهم بلا شك كسبوا الكثير، ووضعوا "إسرائيل" في مأزق، لأن القوة لا تحقق السلام، إنما هدفها العدوان والتوسع والضم، ورفض الاعتراف بحقوق الغير .
ولعدم قبولها بمفهوم الدولة الفلسطينية، بدأت تتهم السلطة الفلسطينية أولاً في عهد الرئيس عرفات بأنه ليس شريكاً للسلام، ووصلت إلى حد محاصرته ثم اغتياله .
وعندما جاء الرئيس عباس وسار على النهج نفسه، لم تجد "إسرائيل" أفضل من خيار التمهيد للانقسام الفلسطيني، فقامت بخيار الانسحاب الأحادي الذي وإن كان للمقاومة فضل فيه، إلا أن هدفها كان فصل غزة عن الضفة الغربية، وحتى يتم هذا الخيار شجعت على الانقسام إلى أن وصلت الأمور إلى سيطرة حماس على غزة، وكانت "إسرائيل" المستفيد الوحيد منه، ووظفته توظيفاً سياسياً بما يخدم أهدافها، وقادت حملة إعلامية بزعم أن الرئيس عباس ليس رئيساً شرعياً، ولا يملك قراره على الأراضي الفلسطينية كافة .
والحقيقة أن هدف "إسرائيل" من هذا الانقسام هو ضرب خيار الدولة الفلسطينية الواحدة، وإحياء مشاريع صهيونية قديمة برمي غزة في حضن مصر، وبرمي الضفة الغربية في حضن الأردن، والعمل على إحياء خيار الوطن البديل في الأردن وكان همّها الوحيد أن تبقى غزة تحت السيطرة الأمنية، وألا تشكل تهديداً لأمنها، ولذا قامت بشن حربين على غزة لضرب بنية المقاومة التحتية، بهدف الوصول إلى هدنة شبه دائمة، وكان هذا هدفاً واضحاً من حرب غزة الثانية وفوز الإخوان بالحكم، فأرادت أن تستفيد من ذلك، ونجحت في انتزاع هدنة، وعندما خسر الإخوان الحكم، وبرز الدور المصري الجديد، بدأت "إسرائيل" تسعى لضرب كل الخيارات الفلسطينية، وإفشال المفاوضات، فما كان من السلطة والرئاسة الفلسطينية إلا الذهاب لخيار تفعيل الشرعية الدولية بانضمام فلسطين لعدد من المعاهدات الدولية، وهذا ما يقلق "إسرائيل" كثيراً، وهي الساحة التي لا ترغب أن تجد نفسها في مواجهة مع الفلسطينيين، لأنها ستكون الطرف الخاسر فيها، ولذلك وقفت وبشدة أمام أي تحرك فلسطيني نحو المصالحة .
وإدراكاً من الفلسطينيين لخطورة ما تريده "إسرائيل" وصلوا إلى قناعة سياسية بأنه لا اكتمال لخيار الدولة الواحدة، ولا نجاح لخيار تفعيل الشرعية الدولية من دون إنهاء الانقسام، وهو ما توج بإعلان حكومة التوافق، وكانت "إسرائيل" أول المنتقدين والمعارضين، وخيرت عباس بين المفاوضات وحماس، وبدأت بفرض عقوبات مالية، والتهديد بالخيار العسكري، والذي زاد "إسرائيل" قلقاً أن الحكومة جاءت لتؤكد على برنامج الرئيس السلمي، وهو ما نزع من "إسرائيل" كل الأوراق، ودفع الولايات المتحدة وأوروبا للتعامل مع الحكومة الجديدة، وهكذا تجد "إسرائيل" نفسها وحيدة للتعامل مع هذه الحكومة وتسعى لإجهاضها، تارة بالتهديد بورقة الانتخابات، وبعدم إجرائها في القدس، ثم التهديد بالعقوبات المالية .
وتبقى الورقة الأخيرة في يد "إسرائيل" وهي الخيار العسكري وخصوصاً في اتجاه غزة، أو اغتيال شخصية قيادية كبيرة .
المهم أخيراً أن يعرف الفلسطينيون كيف يفشلون خيارات "إسرائيل"، وأن تبقى المصالحة أولوية عليا لا يجوز أن يسبقها أي خيار آخر .
