في هــــــــــــذا الملف:
نكبة فلسطين في أوسلو
بقلم : حبيب راشدين عن الشروق الجزائرية
«فتح» بعد خمسين عامًا.. مراجعتان مطلوبتان
بقلم : معن بشور عن السفير اللبنانية
أميركا والرهان الخاسر
بقلم : جمال العلوي عن الدستور الأردنية
على بوابة السنة الجديدة
بقلم : عمر كلاب – عن الدستور الأردنية
سنة الكوارث العربية
رأي القدس- عن القدس العربي
2015.. السنة الداعشية والحروب الأهلية؟
عبد العالي رزاقي – الشروق الجزائرية
التلاعب بالعقول.. صفة الحرب القادمة
بقلم : محمد سليم قلالة عن البيان الإماراتية
عام العورات
بقلم: منير الخطيب عن السفير الأردنية
نكبة فلسطين في أوسلو
بقلم : حبيب راشدين عن الشروق الجزائرية
إني لأعجب لسعة صدر القيادات الفلسطينية، وهي تتحمل منذ اتفاقيات أوسلو امتراء الثعابين السامة الواحد تلو الآخر، وتنتقل بالشعب الفلسطيني من تنازل إلى آخر حتى حين لا تكون مضطرة إلى التنازل، كما يفترض أن تكون اليوم وهي تخاطب رأس المجموعة الدولية في مجلس الأمن، وهي تعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بتمرير أي قرار قد يزعج قادة الكيان من قريب أو من بعيد.
والحال، ما الذي كان يمنع السلطة الفلسطينية، وقد اختارت العودة إلى الأمم المتحدة، أن تطالب مجلس الأمن بتطبيق أحد أقدم قراراته المنشئة للكيان الصهيوني على أرضية قرار التقسيم، الذي هو بمقياس السياسة أفضل ألف مرة من أي قرار صدر حتى الآن؟ وهو قرار قائم لم تجبه القرارات اللاحقة منذ قرار 242 الذي يعني فقط الأراضي المحتلة سنة 1967، ولأن العودة إلى الحدود التي رسمها قرار تقسيم فلسطين، مع ما فيه من تعدٍّ على الجغرافيا والتاريخ وحقوق الشعوب، هو أفضل من المطالبة بحدود 1967، ولأنه يرسم في الحد الأدنى حدودا لكيان جبل على التوسع، ولأنه يضمن حق العودة بشروط القرار 194 بلا مساومة، ويضيف إلى الأراضي المحتلة سنة 67 حق استرجاع الأراضي التي ضمها الكيان بعد صدور قرار التقسيم، وينهي مشكل الاستيطان، ويحرم الكيان من القدس عاصمة له، أي إنه يخلص الفلسطينيين والعرب من جميع الملفات التي عوقت وتعوق قيام الدولة الفلسطينية إلى جانب الكيان المصطنع، ما دامت النخب القيادية للشعب الفلسطيني قد تخلت عن حق تحرير فلسطين كل فلسطين.
فالنكبة الكبرى لم تلحق بالشعب الفلسطيني سنة 1948 حين قرر مجلس الأمن تقسيم فلسطين، ومنح جزء من أرضها لقيام كيان اصطناعي اسمه إسرائيل، ولم تكتمل صور النكبة حتى بعد احتلال الكيان للقدس الشرقية والضفة وغزة سنة 1967، لأن الاحتلال بالقوة لا ينشئ حقا، وإلا كانت الحالة الاستعمارية ظلت قائمة في معظم أرجاء جنوب المعمورة، لكن النكبة الفلسطينية الحقيقية بدأت حين قامت قيادة فلسطينية بصرف الفلسطينيين عن الحق في "تحرير الأرض من النهر إلى البحر" إلى الرضا بتحرير أراضي 67 قبل أن تقسمها "أوسلو" إلى أراضي ألف، وباء، وجيم، تحرير كل واحد منها يحتاج إلى ألف سنة من التفاوض، أو ظهور المهدي، وعودة عيسى عليه السلام.
الخروج من مسار النكبة له اليوم أكثر من طريق ليس مجلس الأمن أفضلها، ولا هذه السلطة هي أداته، ولا حتى هذه المعارك الموسمية التي تبيد الفلسطينيين بالتقسيط المريح، بل إن أقصر طريق إليه هو التفكيك الطوعي للسلطة، وإرجاع الكلمة إلى الشعب الفلسطيني حيثما وجد، ليسلك مجددا الطريق الوحيد المعلوم لتحري الأرض، بالوسيلة الوحيدة التي أثبتت عبر التاريخ نجاعتها ومشروعيتها، بمقاومة الاحتلال بكل ما هو متاح لشعب محتل من طرق المقاومة، لأن نهاية إسرائيل، كأي كيان استعماري استيطاني آخر، تبدأ في اللحظة التي يغلق فيها الشعب المحتل أبواب التسوية مع قوة الاحتلال، ويجعل مشروع تحرير الأرض مشروعا مشتركا بين الأجيال، يتوارثونه كابرا عن كابر حتى تتهيأ لأحدهم مقومات التحرير الكامل للأرض.
«فتح» بعد خمسين عامًا.. مراجعتان مطلوبتان
بقلم : معن بشور عن السفير اللبنانية
من الصعب على من شاءت الظروف والأقدار أن يواكب مثلنا تجربة الثورة الفلسطينية منذ انطلاق رصاصاتها الأولى على يد ثوار «العاصفة»، الجناح العسكري لـ «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» (فتح)، قبل نصف قرن، أن لا يقف أمام الذكرى الخمسين لانطلاقتها مستعيداً الحلو في تلك التجربة والمر، داعياً إلى مراجعتين جريئتين في آن، يقوم بإحداها مناضلو تلك الحركة التي لم تنطلق لتحرير الأرض المحتلة العام 1967 فحسب، بل لأنها ببساطة انطلقت قبل تلك الحرب المشؤومة وكان هدفها تحرير فلسطين كلها من البحر الى النهر، فيما يقوم بالمراجعة الأخرى أولئك الذين قسوا على تلك الحركة التي قدّمت معظم قادتها شهداء والتي يشكل مناضلوها غالبية شهداء النضال الفلسطيني المعاصر وجرحاه وأسراه الذين ما زالوا قابعين في سجون الاحتلال حتى الساعة.