خوف إسرائيلي من الانعكاسات الاستراتيجية لسيطرة "داعش"
رندة حيدر-النهار اللبنانية
كان لسيطرة "داعش" على مدينة الموصل العراقية وقع الصاعقة في الاوساط الإسرائيلية، وسط اجماع المعلقين الإسرائيليين على ان التوسع الجغرافي لهذا التنظيم الإسلامي المتشدد المنبثق من "القاعدة" يشكل خطراً حقيقياً على امن إسرائيل، ويهدد الى حد كبير استقرار الأردن الذي له اهمية كبيرة بالنسبة الى إسرائيل، ومن شأنه أن ينعكس على الحرب الاهلية في سوريا والوضع القائم في هضبة الجولان، وان يفتح الباب على مصراعيه امام مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط.
حرب خليج ثالثة
ففي صحيفة "يديعوت أحرونوت" وصف بن درور يماني ما حصل في العراق بأنه "حرب الخليج الثالثة" واعتبر أن التطورات الاخيرة هناك تحتم على إسرائيل اعادة التفكير في الشرق الأوسط الجديد الذي بدأ يتبلور امام ناظريها، وخصوصاً في ظل نشوء كيان سياسي جديد في العراق اخطر بكثر من الكيان الفلسطيني الموحد. وأبدى الكاتب تخوفه الكبير من توسع الكيان الجديد نحو الأردن، ولاحظ انه للمرة الأولى تبرز مصلحة مشتركة تجمع بين "حزب الله" والأردن والعراق وإسرائيل ألا وهي وقف تقدم "داعش".
وفي صحيفة "هآرتس" رأى المعلق عاموس هرئيل ان التطورات الاخيرة في العراق أوجدت مصلحة مشتركة بين الأميركيين والإيرانيين هي التصدي لخطر "داعش"، وكتب: "آخر شيء يمكن ان ترغب فيه إيران على حدودها الغربية هو دولة شريعة سنية تابعة لمدرسة بن لادن، كذلك ليس للولايات المتحدة اي مصلحة في ذلك". واعتبر الكاتب انه على إسرائيل تركيز جهودها حالياً على ثلاث نقاط اساسية: تعزيز قوة الأردن والمساهمة في صمود العائلة المالكة؛ الاستعداد لمواجهة مفاجآت غير متوقعة بسبب التطور السريع للاحداث مثل حصول هجمات لفصائل "القاعدة" في منطقة هضبة الجولان عليها، وعلى رغم أن هذه الفصائل مشغولة بالقتال ضد الأسد و"حزب الله"؛ أما النقطة الثالثة فتتعلق بطبيعة الترتيبات الأمنية التي يتركها وراءهم الأميركيون. فانهيار الجيش العراقي هو الحادثة الثانية من نوعها لقوات عربية دربها وسلحها الأميركيون في السنوات الاخيرة. فقد سبق ذلك انهيار القوات الامنية للسلطة الفلسطينية في حزيران 2007 وفرارها من غزة تحت وطأة الهجوم الذي شنته "حماس".
تقاطع مصالح
وفي مقالة عنوانها "الانعكاسات الاستراتيجية لانهيار العراق" صادرة عن "معهد دراسات الأمن القومي"، توقف عوديد عيران ويوآل غوزنسكي امام التقاطع المثير للمصالح الذي أوجدته سيطرة "داعش" على وسط العراق، فكتبا: "من الامور المثيرة للسخرية ان جميع الدول المجاورة للعراق تجد نفسها ضمن حلف غير رسمي، ولكل دولة اسبابها ومخاوفها. فإيران تتخوف من سقوط مدن شيعية مهمة في يد الدولة الإسلامية مثل النجف وكربلاء، وتركيا تخاف من تسلل العناصر الإسلامية المتشددة من سوريا الى اراضيها، والأردن الذي يغرق في أزمة النازحين السوريين، يخاف على حدوده مع العراق القريبة من مناطق سيطرة الدولة الإسلامية، وكذلك دول الخليج". ويتساءل كاتبا المقالة عن احتمال ان يكون الأميركيون والإيرانيون قد تطرقوا الى موضوع العراق في المحادثات الثنائية التي جرت بينهما، وعن احتمال نشوء تعاون أميركي- إيراني في اي مسعى أميركي للتدخل في العراق وكبح تقدم "داعش" ليستنتجا ان "مشاركة إيران غير ممكنة من دون التطرق الى دورها في سوريا وتعاونها مع حزب الله. والتعاون مع إيران في العراق مرتبط بمشاكل كثيرة".
وتخلص المقالة الى ان "لإسرائيل مصلحة كبيرة في محاربة تمركز الدولة الإسلامية في أي منطقة من الشرق الأوسط حتى لو كان هذا التنظيم لا يوجه عملياته ضد إسرائيل إلا ان توسعه الجغرافي يشكل خطراً أمنياً عليها". كما يلفت الكاتبان الانتباه الى انعكاسات سيطرة "داعش" فترة طويلة على المناطق النفطية في العراق وتأثير ذلك على اسعار النفط مستقبلاً.
وفي رأي عدد لا يستهان به من المعلقين الإسرائيليين ان انهيار الجيش العراقي وتفكك الدولة هما الدرجة الاولى دليل على الفشل الأميركي الذريع في العراق وفي التعامل مع مشاكل الشرق الأوسط بصورة عامة، وفي رأيهم ان هذا يؤكد صواب المواقف الإسرائيلية المتشددة الرافضة لحل الدولتين لشعبين الذي ترعاه الولايات المتحدة.
مرّة أخرى.. «داعش» هي ليست «داعش»!
طارق مصاروة-الرأي الأردنية
ما تزال الإدارة الأميركية تتحدث عن «القاعدة» حين تتحدث عن احداث العراق المتفاقمة. فالإدارة ما تزال منذ البداية تلهث وراء معرفة ما يجري في العراق حتى.. بعد احتلاله!!.
الذي لا يحب أحد في المنطقة معرفته هو ما جرى بعد اجتياح الموصل وتكريت وجلولاء، فلا أحد يريد أن يعرف عن المجلس العسكري في نينوى وتكريت، ولا عن محافظيه من كبار ضباط الجيش العراقي،.. ولم يتنبه أحد إلى الصور التي ارتفعت على المباني الرسمية.. ولا لغة «بيانات الثورة». ولعل الطرفين الأميركي والإيراني هما الأكثر تجاهلاً:
- فأميركا اخطأت حين شنت حربها على العراق واخطأت حين احتلته، واخطأت في إدارته واخطأت في انسحابها منه.
- والعقلية الإيرانية المتخلفة اعتقدت أنها ستكون الرابح من أخطاء الأميركيين. وأنها ستكسب عراقاً شيعياً، يمتد من راوندوز الى البحر المتوسط. وحين انسحب المندوب السامي الأميركي، حل محله الجنرال سليماني.
- والآن تبلغ الحيرة بطهران إلى حد دعوة الحوار الإقليمي: تركيا والسعودية ودول الخليج والعالم للتدخل في العراق، وتخليصه من: مجرمي الإرهاب!! اي انها لا تريد مد اصبعها في الجمر العراقي!
- كنا نقول امس واول امس: إن داعش ليست داعش التي كنا نتابعها في الاحداث السورية، أو في الأنبار العراقية فداعش الآن:
- هي سنّة العراق المهمشون.
- وهي رجال الجيش العراقي الذي حلّه بريمر، ورجال الأمن والمخابرات، وتنظيمات حزب البعث!.
- وهي العراقيون الذين يرفضون بغض النظر عن الطائفة، هيمنة إيران على بلدهم.
- وهي مادة النهوض العراقي من الدولة الفاشلة الفاسدة!
.. إذن هي ليست داعش، وليست «القاعدة»، وإنما اختار كل هؤلاء أن تبقى الواجهة الخادعة كما هي. وإلا فهل يصدق أحد أن سبعمائة مقاتل يستطيعون احتلال مدينة كبرى كالموصل - مليوني ساكن - ترابط فيها فرقة من الجيش العراقي؟!. وهل يصدق أحد أن يسقط ثلث العراق خلال أربعة أيام وتصل مجموعات مسلحة إلى جلولاء التي يبدأ منها طوق بغداد؟!
من المؤكد أن مجلس الشعب الجديد لن ينعقد هذا الأسبوع. وأن البحث في رئاسة ثالثة للمالكي لم تعد مطروحة. وأن المحافظة الثائرة منذ سنوات - الأنبار - ستتحرك بعشائرها وبجيشها القديم المنصور في اتجاه بغداد خلال أيام فالعراق الشعب لن يحتمل اكثر مما احتمل، والذين يحسبون ان نوري المالكي يمكن أن يكون نوري الباني يخطئون الحسابات. فنوري السعيد ورهطه العظماء اقاموا مع فيصل الأول دولة عظيمة من قلب الفوضى، ورغماً عن الاحتلال، وعن أطماع دول الجوار بأطرافه!
نكتب بتفاؤل، لا لأننا مع داعش، وإنما لأننا مع الشعب العراقي وخياراته. ونحن أول من قال: إن داعش التي نعرفها ليست هذا التحرك الكبير والخطير الذي بدأ يغيّر الصورة. ويعيد العراق الأمل في دولة محترمة قوية تعيد لشعبها خيراته وكرامته!