المراجعة الأولى المطلوبة من «فتح»، مناضلين وكوادر وقادة، تبدأ من المقارنة بين الأهداف الأولى التي انطلقت من اجلها الحركة وتحولت في سنوات قليلة إلى حركة الشعب الفلسطيني بتياراته ومشاربه الفكرية والسياسية كافة، وبين سياسات أنزلقت إليها بعض قياداتها فبدا وكأن الحركة التي أطلقت في شعبها وأمتها حيوية استثنائية لا يستطيع حتى المكابر والمتحامل أن ينكرها، قد أصابها وهن وترهل وتعب وفتكت بها أمراض أصابت العديد من الأنظمة التي ما قامت (فتح) أصلاً إلاّ لتحرر قضية شعبها من أسر منطق تلك الأنظمة وذرائعها على طريق تحرير الأرض والإنسان في فلسطين.
فإقدام الفتحاويين على مثل هذه المراجعة الجريئة، يبدو اليوم ضرورياً، لا لكي تستعيد حركة الرصاصات الأولى في مسيرة الشعب الفلسطيني حيويتها وريادتها الثورية فقط، بل لكي تنتزع لفلسطين انجازات كبرى بعد كل ما قدمه هذا الشعب، بمقاومته العابرة كل أنحاء الوطن المحتل المغتصب، من بطولات، وما قدمه من تضحيات، وبعدما تحولت قضية فلسطين إلى قضية تتفاعل معها شعوب العالم كلها وتضغط على برلمانات وحكومات كانت إلى وقت قريب تتجاهل الحق الفلسطيني بل تتواطؤ على إنكاره مع العدو الصهيوني وراعيه الأميركي.
وأبجدية المراجعة المطلوبة تقوم على استعادة التكامل العضوي بين مقاومة مسلحة وشعبية، تدرك أنها تواجه عدواً لا يفهم إلاّ لغة القوة، وبين جهد سياسي وديبلوماسي يدرك أن فلسطين هي جزء من امة مستباحة بكل أنواع الشرور، وجزء من عالم كان حكامه دعامة كبرى للكيان الغاصب قبل قيامه وبعده.
فمثل هذا التكامل كان وراء الانبعاث المتجدد لكفاح الشعب الفلسطيني منذ ثورات العقود الأولى من القرن الماضي حتى انتصارات المقاومة في غزة، واشتعالها كهبّات وانتفاضات في القدس والضفة الغربية وصولاً إلى أراضي 1948 وبلدان الشتات الفلسطيني القريبة والبعيدة.
بل إن مثل هذا التكامل هو الذي يحصن العمل الديبلوماسي والسياسي، من أن يتسبب بضياع القضية نفسها، بل من أن يقفز فوق الحقوق الثابتة والمعروفة لهذا الشعب. وفي المقابل، فان هذا الجهد الديبلوماسي والسياسي هو الذي يفتح للمقاومة الباسلة، ولكل أشكال الانتفاضة، آفاقاً رحبة لترجمة انجازات الميدان إلى مكاسب سياسية على طريق التحرير واستعادة الحقوق.
أما المراجعة الأخرى فمطلوبة من كل من قسا يوماً على حركة «فتح»، وعموم حركات المقاومة الفلسطينية، سواء كان مثقفاً أو كاتباً أو حزباً أو نظاماً، فسعى إلى شيطنة الحركة وقادتها، كما هو الحال مع الأسلوب المعتمد في شيطنة حركات ورموز وقادة رفضوا الإذعان لاملاءات أعداء الأمة والسير في مخططاتهم ومشاريعهم.
لقد أُتهمت (فتح) منذ ولادتها، كما أُتهم قادتها ومؤسسوها بأبشع التهم، وكانت الاتهامات تتبدل مع تبدل المراحل والظروف، ولكن الهدف الدائم منها كان إيجاد المبررات والأعذار «للتحرر» من أكلاف الالتزام بالقضية الأكثر صعوبة، والأكثر عدالة، في هذا العالم.
ووصلت هذه القسوة إلى ذروتها حين كان، هؤلاء القساة، وبينهم أعتى الطغاة، ينكرون على «فتح» خصوصاً، وعلى عموم مسيرة النضال الفلسطيني، أي انجاز تحقق، وأي انتصار حصل، وهم يدركون في قرارة أنفسهم إن مسيرة خمسين عاماً من الكفاح كانت مليئة بأساطير من الصمود والمقاومة تحدّت كل الفوارق في موازين القوى وأعادت الاعتبار لموازين الإرادات في الصراع بين الشعوب وأعدائها.
وإذا كان المجال لا يتسع هنا لتعداد هذه الانجازات منذ معركة الكرامة العام 1968، التي كانت أول ردّ على هزيمة 1967، حتى معركة الصيف الماضي على أبواب غزة، القطاع المحاصر منذ سبع سنوات، فإنه يكفي أن نرى إن المقاومة الفلسطينية قد انتقلت من مقاومة عبر الحدود (وما أدراك ما أهوال تلك المرحلة وصداماتها) إلى مقاومة داخل فلسطين نجحت في أن تتوهج وتتألق فيما الحريق يلتهم معظم الساحات العربية، لا سيما تلك المحيطة بفلسطين.
قد يخطئ الفلسطيني، وقد أخطأت قياداته بالفعل في أكثر من محطة، لكن كل هذه الأخطاء والخطايا لم تستطع أن تحجب أبداً قدرة الشعب الفلسطيني الخارقة على الاحتفاظ براية الثورة والمقاومة عالية، ليثبت المرة تلو الأخرى انه كما قال عنه الرئيس الشهيد ياسر عرفات: «متقدم على قياداته»؛
ولا أنسى هنا تعليقاً جميلاً سمعته من الصديق والمناضل الأممي النائب البريطاني جورج غالاواي، ونحن نقف معاً على أبواب مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي لنطمئن إلى صحة أبي عمار في أيامه الأخيرة من تشرين الثاني 2004، وفيما المئات من كاميرات التلفزة العالمية ترابط على باب المستشفى تنتظر خبراً عن صحة القائد الفلسطيني الكبير، يومها قال النائب البريطاني جورج غالاواي: «يكفي أبو عمار وإخوانه وشعبه أن خفقات قلبه الممتلئ بحب فلسطين أصبحت محط اهتمام العالم، بعدما كان هذا العالم يردد مع غولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الإسرائيلي في ستينيات القرن الماضي، ليس هناك شعب فلسطيني».