«داعش» في العراق: حرب أوكرانيا الثانية
نائل حريري- السفير اللبنانية
ما زلنا نحتفظ في ذاكرتنا بمشهد مدينة بغداد وهي تنهار بلا أدنى مقاومة في التاسع من حزيران العام 2003، ومشهد آخر لمدينة الرقة السورية وهي تسلم تسليماً إلى كل من «حركة أحرار الشام» و«جبهة النصرة» ومنها إلى تنظيم «داعش» بالدرجة نفسها من اللامبالاة. تتكامل الصور مع مشهد الجيش العراقي وهو ينسحب من مدينة الموصل باتجاه إقليم كردستان العراق، بالتزامن مع أوامر بقصف المدينة جواً، وطلب من البرلمان العراقي إعلان حالة الطوارئ في البلاد. إلا أن البرلمان فشل في عقد جلسة لذلك.
كان ذلك متوقعاً، فالعراق يكاد يكون النموذج الأكثر تطابقاً مع سوريا، حيث يعمل تنظيم «داعش» في أماكن متفرقة، بالتوازي مع ثورة شعبية انطلقت بشكلها الأوضح من الأنبار ومنحت غطاء سياسياً في بدايات هذا العام لبدء معارك «كسر العظم» بين العشائر والتنظيم الوليد، في حين أن قوات المالكي نأت بنفسها تماماً كما فعل النظام السوري، منتظرة استمرار تصفية الأطراف في ما بينها، ومكتفية بالقصف الجوي عن بعد (الذي نستطيع الآن الجزم بأنه لم يكن يستهدف تنظيم «داعش» على الإطلاق ولم يؤد إلى أي انحسار للسلطة الداعشية). كان الهم الأكبر للمالكي آنذاك هو الحصول على التفويض الشعبي على الطريقة السورية «للضرب بيد من حديد»، وكانت العشائر العراقية تعيش النموذج السوري ذاته، حيث تحارب على جبهتين في آن واحد: تنظيم «داعش» من جهة، وقوات المالكي من جهة أخرى. بالنسبة للمالكي نفسه كان الطرفان محصورين في خانة واحدة باعتبارهما يمثلان «المتمردين السنة» في وجه «السلطة الشيعية»، لذلك لم يعرض أبداً أي صيغة من صيغ التحالف أو التعاون مع هذه العشائر ضد داعش موقتاً بانتظار أي تسوية سياسية لاحقة، وفضل تسويق المسألة على أنها خطر «داعشي» في الأعين الإعلامية، بغض النظر عن وجود أطراف أخرى سوى داعش تم إجمالها ضمن صورة الإرهاب المتمدد بناء على خلفيتها الإسلامية السنية.
ويبدو أن توقيت الحدث ليس أقل تشكيكاً من الحدث ذاته، إذ يجتمع البرلمان العراقي يوم الخميس ـ قبل انتهاء انعقاد دورته بأيام ثلاثة ـ لإقرار فرض حالة الطوارئ التي قد تغير من وجه العراق لفترة قادمة، وهو الأمر الذي يعني استغلال المالكي آخر أنفاس البرلمان في الحصول على التفويض الذي لطالما سعى إليه منذ أشهر. ولا يمكن التعويل على أن فرض حالة الطوارئ هو العنصر الأهم في الحرب ضد داعش، إذ إن هذه القوات لم تكن تنتظر الغطاء القانوني طيلة الأشهر الماضية التي قامت فيها باستهداف مناطق عدة كانت على رأسها الأنبار والفلوجة والرمادي، بل قد تكون أهم البنود التي يتضمنها النص المزمع إقراره في نص قانون الطوارئ متعلقة بإعادة تفعيل قرار مجلس الأمن 1546 العام 2004 الذي يندرج تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، وينص على الاستعانة بقوات متعددة الجنسيات تعمل بالتعاون مع السلطة المتمثلة بالحكومة الموقتة آنذاك، مع تعديل بسيط هو أن إعلان حالة الطوارئ سيضع السلطة بأكملها في يد رئيس الحكومة، بدلاً من سلطة الحكومة الموقتة. إنها عودة صريحة إلى عراق 2004 الموقت، وليست على الإطلاق عودة للسيادة كما تدعي الحكومة العراقية.
وبغض النظر عن إقرار البرلمان فرض حالة الطوارئ، فإن الأحداث الحالية لن تسير بالعراق في اتجاه فرض سطوة وهيبة العراق واستقلال قراره في محاربة الإرهاب كما يحاول إعلام السلطة في العراق تصوير المسألة، بل إن ذلك سيسير بالاتجاه المعاكس تماماً، خصوصاً مع موقع إيران من المعادلة وأنباء عن عرضها تقديم الدعم اللازم لمكافحة الإرهاب على الأراضي العراقية. سيفرض هذا الواقع بلا أدنى شك نموذجين اثنين لا ثالث لهما: إما النموذج السوري الذي يتضمن انخراط قوات إيرانية غير رسمية في الحرب على أرض العراق كما هو حال الكتائب المتفرقة في سوريا وعلى رأسها لواء أبي الفضل العباس، أو النموذج الأوكراني الذي يتضمن دخولاً رسمياً لجيش الدولة الإيرانية لفرض احتلال على المناطق الحدودية، والتبرير بضرورة حماية الشريط الشرقي ذي الأغلبية الشيعية من محافظات العمارة والناصرية جنوباً حتى واسط وبابل وكربلاء شمالاً وصولاً إلى النجف، خصوصاً إذا تطورت المؤشرات باتجاه انتقال التوتر بشكل متسارع متجاوزاً محافظة صلاح الدين ـ حيث توجد «داعش» حالياً ـ إلى محافظة بغداد المجاورة لها، حيث تقف على حدود المحافظات ذات الأغلبية الشيعية، الأمر الذي سيخلق المبرر الأكيد لإيران في تدخلها العسكري، ويؤسس في الوقت نفسه لتحويل المسألة من حرب ضد «داعش» أو ضد الإرهاب إلى حرب طائفية سافرة تعتمد سياسة أساسية هي الحفاظ على توتر الحرب واختناقها في المحافظات ذات الأغلبية السنية، وعند هذه النقطة فقط تتوضح تماماً أهمية إقرار حالة الطوارئ في البلاد بالنسبة للمالكي في تلك المحافظات.
مرة أخرى تثبت «داعـش» أنـها ورقـة رابحـة عابـرة للحدود، وهذه هي النقطة الأهم والكبرى التي جعلت منها تهديداً يفوق «جبهة النصرة» والتنظيمات الجهادية الأخرى في سوريـا، وجذبت أنـظار المجتـمع الدولي في فتـرة قياسـية اعتـماداً على أن أولويته الوحيدة كانت «احتواء الحرب داخلياً» دون تفكير جدي في إنهائها بأي وسيلة سياسية. لقد استغلت دول إقليمية عديدة ملف «داعش» لتبييض صورتها في أحداث كانون الثاني الماضي وجمع كتائبها المخـتلفة تحت لواء مكافحـة الإرهاب الداعشي (بما فيها جبهة «النصرة» ذاتها)، لكن ثمة أطرافاً مقابلة ليست عاجزة عن ممارسة اللعـبة ذاتها بالاتجاه المعاكس، واستخدام الحرب على «داعش» كغطاء لأوراقهـا السياسـية على طاولـة التفاوض القادمة، التي لن تكون كطاولة «جنـيف 2» ولن تسمح بالتعامل مع ملف الشرق الأوسط عبر إحياء تلك المسارات المنقرضة. لن تكون «الهـزة» التي يتلقاها المجتمع الدولي في العراق أقل فداحة وضرراً للجهود السياسيـة مـن الهـزة التي تلقـاها من قبل في أوكرانيا، ومن الآن فصاعـداً ثمة واقع جديد لم يكن ليتشكل لولا «اللامبالاة» التي كرسها المجتمع الدولي تجاه قضايا الشرق الأوسط في المقام الأول.
أمريكا وداعش والتتار
أكرم القصاص- اليوم السابع
كان سؤال الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر: لماذا يكرهوننا؟ يقصدون العرب والمسلمين، كانت أمريكا تعلن أنها ضد التسلط والإرهاب.. ولم تكن الشعوب تصدق، بل كانت تعرف أن غزو أفغانستان ليس من أجل مواجهة الإرهاب، فقد كانت أمريكا هى من رعت الإرهاب وزرعته لمواجهة الاتحاد السوفيتى فى الحرب الباردة، ثم تركت القاعدة وبن لادن حتى استيقظت على أحداث 11 سبتمبر.
الولايات المتحدة سعت لإزالة نظام صدام حسين لأنها ترى العراق خطرا، عليها وليس لأنه ديكتاتور، فقد تقبلت ديكتاتوريته ودعمته فى مواجهة إيران، ثم سعت لغزو العراق وتفكيك الدولة بزعم وجود أسلحة الدمار الشامل، ولم تعثر عليها، فاخترعت الديمقراطية وتحرير الشعب العراقى، وزرعت دستورا طائفيا فى العراق، برعاية بول برايمر، فككت الجيش والمؤسسات، وغادرت بعد أن نشرت الفوضى، وبدلا من نظام واحد متسلط خلفت وراءها الطائفية والصراع.
اليوم تجتاح جماعات داعش العراق مثل التتار والمغول، يحرقون ويذبحون وتنسحب أمامهم قوات الجيش، وتقف العشائر متشككة ترفض تدعيم حكومة نورى المالكى، الذى فشل فى الحصول على موافقة البرلمان لفرض الطوارئ.