وتذكرت هذا القول مجدداً حين أدخل شارون – قاتل ياسر عرفات – المستشفى بعد أن دخل في غيبوبة طويلة وتساءلت كم من قناة تلفزيونية أو محطة إخبارية كانت مهتمة بمصير خليفة غولدا مائير.
في الذكرى الخمسين لانطلاقة «فتح»، نتذكر قادتها ومناضليها الشهداء شهداء فلسطين كلهم، ونحيي جرحاها وسائر جرحى فلسطين، ونتضامن مع أسراها وكل أسرى فلسطين، ونردد مع أطفالها ونسائها وشيوخها ومجاهديها كافة: فلسطين ستنتصر. وكلما التزمت قياداتها بميثاق «فتح» التأسيسي كلما اقترب موعد النصر بإذن الله.
طائر الفينيق الفلسطيني، بل الفتحاوي، كان دوماً يخرج من الرماد بعدما ظن كثيرون أن الحرائق المتوالية قد أجهزت عليه. وهو اليوم يخرج مرة جديدة من رماد الانقسام والتخاذل والتواطؤ، حاملاً بين جناحيه علم فلسطين، وفي قلبه مآذن القدس وكنائسها، ودماء غزة ودمارها، وثبات أهل الضفة وتضحياتهم، وهبّات عرب فلسطين 48 وانتفاضاتهم.
«فتح» تستحق في عيدها الخمسين من قادتها، كما من خصومها وأعدائها، مراجعة تستأنف معها مسيرة تتحول كل يوم إلى «مفاجأة العروبة لنفسها» بل مفاجأة العالم لذاته.
أميركا والرهان الخاسر
بقلم : جمال العلوي عن الدستور الأردنية
«لا يجوز على الأموات إلا الرحمة»، لذا نقول رحم الله السادات الذي كان يؤمن أن 99%من أوراق الحل بيد الولايات المتحدة وفشلت هذه المقولة، وهذا الرهان منذ سنوات طويلة، لذا نقول للسلطة الوطنية الفلسطينية، هل ما زلتم تراهنون على الدور الاميركي النزيه؟ وعلى التدخل الاميركي والضغط الذي يمكن أن تمارسه على دولة الاغتصاب الصهيوني.
نحتاج الى الخروج من الدائرة الاميركية، والبحث عن بدائل أخرى وخيارات قد تكون متاحة في تغيير شروط اللعبة الاميركية عبر خلق توازن جديد، يستند الى معادلات قائمة في المشهد الدولي، بعد أن فقدت شرعية الاحتلال دورها وحضورها على المستوى الدولي حين أسهم الموقف الروسي في تعرية النفاق الاميركي الرخيص بقول السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أمس، خلال جلسة مجلس الأمن بحسب المشاهد التي بثتها قناة «روسيا اليوم»، إن «روسيا الاتحادية تأسف لأن مجلس الأمن لم يتمكن من اعتماد مشروع القرار. نعدّ ذلك خطأ استراتيجياً».واتهم السفير الروسي واشنطن «باحتكار» مفاوضات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية وجرها إلى «طريق مسدود».
لذا على القياده الفلسطينية أن تدرس المشهد الدولي جيدا وتعي خياراتها عبر مشاركة كل القوى والأطراف الفاعلة في الصف الفلسطيني فقد ثبت بما لا مجال للهروب منه أن «المقاومة هي الحل الوحيد لحصول الفلسطينيين على حقوقهم».ولا نريد أن نصطف في صف حماس التي قالت، ان رفض مشروع القرار الفلسطيني بمجلس الأمن «فشل لتفرد عباس».
لا يعنينا هنا، من الخاسر والرابح في إفرازات عملية التصويت، بل يعنينا أن نقرأ طبيعة التصويت ومن امتنع ومن أيد ومن رفض فقد صوتت مع المشروع فرنسا والصين وروسيا من الاعضاء الدائمين في مجلس الأمن وكل من الأرجنتين وتشيلي وتشاد ولوكسمبورغ والأردن، فيما صوتت ضده الولايات المتحدة واستراليا، وامتنعت بريطانيا عن التصويت.إضافة إلى أربع دول أخرى هي ليتوانيا وكوريا الجنوبية ورواندا ونيجيريا.
بذلك فشل الرهان على أميركا، وثبت الانحياز الاميركي دوما نحو دولة الاغتصاب ولا خيار أمام السلطة سوى التوقيع على طلب الانضمام الى اتفاقية روما التي سيصبح بموجبها الفلسطينيون عضوا في محكمة لاهاي بالاضافة الى 15 اتفاقية دولية أخرى، بحسب المسؤولين.
وسيتمكن الفلسطينيون عند انضمامهم الى المحكمة الجنائية من ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين بتهمة ارتكاب «جرائم حرب» في قطاع غزة التي شنت إسرائيل عليها ثلاث حروب مدمرة في ستة أعوام. فهل تفعلها السلطة ؟ أو تمضي قدما نحو مزيد من الرهان على كيري وخياراته. الايام المقبلة وحدها الكفيلة بالإجابة عن كل التساؤلات التي يمكن أن تثار هنا.
على بوابة السنة الجديدة
بقلم : عمر كلاب – عن الدستور الأردنية
إذا كان الشاعر العربي مظفر النواب قد استهل امنياته لاعوام سابقة بعودة اللحن العراقي وان كان حزينا فإننا نستهل عامنا الجديد بعودة اللحن العراقي السوري والمصري واليمني والصومالي وما تيسر من اقطار دون دماء بصرف النظر عن منظومة الحزن المتصلة وبنغمات متعددة ومقامات أكثر حزنا من المقام العراقي فكل ما تحمله لنا الأيام لا يتعدّى الحزن والخراب في عالم عربي فقد عقله في مرحلة الربيع العربي، بعد ان فقد ظله في فلسطين على مدار سبعة عقود .