داعش ليست مجرد جماعات إرهابية، لكنها تنظيم على علاقات واسعة بأجهزة مخابرات ودول، تمنحه التمويل والأسلحة الحديثة. وهو تنظيم ركب على الربيع العربى، وساهم فى إضاعة نتائجه، لصالح فوضى تبدو مقصودة.
وفى مصر كانت هناك بوادر لظهور هذا التنظيم فى سيناء، وتم استقدام إرهابيين من دول العالم، مع العناصر التى تم إطلاقها من السجون، لتمثل نواة لقوات كانت فى طريقها للنمو. لكن الجيش سارع بمواجهة ذلك مبكرا، مدركا حجم الخطر. وربما يكشف النقاب يوما عن حجم التنظيمات التى كانت تستعد للتوسع فى سيناء، استعدادا للزحف بعد تفكيك المجتمع ونشر فيروسات الطائفية.
داعش وأنصار بيت المقدس وغيرها من التنظيمات الإرهابية هى امتداد لتنظيم القاعدة الذى أصبح يخوض الحرب بالوكالة لصالح من يمول، وبرعاية أجهزة وشركات سلاح. تنمو هذه التنظيمات كالطفيليات، فى مجتمع متفكك وطائفى. ربما لهذا ندرك السبب فى محاولات إذكاء الصراع المسيحى المسلم، أو السنى الشيعى، والذى وصل ذروته فى اجتماع الاستاد الشهير، وتطور لقتل بعض الشيعة والتمثيل بجثثهم. بعد يوم من تحريض واضح برعاية مرسى.
ما يجرى فى العراق، واجتياح تتار داعش، نتيجة لتفكيك الدولة، وزرع الطائفية، وإضعاف المجتمع، وربما لهذا يجب الانتباه لما كان مخططا لمصر، لولا صحوة الشعب والجيش. وكيف واجه التتار مبكرا.
العراق.. مرحبا بكم في جهنم
عبد الرحمن الراشد-الشرق الاوسط
لا أبالغ أبدا، عندما أقول إننا أمام وضع آخر جديد، أكثر خطورة من سوريا وليبيا واليمن. هنا في العراق كل أشكال الجنون، والمجانين الذين فقدوا عقولهم وفكوا من عقالهم. هذا يحدث في الوقت الذي لم يستوعب بعد الرئيس الأميركي خطورة الوضع في المنطقة كلها، وأن كل يوم يمر يزداد صعوبة وكلفة عليه غدا. والآن، في العراق، توشك حرب جديدة أن تبدأ، بل بدأت في ثلاث محافظات. يسمع التحريض على القتال على أعلى مستوياته، فالمرجعية الشيعية تناشد أتباعها، وهم بالملايين، الدفاع عن المقدسات. ومفتي السنة، وهم بالملايين، يطالب بدعم الثوار. والحكومة، ممثلة بنوري المالكي، رئيس الوزراء المنتهية صلاحيته، في حالة انتشاء وهو يرى فرصته في البقاء في السلطة تزداد، وعلى اتصال بالنظام الإيراني. وإيران تزداد حماسا للتوسع وتسلم السلطة باسم دعم الشيعة!
أصبحت الحرب الأهلية أقرب اليوم من أي يوم مضى منذ إسقاط نظام صدام حسين. وبات التعامل الإقليمي والدولي العاجل ضرورة لكبح الحرب الأهلية.
ووسط المشاعر الغاضبة يتطلب منا الأمر أن نستوعب الثوابت والمتغيرات، وأن نعرف الحقائق ونفرقها عن الخرافات، ونضع نصب أعيننا كل الاحتمالات، لأشهر وربما سنوات.
طبعا للأزمة جذور سبقت سقوط الموصل، ثانية مدن العراق، وسبقتها مواجهات الأنبار منذ ستة أشهر. بل يمكن أن نرجعها إلى عشر سنوات مضت، عام الغزو الأميركي، أو عشرين سنة غزو صدام الكويت، أو ثلاثين سنة، في الحرب مع إيران، أو قبلها عندما اعتلى الحكم في إيران رجل دين أعلن فورا حكما دينيا طائفيا، وهدد جيرانه بتصدير ثورته، أو عندما عزل صدام رئيسه حسن البكر ليؤذن بحكم حديدي مرعب في العراق. ويمكن أن نرجع بعيدا جدا، أربعة عشر قرنا، عندما اقتتل الصحابة على الحكم. اغتيل أولا الخليفة عثمان، ثم قتل الخليفة علي بعده بخمس سنوات، ليتغير تاريخ المسلمين منذ ذلك اليوم!