يبدأ العام الجديد مُحمّلا بظلال العام المنصرم ، فثمة نسر اردني تحت حراب الاسر وثمة مشروع مهلهل لانهاء الاحتلال الاسرائيلي بسقف اخفض من براكيّات المخيم « البراكيّة هي بيت من الصفيح « تم وأده رغم عدم تلبيته لابسط المطالب الفلسطينية ، وما بينهما استهلال برفع اسعار الكهرباء وتمرير قانون ضريبة اشتكى منه من سمح بإقراره على وعد التعديل في اول دورة عادية قادمة ، وهذه قضية تجاوزها العقل البشري منذ مغامرته الاولى زمن الاساطير ووصفها الشاعر التونسي المنصف المزغنّي ذات قصيدة مطالبة الشهيد عيّاش بالاعتذار عن الموت في الحرب القادمة .
يبدأ العام 2015 مكرورا مثل الموت في سوريا والعراق وفلسطين ، وعاديا مثل اكداس الخس على الطرقات والأمنية الوحيدة على عتباته ان ينخفض منسوب اللون الاحمر فيه ، فقد مللنا اللون الاحمر القاني وغير القاني لكثرة سيلانه في عواصم العرب ، اضافة الى انخفاض منسوب اللجان الاصلاحية وتعداد اللقاءات العربية تحت راية الجامعة التي لم تتمكن منذ عقود طويلة من منح اي ملف درجة الابتدائية بنجاح وليس مراحل الشهادات الجامعية .
لن نكذب على انفسنا بأماني كثيرة وتمنيات بتحرير اوطان او اعادة الاعتبار الى شهداء ، نتمنى فقط الحفاظ على خط الفقر من الانزلاق اكثر واكثر وان يحافظ ما تبقى من ابناء الطبقة الوسطى على اماكنهم رغم الجاذبية الاقتصادية الهائلة لمداخيلهم وفرص عمل ابنائهم فنحن لا نطالبهم بدهان المنزل وتغيير وسائط ركوبهم او قطع اثاث منازلهم كي ينجح بيت فقير في الحصول على قطعة اثاث فيها بقية من رمق ، نتمنى ان تحافظ كثير من البيوت على دجاجة الجمعة وعدم الانزلاق الى علب السردين وبقاء احلام الشباب متواضعة في ركوب سيارة كورية او صينية او وصول باص النقل العام في موعده .
لن نشطح في الاحلام كثيرا ولن نترك للخيال رسم الصورة بما شاء من الوان واضاءة ، نريده فقط ان يحافظ على ما تبقى من رسومات من زمن سابق كان فيه الناس اكثر ترابطا رغم الفقر وضيق اليد و كانت فيه شجاراتهم بسيطة وبالايدي في اعلاها ، وليس ان تبدأ المشاجرة البسيطة بإطلاق النار او الطعن بالادوات الحادة حتى خلناها ستنتهي بالقنابل إذا ما استمر الغضب على وتيرته المنفلتة ، نريد «مواسير» مليئة بالمياه في فترة الضخ الاسبوعي وكهرباء لا تنقطع ولاتقطع ظهورنا بفاتورتها الشهرية ، نريد الاستمرار في شواء اجنحة الدجاج لانتاج حالة من البهجة لصغار يبحثون عن كانون يغوي غرائزهم كما في الافلام وعن طبق دسم يوم الجمعة وفي الاعراس .
نحلم باسترداد شوارعنا من الطيش والزعران وعوادم السيارات ، و استرداد الارصفة للمشاة بدل البسطات التي تبيع كل ما هو تحتها وليس فوقها ، ونحلم بمكان على شاطئ البحر الميت دون كسر ظهر العائلة وشجرة تمنح خطيبين وقتا للهمس بأحاديث الغرام واسماء الابناء ، احلامنا بسيطة بالسترة والعودة الى المنزل دون ازرار مقطعة من القميص الرث او علامة في الوجه ، نريد السُترة كما كانت تقول الامهات والجدات ولا نريد اكثر ، فقد مللنا من الاحلام الكبيرة بالكرامة واسترداد الهيبة والاموال المنهوبة والمؤسسات المنكوبة بالخصخصة .
سنة الكوارث العربية
رأي القدس- عن القدس العربي
سيسجل التاريخ أن سنة 2014 هي الأسوأ والأمرّ في التاريخ العربي الحديث. فقد أفرزت أحداثا جساما، وأدخلت جُل العرب في نفق لا ضوء يلوح في نهايته، ولا صدى يرجع.
فثورات «الربيع العربي» وتداعياتها تدخل عامها الخامس، في ظل احتدام الصراع الإقليمي والدولي، الذي أفرز حروبا عسكرية لم تخمد، وفصائل مسلحة، أبرزها الدولة الإسلامية وأخواتها ما زالت تتمدد.
لكن لعل أبرز ما تبلور في عام 14 تناحر المحاور، التي تجسدت بالمحور الأمريكي، الذي يسمى «الشرق الاوسط الجديد»، والتاريخي الإيراني التوسعي، الذي أفرز بدوره ولادة «شرق أوسط إسلامي سني – شيعي»، أبرز ملامحه الحالية والمستقبلية التناحر والصراع المفتوح على الجبهات كافة، بدءا من سورية، مرورا بلبنان حزب الله، إتجاها نحو اليمن والبحرين، وليس إنتهاء بسياسة صراع الاضداد مع دول الخليج.
وفيما نشط المحور التركي إقليميا ودوليا، عزف المحور الإسرائيلي على ديدنه المعهود لاستدرار العطف الغربي.
فيما دخلت الجامعة العربية سباتا مزمنا، عوضته عودة قوية لدول الخليج، التي سجلت حضورا عربيا ودوليا، تعزز بعد اتضاح مآلات المفاوضات النووية بين الغرب وإيران، ما أنتج أخيرا ما بات يسمى «حرب النفط» لإضعاف المحور الروسي – الإيراني، والذي سبب أضرارا كبيرة لاسعار النفط، ووجعا إقتصاديا غير مسبوق للدولتين النفطيتين، قد يربط بمناورات عسكرية قامت بها إيران في مضيق هرمز الحيوي قبل ختام العام، بدعم من روسيا، والتي تبدو وكأنها عرض قوة.
واذا صحت تسميته «المحور العربي»، فقد نجح في فتح نافذة أمل في إنجاز المصالحة الخليجية ـ الخليجية، وكذلك القطرية – المصرية، وربما لاحقا المصرية ـ التركية.
لكن الأوضاع المتلاحقة في مصر خلقت خاصرة رخوة بعد تداعي الرؤساء كالدومينو، بدءا بالمخلوع، الذي يقبع حبيس السجن مريضا، مرورا بالرئيس مرسي المعزول في القفص الزجاجي، الى الرئيس السيسي القابع بقصر الإتحادية يحاول مداواة جراح مصر عبر الكي بالنار، واستحضار مفردات التاريخ البائدة في سجن معارضيه وقهرهم، بدل إجراء حوار سياسي موسع يعيد للدولة هيبتها العربية والدولية.
ووضع القطر الشمالي سوريا، ليس أفضل حالا، إذ وصفته الأمم المتحدة بأنه الأسوأ في التاريخ المعاصر. بعد مقتل عشرات الآلاف من السوريين من طرف السلطة، التي تحتكر الحكم منذ نحو نصف قرن والمعارضات المسلحة التي تنشد الإنصاف، في وقت دمرت مئات آلاف المنازل، فيما هجر ملايين السوريين داخليا وخارجيا. ولا تلوح في أفقها أي غيمة بيضاء.
فلسطينيا.. حققت القضية إختراقا تاريخيا من خلال اعترافات برلمانية أوروبية بالدولة الفلسطينية، في ظل تأفف أوروبي من جمود المفاوضات ووصولها الى خيار الصفر. ومشروع أممي يلوح في الافق قد يفجر الأوضاع مجددا، بعد عام من المعاناة الشديدة وتوقف إعمار غزة وتواصل تقديم الشهداء، وتعاظم أعداد المساجين، وتوسع المستوطنات، وجلوس القدس على قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
أما لبنان فلم يكن أفضل حالا، فقد عجز الفرقاء – لأول مرة في التاريخ ـ عن صناعة رئيس جديد للبلاد، مع تسجيل البلاد قلاقل وتوترا مرتبطا بالصرة السورية، خاصة بعد إندلاع اشتباكات مسلحة بين الجيش اللبناني ومواطنين في الشمال، ولاحقا مع مسلحين سوريين أدت إلى مقتل عدد من الجنود، واختطاف مسلحي «النصرة» وتنظيم «الدولة الاسلامية» عددا آخر منهم، ما زالوا قيد الاختطاف، هذا فضلا عن إعلان الحكومة اللبنانية إيقاف استقبال النازحين السوريين.
ورغم تسجيل تونس بارقة أمل في عام قاتم، عبر إجتراح أول إنتخابات ديمقراطية لرئيسها، الا أن القصة لدى جارتها ليبيا كانت الأسوأ منذ الإستقلال، فقد بدأت البلاد العام بصراع المدن لتنهيها بحرائق النفط، فيما السجال بين الحكومة الشرعية والجماعات المتناحرة في أوجه، وحبل الصراع على غاربه، وسط صمت غربي مريب.
أما اليمن «السعيد»، فقد سجل المفاجأة غير السعيدة، بسقوط العاصمة بيد الحوثيين وتهديدهم وحدة البلاد واندلاع التصفيات مع «القاعدة» مع إفراغ منصب الرئيس الشرعي من مضمونه بعد الإستيلاء على الجيش، واستمرار تدحرج الصراع الى جوار البلاد.
وبدأ السودان الكبير ـ الذي انشطر نصفين – بدعوة الى حوار سياسي، وانتهى مع جنوبه المستقل بتصعيد عسكري، وكان بامتياز عام الآلام، وملاحقة السلام عبر الوساطات الدولية، واستنفار منظمات الإغاثة الانسانية، وتحذيرات من نذر مجاعة تهدد حياة الملايين من المواطنين.
واذ نودع عاما عربيا قاطرا بالدم، نستقبل آخر مجهولا، ولا يبدو أننا على أبواب إطفاء حرائقه، التي بدأت بحريق ذيله لتنتشر الى باقي عباءته.
2015.. السنة الداعشية والحروب الأهلية؟
عبد العالي رزاقي – الشروق الجزائرية
من كان يتوقع أن يتحول تنظيمٌ مسلح في سوريا والعراق -أو أيّ دولة عربية أخرى- إلى "دولة" تهدّد أمن أمريكا والغرب ويقع تحالف دولي من 60 دولة للقضاء عليه؟ ومن كان يتوقع أن تقود "مليشيات حوثية" ستة حروب مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وعندما تُسقطه الثورة يتحالف مع هذه المليشيات لتقسيم اليمن؟ ومن كان يظن أن تصبح ليبيا مقسمة إلى "حكومتين وبرلمانين" يهددان أمن دول الجوار؟ ومن كان يتخيّل أن تعلن حكومة الجزائر "سنة 2015 دون توظيف" وتدعو المواطنين إلى التقشّف وتتمسك بوعود "حملة الرئيس"؟.
خطاب التخوين والتضليل
من الصعب على أيّ حكومة في الجزائر أن تعيد ثقة المواطن فيها، ويصعب عليها أن توقف الاحتجاجات أو أن تضع حدا لـ"التسيّب" والخوف من المستقبل؛ فالذين وعدونا عام 2012 بـ"تعديل الدستور" وشكلوا لجنة صياغة بعد المشاورات التي أجراها عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة هم الذين كلفوا أحمد أويحيي باستنساخ هذه المشاورات ليصبح بعض حملة السلاح شخصيات وطنية وتصير الأحزاب غير الممثلة في البرلمان والمجالس الشعبية "تصول وتجول" في وسائل الإعلام العمومية، وتنتهي المشاورات بوعود جديدة وتبدأ التصريحات المتناقضة، فحزب عمار سعداني يعلن أن الدستور سيمرّ عبر البرلمان وحزب عمارة بن يونس يزعم أنه يمرّ عبر استفتاء شعبي، والكل يغرد خارج السرب وتختم بدعوة الرئيس الأحزاب المقاطعة للرئاسيات إلى مشاورات " تكميلية" وتلتقي قيادة حزب جبهة القوى الاشتراكية بقيادة الجبهة الإسلامية المحلة؟.