عند الحديث عن جذور الأزمة يمكن أن ننتقي أي عام ونبني عليه الدفاع المناسب، وفق النظرية السياسية التي نريدها. إنما هذا لا يلغي الحقيقة الأهم، وهي أن الأزمة دائما هي بنت يومها، والمسؤولية تقع على المنخرطين فيها اليوم، مهما كانت الدوافع والمبررات.
وفي هذه الأزمة، لا شك أبدا، أن المالكي مسؤول مسؤولية كاملة عنها، كما يقع اللوم على الرئيس أوباما الذي يملك القدرة للضغط على رئيس وزراء العراق لتبني مشروع سياسي تصالحي تنخرط فيه القوى العراقية المتعددة، ولم يفعل. فالمالكي هيمن على السلطة مستغلا الحماية الأميركية، وأقصى أيضا حلفاءه من الشيعة، وانفرد بكل القرارات. مارس عملية إقصاء وإيذاء لنحو ثلث سكان العراق، السنة العرب، وبالتالي لا يمكن لهذه الحالة إلا أن تنجب العصيان المستمر، الذي يهدد استقرار كل العراق، وكيان الدولة. وفي نفس الوقت لا يجوز للسنة العرب السكوت عن جماعات مجرمة ومطلوبة دوليا، تستغل مظلمتهم وتنبري للدفاع عن قضاياهم، تتصدرها داعش و«القاعدة». فهي تهدد، بخلاف ما يقوله المغفلون والملفقون، الدول السنية بالدرجة الأولى، وها هي تركيا تطالب بتدخل الناتو بعد استيلاء داعش على قنصليتها وخطف نحو خمسين من دبلوماسييها ومواطنيها. زوروا مواقع داعش العراقية لتجدوها نسخة طبق الأصل عن داعش السورية التي نجحت في ضرب الثورة السورية، وخدمة نظام الأسد. خطابها نفس خطاب شقيقاتها التي هددت أمن السعودية ومصر والأردن، والآن تعيث في اليمن فسادا.
هل المنتفضون داعش، أم البعثيون، أم العشائر؟ أكمل الحديث غدا.
تركيا والإنفتاح الإيراني المتجدد
د. صالح عبد الرحمن المانع-الشرق الأوسط
شهد يوم التاسع من يونيو الجاري أول زيارة لرئيس إيراني لتركيا خلال الثمانية عشر عاماً الماضية، وتُعدّ هذه الزيارة جزءاً من محاولة انفتاح إيران، المنهكة من العقوبات، على المجتمع الدولي، وبخاصةٍ دول الجوار الإقليمي. ومثل هذا التوجّه الظاهري الجديد يختلف عن السياسات الفعلية التي تنتهجها إيران في المنطقة العربية. ففي الوقت الذي يحمل فيه الرئيس حسن روحاني غصن زيتون يلوّح به أمام الكاميرات والرأي العام العالمي، فإن منافسيه في الحرس الثوري يحملون السلاح ضد شعوب دول الجوار في سوريا واليمن.
ومثل هذا التناقض العميق بين السياسات المعلنة والسياسات الفعلية يُظهر جزءاً من صِراعٍ داخلي على السلطة الفعلية في طهران نفسها بين جناحٍ معتدل يمثّل الطبقة التجارية ورجال «البازار»، وربما يمثّله الرئيس روحاني، وبين جناحٍ متطرّف يهيمن على السياسات الفعلية ويعسكر السياسة الخارجية الإيرانية، حتى وكأنها سياسة لا تهمها مصلحة المسلمين عامة بقدر اهتمامها بمصلحة طائفة معيّنة داخل البيت الإسلامي. ومثل هذه الجماعات في سعيها لشقّ عصا المجتمعات المسلمة لا تتورّع عن حمل السلاح من قِبل حلفائها واتباعها، لتخلق وضع انشقاقٍ رأسي لا يُطاق.
وفي رحلة الرئيس روحاني إلى أنقرة، حاول التقرّب والتودّد إلى الحكومة التركية، وهو يعلم تماماً كيف أن موقف إيران في سوريا ومساندتها لحكومة الأسد قد كلّف إيران سمعتها في العالم الإسلامي، وجعل جزءاً من الشعب التركي غير راضٍ عن سياسات طهران في المنطقة. وحين نقارن بين توجهات الرأي العام التركي عام 2012 بحسب مركز استطلاعات «بيو ريسيرش»، فإن 55% من الأتراك كانوا ضد السياسات الإيرانية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني. وبسبب أحداث سوريا، زادت هذه النسبة إلى 57% في عام 2013، حسب إحصاءات «البي بي سي» البريطانية. وبمعنى آخر، فإن الموقف الإيراني من الثورة السورية، لم يؤثر فقط على الرأي العام العربي تجاه إيران (وهنا تعوزنا أرقام دقيقة)، ولكنه أثّر أيضاً على الرأي العام في دولةٍ مسلمة كبيرة مثل تركيا.