لا أعتقد أن صحة الرئيس تسمح له بالاهتمام بتعديل الدستور وما دام الدستور الحالي يسمح له بـ"تجاوزه" وما دامت الأحزاب "تتنافس" على المبادرات لحل أزمة النظام مع الشعب، والكل يتحدّث خارج "أصحاب القرار" بينما الحقيقة حول الدستور مغيّبة.
المؤكد أن قرار توقيف التوظيف ستكون له تداعياتٌ خطيرة على الجامعات ومؤسّسات الدولة؛ فالشباب الذي قدم طلبات الالتحاق بالمؤسسات الأمنية وحمَلة الشهادات العليا الذين ينتظرون الالتحاق بالجامعات قد يضطرون إلى خيارات أخرى، فما هي يا ترى؟.
يبدو لي أن "شباب الجنوب" سيكون الأكثر تضررا عن بقية شباب المدن الأخرى لأن المستثمِر الأجنبي يأتي بعمالته معه أو بعمالة "أرخص" من اليد العاملة الجزائرية، وما دامت الشركات العمومية لا توظف إلاّ بـ(الوجوه) فماذا سيكون مصير هؤلاء الشباب؟ أظن أن 2015 ستكون سنة احتجاجات البطالين في الجزائر.
نهاية "اليمن السعيد" وعودة صالح؟
الحرب المعلنة بين شيعة إيران وسنة العراق ستتوسع إلى دول عربية أخرى؛ فالمليشيات الحوثية ستقضي على ما حققته الثورة اليمنية من حرّيات وستُدخلها في حربٍ أهلية وتعيدها إلى ما قبل الوحدة وستهدد أمن دول الجوار، فهل تعيد هذه المليشيات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح إلى الحكم؟ وكيف سيكون مصير اليمن إذا حمل حزب "الإخوان" السلاح ضد هذه المليشيات؟.
إذا كان حزب الله قد حقق انتصاراتٍ تاريخية عام 2006 على الكيان الصهيوني، فإن الحوثيين حققوا انتصارا على الثوّار بالتحالف مع بقايا النظام السابق، فهل سيكون اليمن سعيدا عام 2015 بعودة الرئيس السابق؟.
تميّزت سنة 2014 بتغوّل الانقلابيين في مصر وتكريبس انقلابهم الذي قاموا به في 3 جويلية 2013، وقسّم المصريين ما بين مؤيد ومعارض له، فتحوّلت ثورة 25 جانفي 2011 إلى ثورتين بحيث سميت تظاهرات 30 جوان 2013، بأنها "ثورة" وتمت تبرئة الرئيس المخلوع حسني مبارك فهل تعيده العدالة إلى منصبه؟
كانت تداعيات الربيع المصري أكثر تأثيرا في بقية دول الربيع بعد أن تحوّلت إلى دولة معادية لـ"الإخوان" وأوقعت دولا عربية في فخ العداء لهذا التيار فصنفته السعودية ودول الخليج ضمن خانة التنظيمات الإرهابية وكان من تداعياته عدم دعم "حركة النهضة" لأي مرشّح لها، وتحوّلت ليبيا إلى دولتين إحداهما تحت تصرّف النظام المصري والثانية تابعة لتركيا وقطر.
إذا سلّمنا بأن الربيع كان كارثة على العرب والمسلمين _ كما يدّعي أعداء التغيير وعبدة الاستبداد- فإنه حقق ما لم يتحقق في تاريخ الشعوب العربية والإسلامية وهما التخلص من الخوف من السلطة وسقوط فكرة قمع الشعوب وهو تحوّل مهم في بناء الدولة المدنية في الوطن العربي.
صحيحٌ أن العالم العربي منقسمٌ بين أمريكا وروسيا وأوروبا وغارق في وحْل الحروب الأهلية، والمواطنون فيه صاروا لاجئين في وطنهم وخارجه، لكن ليس صحيحاً أن الإرهاب هو عقيدة إسلامية، والدول العربية التي ما تزال تعتقد أن منقذها من الإرهاب هو أمريكا (بالرغم من أنها هي التي أنشأت بذرته الأساسية في التنظيمات الإسلامية المسلّحة لإسقاط أفغانستان والجزائر، وها هي تحمل اليوم شعار محاربته في سوريا والعراق وهما مرشحتان للتقسيم، والجزائر مهدّدة بـتصاعد "الاحتجاجات" وتوسّعها)، ستدفع الثمن غاليا في حال استمرار الحرب في العراق وسوريا لأن الخريطة الجديدة للعالم العربي عام 2015، سترسمها الحروب الأهلية والتطرف الديني وستثبّتها أمريكا.
التلاعب بالعقول.. صفة الحرب القادمة
بقلم : محمد سليم قلالة عن البيان الإماراتية
يتفق الاستشرافيون أن الحرب الذهنية ستكون المرحلة اللاحقة للحرب على الإرهاب. سينتهي الحديث عن مواجهة الجماعات الإرهابية التي تم صنعها صنعا ليتحول الأمر إلى مواجهة العمق العقلي للناس، من خلال التأثير في أمزجتهم وإدراكهم للأمور والتحكم في قدرتهم على التصرف واتخاذ القرارات، وستُستخدم في ذلك جميع وسائل الحرب المعاصرة المرتكزة على التكنولوجيات المتقدّمة لوسائل الإعلام بما تحمل من معلومات موجّهة لتحقيق غرض واحد هو إخضاع الشعوب التي لم يُخضِعها الإرهاب، واستعبادها بطرق جديدة من خلال التفتيت والتشتيت الذهني والعقلي قبل التفتيت والتشتيت الميداني.. هل نحن بمنآى عن ذلك؟ أم سنكون ضحية أولى التجارب؟ وكيف نستبق الأمر؟
بالنظر إلى المخاطر المحدقة ببلادنا، يبدو لي أن أخطر تهديد سنتعرض له في العقود القادمة ليس التهديد الإرهابي بصوره التقليدية، ولا التهديد الأمني بصيغه القتالية كما يبدو الآن، إنما هو ذلك التهديد الذي يصعب رصده ومعرفة مواقعه وعناصره، فما بالك بالتحكم فيه، الذي يستهدف بالدرجة الأولى القناعات الفردية والجماعية والمسلّمات التي يقوم عليها المجتمع ليصل في آخر المطاف إلى تحطيم البديهيات التي تقوم عليها الدولة ويستند إليها نظامُها السياسي.