غير أنّ كلاً من البلدين، ليس من مصلحتهما تدهور العلاقات الثنائية بينهما، ويحرصان على ضبط مثل هذه العلاقة، وعدم تدهورها، حيث إنها قد تؤثِّر على علاقات تجارية واقتصادية مزدهرة.
فخلال الأربع سنوات الماضية، حاولت الشركات الإيرانية أن تجد لها منفذاً يخفف من حدّة القيود الخانقة بسبب العقوبات المفروضة على طهران. وقد كانت دول الخليج هي النافذة التي يمكن أن تتنفس منها الشركات الإيرانية. غير أنّ الضغوط الأميركية وتطبيق قرارات مجلس الأمن، قد دفعا العديد من الشركات الإيرانية إلى التحرّك غرباً نحو تركيا. وزاد عدد الشركات الإيرانية المسجّلة في تركيا من نحو 418 شركة في عام 2010، إلى 781 شركة في عام 2012.
ومن ناحيةٍ ثانية، ازداد حجم استيراد تركيا من الغاز الإيراني، وهناك مفاوضات جارية الآن بين الطرفين لإعادة النظر في تسعيرة هذا الغاز. كما أنّ طموح بعض الشركات التركية للاستثمار في حقول الغاز البحرية الإيرانية (حقول جنوب بارس)، لازال قائماً أيضاً. وزاد حجم التجارة الثنائية بين البلدين من 10,6 مليار دولار في عام 2010، إلى حوالي 14 مليار دولار في العام الحالي. كما أنّ بعض الشركات التركية قد استحوذت (عبر برنامج الخصخصة) عام 2008، على جزءٍ من مجمّع الرازي للبتروكيماويات الإيراني، بمبلغ وصل إلى 650 مليون دولار.
وعلى رغم العوامل الاقتصادية والتجارية التي تجذب الطرفين التركي والإيراني، إلا أنّ الصراعات السياسية والعسكرية التي يشهدها كل من سوريا والعراق، تجعل البلدين في حالة منافسة على نشر نفوذهما في هذين البلدين اللَّذين، للأسف، صارا يمثّلان دولتين فاشلتين.
وقد كان التنافس التاريخي سائداً بين البلدين خلال المائتي عام الماضية على مناطق النفوذ في كلٍ من العراق، ومناطق أذربيجان، وشمال غرب إيران، الناطقة بالتركية. وقاد مثل هذا التنافس في الماضي إلى حروبٍ مباشرة، والأغلب أنّ أي تنافس بين البلدين قد يقود إلى صراعات عسكرية غير مباشرة، وعبر حلفاء كلٍ منهما في هذين البلدين.
وقد شهدنا خلال الخمس سنوات الماضية كيف تحوّل شهر العسل بين طهران وأنقرة، خلال أشهرٍ قليلة من علاقات حسن جوار متميّزة، إلى علاقات متوتّرة، وصلت إلى تهديد الجنرال رحيم صفوي لتركيا بخلق مشاكل داخلية، إن هي زرعت في أراضيها نظام دفاع جوي مضاداً للصواريخ القادمة من إيران أو سوريا.
ومن ناحيةٍ ثانية، فإنّ الأحداث المتتالية في شمال العراق، وسيطرة المجموعات المسلّحة على مدينة الموصل، قد أذكت بعض الدعوات في تركيا لإحياء فكرة تعاون إقليمي تركي- إيراني، وربما أميركي، لمحاربة النفوذ المتزايد لهذه الجماعات في كلٍ من سوريا والعراق.
ومن ناحيتها، فإنّ حكومة أردوغان حريصة في الوقت الحاضر على عدم التدخل العسكري بشكلٍ مباشر، سواءً في العراق أو في سوريا. ومثل الحكومة الإيرانية، فإنها تفضّل أن يكون هذا التدخّل بشكلٍ غير مباشر. كما أنها حريصة على تواصل النمو الاقتصادي في البلاد عبر توجهها إلى محيطها الشرق أوسطي، الذي يُعتبر مجالاً حيوياً تجارياً لشركاتها ومنتجاتها، وخاصةً أنّ النافذة الأوروبية لا زالت مُوصدة أمام عضويتها في الاتحاد الأوروبي.


رد مع اقتباس