هذا النوع من التهديد الذي يتعلق بالجوانب السلوكية ـ النفسية للأفراد والجماعات والذي يسمّيه "غودان" بـ"صراع النفوذ للسيطرة على نفسيات الناس"، ويتوقع له أن يحدث ما بين سنتي 2020 و2060، هو الذي سيتحكم في مسار المجتمع والدولة مستقبلا، وهو الذي سيكون العامل المسرِّع للتهديد المركزي الذي سيطال بنية الدولة في عمقها، وليست المسائل الاقتصادية أو الاجتماعية والأمنية التقليدية كما قد يبدو لنا للوهلة الأولى.
لنلاحظ اليوم التبدل الحاصل في أمزجة الجزائريين جراء خيارات سياسية غالبا ما تكون غير عقلانية، لنرى كيف يتم تهيئة عقولنا لتصبح مستعدة لقبول التأثيرات القادمة في الوقت المحدد، من خلال سياسات التعليم والإعلام والسكن والشغل وما إلى ذلك:
1ـ عندما يتم في مستوى معين إشعار الناس بأنهم سيحصلون على سكن خلال سنتين من الآن ويصدّقون ذلك، رغم وجود من سبقهم بـ14 سنة كاملة دون أن يتحقق الوعد الذي قُطع لهم، تكون عملية التلاعب بأحاسيس كل منهم وعقله ومنطقه السليم قد بدأت، ويكون قد خطا الخطوة الأولى نحو الاستعداد لقبول اللامعقول والدخول في عالم اللاّمحسوب، الاعتباطي والقابل للخضوع لكافة الاحتمالات، حيث يعترف ضمنيا أنه كما يمكن له أن يحصل على سكن خلال سنتين يمكنه أن يكرر ذات التجربة التي عرفها مَن سبقوه، وبذلك يدخل شعوريا أو لاشعوريا ضمن لعبة التلاعب بالعواطف والآمال والطموحات والعقول كغيره.
وفي نفس السياق، عندما تتم محاولة إقناع الناس بأن اللغتين العربية والأمازيغية هما اللغتان الوطنيتان في البلاد، في الوقت الذي يعلم جميعهم أن اللغة الفعلية لتسيير دواليب الدولة إنما هي الفرنسية، وأن وزيرة التربية المسؤولة الأولى على تدريس ملايين التلاميذ باللغتين الوطنيتين، لا تفكر بأي منهما، بل تفكر أولا باللغة الفرنسية وتتكلم لضرورات المنصب فقط باللغة العربية، ولا نتصور أنها ستتكلم يوما بالأمازيغية، ما يحدث ارتباكا لدى هؤلاء الناس جميعا بشأن حقيقة ما في الدستور وحقيقة السياسات العامة المتبعة في مجال تدريس اللغات.
وإذا أردنا أن نضرب مثلاً من مستوى ثالث، فلا نجد أفضل من ذلك الإرباك الذي يحدثه الطاعنون في السن في عقول الشباب وهم يتحدثون ويرددون باستمرار أهمية وحيوية دور هذه الفئة في المجتمع، غير متنكرين لكونها تفوق نسبة 75 بالمائة منه، في الوقت الذي يصرّون على البقاء في مستويات القيادة رغم عدم قدرتهم حتى على أداء وظائفهم الحيوية. أليس في ذلك مدعاة للدخول في حالة إحباط نفسي يهيئ المناخ لبروز حالة مساعدة على تهيئة العقول للتلاعب بها بهذه الطريقة أو تلك؟
وعلى صعيد السياسات الكلية يبرز أمامنا مثال الوحدة الوطنية بوضوح فنحن نتحدث بمناسبة وبغير مناسبة عن ضرورة تعزيزها وأنها الخط الأحمر الذي ينبغي ألا نتجاوزه، في الوقت الذي نعجز فيه عن التعاطي مع مطالب لها علاقة بالتميز اللغوي وأحيانا المذهبي والعرقي هنا وهناك...
وقس على ذلك ما شئت من المواضيع والقطاعات، وستجد أن سمة التناقض الصارخ الذي يجعل العقول تتوقف عن التفكير هي الغالبة: بلد بترولي يستورد البنزين، وبلد يتحدث فيه المسؤولون عن الاهتمام المتزايد بقطاع الصحة يعالجون أنفسهم وأبناءهم في الخارج، وبلد مساحته هي الأكبر في القارة يعاني سكانه من ضيق المساكن وتبلغ قيمة المتر المربع الصالحة للبناء به أسعارا قياسية في العالم، والبلد الأكثر تنوعا في المناخات، والأكثر دعما للقطاع الفلاحي بالأموال يستورد الحبوب واللحوم وحتى الخضر والفواكه... والأمثلة لا تحصى...
كل هذه العناصر التي يُناقض بعضها بعضاً إنما لها تأثيرها المباشر على إدراك الناس لحقيقة وجودهم. هل لديهم هوية وثقافة ولغة أو لغات؟ هل لديهم سياسات اقتصادية واجتماعية؟ هل لديهم سياسة تربوية متماسكة؟ هل لديهم دولة؟ وغيرها من الأسئلة الجوهرية التي تترك الناس غير قادرين على التفكير أو الاستنتاج. ماذا يعني ذلك؟
يعني أننا نعيش بوضوح مرحلة، كل شيء فيها يُهَيّئ لقبول اللامعقول، واللامحسوب، وغير المنطقي، مرحلة من التفتت والتشتت تصل أحيانا إلى حدّ التناقض العقلي الصارخ، تهيّئ الشروط الموضوعية لتقدم بديل السيطرة الجديد، إذا لم نقل بديل التلاعب بالعقول أساس كل التلاعيات وأساس السياسات القادمة تجاهنا في مرحلة ما بعد الإرهاب.
ألسنا الآن نمر بمرحلة كل شيء فيها محلّ سؤال، ومحل حيرة، وعجز عن الفهم؟
ما العمل في هذه الحالة، وقد بدأنا ندرك المصير الذي ينتظرنا كمجتمع وكدولة؟
يبدو لي أنه علينا أن نستبق التغييرات القادمة بسياسات ملائمة من الآن، وخاصة على صعيد الاتصال، مفتاح التوازن العقلي والذهني للشعوب. ليس أمامنا سوى حل الإشكاليات الرئيسة المتعلقة بازدواجية الخطاب والفعل على مستوى أكثر من قطاع. أن نطابق الفعل مع القول والنص مع الواقع سواء تعلق الأمر بالجوانب الدينية أو الثقافية أو الاقتصادية أو الاجتماعية المتعلقة بحياة الناس..
ليس هناك بديلٌ عن كسر الثنائيات المختلفة إلى مجالات أكثر تعددا، بينها روابط منطقية متينة. ليس من المقبول أن يبقى الجزائري معلقا في مجال السكن والشغل واللغة والثقافة والدين والخيارات الاقتصادية والسياسية المختلفة، ينبغي تحصينه من أيّ سياسات قادمة تستهدف عقله وفكره ووجدانه، من خلال عمليات استباقية تعيد التوازن لحالته النفسية ولقناعته الفكرية وثبات مواقفه السياسية.. من دون ذلك سيبقى عرضة للاضطرابات، وعرضة لعدم الاستقرار لعقود قادمة من الزمن.. وهي الحالة الوحيدة التي تُبقي مصالح الغرب مُصانة، وتمنعنا من الانطلاق بوعي للخروج من حالة التردد التي نحن عليها الآن.
إننا لا نريد أن نكون المجتمع والدولة التي تبدأ معها الحروب الجديدة التي تستهدف العقول، كما كُنّا المجتمع والدولة الذي بدأت معه الحالة الإرهابية قبل غيره من بلاد العالم.. لا نريد أن تتكرر معنا تجربة تسعينيات القرن الماضي بصيغة أخرى في عشرينيات القرن الحادي والعشرين. هذه المرة تستهدف عقولنا بعد أن استهدفت في المرة السابقة أجسادنا وممتلكاتنا.
عام العورات
بقلم: منير الخطيب عن السفير الأردنية
لن يجد هذا العام ما يستر به عوراته. في أحوال عادية، كان من المفترض أن يكون لغز سقوط الطائرات الماليزية الثلاث، نجم أغلفة صفحات نهاية السنة. لكن الخبر على إثارته سقط من التبويب. العام 2014 يغلق دفاتره برأس مطأطأ، هو عام «داعش» الذي دخل تاريخ الهمجية من أوسع أبوابه، وأحدث انفصاماً في الهوية العربية ـ الإسلامية، قبل أن يتحوّل خطراً عالمياً يجب استئصاله. لا لأنه ألغى الحدود وسيطر على مساحات شاسعة في بلدين، بل لأنه سكن عقول ملايين المسلمين والعرب وقلوبهم على طول خريطة العالم من لندن إلى باريس وكوبنهاغن، قبل كابول وبيشاور والرياض والموصل والرقة وغيرها.
انفصام الهوية ليس في أن «داعش» بيننا ومنا وفينا، ولا في أسباب الاضطهاد والقهر التي أوصلنا إليها ونمَّاها. المسألة في الكتاب والحديث. ما يفتعله «داعش» وأخواته، يدرس بالتفاصيل، من السبي إلى الذبح وإقامة الحدود، في كتب الدين والتاريخ في مدارسنا ولأطفالنا، من المحيط إلى الخليج. ولا فرق في الكتاب والحديث بين أزهري ووهابي وحنفي وحنبلي. سواسية كلهم، ولا فرق بين إخواني أو نهضوي أو دعوي أو أي صاحب طريقة أخرى.. ولا فرق بين تفسير وتفسير، النص واضح ومحرض على القتل، أما النصوص الداعية للتسامح والحوار فلا صوت لها، ولا طعم ولا رائحة ولا أتباع ينادون بها، ويرفعون راياتها. الإسلام دين ودولة. وهو عندما لا يكون كذلك، فَلِعِلَّةٍ في المسلمين ولعجز تَسَبَّبَ به انحلالُهم وانحرافُهم عن طريق السلف. وما دامت هذه الثنائية باقية، فإنها ستبقى تتحكم بآليات الصراع على السلطة، والنصوص كفيلة بأقصى حالات التوحش، وأبلغ درجات التقية. وسيظل رافعو الرايات السود مطية للأنظمة والدول وأجهزة الاستخبارات، إلى أن يسودوا بالسيف وتخويف الآخرين.
السؤال بعدما انكشفت عوراتُنا الدينية، اي إسلام نريد وهل نحن مستعدون لمعركة فصل الدين عن الدولة أم ننتظر لينفصلا من تلقاء نفسيهما في ما بقي من بقايا دول إن بقيت. لا مجال للحياد اليوم. الزلزال لن يعترف باستثناءات، ولن تغريه مسميات من نوع لن ينهض الا بجناحيه وتعددية وغيرهما. لا إصلاحات الافغاني وعبده أسهمت في تغيير حرف في النص أو التفسير، ولا مراجعات «الاخوان» و «الجماعة» في السجون وفي خارجها بدلت مقولة، ولا مناصحات «الفئات الضالة» والمسرحين من غوانتانامو أصلحت شذوذاً، بل على العكس، خرّجت عناصر أكثر تطرفاً و «دعوشة». الجميع في عين العاصفة، خصوصا لبنان الذي نأى بنفسه عن الحرب السورية، ووزع ابناءه مع «داعش» وضده، ليمارسوا هويات القتل خارج حدود الدولة الوهمية.
وبعد القعر الذي وصلنا إليه، ما الممكن توقعه من العام الجديد؟ الاحتمالات ضئيلة ومؤسفة. والأفضل بينها، بعد استنفاد الحلول الأرضية، الدعاء للعناية الإلهية لعلها تسعفنا وتخلصنا من «داعش» و»دواعش» الفكر والعقل، وتحررنا من إمارات الدين ودوله.


رد مع اقتباس